هشام القيسي : محمد حمزالى ملامح من شعريته

سواء بتفاصيل نسيجه الشعري أو أجزائه تبقى القصيدة لدى محمد حمزالى لوحة تشهر عدتها وما تنطوي عليه من حسية وهواجس ومعاناة تنطلق من دالة لتسكنها دالات عديدة نستشف منها علائق متداخلة ومتقابلة منظورة كانت أو مستترة :

( حينما لا تكونين لا أكون
ولا يكون الليل
كباقي الليالي
هادئا كله سكونْ
ولا ينتظر القمر ساعات
أمام شباك غرفتنا ) قصيدة حينما لا تكونين لا أكون .
فالشاعر هنا في بوحه يشهر نفيا ينتقل من نفي وجودي افتراضي ( حينما لا تكونين لا أكون ..) إلى نفي رومانسي افتراضي ( لا يكون الليل كباقي الليالي ) و ( ولا ينتظر القمر ساعات أمام شباك غرفتنا .. ) (نفس القصيدة).
وهذا الاشهار والعلائق تبررها مشاعر نابضة تثير الدهشة في عالم تتشابك وتتقاطع وتتناغم فيها الأحاسيس .
وفي كل بيت شعري يسعى الشاعر لأن يضيء سواء من ألم غريد يعي كلية معاناته أم من انهمار ذاتي يستنطق مشاعر هي ثروته مثلما هي بواباته ونوافذه التي يطل منها :

( ولا أحد يوقظني
لأتهجّد نافلةً من الليل.
حينما لا تكونين لا أكون
ولا يكون يومي
كباقي الأيام .. ) (نفس القصيدة)

وفي محمولاته الصادقة ، نفسيا ووجدانيا ، المتوارية منها والمكشوفة ترشحات من لهب السنين كمخزونات تتبلور في توصيف حالات وجدانية انفعالية وتلقائية تقارب أخيلته وتتجسد في صور شعرية تعكس قدرة الشاعر في التعبير العميق :

( فلا شمسٌ تبعث من خيوطها إلى أحضاني لتثيرك
فتعبث كأصابعك ببياض شعري
وتفترش وسادتي
ولا العصافير تصطف عند النافذة
لتُلقي تحية الصباح
لأمتلئ نشوةً.. انتعاشاً… أملاً
حينما لا تكونين لا أكون..
لا أكون.. لا أكونْ.) (نفسها)

وفي رباعياته كمنظومة شعرية متشكلة من وحدات لها خصائصها وموسيقيتها وبالتالي حدتها الايقاعية ، نشعر بتجربة إنسانية أضحت محطاتها نوافذ حية في التأمل والتفاعل مثلما نشعر بالتوافقية كما هي الحال بين الرباعيات ناهيك عن توصيفاته التي يركن من خلالها الشاعر إلى كنه القصدية المعبرعنها بصور وآفاق جميلة وحارة . خذ مثلا :

( اذكريني كلما هزّ نسيمٌ غصن بانْ
اذكريني كلما أحسستِ بالأمانْ
لا تذكري حبي لكِ كيف كان
كان نهراً من حنان في العروقْ
و
اذكريني كلما تشرق الشمس في الصباح
اذكريني كلما طيف في الأفق لاحْ
لا تذكري، إنسي المآسي والجراحْ
جراح الودِّ ذِكرٌ من ماضٍ سحيقْ … ) قصيدة اذكريني

يأخذ الارتباط بالمكان لدى الشاعر حيزا يفضي إلى دلالات متوائمة في النص المتفاعل والذي يعكس فضاء حسيا لا بعدا هندسيا محددا ففي تكيفه مع المكان كدالة مخاطبة ومخاطبة تأخذ نوافذ الاستنطاق فيه عبر رؤية الشاعر مديات للكشف واستكناه عناصرها الداخلية ، من هنا نجد أن المنجز الشعري يعكس بالضرورة وفق سياقات إرسالية طبيعة الإنفعالات ومستوياتها الفنية والموضوعية :

( كان ليلاً حالك السواد
مِلءَ الآفاق
مع غمٍ قضى فينا سُباتاً
طول دَهرٍ ما أفاقْ
كان إحتلالاً مثل هذا..
إحتلالاً من بيننا .. ) قصيدة أنين مع البصرة

والمقاربات هي إفصاح عن منحى نفسي وشعوري في الذات الشاعرة عاكس لدلالات يفر إليها الشاعر في إقتفاء الآثار التي تتداعى عبرها الأفكار والعناصر المتداخلة معها في سياقات إنفتاحها وحركاتها ودلالاتها :

( كركوك مثلكِ
جنىّ عليها خيرها
هو لغيرِها.. ولازال
منذُ ان أضعنا الوِفاق
منذ ان نسينا الحب
وكرِهنا العِناقْ
في كل يوم على أديمها
عراقيةٌ تُسبى وأبٌ يُهان.. ) كــــــــــــــــذا

في لغة التخاطب اليومي مستويات مختلفة تفاعل وتعاطى معها الشاعر عبر هواجسه وعبر لغة شعرية وشكل أجاد في إشهار التراكيب والدلالات بشفافية تجعلنا معها نرنو إلى تأملاتنا العاطفية ومصداقية النفس الإنسانية وفق مفردات تشير إلى دالات امرأة ، حب ،عفاريت ،مكابرة ، سلطان .. :

( أيُّ امرأة
أيُّ امرأة تكون بهذا الحب
أي امرأة تمطُّ الليل بأدمعها
وعفاريت السقم تصفعها
تُفزعها.. تؤذيها
وتكابرُ على العطاءِ في زمنٍ
العِهرُ فيه هو السلطانْ.. أمي!! ) . قصيدة ترجي المحال .

محمد حمزالي شعرية تستنطق همومه وهمومنا بدلالات النفس والهواجس والزمن عبر صور ومقاربات ودالات هي نبض حي شاهر يقبل بنقاء وعذوبة .

 

 

 

 

شاهد أيضاً

عباس خلف علي: لعبة الاستعارات وأوهام الكتابة

يستعير ايكو الغابة ليتأمل النص السردي وقضايا بنائه وتلقيه و تأويله ، فهو لا يريد …

روايات مترجمة: (4) صاحب الفخامة الديناصور
(من الأدب البرتغالي) خوزيه كاردوسو بيريس
ترجمة: فاضل العزاوي
قراءة: ناطق خلوصي

يتوغل الروائي البرتغالي “خوزيه كاردوسو بيريس ” في عمق الماضي البعيد ويخرج بنسخة من الكائن …

ثامر الحاج امين: تداخل السِيَر في رواية (رُقم الغياب)

ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق صدر مؤخراً رواية ( رُقم الغياب ) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *