الرئيسية » ملفات » عوّاد علي : زينب ‘فنانة الشعب’ أول مخرجة في المسرح العربي (ملف/3)

عوّاد علي : زينب ‘فنانة الشعب’ أول مخرجة في المسرح العربي (ملف/3)

زينب ‘فنانة الشعب’ أول مخرجة في المسرح العربي
اختلف الباحثون حول تحديد اسم أول مخرجة ظهرت في المسرح العربي، فذهب بعضهم إلى أنها الممثلة المصرية الراحلة فاطمة رشدي، التي أسست فرقة مسرحية باسمها في القاهرة، ومثلت أكثر من مئة مسرحية. وذهب بعضهم الآخر إلى أنها المخرجة اللبنانية لطيفة ملتقى التي أسست مع زوجها المخرج أنطوان ملتقى “حلقة المسرح اللبناني” في العام 1963.

تقول الباحثة الأكاديمية المصرية سامية حبيب، في لقاء صحفي نشرته مجلة الكويت (العدد: 359، سنة 2013) إن فاطمة رشدي “أخرجت مسرحيات عالمية لفرقتها في العشرينيات والثلاثينيات”، دون أن تذكر اسم مسرحية واحدة من المسرحيات التي أخرجتها.
وهو كلام يمكن التشكيك في دقته لأن فاطمة رشدي مولودة عام 1908، ومن ثم ليس من المعقول أن تكون مارست الإخراج المسرحي وهي في سن صغير، ولم تتلق تعليما في مدرسة. وقد كانت تعمل ممثلة خلال تلك الفترة مع فرق محترفة، مثل فرقة رمسيس ليوسف وهبي، وفرقتها التي حملت اسمها، والفرقة القومية التي تشكّلت عام 1935.
هذه الفرق التي كان يخرج مسرحياتها مخرجون درس بعضهم فن المسرح وتعلموا قواعده في أوروبا مثل: جورج أبيض وزكي طليمات وعزيز عيد ويوسف وهبي وفتوح نشاطي.
وحينما بحثت في تجربة هذه الفنانة وسيرتها وجدت أنها أخرجت مسرحية واحدة فقط هي “غادة الكاميليا” عام 1954 لفرقة المسرح العسكري المصرية التي تكونت بعد ثورة يوليو 1952، وألغيت بعد نكسة حزيران 1967.
أما اللبنانية لطيفة ملتقى المولودة في العام 1932، فقد بدأت تجربتها الإخراجية في النصف الأول من الستينيات من خلال ملتقى “حلقة المسرح اللبناني”، وقد ساعدها زوجها أنطوان ملتقى في توجهها نحو الإخراج تاركة العمل في مجال تخصصها القانوني، أو مهنة المحاماة.
وفي هذا الصدد تقول إنها دخلت ميدان الإخراج للإسهام بجهدها المتواضع في تأسيس مسرح جاد ومتطور من حيث الشكل والمضمون بعدما تركت مهنة المحاماة واعتزلتها، اعتقادا منها بأن للمسرح دورا أكثر فاعلية، لأنه يؤدي إلى احتكاك مباشر مع الجمهور، ويغوص إلى عمق قضايا الإنسان وهواجسه الاجتماعية والثقافية.
وإثر تأسيسهما، هي وأنطوان، “فرقة المسرح الاختباري” أخرجت لطيفة المسرحيات المترجمة: “أنا ناخب”، “العالم يو”، “وصية كلب”، “عشرة عبيد زغار”، “زيارة السيدة العجوز” و”حرب بالطابق الثالث”.
من الصحيح القول إن الريادة الفنية لاشتغال المرأة العربية في الإخراج المسرحي تنسب إلى ملتقى، لكن الريادة التاريخية لا تنسب إليها، كما يذهب بعض الباحثين، ومنهم الباحث الأكاديمي العراقي أحمد سلمان عطية، الذي يقول في بحث له عنوانه “جماليات المنظر المسرحي في عروض المخرجة المسرحية العراقية” (المنشور في مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية، العدد 2، المجلد 4، 2014).
وكتب عطية “إن لطيفة ملتقى تعدّ أول مخرجة مسرحية في الوطن العربي. فبعد أن اقتحمت فن الإخراج اشتغلت على خط التجريب..”، بل إن الرائدة الحقيقية هي الفنانة المسرحية العراقية الراحلة زينب (فخرية عبدالكريم) (1931 /1998)، التي عرفت بفنانة الشعب، وكانت من أعمدة “فرقة المسرح الفني الحديث” العريقة في العراق، التي يرأسها الفنان والكاتب المسرحي يوسف العاني، ومن أبرز الممثلات فيها إلى جانب زميلتها ناهدة الرماح.
وتشير بعض المراجع إلى أن زينب (الحاصلة على البكالوريوس في الأدب العربي عام 1952) كتبت مسرحية بعنوان “زواج بالإكراه”، وأخرجتها ومثلتها مع نخبة من معلمات وطالبات مدرسة “الرمادي” للبنات عام 1953. وقد أثارت المسرحية في حينها ضجة كبيرة، وتعرضت زينب بسببها إلى القذف والتشهير. كما أخرجت في ما بعد مسرحية “دون جوان” لموليير. وكانت تكتب، إلى جانب عملها في التمثيل، القصة القصيرة والتمثيليات الإذاعية. لكن بسبب تعرضها إلى المضايقات والتهديدات على يد الأجهزة الأمنية، ومنعها من الكتابة ودخول الإذاعة والتلفزيون في أواخر السبعينيات، كونها ذات ميول شيوعية، اضطرت إلى مغادرة العراق عام 1979 لتعيش في المنافي متنقلة من بلد إلى آخر حتى استقرت أخيرا، قبل وفاتها، لاجئة في السويد.
رغم قسوة الاغتراب فقد واصلت زينب نشاطها المسرحي، وقدمت العديد من الأعمال المسرحية مع زوجها الفنان لطيف صالح في عدن ودمشق ويتبوري (مدينة في السويد). ومن أهم أعمالها المسرحية: “آنه أمك يا شاكر”، “رسالة مفقودة”، “الخال فانيا”، “الخان”، “الشريعة”، “تموز يقرع الناقوس”، “قسمة والحلم”، “الحصار” و”النخلة والجيران”.
إضافة إلى “الخرابة”، “شعيط ومعيط وجرار الخيط”، “الينبوع”، “وحشة وقصص أخرى”، “الأم”، “مغامرة رأس المملوك جابر”، “بغداد الأزل بين الجدل والهزل”، “سواليف يا ليل”، “صور شعبية وصورة”، “فوانيس”، “شفاه حزينة”، “ثورة الموتى”، “المملكة السوداء”، “ستة دراهم”، “بيت برنا ردا ألبا”، “دون جوان”، “نفوس”، “صور جديدة”، “هاملت عربيا” و”أنا ضمير المتكلم”.
وتذكر سيرة الفنانة زينب أنها كتبت مسرحية أخرى عام 1991 بعنوان “صور شعبية وصورة”، أنتجتها فرقة “سومر” في السويد، التي كانت مديرة فنية لها، وعرضتها في يوم المسرح العالمي.

ملخص السيرة:
ولدت الفنانة الراحلة زينب عام (1931) في الكوت ، وسط عائله كبيره يعيلها موظف حكومي ( مدير زراعة الكوت )، وشهدت طفولتها في المدينة تناقضات ونمو التيارات السياسية الوطنية المعادية للاستعمار ، ووجد ت انعكاس هذا التيار في البيت ، احد أشقائها كان ينتمي إلى حزب الاستقلال ، والآخر كان شيوعيا ، ووالدها رجل متدين متسامح . مالت منذ أن بدأت تعي بقوه إلى أفكار أخيها الشيوعي، وفي سن مبكر ، انخرطت تشارك في المظاهرات التي كان يقوم بها الشيوعيون ، وكانوا آنذاك كما تصفهم زينب ((… يوجد منهم نفر قليل العدد في المدينة ، لكنهم باستطاعتهم آنذاك تجييش المظاهرات الجماهيرية الضخمة )). في نهاية الأربعينات أنهت الدراسة الثانوية ، ودخلت دار المعلمين العالية في بغداد ، وتخرجت عام 1952 تحمل بكالوريوس في الأدب العربي. وبعد التخرج من الجامعة ، عينت مدرسه للغة العربية في الكوت في عام 1953 لم تستمر في عملها سوى أشهر ، ومن البدايات اظهر المتنفذون في المدينة أنهم غير راغبون بان تستمر المدرسة الشيوعية في عملها بالمدرسة ، فطلبت الانتقال للعمل في مدرسه أخرى في مدينة العمارة ، وبعد أشهر فوجئت بنقلها من العمارة إلى الرمادي ، وبعد شهر نقلت إلى مدينة الشطره ، وبعد أيام من انتقالها طردت من العمل مع أخويها لأسباب( مقتضيات المصلحة العامة).ولم تعد للعمل إلا بعد تموز 1958 ، تفرغت في فترة البطالة الطويلة للعمل الحزبي بعد ان تزوجت من زميل كان لها في الدراسة بدار المعلمين العالية ( نوري اكبر ) ، زوجها الأول الذي دعمها وشجعها وساند خطواتها الأولى بمعية أشقائها في السينما ( سعيد افندي ) 1967 ، ثم في المسرح لاحقا بعد تموز 1958 ، مفتتحه مجدها الفني ، ومجد المسرح السياسي ، في اول مسرحيه لها، و لفرقة المسرح الفني الحديث ( اني امك ياشاكر ) ، الذي دام عرضها بلا توقف لشهر كامل وثلاثة أيام في العرض الأول لها ، وثلاثة أسابيع في العرض الثاني لها في العام التالي ، وهذا الرقم يعتبر في حينها أطول مدة عرض لمسرحيه تقدم في العراق.ولاقت المسرحية انبهارا غير عادي حتى على مستوى رجال المسرح آنذاك ، تذكر زينب باعتزاز كيف أن قيادة ثورة 14 تموز قد شاهدت المسرحية وجاءوا ليحيوها خلف الكواليس وتذكر أيضا أن سلام عادل وحسين أبو العيس وآخرين من قيادة الحزب هنئوها على أدائها في المسرحية ، و تصف بتأثر أول لقاء بها بيحيى فائق فتقول (…جاءني وأنا خلف المسرح بعد العرض ، رجل أشيب وجثم على الأرض واخذ بيديه قدمي ، وأنا في ملابس أم شاكر ، فارتعبت وحاولت أن اسحب قدمي ، إلا انه أصر وقال لي انه يفعل هذا تقديرا منه لام شاكر التي هي رمز لكل أم عراقيه مناضله .)) برزت زينب بسرعة بعد هذا العمل كما لم تبرز أي ممثله من قبلها ، إذ أحدثت ( آني امك ياشاكر ) ضجة إعلاميه كبيره في الصحف والإعلام حول المسرحية وحولها كممثله ، حتى أن الناس في الشارع ومعارفها وأصدقائها اخذوا يلقبوها ( بأم شاكر ) وأطلق عليها بعد أدائها لهذا الدور لقب ( فنانة الشعب ) عززت كثيرا من ثقتها بنفسها ،والشعور بالرفعة والشموخ والسمو التي لازمت شخصيتها حتى وفاتها ، وظلت وفيه لمثل ( أم شاكر ) البطولية التي تقمصتها في حياتها العادية ، وهي في الواقع رغم ثراء تاريخها الفني الحافل بالأعمال المسرحية الهامة ، وتنوع الشخصيات التي أدتها طوال 45 سنه في المسرح، إلا إنها بقيت للنهاية معتزة بأدائها لهذه الشخصية ، كأنها لم تؤد في حياتها سوى شخصية ( آني أمك يا شاكر ) لربما استمدت في أواخر أيامها وهي تصارع السرطان سر القوه في مواجهه المرض من هذه الشخصية التراجيدية . المسرح بالنسبة لهاكما تذكر في لقاءاتها الصحفية عبارة عن وسيله للتعبير عن أفكارها ومعتقداتها وانحيازها إلى جانب الشعب ،ولا تعتبر نفسها إنها فنانه وكفى، بل هي فنانه شيوعيه. اضطرت بعد انقلاب شباط 1963 الاختفاء في كردستان إلى نهاية عام 1964 حيث طرد الانقلابين بانقلاب عسكري مضاد ، وعادت إلى بغداد بعد أن هدأ الوضع ، لتبدءا حياة صعبه فقد انفصلت في هذه الفترة عن زوجها الأول ، وعاشت في بيت شقيقها ، في وضع اقتصادي صعب ، فمارست مهنة الخياطة بالقطعة في البيت لتعيش، ولم تعد إلى الوظيفة الا بعد عام 1968 .
عادت لفرقتها ( فرقة المسرح الفني الحديث ) بعد إعادة إجازتها عام 1965 ، وسافرت معها إلى الكويت سنة 1966 ، تزوجت ثانية من الفنان لطيف صالح في بدايات السبعينات من القرن الماضي ، وتركا معا العراق في عام 1979 ليعيشا حياة شاقه وصعبه في المنافي بداء من الكويت وبلغاريا واليمن وسوريا وأخيرا في السويد حيث توفيت بمرض السرطان هناك عام 1998 ، ودفنت في مدينة يوتوبوري بالسويد حيث كانت تعيش. كانت تحاول في أي بلد تحل فيه في الغربة أن تلف حولها الشباب المسرحيين وتشكل منهم فرقه تقدم عملا او عملين وينفرط عقدها ، بتشتت أعضائها ، وزينب مثقفه من طراز جيد ، كتبت القصة والمقالة ونشرتها في الصحف منذ أوائل الخمسينات بأسماء مستعارة ، مره باسم ( سميرة الفقراء ) ومره أخري باسم ( زينب) وكتبت التمثيلية التلفزيونية والإذاعية.
أشهر أعمالها بعد ( آني امك ياشاكر ) ( الخال فانيا ) و(عقدة حمار ) و( البستوكه ) و( فوانيس)و(وصوره جديدة ) و(النخله والجيران ) و(الخرابه ) وآخر أعمالها في الفرقة قبل أن تغادر العراق ( بيت برناردا البا ) ، وتوفيت في السويد عام 1998م .

*عن صحيفة العرب اللندنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *