هدية حسين : لماذا يطلقون الرصاص على الأقمار الساطعة؟ في ذكرى اغتيال فيدريكو لوركا، التاسع عشر من آب 1936

لماذا يطلقون الرصاص على الأقمار الساطعة؟
في ذكرى اغتيال فيدريكو لوركا، التاسع عشر من آب 1936
هدية حسين

تأتي إليّ في الليالي الموحشات، أنا المسكونة بقصائدك منذ زمن بعيد، منذ تفتحت براعم الياسمين على جسدي وشممت رائحة طلع النخيل، منذ حلمت برجل يشبهك حين تعذر اللقاء المستحيل بك، متمنية أن يلقي على مسامعي قصائد حب تشبه تلك القصائد الخارجة من كهوف الغجر.. أدرك بيقين واضح لا لبس فيه أن كل شيء انتهى، لم تعد غرناطة كما كانت، لم يعد بيتك على حاله، مثلما أدرك أيضاً أن بيتي في بغداد قد شاخ واضمحل وفقد ملامحه، لا الشوارع ولا المقاهي ولا المساجد ولا الكنائس ولا القناطر ولا السفوح ولا القمر المتلألىء في ليل غرناطة الصافي وليل بغداد المضطرب، لكنني أجمح بخيالي فأدير قرص الشمس وأحسبه عجلة الزمن.
أدوّر العجلة الى الوراء، وأعيد رصف البيوت، وأرفع سقوف المقاهي وأسمع أغنيات الغجر، تلك التي اندثرت أو تكاد، أشاهد اخضرار الحدائق وألق ورودها العابقة في المنحنيات، وأراك بعينيك الواسعتين العميقتين، تنظر الى كل ما تركته خطواتك على الدروب ليصبح كل ما تقع عليه عيناك ضاجاً بالحياة بعد أن أصابته الخدوش واستقرت فيه الندوب.
كذلك أفعل مع بغداد، وأراني الطفلة التي تحمل حقيبتها الثقيلة وتمضي الى المدرسة مشياً على الأقدام، والصبية الضاجة بأغاني الحب حين تقف في المنعطفات تنتظر حبيبها ذاك الذي ضيعته الدروب، أعيد النهارات الى ألقها، والليالي الى سمرها، والقصائد الى شعرائها الغاوين، وطعم القبلة الأولى التي ضلت طريقها الى الشفاه الظمأى، والحنين الى الحنايا، والصداقات الى عذوبتها، ونكهة الطعام وهي تخرج من مطابخنا الى بيوت الجيران.
ولأنني أدرت قرص الشمس وظننته عجلة الزمن، فها نحن نمضي معاً محاذاة نهر(شينيل) الذي تأتي مياهه من جبال الثلج، ويُخيل لي أننا نمشي محاذاة دجلة الذي تأتي مياهه من جبال الثلج أيضاً، أحس بملامسة النسيم الرطب على وجهي عندما تحدثني عن غرناطة وعن طفولتك وصباك البهي، وعن كثير من قصص العشاق وفرسان ذلك الزمان، تحكي بحب وبشاعرية فأنأى عن حكاياتي المحزنة لئلا تخترق قلبك سهام الحزن، قلبك الذي مايزال ينبض في الذكريات، وأخالني البنت الرابعة في قصيدتك التي تقول فيها:
” غرناطة..
حيث تعيش بنات المانولا
البنات الثلاث اللاتي يذهبن الى الحمراء
الثلاث سويةً… الرابعة وحدها”

وأخالني”وفيقة” في قصائد السياب، تلك التي تطل من شباكها الأزرق النشوان.
” شباك يضحك في الألقِ
أم باب يُفتح في السورِ
فتفرّ بأجنحة العبقِ
روح تتلهف في النورِ”
وحدي أجمع في مخيلتي كل ما فقدته في بغداد، وأعيد له رونق الحياة، أمشي في شارع الرشيد وأدخل متاجره ومطاعمه، وأحجز لي مقعداً في سينما النصر لأشاهد فيلم “بعيداً عن الأرض” بانتظار الرجل الذي أحببته ليحلق بي الى سماوات الحب بعيداً عن الفراق.. ويأخذني قرص الشمس الدوار إليك، والى غرناطة التي ما غادرني سحر دروبها مُذ رأيتها، فأراني معك نمشي تحت القلاع التي فقدت فرسانها، فوق الأبراج العالية، أو فوق الجسور، قرب نهر “دارو” الذي ينساب على أعتاب قصر الحمراء، أو على ضفاف نهر دجلة الذي يقسم قلب بغداد الى نصفين، ليس من ضير أن ذاكرتي تنقل الأنهار وتغير مجراها، هناك في بلدي حيث تتنفس ذكرياتي بصعوبة، وهناك عبر البحار، في قلب غرناطة تتنفس بقايا قصائدك، حيث السهول والتلال والينابيع والكهوف والشرفات المزدانة بالأزهار، وحيث أراك حائراً وباحثاً عن إجابات لسؤال مرت عليه عشرات السنين ” من اليد التي أطلقت الرصاص على رأسي وثقبت قلبي؟” وأنا في الوقت نفسه أتساءل كل يوم وكل ليلة: من تراها اليد الخفية التي أحرقت مدينتي بغداد؟
يا لها من مخيلة جامحة أن أحس بدفء أصابعك تنسل الى أصابع يدي الباردتين، تأخذني الى مدينة الكرمات، نجلس على ربوة خضراء فتسمعني قصائدك، وأرى الأرواح الهائمة في ساحات المدينة وشوارعها المضيئة وزواياها المعتمة، تلك الأرواح التي كنت تؤمن بوجودها وتراها، في حين ينكرها الآخرون.
في أول زيارة لي إلى غرناطة، أخذني الدليل، وحدثني كثيراً عنك، غير مكترث بشرودي، وغير مدرك أنك دليلي، وأنه ليس أكثر من أصابع تشير هنا وهناك، متوهماً أنني أنصت إليه باهتمام بالغ، بينما أنا أمضي حيث تشير لي يدك، أمضي تحت شمس حارقة، مستذكرة شمس بلادي، ولكي لا يوغل الدليل بأوهامه ويحتكر الكلام لنفسه كنتُ أقاطعه أحياناً، وأسأله عن أماكن قرأت عنها، وحكايات عنك سمعتها، فيشعر أنه رجل مهم وذو مكانة عالية تمنحه حق توجيه خطواتي، فيأخذني الى حدائق الحمراء، ويحكي لي تاريخ أجدادي المهزومين، وبينما هو يحكي عن الهزائم أحس بأنفاسي تضيق، وأراني أركض في ليل لا نهاية لظلامه، والقنابل تطرز ليل مدينتي، فأحاول بصعوبة استنشاق الهواء، هل ماتزال بغداد تتنفس الأوكسجين؟ أم أن غبار الصحراء، ذاك الأحمر الذي يعمي العيون، التصق بحنجرتها وحبس عنها الهواء؟
الليل ليل هنا أو هناك، بلا عيون، أو بعيون مفتوحة، سوى أن للذكريات ما تشاء من جعله كثيف الظلمة أو متوهجاً مثل تنور أمي، أو مراوغاً مثل لص يحسب وقع أنفاسه قبل وقع خطواته لكي لا يُفتضح أمره.. وما دام الليل متوهجاً بذكرياتي فها أنا أتجوّل في حدائقه، وأستدعيك من الشواطىء الفيروزية، لكي أشاركك التساؤل: لماذا يطلقون الرصاص على الأقمار الساطعة بنور الحقيقة؟
عزاؤنا أنهم (القتلة) يموتون بلا أسماء، ولا مزايا، ولا نياشين، ولا حكايا، ولا يعرفهم أحد بغير كلمة القتلة.. وأقمارنا تبقى سرمدية، تنير لنا دروب الحياة، ولا شك أن فيدريكو لوركا يدرك من مكانه القصي الذي راح إليه قبل عشرات السنين، كم لوركا من بعده قُتل بالطريقة نفسها ولم يمت.

 

 

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: حامد عبدالحسين حميدي…. فاعلية النقد.

*سمعت، ذات محاضرة لاستاذ هجر كتابة القصة القصيرة، التي كان مغرماً بها الى حد، لم …

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

توظيف التراث في رواية (قرد من مراكش ) للروائي مصطفى القرنة
بقلم الناقد/ محمد رمضان الجبور/ الأردن

استطاع الروائي مصطفى القرنة أن يجعل لنفسه لوناً يميزه عن الأخرين فكتب العديد من الروايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *