تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :
قيمة المفكر تكمن أحياناً في إشكالية أفكاره. والمفكر “هادي العلوي” من هذا الطراز. فقد جاءت أفكاره (وعبر أكثر من 20 كتاباً وثلاثة معاجم لغوية) صادمة وإشكالية عرّضته للكثير من التُهم الظالمة و “المُحقّة”. هذا الزاهد الذي كان يكرّر وصيّة الحياة الشريفة للمثقف العربي خصوصا “لا تملك شيئا ولن يملككَ شيء أبدا …تلك هي الحرية”. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء ملفها عنه بالمقالات والصور والوثائق. 
المقالة : 
مأزق المثقف العضوي أمام الزاهد العضوي (1 ـ 6)
إشبيليا الجبوري
ترجمة عن الايطالية أكد الجبوري 
من روما ـ خاص إلى (موقغ الناقد العراقي)
أعتمدنا مصطلح (المثقف العضوي)؛ على ما كتبه المفكر والقيادي الشيوعي الايطالي غرامشي عند عضوية مثقفة ومشقة نضاله، اما بالنسبة إلى مصطلح (الزاهد العضوي)، متمثلا بالاشارة إلى المفكر العراقي (هادي العلوي) وعن محنة زاهده المثقف عند الممارسة. 
اما بعد؛بين كل منهما فيه تأثير الظروف المحيطة ـ وما نجم عنهما من آثارـ في احداث انحرافات عن الطريق المعتاد لطبيعة المثقف ودوره، كما وظفتها الادبيات اليسارية في مبادئ الفلسفة الماركسية، التي اثبت فيه فساد (الثورة البولشفية ١٩١٧)، انحراف تطبيقها، رؤية المثقف في طبيعة تلك الكوارث السياسية، والتي أعتمدها المثقف، مكابدة، حيال تجاربه. حيث دفعت، يقوم، كل منهما؛ بالتجارب العديدة، رحلات مضنية، سجلت المشاهدات الدقيقة عن أحوال المثقف وصلاته، في مختلف المناطق والمواقف، وما غلبت عليها نتاج تغيراته. ما أدى باخذ الثاني عن الاول؛ بفكرة التحول ـ الضرورة ـ وهي فكرة قديمة، لكن بقدر فعل قدمها، إلا أنها أخذت أرهاصاتها عند غرامشي، التحول البطيء في تصنيف أنواع المثقف، عن أحواله في المناطق وصلاته “داخل المنظومة” وخارجها، ما توصلا إليه، قائمون؛ بأستثاء المثقف العضوي لدى غرامشي انتجه.
 ما حدا للعلوي من إيجاد نوع مهذب من المثقفين، هو الزاهد العضوي؛ الممارس الأصيل، بما يقوم به من يهتم ويعتني بالمثقف الأتي، وذلك الاقرب على واقعه التطبيقي، وما رسمه غرامشي بعضوية نضاله على مدى ما يتطلب تثويره لمدى الأحقاب المتطاولة من الزمن الحالي والقادم، في تحسين ألية تفعيل دور المثقف، وأنشطته الحاسمة، داخل المجتمع “التنظيمي العضوي” المركزي، والكلي في المجتمع وما يعم لأنتاجه الهامش. 
ثم طبق غرامشي ما ذهب إليه بليخانوف في نقد التاريخية والياتها الثقافية، من أن وسائل البقاء تتناقض كلما تزايدت أهمية حيوية المثقف، أن المثقف يتنازع البقاء بعضه بعضا، فيحدث عن ذلك أنتخاب طبيعي، تكون الغلبة فيه للمثقف، المزود بأفكار وأعضاء تجعله أقدر على البقاء. 
وها هنا، قد نلمس ـ مسحة المثقف العضوي الدارويني ـ أو، ” داروينية المثقف في التطور والارتقاء” على البقاء. وفي الاحوال القصوى تنشأ أنواع جديدة، عندها وسائل، تجعلها أقدر على التكيف، وهنا، ما استعاره داروين تعبيرا أستعمله (هـ. اسبنسر في سنة ١٨٥٢) وهو “البقاء الأقدر على التكيف” survival of the fittiest) فجعله الشاطيء الامن والمكمل لنظريته في “صراع البقاء وبقاء الاقدر على التكيف”. وهكذا أقام غرامشي تصوره لتحسن وتطور دور فاعلية المثقف على أنموذجين؛ أمكان تغير المثقف، أنواعه؛ عن طريق التصنيف المستأنس، أو بواسطة العوامل التي تحدد دوره الطبيعي الفعال داخل المنظومة التنظيمية اليسارية (بنيتها الداخلية)، ثم تنتقل تنازع البقاء وبقاء الأقدر على التكيف لعضويته.
أنصرف هادي العلوي إلى الدراسات والابحاث إلى الشرق تراثيا، وتجربة انتقاله إلى الصين. بيد أنه يواصل أبحاثة يراقب، وسجل ما اتمه من ملاحظات، وأستخرج ما يتمها، بعد رحلة مضنية على تراث الشرق، ساحل التراث الاسلامي، فيها شواطيء زهديته أتيان وذهاب بها  تماسك فلسفة الشرق وثورته التراثية الثقافية، مبينة يوميات أبحاث في التاريخ الطبيعي للمثقف ومنجزاته للحضارة، التي زارها على متن اتصال وتماسك التراث بطبيعة صناع الثورات بالتاريخ. وبعد عودته من هذه الرحلة البحثية، أقام في حدود، حيث زهد، ومنها واصل أبحاثه في المثقف حتى وفاته، وفيها كتب مؤلفاته المشهورة.
ومن هذا العرض يتبين أن العلوي هادي، لاحظ، أن غرامشي لم يكن هو من مبتكرا نظرية تطور المثقف لعضويته، إنما هو تلقاها من بليخانوف، مثلما تلقى داروين من لامارك من الناحية البايولوجية، ومن هربرت أسبنسر من ناحية تحديد قانون التطور، التي اول من أستخدم لفظ تطور Evolution، هو اسبنسر في سنة ١٨٥٤ في كتابه Gensesis of science. عموما، لكن العلوي هادي، ليس بمنأى، حال الباحثيين في تطور مشاريع ابحاثهم، تخصيب ثمرات مفيدة، نافعة أصيلة، جمع في توليفات هذه الأفكار المختلفة في نظرة موحدة، سندها بمشاهدات على الواقع أثناء حياته وعن مغامرته البحثية. إذ لاحظ الروابط العضوية بين المثقفين الحالية والثقافة البائدة في تجارب الثورات التي انهارت، وخصائص حصيلة الأيديولجيا المغلقة، كما لاحظ تصانيف فلسفية هابطة عن توزيع دور المثقف ونشاطه، لأحياء مفاهيم عن تراكيب معينة مختلفة عنه منها، لما تشكل ردود أفعال ضارة بقدر أنتفاعها منه في عضويته. فأنتهى به التفكير إلى اثبات علاقات نسب بين طبيعة تنوع الطبقات في المجتمع بعضها بعضا، في عضوية مثقفها زاهدا، وان ترتبط كل نوع منها مثقفا زاهدا قائما بذاته ممارسا، قنوعا، تلبية للحاجات الاساسية، التي يتطلب تقديمها للمجتمع بعضويته، بل كما أنحدر بعضها من بعض تحت تأثير عوامل البيئة المحيطة، فإنها تنحدر ثقافته زاهدة بعضها من بعض عن طريق التطور أو التحول ـ ديالكتيكيا ـ وتتألق في تطور زاهدية عضويته.
ثم جاء في خصوبة كتاباته، تعمق في النظرية نفسها، واستخرج نتائجها فيما يتعلق بالحياة العامة والاخلاقية الدينية والماركسية. فأستجلت آراءه أن ملكات الإنسان العقلية وغرائزه وتصوراته الأخلاقية والدينية والماركسية ثقافيا، هي بحاجة إلى تغيرات عضوية مفيدة، تنتقل وتترسخ في النوع الإنساني بواسطة زاهديته الذاتية. وهذه الآراء تلقفها بعض المثقفون العضويون العاملون، وصاغوها في عبارات مثيرة هي أن المثقف العضوي ينحدر من زاهديته، [ولا نستثني أنفسنا منها].اما البعض الآخر من حاول التقليل من نظرته الفكرية التجريبية، ووصفها عن بعد، بأنها فاقدة الاهمية وأصلها مخالفة قواعد العمل التنظيمي السياسي، وهي عبارات مخلخلة “حسب شر عقولهم”، يتفوهون بها ولم يكتبوها في كتب من كتبهم، بل يروجون لها، ومثل هذه العبارات، ولأسباب متفاوتة، أثارت ثائرة المثقف الملق، الديني والماركسي منهم، مدى أفكارهم المغلقة والمتطاولة من الزمان على راية الحق، والايمان الصادق في تحسن مستوى تجسيد الخير للإنسان، والكف من لباس صوت المثقف النهق، وخلع قناعه الجديد بلباسه عضوية المثقف.
وترجع حملة رجال الثقافة وأصحاب النزعة الروحية لعضويتهم، إلى ما قرره العلوي من الروح العضوية للمثقف والملكات العقلية للايدبويوجيا بقيمها العليا ما هي إلا أدوات زهد للبقاء بعضويته، وأن التزم الماركسية والدينية والأخلاقية، هي بدورها وسائل عضوية، للمحافظة على الزهد في البقاء، في تنازع الوجود والحياة، وقيمتها هي في منفعتها لهذا الغرض تنمو تتثقف وتتطور، وليس لها حقيقة في ذاتها مغلقة. 

المترجمة د. أكد الجبوري

وهذه النزعة “العلمية” في تفسير الزاهد العضوي، قامت على أسس الظواهر العقلية، تتجلى في الممارسة، وايضا تجلت في كتاباته عند التعبير عن الانفعالات في دور الإنسان، وأهمية الزاهد العضوي بممارسته، إذ يعرض فيه اسلوب قائما على أسس ممارسة عضوية خالصة لزهدية مثقفه.
وقد يجب من يعتقد على من أتهموه بغرامشي، لغرم بمثقف عضويته، يمكننا القول ان مثل هذه التذبذبات الطائشة الكبرى، لم تصل أبدا إلى أنكار أهمية غرامشي عند مثقفه العضوي بالمعنى الصحيح لهذا اللفظ، أي أنكار وجوده العضوي. لكنه أعتقد على وجه العموم، وكما أمتد بي البحث عنه، أن الوصف الأدق، حالة “مأزق المثقف العضوي العقلية” اللادرية في تحمل ممارسة مسؤولياته.
وما يمكن القول به، أن العلوي هادي، لا يجهل أن كثيرين سينعتون النتائج التي وصل إليها في كتاباته، بأنها منافية للدين وللماركسية. لكن على من يدعون هذه الدعوى أن يبرهنوا على إن هناك تجني على من يمارس ثقافته بحرص ممارسة صادقة، دون تعالي أكبر في القول على الإنسان، بوصفه نوعا مستقلا، وينحدر من نوع أدنى مرتبة، وفقا لقوانين ترسمها التحولات في الانتخاب الاجتماعي والسياسي ـ منه في القول بأن الزاهد العضوي يتكون ويولد بقوانين الحق والعدالة والمساوة، تتناسل طبيعيتها بمجهود زاهد عضوي فعال وكفوء بممارسته.

 إلى حلقات قادمة:

2. نقد العقل التاريخي لدى المثقف العضوي. 3.  إشكليات المثقف العضوي  أمام الزاهد العضوي. 4.  أبعاد مأزق المثقف العضوي الفلسفي أمام الزاهد العضوي. 5. هشاشة المثقف العضوي وتهافته أمام الزاهد العضوي. 6.  القيمة الفائضة للزاهد العضوي. 

ترجمة عن الايطالية أكد الجبوري

 

 

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “مأزق المثقف العضوي أمام الزاهد العضوي (1 ـ 6)
إشبيليا الجبوري
ترجمة عن الايطالية أكد الجبوري (ملف/8)”

  1. ابراهيم عنان يقول :

    جميل..ما احوجنا الى تذكر المثقف الحقيقي..في زمن المقاولات الفكرية ومثقفي الفضائيات الذي يبعون المشاهدين والقراء كلاما لصالح اية سلطة اعلامية

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"