عبد الحسين رشيد العبيدي : الأصلم

لم يكن مكبلا بالخوف , حينما مرق بالقرب مني. كنت كشخص غريب أعترض طريقه . رفعتُ ياقة معطفي لأخفي أذني … ناديته فتجاهلني . اوحى اليّ حدسي انه يقوم بذلك عن عمد . وددتُ لو داهمته في هذا الحيز الذي اسمه السوق كما فعلوا معي سابقا . بدت الهرولة وراءه مغامرة مضنية وهو يسير بين السابلة .تسربلت ملامحي بشعور رجراج من الخيبة . و كانسان مهمل رحتُ اتطلع بالأشياء التي بدت نظيفة لامعة بعد ليلة من المطر . بقيتُ أطوي جوانحي على بعض الوقائع التي نفضتْ عنها تراب الذكريات فاستعادتْ حضورها المقلق…في سنوات الوشاية حيث بدأتُ أحبو على درب القراءات الملغزة , البسوني عنوة بدلة اكبر من مقاسي بلون خاكي .لم اقبل أن يتصرفوا بحياتي كيفما يشاؤون خدمة لشخص لم أخطر له على بال . استوطنتني روح المغامرة فقررت التخلي عن البدلة العسكرية التي تخنق الروح ,ولم يكن لدي ما احتمي به سوى سذاجتي . اختبأتُ , تواريت عن الأنظار . لمحتني عيونهم . غضبتُ من نفسي لوقوعي في قبضتهم ,وتأكدتُ أن المقاومةَ لن تجدي نفعا فلم أتمسك بالبطولة. تحت اذلال قوة متبجحه ,وفي صخب القسوة والنميمة , لم تُجدٍ نفعا توسلاتي في ايقاف مزاجية جلاد من الانفلات .تهاويتُ بصورة مباغتة وصاخبة , واحتضنتُ ركبتيَّ الشخص المشرف على المهمة .ادخلوني في فرن من الصفعات , وبنبرة استعراضيه أمطروني بجمل شديدة التشدق عن ارض موغلة في القدم اسموها الوطن ,ولم يسمحوا للوقت بتأجيل قراراتهم . نهضتُ وليس بي من الهمة ما يكفي للدفاع عن أذني. ونتيجة لمشقة الانهيار المتعب شعرتُ بالثورة العاجزة لعدم تمكني من التشبث بأذني التي فقدتُ نصفها بطريقة سهلة الى حد مشين. وتأكد لي اني لم اتمكن من مواراتها الثرى كما يقتضي العرف السائد . ببدائيتهم هذه ظنوا انهم يعبرون عن إخلاصهم . كانت حملة قطع أذان الهاربين من حماقة الحرب تبدو كحملة مباركة في الوطن الحربي .
– أيمكن ان تكون هذه الزمرة من الأوباش هم القادة ؟ :تساءلت وانا أخفي أذني براحة يدي.
يُلبسونك بدلة عسكرية ويقذفوك على تخوم حماقاتهم التي تتكاثر بالانشطار, حينها تمنيتُ بحرقه أن أكون في بلدان المروج الفردوسية الخالية من العسكر .. انها كارثة لا يمكن ايجاد تسمية لها لنظام بلا مخيلة. بدا لي ان التفكير يضر بي .تقبلت الآمر بخمود , وهو افضل من موت مجاني ….حينما قفز الصباح من النافذة وملأ غرفتي بالضجيج , كان المطر قد طوى غلالته الرمادية الرجراجة التي نشرها طوال اليوم الفائت .ارتديت ملابسي وخرجت كطير فر من قفصه .استعادت المدينة زحامها حينما لمحته ,لقد كانت رؤيته كانبعاث صاخب للموت هذا الصباح .نفس الشخص الذي حفر وجهه الذ ي قُدَّ من حديد في احجار ذاكرتي بشفرة حادة التهمت نصف اذني , وبعثرتْ بلادة الحب لبنت الجيران .وجه حليق مكفهر, شاربان كثان صبغ دخان السكائر وسطهما بلونه الأصفر ,وملامح بانتْ عليها كدمات السنين . جرني من شعري . وانا احتضن ساقيه متوسلا بطريقة شديدة الخذلان ,لطمني بحماس نضالي . كنتُ محاصرا وقد احاطت بي ثلة من العسكر. انزلتُ رأسي وتكورتُ على المي . في تفسخهم البطيء انتشرتْ اشد انواع الروائح اشمئزازا .لقد حولت الحادثة رتابتي الى كرب مستديم .كنت زاهدا معتصما بصمت متكبر وهم يستعرضوني امام الحشد المزدحم في السوق حيث حشوا رؤوسهم بهتافات تنسيهم قساوة عيشهم .. اعترفت لنفسي بارتكابي خطأ تكتيكيا وغرقت في ضجيج الجمع المتزايد . بقيتُ في أنتباه طوعي خوفا ان تعاود السكين مرورها ثانية عليّ ,لأن جزار متهور اكثر رأفة مع خرافه منهم . في ذلك اليوم حيث كنت بحاجة للقاء حميم مع الضوء لأبدد سأمي, رأيته في الزحام . كان لامباليا كأنه لم يقطع أذني . لو أن نبوءة الغجرية التي أَسَرتْ بها لأمي , زحزحت نفسها قليلا ,لكنت في خبر كان على حد تعبير مدرس اللغة العربية, لكن الأمر مر بسلام ولم اخسر رقبتي …كنا خمسة فتيان داروا بنا في السوق , مهيجين طاقة الأثارة في العامة , مستعرضين نضالهم وخرافاتهم التاريخية بمزيد من التسلط والسخرية . كان الحضور اللجوج للطاغية وراء كل ذلك العناء من الامتداح المفرط للسلبية… . بعد حماقتين تبخر النظام وبقيتْ أذني مقطوعه .وها هو المسعور الذي منحني علامة فارقه يسير امامي دون ان يخشى شيئا .الغم من رؤيته جعلت ساقيّ عاجزتين عن اللحاق به .تلمستُ اذني وفكرت بجفاء انه حدث ضئيل في قدري البغيض .أعدتُ يدي الى جيب معطفي كما لو اني ابحث عما يمكنني من أخذ ثأر أذني .
ورغم كثرة المسوغات التي أمتلكها لرد الدين الدامي للرجل الا ان اليقين الأخلاقي الراسخ في نفسيتي صدني بحزم ,كما اني الآن في سن تدعو للآستقرار. ظلت ذاكرتي تحتفظ بأحداث تعسفية , متشنجة , ورحتُ أفرك شكوكا تعذبني , هبت نسمه قوية انعشت وقع الحياة . لبثت جامدا في مكاني تصطخب في راسي صورا وخيالات ,بينما المسعور يدور بالأسواق دون ان يقلقه احد .

شاهد أيضاً

مروان ياسين الدليمي: اكتشاف الحب: اوراق من مدونتي الشخصية (ج/5)

لم تكن حالتها الصحية تسمح لها في ان تجيب على ما كان يدور في راسي …

فرات صالح: غصة

يوما ما ستجلس سيدة تجاوزت الأربعين لتتناول فطورها تحت ظل شجرة الصفصاف في حديقتها، وتحت …

مَريم لُطفي الآلوسيّ : النَّوارسُ المُهاجِرة- رحلةُ الموتِ (قُصَّةٌ مأساويَّةٌ لأرواحٍ تبحثُ عن السَّلامِ) (1)

الإهداء.. إلى كلّ الأرواح البريئة التي قضت بحثا عن السلام, عن وطن ودفئ وأمان.. كان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *