كريم القاسم : (التَّخلُّص والإقتِضاب) سلسلة صناعة الكتابة (الحلقة الثامنة)

التخلّص /
ـــــــــــــــــــ
ونعني بالتخلص هو الخروج من كلامٍ الى كلامٍ آخربطريقةٍ تُلائم بين السابق واللاحق ، بحيث ينتقل الكاتب من مطلع وابتداء النص او القصيدة الى الغرض والمراد ، ببراعة وعدم تكلّف ، ومن غير انقطاع محسوس .
فالمؤلف البارع هو الذي يأخذ معنى من المعاني ثم ينتقل الى معنى آخر، بحيث يكون المعنى الاول سببا للمعنى الثاني ، مما يجعل المتلقي يتحسس بأن العبارات بعضها آخذة برقاب بعض من غير انقطاع في الكلام ، حتى وصفه أرباب الصنعة (كأنه أُفرِغَ إفراغاً واحداً) والكاتب الذي يستطيع ان يأتي بهذا السبك سيكون مِمَّن يمتلك القوة في التصرف والتأليف .
• كقول المتنبي :
عَوَاذِلُ ذاتِ الخَالِ فيّ حَوَاسِدُ … وَإنّ ضَجيعَ الخَوْدِ منّي لمَاجِدُ
يَرُدُّ يَداً عَنْ ثَوْبِهَا وَهْوَ قَادِرٌ … وَيَعصي الهَوَى في طَيفِها وَهوَ راقِدُ
متى يَشتفي من لاعجِ الشّوْقِ في الحشا … مُحِبٌّ لها في قُرْبِه مُتَبَاعِدُ
ــ الى ان يقول :
أُحِبّكَ يا شَمس الزّمانِ وبَدْرَهُ … وَإنْ لامَني فيكَ السُّهَى والفَراقِدُ
وَذاكَ لأنّ الفَضْلَ عندَكَ بَاهِرٌ … وَلَيسَ لأنّ العَيشَ عندَكَ بارِدُ
فإنّ قَليلَ الحُبّ بالعَقْلِ صالِحٌ … وَإنّ كَثيرَ الحُبّ بالجَهْلِ فاسِدُ
وهو احسن من أتى بالتخلّص ، فقد جاء الكلام في قصيدته وكأنه أُفرِغَ افراغاً تماماً من مدحٍ الى مدحِ الممدوحِ دون (اقتضاب) .
ــ والتخلص الحسن هو أن ينتقل الشاعر مما افتتح كلامه به من الهجاء او الفخر او الشكاية او المدح او غير ذلك الى القصد والمرام مع رعاية المناسبة بين الكلام المُنتقل منه وهو (افتتاح القصيدة) والمنتقل اليه وهو (المقصود) .
• كقول الشاعر :
دَعَت النَّوَى بفُرَاقِهِم فتَشَتَّـتـُوا ….. وقَضَى الزمانُ بينَهم فَـتـَبَدَّدُوا
دَهْرٌ ذميمُ الحالتينِ فما بهِ ….. شيءٌ سِوَى جُودِ ابنِ أَرْتَقَ يُحْمَدُ
فقد انتقل الشاعر من ذم الدهر حيث لاشيء فيه محمود ، الى الممدوح حيث ان جوده محموداً ، مع وجود المناسبة الواضحة في الانتقال السلس وبيان حسن التخلّص .
• ولنقرأ الآن قول المتنبي :
خَليلَيّ مالي لا أرَى غيرَ شاعِرٍ … فَكمْ منهُمُ الدّعوَى ومني القَصائِدُ
فَلا تَعْجَبَا ، إنّ السّيُوفَ كَثيرَةٌ … وَلكِنّ سَيفَ الدّوْلَةِ اليَوْمَ واحِدُ
فنرى ان المتنبي قد انتقل من التشبيب والغزل الى الهدف المقصود وهو مدح سيف الدولة باسلوب سلس غير متكلف ولا نشاز .
ــ وعلى المؤلف أن يتأنق في التخلّص ، فعندما يخلص الناظم من ابتداء القصيدة الى المعنى الذي يريده ويصبو اليه ، عليه ان يُحسِن اختيار اللفظ المتناسق والمناسب للمعنى .
• كقول الشاعر زهير بن ابي سُلمى :
فأستبدلتْ بَعدَنا داراً يمانيةً …. تَرعى الخريفَ فأدنى دارها ظَلِمُ
إن البخيل ملوم حيث كان …. ولكن الجواد على علاتهِ هَرِمُ
هو الجواد الذي يعطيك نائله …. عظما ويغنم أحيانا فينظلم
وإذ أتاه قليل يوم مسألة ….. يقول لا غائب مالي ولا حرم
هنا تخلَّص زهير بن ابي سلمى من الغزل والتشبيب الذي كان فيه إلى مدحِ الممدوحِ بأسلوبٍ فَطِنٍ جميلٍ وعجيبٍ بعد أن ذكرَ ظلم هذه له ، قال :
إن البخيل ملوم حيث كان …. ولكن الجواد على علاته هرم
• ومثل هذا قول أبي الطيب المتنبي :
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي …. وللحب ما لم يبق مني وما بقي
وما كنت ممن يدخل العشق قلبه …. ولكن من يبصر جفونك يعشق
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه … وفي الهجر والدهر يرجو ويتقي
إلى أن قال:
نودعهم والبين فينا كأنه ….. قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق
هنا جاء المتنبي بتخلّصٍ حسن ، حيث قال (نودعهم) ويقصد الأحباب ، ثم ( والبين فينا) أي بينهم وبعدهم ، ثم قال (قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق) ويقصد سهام سيف الدولة في وسط الجيش والكتائب العظيمة والكبيرة . ومن يقرأ هذا يتحسس السلاسة الرائعة في التخلّص الحسن دون وعورة او فواصل او تكلف بالكلام .
• والآن لنتنزه في عالم الشعر لأبي فراس الحمداني ، ولنتأمل حسن التخلّص الذكي البارع في اجمل قصائده ، سأقتطف منها ابيات مختارة لغرض التوضيح :

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ …. أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ
بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ …. ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ
وفيتُ، وفي بعضِ الوفاءِ مذلة ٌ …. لآنسة ٍ في الحي شيمتها الغدرُ
تسائلني منْ أنتَ وهي عليمة ٌ …. وَهَلْ بِفَتى ًمِثْلي عَلى حَالِهِ نُكرُ
فقلتُ كما شاءتْ وشاءَ لها الهوى …. قَتِيلُكِ قالَتْ أيّهُمْ فهُمُ كُثرُ
فقلتُ لها لو شئتِ لمْ تَتعنَتي …. وَلمْ تَسألي عَني وَعِنْدَكِ بي خُبرُ
فقالتْ لقد أزرى بكَ الدهرُ بعدنا …. فقلتُ معاذَ اللهِ بلْ أنت لاِ الدهرُ
فأيقنتُ أنْ لا عزَّ بعدي لعاشقٍ …. وَأنّ يَدِي مِمّا عَلِقْتُ بِهِ صِفْرُ
(وَسَاحِبَة الأذْيالِ نَحوي، لَقِيتُهَا …. فلمْ يلقها جهمُ اللقاءِ، ولا وعرُ )
(وَهَبْتُ لهَا مَا حَازَهُ الجَيشُ كُلَّهُ …. ورحتُ، ولمْ يكشفْ لأثوابها سترُ)
(ولا راحَ يطغيني بأثوابهِ الغنى …. ولا باتَ يثنيني عن الكرمِ الفقرُ )
وما حاجتي بالمالِ أبغي وفورهُ …. إذا لم أفِرْ عِرْضِي فَلا وَفَرَ الوَفْرُ
ـــ نلاحظ ان القصيدة بدأتْ بالغزل من اول بيت حتى وصل الى (وَسَاحِبَة الأذْيالِ نَحوي، لَقِيتُهَا … فلمْ يلقها جهمُ اللقاءِ، ولا وعرُ) حيث سيربط معنى هذا البيت (لقاءه بفتاة تسحب اذيالها متبخترة ولم يكن متجافيا معها) بمعنى آخر في بيت شعري قادم ، لأن الشاعر يحتاج الى حيلة لطيفة (للتخلّص) والتحول الى مقصده وهو الفخر والاعتداد بالنفس ، فنظمَ بيت شعري آخر جعله نقطة الانطلاق في التخلّص فقال: (وَهَبْتُ لهَا مَا حَازَهُ الجَيشُ كُلَّهُ …. ورحتُ ولمْ يكشفْ لأثوابها سترُ) وهنا جاء بمعنى جديد مترابط حيث (وهبها كل ما غنمهُ الجيش من حيّها وارجعها مصونة مستورة ، فهي قد اعتمدتْ على شهامته وكرمه) وهذا المعنى سيكون سبباً للإنتقال الى معنىً آخر ، وهنا حدث (التخلص) ، فنظم بيت آخر بدأ القَصْدُ فيه وهو الفخر ، فقال : (ولا راحَ يطغيني بأثوابهِ الغنى …. ولا باتَ يثنيني عن الكرمِ الفقرُ) حيث كان معنى البيت السابق (سبباً) لمعنى البيت الحالي ، ثم يستمر بمقصده (الفخر) حتى آخر النص ، وهو قد جاء بأجمل وأحسن تخلّص ، وانتقل بسلاسة وبراعة كبيرة ، بحيث لايحس بها المتلقي ، وكأنها أُفرِغَت إفراغا واحدا ، وأعناق ابيات القصيدة آخذة بأعناق بعض .
لله درَّكَ أبافراس الحمداني .

الإقتِضاب /
ــــــــــــــــــــــ
الاقتضاب هو عكس التخلّص ، حيث يستطيع الكاتب أن يقطع كلامه ويأتي بكلام مختلف آخر ، وهو مذهب العرب في الكلام ومن يليهم من المخضرمين . فللشاعر الحق ان ينتقل من كلام الى كلام آخر لاينتمى الى نفس الغرض والمراد فيما قبله . أي لاعلاقة للكلام الاول بالثاني ، كالخروج من الغزل الى المديح أو من الغزل الى الفخر ، ومن لايستطيع ذلك فلا يكره نفسه على الفعل . انما ينبغي أن يأتي بالاقتضاب او التلخيص بما يراه مناسباً . وهذا الامر ليس بالسهل اليسير بل يحتاج الى دراية ورعاية وخبرة.
• كقول ابي نؤاس وهو يمدح الامين ابن الرشيد :
فاسقني كأساً على عَذَلٍ … كرهَتْ مسموعهُ أُذني
من كميت اللَّون صافية … خير ما سلسلت في بدني
ما استقرَّت في فؤاد فتى … فدَرَى ما لوعة الحزنِ
مزجت من صوب غادية … حلبته الرِّيح من مزنِ
ــ ثم يقول :
تضحكُ الدُّنيا إلى ملكٍ … قامَ بالآثارِ والسننِ
سنَّ للناسِ الندى فَـنَدَوا … فكأنَّ البخلَ لم يكنِ
وهكذا نرى الشاعر قد انتقل من الغزل الى مدح الامين دون (تخلص) ومعظم مدائح ابي نؤاس (مقتضبة) هكذا .
ـــ لذلك نرى ان باب التخلص يكون شاقاً على الناظم والشاعر ، وقد يضيق عليه احياناً بسبب قيود الوزن والقافية ، فقد لاتطاوعه الالفاظ احياناً ليأتي التخلص في أحسن وجه . اما الناثر فهو أكثر حرية في المناورة بالكلام بما يلائم المراد والغرض والقصد ، مع الحفاظ على متانة السبك. لذا فان الـ (التخلص) اصعب على الشاعر منه على الناثر . وهو غير ممكن في كل الاحوال ويعتبر من مستصعبات علم البيان . وحتى كبار الشعراء لم يستطع التخلص والانتقال في نظمه للقصيد . ومعظم الشعراء الاوائل تأتي اشعارهم وهي ممتلئة بالاقتضاب ، اما التخلص في شعرهم فهو نادر جداً .

………………………………………

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبدالله نوري الياس : (ذاكرة الطين) .

فصل في ترتيب الخلق  خلق على معلقة الارض ذاكرة تملأ الطوفان  بالعشب والمياه  الغبشة تبحث …

| فهيم عيسى السليم : لسان العراق-اللغة العراقية المحكية لغة الشاعرة فدعة – الحلقة الثامنة عشرة.

  أضفت هذا المبحث في هذا الكتاب كونه واحداً من المصادر القليلة المتوفرة عن اللغة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *