في ذكرى رحيل المبدع الشهيد “عزيز السيّد جاسم”.. لعنة الافتتان المميت (1)

 حسين سرمك حسن

( ما هو الإنسان حتى تهتم به يا رب؟ )
                                                 ( نشيد الإنشاد )

 ( إن لدى الإنسان رغبة دفينة في الندم تسبق الشر ، بل وتخلقه .. وإن عطر الندم ليقودنا نحو الشر كأنه حنين إلى بلاد أخرى )
                                               ( إميل سيوران )
( لكل إنسان ثلاث شخصيات : تلك التي يعرفها وتلك التي هو عليها وتلك التي يظن بأنها له )
                                           
                                                    ( ألفونس كار )

عندما تنهي قراءة رواية «المفتون»(1) للمبدع العراقي الراحل «عزيز السيّد جاسم» ستجد أنّ ما يقرب من لعنة اسمها «الافتتان» قد استولت على شخوص الرواية جميعاً وليس شخصيها الرئيسيين: «الدكتور هارون» و«الشاب يوسف اليعقوبي» فقط، بل – وهذا ما قد يصدم القارئ – أن هذه اللعنة قد ألقت بظلال ثقيلة نسبياً على موقف الناقد الذي كتب المقدمة النقدية للرواية ولم يثبت اسمه للأسف. فبالنسبة «للدكتور هارون»، طبيب الأمراض النفسية ذي الخمسة والأربعين عاماً، ظهرت بوادر مشاعر الافتتان بـ«مريضه» «يوسف اليعقوبي» منذ الدقائق الأولى للجلسة العلاجية التي استثاره فيها الأخير «أثار انتباه الطبيب ذكاء مريضه.. وجماله المميز.. وجه شفاف، عينان عسليتان تستحمان على أجفان طويلة.. أنف دقيق مرتفع قليلاً لأعلى.. فم صغير بأسنان دقيقة.. وملامح أخرى محسوسة وغير مرئية تترك انطباعاً سريعاً على مزايا فاتنة في الوجه، والشعر الأسود الفاحم المتناثر في خصلات فوضوية تلّمها فتنة خاصة..» (ص13). 
ومع تنامي درجة العلاقة بينه وبين «يوسف» يصل الافتتان حدوداً مرضية رغم كون أكثر مكوناتها مستتـرة، مستترة في أعماق الطبيب نفسه الذي يبدو أنه احترف مهنة الطب النفسي وحاز على شهادة الماجستير فيه بعد عناء طويل ودراسة متفانية جعلها الفقر كفاحاً مثالياً قوّم شخصيته بصورة لا لبس فيها، وهو –إنساناً – «وهذا جزء من افتتان الكاتب بشخوصه – الناقد» كان مزيجاً من العقلانية والخيالية يسير دوماً نحو الحقائق مادية كانت أو مثالية».. (ص11).
أقول؛ يبدو أن اختيار «هارون» لفرع الأمراض النفسية جاء محكوماً بعوامل لاشعورية حدّدتها صراعاته النفسية المكبوتة. ومن قواعد التحليل النفسي أن اختياراتنا المهنية لا تأتي عفواً بل هي تُرسم وفق أغراض عميقة، أهمها السعي لإشباع الدوافع اللائبة، فقد «يختار » الفرد الذي يعاني من حفزات عدوانية سادية ضاغطة أن يكون قائداً عسكرياً، أو ملاكمـاً، أو طبيبـاً جـرّاحاً. وحـين نلاحـق بالتحليل السلوك الشخص والمهني «لهارون» – وخصوصاً علاقته «بيوسف وأمه وحبيبته» – سنمسك بدلائل كثيرة تشير في النهاية إلى أن «هارون» قد «اختار» معالجة الأمراض النفسية كمنفذ لمعالجة نفسه وتطمين صراعاته هو ذاته، وهذا الأمر يحيلنا إلى شرط أساسي طرحه معلم فيينا لممارسة التحليل النفسي خصوصاً والطب النفسي عموماً وهو أن يخضع الطبيب الذي يضطلع بممارسته التحليل النفسي هو نفسه على يد محلل نفسي أكثر خبرة ليدله على نقاط صراعاته ويستكشف آلياته الدفاعية.
إنّ «هارون» لا يعكس حتى صورة الطبيب النفسي الأنموذجبة والتي تتمثل بالدّقة والصبر والمثابرة والتحمل ومحاولة قراءة ما وراء الأعراض الظاهرة التي يشكو منها المريض والغوص الصبور في أعماق الزبون. ولعلّ هذا الأمر يتجلى في «خفّة» تعامله مع معاناة «مريضه» «يوسف» في لقائهما الأول. فحين يسأل «يوسف» أن يتحدث له عن حالته ويقول له الأخير: «إنني كئيب، كئيب جداً».. يأتي ردّ فعل الطبيب غريباً ومستخفاً حيث يقول له: «أنا كئيب جداً».. وهو تعليق لا يمكن أن يصدر عن طبيب نفسي مقتدر فهو يمثل أقسى درجات الإحباط للمريض، ويسيء إلى صورة الطب النفسي الذي لن تعود إليه حاجة فعلية مادام الطبيب نفسه وهـو المختص بالأمراض النفسية يعاني من مرض نفسي وهو المرض نفسه الذي يعاني منه المريض وهو – أي الطبيب – غير قادر على علاجه رغمّ  تخصّصه!! ثم يصل الاستخفاف ذروته من جانب الطبيب حين يقول للمريض: «أقول إن الكآبة حالة نفسية شائعة – إنها ليست مرضاً.. والإنسان قادر على إزاحتها».. (ص12).   
وأسأل نفسي «كمحلل نفسي» من أين تخرّج هذا الطبيب؟؟!! لكنّ هذا الموقف يحصل لدى أكثر الأطباء النفسيين مهارة حين يقتحمون أسوار هذا الفن النبيل وهم مازالوا يرزحون تحت لسعات سياط عقدهم.
وقد أوصلت صراعات «هارون» اللاشعورية الفاعلة العلاقة بين الطبيب والمريض إلى وضع مقلوب حيث اضطلع المريض «يوسف» بالدور القيادي المستكشف في حين أصبح الطبيب في موقع «المقاد.. المدافع»: «هارون الطبيب»: أقول: إن الكآبة حالة نفسية شائعة.. إنها ليست مرضاً.. والإنسان قادر على إزاحتها.. «يوسف» «المريض»: «هل لها أسباب؟».. «هارون: نعم». «يوسف: إذن كيف أطردها؟»..
-«تتخلص من تأثيرها بإرادتك»..
-«الإرادة نفسها مكبلة بالأسباب القديمة والعوارض وبالنتائج التي تتحول إلى أسباب وأسباب متراكمة».. – «أنت ذكي».. «هل تقرأ أو تدرس مثلاً؟»
-«لا.. أقرأ فقط.. ما علاقة القراءة بالكآبة؟»
-«القراءة كآبة..
– لماذا؟»
-«لأنها انفصام عن الواقع بواقع آخر يتصل بعالم ثان هو عالم الكتاب»..
-«دكتور.. جئت للمعالجة.. منتظراً حلاً لآلامي.. والآن.. تدفعني إلى دائرة الرعب…» (ص12 – 13). فإذا كانت الكآبة ليست مرضاً نفسياً – وهذا يخالف عشرات السنين من البحوث والدراسات والمعطيات الراسخة – فلماذا ينتحر الناس بسببها . إن الكآبة التي يعاني منها «هارون» منذ سنوات طويلة تنكر، عبر دفاع نفسي، وتبسّط حدّتها لكي يتم التعايش معها. وفي مفارقة غريبة؛ يصف «هارون» «ليوسف» الذي يكشف له بوضوح ودون لبس أنه مهجور ومنبوذ ولا يدري لماذا لا ينتحر.. وأنه سيّد المنتحرين.. يصف له «المهدئات» في حين أن من مقاتل الطب النفسي التي يحاسب عليها الطبيب هو أن يستخف بأي تهديد أو تحذير يعلنه المريض عن تفكيره في الانتحار، وفي ختام الحوار / الجلسة العلاجيّة يخذل «هارون» دوره الطبي الإنقاذي فيعلن عن دهشته لأن المريض يريد أن يراه ثانية ويأتي التبرير المنطقي من الأخير: «دكتور .. متى أراك؟
– تراني؟
– نعم.. ربما أحتاجك فأنا أعرف أن شفائي صعب».. (ص15).
هكذا تسبق بصيرة المريض بصيرة معالجه الذي نكتشف أنه قد استولت عليه مشاعر متضاربة يعجز هو نفسه – وهو الساحر النفسي الذي بإمكانه فك مغاليق أي عقدة – عن فهم لماذا يعلو ملامح وجه «يوسف» سرور خفيف لا يتناسب مع الكآبة.. وهنا يفلت مظهر من مظاهر افتتان «الكاتب» بشخوصه حيث يقول: «شعر هارون بدافع قوي لأن يزيح ستارة الشباك ويتابع بنظراته الحزينة انصراف الشاب المعذّب.. والتقت النظرات.. كان «يوسف اليعقوبي» واقفاً في الشارع.. يحدق في النافذة.. وافتر ثغره عن ابتسامة، سرعان ما أصبحت ضحكة غامضة..» (ص15 – 16).. ترى من أين تنبثق النظرة الثاقبة التي تستكشف أبعاد «شاعرية» تصرّف المريض المغوي؟.. حين لا يفتتن «المبدع» بشخوصه ستكون النتيجة النهائية للفعل الإبداعي عبارة عن محاكمة عقلية جامدة بمنطقيتها وتفسد متعة الخراب التي تتأسس على غيبوبة المحاكمة العقلية المخدرة بتأثيرات سموم «الفتنة»، هذه السموم التي انتشرت في عروق الإدراك الحاكم تستدرج «هارون» وهي تنسرب من ينـابيع اللاشعور المظلمة أصلاً – إلى موقف تدميري يهز، وبعنف، أسس حصانته النفسيّة التي يتمثل أول ضوابطها في عدم إقامة أي جسر «عاطفي» بين الطبيب النفسي ومريضه – هذا المحذور حطم حياة «جوزيف بروير» أستاذ «فرويد» في علاقته مع مريضته «أنا أو» التي حللاها سوية – ثم كيف يتزوج المحلل النفسي «أوتورانك» الروائية «أناييس نن» وقد أتته باحثة عن العلاج على يديه – لكننا نجد «هارون» – بعد أن كان مستسلماً لإعيائه الدوري الذي ينتابه بعد عدة فحوص للمرضى – يتهيج للإطراء الذي تضمنته كلمات الشكر التي قدّمها له «يوسف» لأنه شفي على يديه بسرعة – فيوافق – وهذا أمر خطير في العلاج التحليلي – على أن يشرب مع مريضه بضعة أقداح من البيرة، وهنا ندخل وبقوّة في مركز دائرة الطرح والطرح المضاد «transference & counter – transference»  في علاقة الطبيب النفسي بمريضه. ففي الطرح يجعل المريض طبيبه هدفاً نفسياً يسقط عليه مشاعره بصورة غير واعية ويسقط عليه استجابات عاطفية هي في حقيقتها استجابات مناسبة لأشخاص آخرين مهمين في حياة «المريض» وخصوصاً في طفولته. والطرح أو التحويل الذي يقيمه المريض مع معالجه هي سيرورة وجدانية خاصة لا تلائم علاقتهما العلاجية الراهنة لكن تفرضها مشاعر مكبوتة كبتت في أعماق المريض طويلاً تجاه الأبوين بشكل خاص، ونقل عواطف  الحنان إلى الطبيب يُسمى التحويل الإيجابي، في حين يسمى تحويل العواطف العدائية التحويل السلبي، ولكن هناك التحويل الذي يقوم به الطبيب نفسه والذي نسميه الطرح المضاد. فالمعالج، على الرغم من رغبته، ليس أبداً تلك المرآة الأمينة التي يريد أن يكون. وإذا كان المريض يُظهر له عواطف صداقة، فمن المحتمل أن يستجيب الطبيب على نحو مناسب، لكن إذا كان المريض يظهر عواطف سلبية وعداء، فمن المحتمل أن يرتكس المحلل بضرب من النبذ وقد تتحول ساحة العلاقة إلى ساحة صراع وإغواءات وتجاذبات انفعالية عسيرة، وما يصفّي الميول الأخيرة لدى الطبيب المحلل النفسي هو خضوعه – قبل الممارسة – للتحليل النفسي لكشف عقده ومكبوتاته(2) وهو ما لم يخضع له «هارون» حتى لو لم يكن ممارساً للتحليل النفسي التقليدي. إنّه كطبيب تصدى لمهمة كشف صراعات نفوس مرضاه المعذبين وفكّ اشتباكات عقدها، كان لزاماً عليه، وكحدّ أدنى من حدود مستلزمات ممارسة مهنته، أن يكشف صراعات نفسه هو، ويفكّ اشتباكات عقدها. لقد انقاد سريعاً لطلب «يوسف» في أن يشربا بضعة أقداح من البيرة في محل يشبه القباء وأثار الانزعاج في نفس «هارون» الذي لا نعلم – في الظاهر وإلى الآن – لماذا يغالب إرادته ويجبر ذاته على مطاوعة الطلبات المنفرّة «ليوسف». إنّ هناك حفزات واضحة عن الجنسية المثلية كانت تطفو على سطح أفكار واهتمامات «هارون» الباطنية بجمال «يوسف» ومظاهر سلوكه الأنثوية في أكثر من موقف ومناسبة. لقد تململت تلك الحفزات التي كمنت طويلاً في أعماق «هارون» وصارت كفيلة بأن تشكل قناعاته العلمية من وراء ستار لتطوّعها وتسوقها في خدمتها، ولا نعلم كيف أقنع «هارون» نفسه وهو الطبيب النفسي ذو الخبرة الطويلة بأن مريضاً مصاباً بالكآبة وتسيطر عليه هواجس الانتحار قد تحسن في ليلة واحدة، في حين أن مراجع الطب النفسي كلها تحذّر من التحسّن السريع في مزاج المريض المكتئب الذي يفكر في الانتحار لأنّ تحسّن مزاجه يعني انتعاش طاقته الجسدية التي ستمنحه القدرة المطلوبة على تنفيذ دوافعه في تدمير ذاته. إنّ الحفزات المثلية اللاّئبة – ومعها عوامل أخرى مهمة سوف نتعرض لها – قد قلبت علاقة الطبيب بالمريض رأساً على عقب وأوصلتها إلى نتيجة خطيرة، فبدلاً من أن يكون المريض الذي ينظر إلى الطبيب النفسي عادة كساحر ذي قدرة مطلقة Omnipotence تابعاً للأخير يقتدي به ويتأثر بخصاله، أصبح الطبيب «هارون» تابعاً للمريض «يوسف» يتلاعب به كيف يشاء. وفي مواقف كثيرة كان المريض يضع الطبيب في موقع المدافع بل – وهذا أشدّ قسوة – في موقع «المتلبّس» الذي يجد لزاماً عليه أن يبّرر و«يعقلن» . في جلسة الشراب السابقة كانت عينا «هارون» تحيط «بيوسف» الجميل إحاطة كاملة فيفاجئه الأخير بسؤال مربك: «هل تتفحصني يا أستاذي الكبير؟
– لا..
– لا تنكر ذلك».
ويصل إمساك المريض بحالات «تلبّس» طبيبه وأستاذه الكبير كما يسميّه أشدّ مستوياتها إحراجاً وثراءً  بالدلالات النفسيّة عندما يخلع «فانيلته» ليعرض صدره أمام «هارون» مستشيراً إياه عن سبب عدم وجود شعر في صدره، حيث تتوتر أعصاب الطبيب متجنباً النظر إلى صدر مريضه بشكل غريب:
– «سألتك.. انظر إلى صدري..
-لكنني لست طبيباً صدرياً.. على كل حال ما بال صدرك؟
– هكذا بدون أن تراه؟
– رأيته
– ألا ترى علامة فارقة؟
– لا.. لا.. سأفقد أعصابي.. سأجن.. قل ماذا تريد؟
– لا يوجد شعر في صدري.. ما هو السبب يا أستاذي العزيز..
اختنق الطبيب، وكأن غازاً قد سدّ عليه منافذ التنفس، ولم يستطع التفكير.. وغرق دماغه في دوار طاحن.. بعد دقائق انتعشت غشاوة الشلل.. وقرر أن يحسم هذه العلاقة الغامضة التي لم يستطع التيقن من جذرها الإنساني، من قبله، والتي أصبح الاستمرار فيها بحاجة إلى تعليل نفسي، طبي»، ورغم خطاب اللوم الطويل نسبياً الذي قرّع الطبيب مريضه به «والطبيب يصر على وصف مريضه بالمراهق في حين أنه يبلغ من العمر عشرين عاماً» إلاّ أنه لا ينظر إلى صدره حتى النهاية، لقد شلت الدفعات الغريزية قدرة الطبيب الإدراكية وفعله الإرادي، وفي هذا يقدم لنا «عزيز السيّد جاسم» أنموذجاً تطبيقياً باهراً على الكيفية التي يتلاعب بها الافتتان الانفعالي وتحرك المكبوت بعقل الإنسان وأحكامه، فالطبيب الآن، حائر لا يستطيع الإمساك بسبب تواطؤه مع سلوك مريضه الخاطئ والمستفز ولا يقوى على شجب هذه السلوكات ووضع حدّ لها رغم أنّ هذا هو جوهر تخصصه المهني. صار «يوسف» يقتحم عليه أوقات راحته في بيته، وفي الصباح الباكر تحت أغطية ذرائع مفعمة بالإيحاءات العاطفية – المثلية المغلفة – التي لا يتردد «المريض» في إعلانها:
-«أهذا أنت؟
– نعم
– كيف عرفت موقع بيتي؟
– إنّي محب.. والمحب يتقصى الأثر جيداً.
– آه
– عفواً يا أستاذي لقد أحضرت لك فطور الصباح.. أخشى أن تكون قد أفطرت؟
– لا…
واختار زاوية ونشر الطعام على منضدة صغيرة.. تأمله الطبيب بلطف.. وقابل «يوسف» ذلك بالابتسامة ذاتها.. بما تحمله من فرح وإثارة خفيفة نسائية الطابع». وحين يودع «يوسف» طبيبه يقوله له: «لا تنسَ أنني أحبك.. أحبك كثيراً ثم قبّله في أعلى رأسه ومضى». وفي موقف آخر يأتي يوسف إلى عيادة «طبيبه هارون» فيدور بينهما – من جديد – حوار افتتاحي مراوغ يستهله «هارون» بالترحيب بمريضه هو الذي يتصارع مع دوافعه للتخلص منه ومن سطوته خصوصاً بعد أن زاره في السجن وتأكد لديه أن «مريضه» قد اغتصب فتاة بريئة!!
– أهلا .. انقطعت أخبارك عني هذه الأيام
– وهل تقلق لذلك ؟
– من أجلك
– من أجلي فقط؟ وعواطفك، أليست.. أوه إنك تصدمني
– أصدمك؟ لماذا؟
– كنت أتصور أنك تفكر بي، مثلما أفكر بك تماماً.. إنني مبتل بماء المطر وكانت نفسي تتحدث عنك.. أما أنت.. فلا..
ثم استراح على المقعد، وأخرج من جيبه زجاجة خمرة وشرب منها بلا مبالاة، وبلا استئذان». يصعق الطبيب وهو يرى «مريضه» يشرب الخمرة في عيادته حدّ الغيبوبة لكنه لا يفعل شيئاً غير أن ينسلّ من عيادته ليقضي ليلته أرقاً قلقاً خائفاً من أن ينتحر «يوسف» بالأدوية المختلفة الموجودة في عيادته «لاحظ أنه الآن بدأ يفكر في احتمالات جدّية تفكير «يوسف» في الانتحار في حين أنه كان يستخف بها سابقاً!!» ولم يضع في حسابه أي احتمال سلبي كأن يكون «يوسف» لصاً، مجرماً، أو إنساناً فاسداً، إلاّ بعد أن قام بالفعل الخاطئ وترك يوسف المخمور وحيداً نائماً في العيادة «طبيبنا يتصرف ثم يفكر – اندفاعية – Impulsivity وهي من سمات المرضى النفسيين» علماً أنه يتداول هذه الاحتمالات السلبية رغم أنه قد تكفله قبل مدة قصيرة لإطلاق سراحه من تهمة الاغتصاب لئلا يتعرض هو نفسه للاغتصاب من قبل السجناء المجرمين حيث «ضحك «يوسف اليعقوبي» وتجلت صورته الحلوة كوجه فتاة متوهجة الجمال»، وسوف يصاب القارئ الغير مسلّح بأدوات التحليل النفسي بصدمة حين يجد طبيباً لا يكتفي بزيارة مريض متهم باغتصاب فتاة حسب، بل يرتكب جريمة تزوير تقرير الطبيب العدلي لإنقاذ (مريضه) المجرم من هذه التهمة :
– لم يكن هناك اغتصاب
– إذن ما هذا الدم الذي سال على ثوبها وعلى وسادة السيارة؟
– ومن أين لي أن أعلم. أنت وحدك تدرك ما فعلت.
– أتقصد أنك أنقذتني لكي يكون التقرير لصالحي
– عادة لا أفعل مثل هذا
– إنك غزير الكرم، لقد توسطت لي.. أنت الأب، والروح، والمثل الأعلى، والحب، والقوّة.. أنت كل شيء.. أنت حمايتي الكاملة»..
هكذا يحيّرنا «هارون» المحلل النفسي بسلوكه الذي يتطلب تحليلاً، وهذه كارثة شديدة الأذى لأن المحلل النفسي لا يعرف نفسه في الوقت الذي يتفق فيه الجميع على أن جوهر الثورة المعرفية العظيمة، التي فجرّها التحليل النفسي في الحياة الإنسانية هو أنه حقق ولأول مرة في تاريخ البشرية الشعار المدوّخ الذي رفعه «سقراط» (اعرف نفسك) – وبالمناسبة لم يكن «سقراط» صاحب الشعار الخطير هذا يعرف نفسه هو ذاته -. طبيبنا يعيش الآن في دوامة مدوخة لا يستطيع فيها تفسير سلوكه الشخصي في «افتتانه» «بيوسف» «مريضه»: وهنا يتجلى جانب فائق الحساسية من «فلسفة» «عزيز السيّد جاسم» التي يريد توصيلها من خلال روايته هذه ويتمثل في اللعب المتبادل بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي وكيف يشكل الذاتي ما هو الموضوعي، فالطبيب حائر لا يستطيع تفسير تعلقه بمريضه النـزق المفسود السادي.. لقد تداخلت في نفسه عوامل عدة: واجب الطبيب وحرصه الإنساني.. والعطف البعيد عن المهنة.. والفضول، ومتابعة تحليل حالة نفسية على صعيد الواقع.. ثم.. – وهذا الاحتمال الحيي هو الآخر في التسلسل، وفي العادة يكون ما هو «أخير» وهامشي في التحليل النفسي هو المزاح عن مركز دائرة الفعل – شعوره بوجود ميل خفي نحو «يوسف»، لم يجد له تفسيراً سريعاً.. أي أنه، من جديد لا يعرف لتعلقّه «بيوسف» تفسيراً، لكن واحداً من «الشروحات» التي يطرحها «هارون» لانهمامه المفرط والمؤذي «بيوسف» يحمل لبوساً نظرياً اجتماعياً يتحول فيه ما هو «جنسي» و«لا شعوري» إلى ما هو «فكري» و«شعوري». هنا نحصل على مثال تُصنّع فيه الغريزة المكبوتة «نظرية» اجتماعية بصورة ماكرة ومحكمة. فالطبيب «هارون» ذو أصل ريفي.. وهو يلاحظ، منذ عقديـن مـن السـنين أن صورة الريف تتضاءل متحولة إلى ذكرى غامضة بسب هجوم قانون المدنية الذي لا يرحم، فـ«مع أن الريف هو الأم الحقيقية للمدينة إلاّ أن المدينة تكتسح الريف بلا رحمة» وأهم شيء دمرته المدينة في حياة الريف هو شخصية الإنسان التي أصيبت بـ«الفصام» وهذا الاستنتاج نقل غير موفق لمصطلح يصف مرضاً من الأمراض النفسية هو «فصام الشخصية – ٍSchizophrenia » إلى مجال خطاب علم الاجتماع وهي محاولة غير موفقة من الكاتب لاستخدام مصطلح يقابل مصطلح «ازدواجية الشخصية» الذي طرحه الدكتور «علي الوردي» وهو مصطلح غير موفق أيضاً.. المهم أن الكاتب يتساءل: «هل عثر الطبيب في صورة «يوسف» على ضالته الرمزية؟ براءة الريف المحاصرة بمطالب المدينة؟ ربّما أن ذلك هو الاهتمام الذي دفع به نحو دراسة فصام الشخصية .. الجانب الريفي الذي يقاوم .. وجانب المدينة الذي يجتاح .. جانبان في شخصية «يوسف اليعقوبي».. وكانت أفكار الطبيب تدور حول ذلك وهو يتعاطف مع  الريفية المغدورة» . ولكن هذا توصيف مضلّل لأن من يقرأ الرواية بدقة لن يجد حتى هذا الموضع منها – ص 36 – أي تعبير مباشر أو رمزي عن ( الريفية المغدورة ) التي يحملها «يوسف» في أعماقه ولن يلاحظ أيّ إشارة مهما كانت بسيطة إلى أصله الريفي أو تاريخه الشخصي.. إنّها إشارة تعبّر عن «افتتان» الكاتب بشخوصه وبموضوعه.. هذا الافتتان الذي يلهب حماسته ويجعله «يستعجل» في طرح استنتاجاته سابقة سياقاتها وهذا ما سنتعرض له لاحقاً. المهم أن «هارون»، وبعد أن يطرح علينا «نظريته» في فصام الشخصية التي يعد «يوسفاً» «تعبيرها الرمزي» يتداعى إلى ذكرى من ذكريات طفولته التي عاشها في الريف، فـ«عندما كان صبّياً يتخطى الحواجز والأنهار والسدود والجدران الطينية الصغيرة، كان يتحسّس السماء بأصابعه وكأنها سقف قريب. السماء بين يديه الممتدتين شرقاً وغرباً بقوة وامتلاء، والأرض تتوسط ساقيه الراكضتين أبداً. في الريف كانت الأفراح طفولية»، فما الذي أثار في ذهن «هارون» ذكريات الطفولة الريفية الحرّة من سلوك «يوسف» خصوصاً وأننا، كما قلنا، لم نجد في هذا السلوك أي علامة على روح ريفية مغدورة؟ بالعكس إنّ سلوك «يوسف» حتى هذه اللحظة هو سلوك وقح لواحد من شذاذ آفاق المدينة، فأي روح ريفية مغدورة يحملها شخص يرسل «حبيبته» إلى الطبيب كي تقبله على خده.. تمهيداً لأن تقبله من فمه مستقبلاً!! ويعلن لها، بلا تردّد، عن رغبته في أن تمارس الجنس مع الطبيب!! ثم أي وفاء ريفي هذا الذي يجعل «يوسف» يرتبط بـ«بيداء» خطيبة صديقه ويدعوها إلى فسخ الخطبة كي يتزوجها؟!..
إن تداعيات المرء لا تأتي عفواً أو بشكل عشوائي لا معنى له، إن لكل فعل نفسي مغزى عميقاً ويمثل حلقة غير مرئية ضمن حلقات سلسلة التداعي ومن واجب المحلل أن يكشف هذه الحلقة ويضعها في موضعها المناسب، وهذا لا يأتي وفق قاعدة لغز الصورة المقطعة القائم على الاحتمالات ولكن حسب جهد مثابر يرتكز على الدراسة المعمقة لتاريخ وقائع الرواية النفسية وصراعات الشخصية ومكبوتاتها و«مصالحها» اللاّشعورية والإمساك بخيوط شبكة «ترابطات» تبادلات العلاقات النفسية «السرّية»، فعلى سبيل المثال حين صعد (هارون) إلى غرفة المكتبة في الطابق العلوي من بيته ركّز على صورة لـ«سرفانتس» معلقة «فوق صورته عندما كان شاباً.. معلقة على الحائط وهي مصنوعة من معدن فضي اللون وقد أصبحت غطاءً لفرشاة تنظيف الملابس»، وقد تساءل: لماذا يكرم الأسبان «سرفانتس» بهذه الكيفية؟ ووجد صعوبة كبرى في تفسير ذلك. لكن تركيزه على صورة يراها كل يوم جاء بعد أن زارته «بيداء» حبيبة «يوسف» الشابة بتوجيه من الأخير لتطبع – وبشكل مباغت – قبلة على خدّه و«خرجت كطيف» ففكر «قبلة ضائعة.. ما أكثر القبلات الضائعة وما أهمها.. لكل قبلة صادرة من امرأة تاريخ، إلاّ أن أثبت التواريخ فيها تلك القبلات التي ظل فيها طرفاً سلبياً».. كما جاءت بعد أن تلاعب به «يوسف» في زيارتيه له: في العيادة أولاً، وفي البيت ثانياً، واستثار مشاعره المكبوتة خصوصاً في جلسة  الشراب ثم نقاشهما بعد إصرار «يوسف» على أن إحدى دجاجات «هارون» هي ديك لأن عرفها طويل قياساً إلى أعراف الدجاج.. وكلّ هذه المواقف، مع مشاعر الإحباط السياسية والنفسية التي تراكمت عبر تاريخه الشخصي، حرّكت في داخله إحساساً بالانخصاء وشلل الإرادة و(مقاتلة طواحين الهواء) وهي الحالة التي عبّر عنها «سرفانتس» أفضل تعبير من خلال بطله «دون كيخوتة». وها هو «سرفانتس» نفسه عبارة عن صورة لغطاء فرشاة لتنظيف الملابس. وليس عبثاً أيضاً أن «هارون» وضع صورة «سرفانتس» / الفرشاة فوق صورته الشخصية. فهذا هو حاله الآن. لقد كان مناضلاً عنيداً قاد تمردات للفلاحين وأسس جمهورية فلاحية صغيرة صمدت ضد هجمات الحكومة لشهور وافتدى الفلاحين المعتقلين بنفسه.. ثم قاد عملية الهرب من السجن.. كان من رجال ثورة (14/تموز/1958) وهناك صورة تجمعه مع «عبد الكريم قاسم» رئيس وزراء النظام الجمهوري الجديد.. لكنه الآن منعزل في عيادته تحاصره مشاعر الخيبة والخواء وهو يلاحظ كيف ضاع نضاله الدامي وتلاشت تضحياته المريرة بعد أن انقلبت الثورة لتأكل أبناءها وكيف تحوّلت نارها المقدسة إلى رماد يعمي عيون من أوقدوا جذوتها بأرواحهم. إنّ حاله الآن لا تختلف – في معانيها النفسية – عن وضع صورة مبدع على فرشاة للتنظيف. نعود الآن للتساؤل: ما الذي جعل «هارون» يتداعى إلى ذكريات طفولته بعد أن زاره «يوسف» في منـزله؟ إنّ السلوك الظاهر «ليوسف» بأكمله يناقض السلوك الظاهر «لهارون» بأكمله وقد أوقع الأول الثاني في إحراجات كبيرة ومع ذلك لم يردعه بصورة حازمة ويقطع علاقته به. وستصيب الدهشة أي قارئ يقرأ الرواية حين يتابع وقائع الرواية ويلاحظ ديمومة العلاقة بين طرفين متناقضين تماماً، هل الشخصيات المتشابهة نفسياً تتنافر والمتناقضة تتجاذب حسب القاعدة الفيزيائية المعروفة عن الشحنات الكهربائية والمغناطيسية؟ يجب علينا أن نضع في حسابنا حقيقة مؤسسة على كشوفات التحليل النفسي وهو أن تناقض الطرفين – «هارون» «ويوسف» – الشديد ظاهرياً لا يلغي احتمالات تكاملهما باطنياً. فما يظهر من تصرفات معلنة مدانة من «يوسف» تشبع دوافع مكبوتة في أعماق «هارون». نحن أمام علاقة بين أربعة أطراف وليس اثنين . وهذا سرّ افتتان الطبيب بمريضه المتهتك. لقد زارت «بيداء» «هارون» في عيادته والكدمات تغطي وجهها وشرحت له سلوكاً في غاية الغرابة قام به «يوسف»، فقد أرسلت صديقتها «نجوى» إلى «يوسف» بعد أن فسخت خطبتها من ابن  عمها لتطمئن عليه بعد أن انقطع عنها بضعة أيام فقام «يوسف» – ويا للغرابة – بمطارحة «نجوى» الغرام بعد أن أدخل في ذهنها أنه يحبّها دون أن تدري.. وحين عاتبته طلب منها أن تحضر مع «نجوى» إلى غرفته.. وهناك قال «لبيداء» سوف أمارس الجنس مع «نجوى» أمام عينيك.. وحين رفضت ضربها ضرباً مبرحاً.. ورغم هذا فإن «هارون» لم يستفز ولم يوجه أدنى إدانة «ليوسف»، لقد زوّر له تقرير الطب العدلي لإنقاذه من جريمة اغتصاب الفتاة المؤكّدة. والمشكلة التي تلفت الانتباه هي أنّ تقييم «هارون الشعوري» يناقض سلوكه الفعلي «اللاشعوري» الأمر الذي يؤكد أنّ لا علاقة لسـلوكنـا بقناعاتنا الظاهرة من دون أن نتصالح مع مكبوتاتنا ونختار الشعور بها وبأبعادها.. قوى اللاشعور لا تفرق بين الأمير والفقير ولاعلاقة لمصائد اللاّشعور بشهادة الفرد العلمية أو مهنته مهما كان نوعها.. بعد أن جلس «هارون» مع «يوسف» في البار ولاحظ سلوكه ولعبه بالسكين التي اعتبرها «جزءاً من كيان الإنسان!!» وأنها ضرورة لأن «هناك أناس يستحقون القتل أو الذبح» كتب في دفتره ليلاً تقييمه «الشعوري» «ليوسف»: «علامات وحش في إهاب شاب جميل، علامات أكبر من الهستيريا قطعاً.. ضحكة جوفاء قاتلة، وأصابع طويلة تصل إلى طبيعتها في ملاعبة الموسى الحادة. هل يمكن للبراءة أن تنـزاح فجأة أمام ملامح وحشية؟ إنّ وجه «يوسف» بريء، والبراءة تتناسب مع تقاطيع الوجه تماماً، أمّا الملامح الوحشية فهي تركيب.. غير أنه تركيب غير مصطنع، يأخذ طريقه – فوراً – في التلاؤم. إنّ «يوسف» صورة المخاوف القادمة». يقول الكاتب: «إنّ «هارون» أغلق القوس على عباراته منتهياً من إبداء ملاحظاته مكتوبة.. وفعلاً انتهى فعل هذا التقييم الدقيق «ليوسف» كوحش في إهاب شاب جميل.. مع غلق الأقواس حيث لا قيمة له في حياة «هارون» اليومية والعملية في تعامله مع هذا الوحش الجميل. فنحن نراه يستولي عليه القلق حين يغيب عنه هذا «الوحش» رغم كل جرائمه واستهتاره وتهتكه، إنه يقرّر – في لحظة حماس – أن يحسم «هذه العلاقة الغامضة، التي لم يستطع التيقن من جذرها الإنساني، من قبله، والتي أصبح الاستمرار فيها بحاجة إلى تعليل نفسي طبّي»، لكنه لا يستطيع ولا يقوى على التنفيذ ويصبح شديد القلق لغياب «يوسف» و«بدلاً من أن يكون غيابه مبعث راحة، للتخلّص من علاقة مفروضة فرضاً، أصبح – الآن – يتوق إلى رؤيته».. وهـو لا يستطيع تحديد بواعث ذلك عقلياً لأن السبب ليس (هنا) «فوق» بل، إنه يكمن «هناك» «تحت» في أعماق اللاّشعور.. لقد شكّ في أن يكون «يوسف» جاسوساً للسلطة حين شاهده يراقبه وهو يخرج من زيارة زوجة صديقه «سالم» السجين السياسي الهارب التي يعودها ويساعدها بالمال.. يقول «هارون»: «ليكن ما يكون ليكن جاسوساً.. أو سادياً.. أو مجرماً مؤجلاً.. ولتأخذ الحياة مجراها.. إنه يضع «تخريجاً» فكرياً لضغوط غريزية.. وصحيح أنه لم يكن من ذلك النوع الذي شكّله المذهب الجبري في الإسلام،فهو مخيّر بالشعور لكنّه مسيّر بالـلاّشعور(3) وهو مفتون بـ«قرينه» النفسي الذي يتجسد الآن في صورة «يوسف» عملياً. إن «يوسف» يمثل الآن «هو» «هارون» مشخصناً. إنه يحقق «لهارون» متنفساً لكل الاحتباسات الغريزية التي عانى منها طويلاً. كان طوال حياته التي سبقت زيارة «يوسف» في حال كرّ وفرّ مع ضغوط ومتطلبات الطفل النـزق الكامن في داخله. كان – مثلاً – يعتد أمام نفسه وأمام أصدقائه أنه لم يبصق في شارع منذ طفولته وإلى الآن.. لكنه بعد أن قال ذلك أخذت الرغبة بالبصاق تلح عليه حتى بصق فعلاً.. واستمر يبصق رغم أنه يدرك «بعقله» قيمة تلك العادة. وأحياناً كانت تعصف بوقاره التقليدي أفعال مفاجئة غير مقبولة، كأن يتغنى بأغنية تافهة من غير مناسبة . وكل هذه من ألعاب (الهو) – المكوّن اللعوب لجهازه النفسي والذي يتميز بالنـزق والانفلات واللاعقلانية والبحث عن التفريغ والإشباع الذي لا يخضع لضوابط أو نواه.. «حصل مثل ذلك مع زوجته، بعد أن خرجت من عرفة مكتبه، وقبل أن تغلق الباب وراءها، أطلق عبارة منكرة.. لا يدري هل سمعتها تماماً.. أم سمعت صوتاً غامضاً.. لأنها عادت وسألته: «ماذا قلت يا حبيبي»؟ «لاشيء.. تصبحين على خير» فخرجت وأطلق وراءها صفيراً يشبه العطفة. إنه يعتقد أن كثرة معايشته لضحايا الأمراض العقلية والنفسية قد يكسبه بعض عاداتهم وعللهم.. وهو رأي هش لأن الطبيب النفسي الحقيقي ينبغي أن يكون محصناً ضد الإصابة بعدوى من يعالجهم. إنه يقفز فوق حقيقة أنه قد اختار الطب النفسي لأنه هو نفسه بحاجة إلى علاج نفسي.. وأنّ ساحة العمل مع المرضى النفسيين والعقليين توفر له شعوراً بالحصانة.. الظاهرة «مادمت قادراً على معالجة المرض النفسي لدى الآخرين فهذا يعني أنني قادر على معالجة نفسي» وصولاً إلى «قدرتي على علاج المرض النفسي تعني أنني محصّن ضده».. كانت مهنته تتيح له الإشباع «عن بعد» وهو يشاهد «منتجات» «الهو» الغريزي حرّة مشخصة من خلال المرضى النفسانيين.. تلك «المنتجات» التي يجاهد طويلاً وكثيراً للسيطرة عليها.. كان يرغب فيها ويخشاها لأنها ممنوعة ومستهجنة.. وها هو يقابل «يوسف اليعقوبي» الذي يمثلها بحدّة ويقوم بكل ما هو مستهجن دون عذاب ضمير متعلق به بدوافع من لاشعوره رغم عدم مباركة شعوره ورفضه، وأكثر من ذلك فإن هذه الدوافع قد نقـلت افتـتان «هارون» «بيوسف»، وضاعفته وضخمته، من خلال افتتان «هارون» السريع «بأمّ يوسف»، ففي واحدة من ألعاب اللاّشعور الماكرة والخلاقة سافر الى القرية التي ولد فيها يوسف ، وأقول ألعاب اللاشعور الماكرة لأن الغطاء التبريري شديد الدهاء، فبعد أن خرج من بيت صديقه «مسلم» – المناضل الهارب – لاحظ وجود «يوسف» في نهاية الزقاق فشك في أنه قد يكون شرطياً سرياً مكلف بمراقبة بيت صديقه الهارب. وكان لا يريد أن يظلم «يوسف» – تصوّروا بعد كل جرائم وموبقات «يوسف» وساديته وانحطاطه الخلقي يخشى «هارون» من أنه قد يظلمه إذا شك في أنه قد يكون جاسوساً، ترى ما الذي يمنع «يوسف» من أن يكون كذلك وهو بلا ضمير؟ – ثم من أين يتأكد من كون «يوسف» ليس عميلاً للحكومة؟ من «أم يوسف»!!؟ فهل نتوقع أن الأم تعلم بما يقوم به ابنها من نشاط سرّي في المدينة؟ لكن «أم يوسف» كانت هدفاً لافتتان «هارون» قبل أن يراها، ويستثمر اللاّشعور غطاء شعورياً عادة لتمرير رغباته، إنه أشبه باللص الذي يتنكر بملابس الشرطي كي يفلت من رقابة الأنا الأعلى. «فهارون» يتذكر أن أشخاصاً اتهموا بالتجسس للسلطة الملكية وكانوا في حقيقتهم مناضلين وطنيين «وهل كان من الممكن أن يكون «يوسف» مناضلاً بأي احتمال؟ لا أحد يعرف ذلك سوى الكاتب العالم بكل شيء… وهذه سقطة استباقية أيضا وقع فيها الكاتب بسبب افتتانه هو نفسه بموضوعه وبشخوصه – «يوسف» خصوصاً – وهو ما سنراه لاحقاً» . وقلت إنّ «هارون» قد افتتن «بأم يوسف» قبل أن يراها لأنه يقول «ليوسف» – في زلة غريبة – حين خلع فانيلته في عيادته: «سمعت ترهاتك كلّها.. أنت تستعذب التغرير بالبنات والمتزوجات. لم أكن أتصور أن الرداءة تصل بشاب إلى هذا الحدّ… بشاب لديه «أم» لا تزال في وسط العمر، جميلة ومطلقة، وبأختين شابتين جميلتين» وهو أمر غريب حقاً، إذ كيف عرف «هارون» أن «أم يوسف» جميلة ومطلقة وفي وسط العمر ولم يخبره «يوسف» – ولا أي شخص آخر – بأيّ معلومة حول هذا الموضوع . وهذه سقطة استباقية أخرى يقع فيها الكاتب بفعل حماسته التي تغشى البصيرة الروائية، وذلك ناجم عن افتتانه الشديد كما قلنا. المهم أنّ «هارون» يلتقي بالأم وهناك يستفسر منها هل هي مطلقة أم لا!!؟.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

تعليق واحد

  1. جمانة اللاحم

    مثل هذا النقد دكتور حسين يجعلنا نتمنى اقتناء هذه الرواية ..شكرا لك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *