الرئيسية » ملفات » ناطق خلوصي : المدونة الرقمية : حب هذا العصر في ظل الاحتلال (ملف/1)

ناطق خلوصي : المدونة الرقمية : حب هذا العصر في ظل الاحتلال (ملف/1)

إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر ملفها عن الروائي والقاص المبدع الأستاذ “حنّون مجيد” الذي أثرى المكتبة السرديّة العراقية والعربية بالأعمال الروائية والمجموعات القصصية المميزة التي مثّلت إضافة نوعية وكبيرة إلى الفن السردي العراقي والعربي. تدعو أسرة الموقع الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من مقالات وصور ووثائق.

المقالة : 
المدونة الرقمية :
حب هذا العصر في ظل الاحتلال
ناطق خلوصي
بغداد
تحمل رواية ” المدونة الرقمية ” للقاص والروائي حنون مجيد ، عنوانا ً فرعيا ً هو ” حب هذا العصر ” تم تهميشه في آخر صفحة الغلاف الأول للرواية مع أن الجزءً الرئيسي من أحداثها ينضوي في ظله ، وبالتالي فهو يستحق ، في رأينا ، أن يكون العنوان الرئيسي للرواية . ويبدو لنا أن صياغة العنوان على هذا النحو تمت للتأكيد على أن الحب الذي تتناوله الرواية حب مغاير للمألوف . فهو حب بين رجل تقدم به السن وامرأة كاملة النضج .
صدرت هذه الرواية الكبيرة حجما ً ومضمونا ً عن ” دار غراب للنشر والتوزيع ” في القاهرة عام 2016 ، و جاءت في 546 صفحة تتوزع على أكثر من مئة فصل : فصول قصيرة في الغالب ينفرد كل فصل منها بعنوان خاص به . لكن إذا أخذنا بنظر الاعتبار حجم الحرف الطباعي المستخدم وعدد الصفحات وأنصاف الصفحات البيض التي جاءت في مدخل ونهاية أغلب فصول الرواية فإن العدد الكلي لهذه الصفحات قد ينخفض إلى النصف تقريبا ً.
يتهيأ لك وأنت تقرأ الرواية أن تجدها تنحو منحى ً سيَريا أما إذا كنت على معرفة شخصية بالروائي ، فلن يصعب عليك أن تكتشف أن حنون مجيد دوّن جوانب من سيرته الذاتية في هذه الرواية ويتجلى ذلك منذ الصفحات الأولى من خلال الكشف عن مسيرة عمله في التعليم وإحالته إلى التقاعد ثم عمله في الصحافة الثقافية وإشارته إلى مبيت بطل الرواية خافرا ًأحيانا ً في مبنى الجريدة التي كان يعمل فيها ، فضلا ًعلى كون البطل روائيا ً : ” كنت مشوش الذهن أنتظر رسالة من صديق يقفني فيها على رأيه في فصول روايتي التي بدأت بنشر فصول منها تباعا ً ، في واحدة من صحف بغداد ” ( ص 10 ) ، فضلا ً على اهتمامه بالموسيقى والفن التشكيلي وتنوّع قراءاته وأسماء الروايات العالمية التي أشار إليها في نصه الروائي وإشاراته إلى شارع المتنبي ، مكانا ً ، وقد انطلقت أحداث الرواية منه ، إلى جانب الحديث عن جولاته السياحية .
غير أن شخصية الروائي تتماهى مع شخصية الراوي أو سليم ناصر ( مع أنهما يختلفان دينيا ً) حتى تكاد الحدود الفاصلة بينهما تتلاشى ، وإن كان الروائي قد عمد إلى استخدام الحرف الطباعي المائل الغامق أحيانا ً للتمييز بينهما ، أو لما يجيء على لسان سليم ناصر تحديدا ً . يقول الراوي ” لحظة خيّل إليّ أننا وبطلا المخطوطة نتتابع في الأحاسيس ، في ما يصدر عنهما وعنا . فمن المحتمل أن تكون النفوس نفسا ً واحدة باستثناء ما قد يطرأ عليها أو على بعضها من مواقف طارئة تحرفها إلى مواقع حادة أحيانا ً ” ( ص 107 ) في إشارة إلى ما يمكن أن يطرأ من تقاطع في المواقف أحيانا ً . ونزعم أن مثل هذا التماهي الذي أشرنا إليه مقصود ، يفصح الروائي من حلاله عن ايمانه بالتعايش بين الآديان والطوائف بعيدا ً عن أي تعصب أو تزمت ديني أو طائفي ، وكان الروائي صريحا ً في تعبيره عن أن العراق وطن الجميع . غير أن هذا التماهي يتلاشى أحيانا ً لينفرد كل منهما بشخصه فيتحدث الراوي عن زوجته وأبنيه أحمد وعلي وابنته سهاد ، في حين يتحدث سمير ناصر عن زوجته كلاديس وابنه يوسف وابنته مريم ، بمعنى أن كلا ً منهما ينطلق من منطلق الديانة التي ينتمي إليها .
وشأنها شأن الأعمال الروائية التي تعتمد توظيف الوثيقة أو المدونة ، فإن هذه الرواية تعمد إلى ذلك هي الأخرى . وإذا كانت الوثيقة المعتمدة في الأعمال السابقة ورقية فإن الوثيقة الموظفة هنا رقمية إذ كان الراوي قد عثر على ” قرص مغلف بشريط لامع شفاف مرمي على أرض المتنبي يحمل على صفحته المعروضة للعيان عنوانا ً لافتا ً مرسوما ً بخط الثلث الرصين ، كأنه صادر من بين أنامل هاشم البغدادي الخطاط ، يقول ” المدونة الرقمية ” مع عنوان فرعي أصغر مكتوب بخط الرفعة لا تكاد تتبينه العين المسرعة ” حب هذا العصر “( ص 8 ) ، وهما العنوانان اللذان استعارهما الروائي واعتمدهما في روايته ، ليكون محتوى هذا القرص الذي يغلب فيه الواقعي على ما هو متخيل ، مادة هذه الرواية . وحيث تقوم الرواية على التراسل في جزء كبير منها ، فإن هذا التراسل يجري من خلال الرسائل الألكترونية عن طريق الحاسبة ومن خلال الهاتف النقال ، ثم من خلال الهاتف الأرضي في حالات محدودة تماما ً .
لعل مما تنتبه إليه أن عامل المصادفة ( يسميها الراوي ” قدرا ً ” ) كان وراء نشوء علاقة الحب بين سليم ناصر وبلقيس اليماني ، وهي العلاقة التي ستشكل محورا ً أساسيا ً في الرواية: ” يبدو أنني كنت على موعد مع أعظم أقدار عمري . هكذا فكرت إذ ألقيت أول نظرة عليها ، مع صوت معاونتي ، أقدّم لك مدرّسة الرسم الجديدة ” بلقيس أحمد سليمان اليماني ” ، ثم انعطفت نحوها ، الاستاذ سليم ناصر مدير المدرسة والأديب المعروف ” ( ص 19 ) ولم تكن هذه المصادفة مصطنعة فهي طبيعية واعتيادية ، لكن الحب من النظرة الأولى من رجل متزوج غادر سن الشباب ويقف على عتبة الشيخوخة ، قد يكون موضع تساؤل ، وإن كان هو يقول غير ذلك . فهو يرى هذه المرأة ” لفتة من لفتات السماء وهبة من هبات الله ، ومن أي باب يحكم النفاذ إليها فهي غُـُنم عظيم . وكما يلوح فإنني وجدت فيها ما يَعِدُ بذلك الحب الفريد ، الذي كان يبحث عنه ولا يجده رجل مثلي طوال عمر ناف على الستين ” ( ص 20 ) . ومما يثير الانتباه أن حبه كان في حالة تجدد كلما تقدم به العمر . أحيل على التقاعد وهو في الثالثة والستين وأعيد إلى الخدمة بعقد ( هل سعى إلى ذلك هو نفسه ؟) بعد أن تجاوز سن التقاعد لكن حبه كان يتجدد ويزداد حضورا ً .ومما شجعه على ذلك أنه حين كاشفها بحبه لها نوهت هي قائلة بأن ” ما بيننا أمر رباني ” ( ص 40 ) لكنها لم تذهب عمليا ً إلى أبعد من هذا القول .
لم تكن بلقيس التي أحبها بعمق امرأة مثل النساء الأخريات الاعتياديات فهي فنانة تشكيلية على درجة واضحة من الثقافة فكان هذا عاملا ً في شد أواصر العلاقة بينها وبين سليم حتى إذا صادفت زيارتها لفنان تشكيلي صديق له أنه كان عنده ومن هنا بدأت نقطة تحسسه من صديقه الفنان ” سايرنا الرجل إلى الشارع العام ، معلنا ً عن رفقه الشديد بحركتها وهي تهبط الدرجات ، ويكاد يضع جسده متكأ لجسدها ، ويشد من بعد على يدها ! ” ( ص45 ) . وإذ راودت زوجته شكوك بأن ثمة علاقة بينه وبين امرأة أخرى ، قرر أن يكون حذرا ً في تعامله معها حيت : ” أغلقت الهاتف حذر أن تتصل بي بلقيس أو تسأل عن سر صمتي وغيابي ، خامرني خلالها ، أنا الآخر ، ظن تعلق بنوع العلاقة بينها وصديقنا الفنان ، حينما استعدت في حلم محموم صورة كفه وهي تشد على كفها في انفعال طافح بالمسرة والود ، تقابله بسعادة فائقة حتى لكأنها تفرد له ذراعها الآخر لتلتف عليه ” ( ص 47 ) ، وازداد تحسسه مصحوبا ً بمخاوفه هذه المرة حين اعترف له صديقه أنه يحبها . ومما يلفت الانتباه إلى أن اسم ” بلقيس” واللقب الذي تحمله ، يدلان على أنها ليست عراقية دون أن نعرف السبب الذي جعل الروائي يختارها بطلة لروايته، وقد ظلت هذه الشخصية غائمة على الرغم من حضورها البهي في مجرى الأحداث .
وكان الحب الذي بينها وبين الراوي ينمو في ظروف غير اعتيادية يمر بها البلد وهو تحت وطأة الاحتلال ولابد للروائي من أن يفصح ، من خلال الراوي ، عن الجمع بين ما هو خاص وما هو عام فيعلن عن تعاطفه مع ناس بلده : ” في الوقت نفسه كنت محزونا ً على وطني لكثرة ما يتعرض له من عدوان مصنوع في الخارج منفّذ في الداخل ، كانت آليات الجيش الأمريكي تجوب شوارع بغداد بلا أخلاق وبسرعة مهلكة ، ثم ما تلبث أن تستدير في انعطافات غير متوقعة تحطم فيها الأرصفة الوسط ، تبعثر زهورها ، تخالف السير العام وتذعر الناس وتثير شتائمهم ” ( ص 87 ) .ورغم أن الروائي لا يعلن على نحو مباشر عن زمن الأحداث
التي يتناولها فإن ثمة ما يشي أنه كان يشير إلى أحداث 2007 الدامية ، ويتجلى ذلك من خلال إشارته ” إلى ما كان يحصل في بغداد ومدن العراق كافة ، من قتال الأمريكان من جهة ، والتقاتل بين أبناء الشعب أنفسهم من جهة أخرى ، والانفجارات المدوية التي تحصد الناس الأبرياء من جهة ثالثة ” ( ص 54 ) ، أو عند إشارته إلى ” الطبيعة الغائمة للوضع القائم برغم مرور أربع سنوات على تأسيسه ، وقد عمت الفوضى ، وصار الموت على الهوية مجانا ً ودونما قصاص رسمي “( ص 67 ) .
ولأن الراوي كان قد غرق في حب بلقيس اليماني ، فإنه لا يجد ضيرا ً في أن يكشف عن بعض خفايا حياتها الخاصة فيشير إلى أنها زوجة شهيد وبينها وبينه عقد وأرث وتاريخ ما يزال قائما ( دون الاشارة إلى ظروف استشهاده )، ولا يتردد في الكشف عن همومها الشخصية فيشير إلى أنها ” تواجه هذه الأيام وضعا ً نفسيا ًلا تحسد عليه لصعوبات ترتبط بسفر أخيها إلى خارج العراق طلبا ً للأمن والعمل ” ( ص 64 ) وغابت عن بيتها لتكتشف لدى عودتها ، أن الأمريكان اقتحموه في غيابها وأحالوه إلى ” لوحة سريالية رسمها مجنون ” ، على حد قولها . إنها ترقى لديه إلى مرتبة متميزة تنفرد بها عن غيرها من النساء كما يرى : “بيني وبينها تدور أحاديث كثيرة ، متنوعة صريحة وجريئة ولاسيما السياسية ، العامة منها . وكل ما يدور بيني وبينها يعزز قناعتي بكبر حجمها، امرأة فريدة تماما ً. ولا أظن أنها تشبه في العديد من مواصفاتها بقية النساء ” ( ص 301 ) . ونزعم أن علاقة الحب التي كانت تنمو بينهما على نحو متسارع كانت وراء تكليفه لها بوضع تصميم لغلاف كتابه. وحين انكشفت العلاقة بينهما أمام زوجته لم تتردد هذه في توجيه رسالة تهديد لها كادت تفضي إلى تخريب علاقة الحب تلك .
لقد كان الراوي موزعا ً بين امرأتين : زوجته وحبيبته ، بمعنى أن حبه كان موزعا ً بين جسد وروح : جسد زوجنه وروح حبيبته فيفصح عن ازدواجية صريحة في الولاء وهاهو يشير إلى ” رغبة زوجين كهلين في أن لا يناما متباعدين في ليلة باردة ” ( ص 57 ) ، في أشارة إلى تطمين زوجته لرغبة الجسد لديه . ويكون واضحا وصريحا في وصف آلية الممارسة الجسدية :” لم يكن فراشنا وثيرا ً في ذلك الوقت ، فكانت جلودنا تنسلخ عليه ، يتبين لنا ذلك ونحن نغتسل في الحمّام ، ولم يكن ذلك إلاّ عذَبا ً وشهادة تفوق مشترك لذيذ . أرى ظهرها الأبيض أحمر ملسوعا ً وترى ركبتي منزوعتي الشعر محكوكتين ، فيضحك كل منا على ضريبة الآخر ، ونهزل إذ ينهمر الماء على جسدينا وروحينا ، فنتداخل أونتمازج كرّة أخرى في لذة مبلولة “0 ص 57 ) .
وتستشف وأنت تقرأ الرواية أن ثمة ما يربط بين الذاكرة والمكان ، مثل ممر مفعم بالقدرة على تحفيز الذاكرة وحثها على الاستذكار أو الاسترجاع دون إغفال لدور البصر في ذلك . فمنطقة الكرادة تثير في الراوي ، حين يكون فيها ، البهجة حيث يجد فيها بعض نفسه فيمتدحها ويمتدح ناسها ” الذين يغلب على سيماء كثيرهم طابع العافية والسلام ” ( 33 )وتأخذه الذاكرة إلى بلقيس وهو في زيارة إلى الكرادة : ” كانت هي قرينة خيالي قريبة مني ، حتى خلتني أمسك بيدها وأسير وإياها على الرصيف ، سعيدين بكل ما يحف بنا أو يدور حولنا ” ( ص 234 ) ، ويتذكر حبيبته التي ينتظرها : ” هبطنا ظهرا ً . كنت أنتظر كما لو من بين عتمات الغيب شيئا ً يأتيني منها ” ( ص 73 ) . وفي الحوار المسترجع الذي يدور بين سليم وزوجته كلادبس نسمع ” الكرادة وحدها كفيلة بأن تجدد العراق . لم أشك في كملام زوجتي فأضواء الكرادة التي تغالب الظلام وحدها كفيلة بحفز النفس على إطلاق مثل هذا الكلام ….. إلى جانب الكرادة أحببت الأعظمية التي تسكعت في شوارعها كثيرا ً أيام الشباب ، وكم شعرت آنذاك أن المطر فيها أجمل المطر في بغداد ” ( ص 75 ) . ويعمد الروائي إلى الإشارة إلى كل من ” الكرادة ” و ” الأعظمية ” على سبيل الموازنة بين المكانين من منطلق كونهما منطقتين تمثلان تداخل النسيج الشعبي الملون بغض النظر عن طبيعة الإنتماء المذهبي لساكني كل منهما . وحين يذهب بطل الرواية إلى مدينة السماوة بصحبة صديق له ، يحفز المكان ذاكرته فتسترجع واقعة ” المناضل الشيوعي صلاح ” الذي نفذ بأعجوبة من أسوار سجن نقرة السلمان ” القابع في صحراء السماوة طلبا ً للحرية ” ويمضي إلى حريته الدامية وليس أمامه سوى المطلق المضل ومتيهة الصحراء وعيون بدأت تطلع عليه بأضواء تثقب عتمة أي ستار ” ( ص 83 ) فأسلم جسده لذئاب الصحراء .
حين نضع بطل الرواية تحت مجهر التحليل النفسي سنجده مسكونا ً بالنرجسية والشبق الجنسي الذي يتجلى بالرغبة في المرأة سواء أكانت زوجته ( التي تظل بلا اسم ) او حبيبته بلقيس أو المدرسة أحلام التي اقتحمت مجرى الأحداث على نحو مفاجىء وأبدت رغبتها فيه على الرغم من أنها متزوجة من تاجر يبدو أنه كان منشغلا ً عنها بسعيه للبحث عن المزيد من الثروة : ” ما كان يثير عجبي أن صورة أحلام لم تكن تغادرني أنا . طفقت تعابثني حتى دخلت عليّ غرفتي وتوسدت وسادتي . كنت كل مرة أرتعش وأنا أجلس إلى جانبها أضع يدي على كتفها العاري واقرّب فمي من فمها ، وفي الآن نفسه كنت أستدعي صورة إحدى المرأتين أو كلتيهما بلقيس وزوجتي لكي أقوى عليها ” ( ص 323 ) لكن تلك العلاقة الملتبسة ما لبثت أن انتهت على نحو مغاجىء حين طلبت أحلام الانتقال إلى مدرسة أخرى .
لم يكن الحب بين بطل الرواية و بلقيس بريئا ً أو حبا ً عذريا ً خالصا ًمن جانبه في أقل تقدير . فعلى الرغم من أن حدا ً فاصلا ً ظل قائما ً جسديا ً بينهما ( من جانبها بشكل خاص ) فإنه يقول : ” وجدتني مأخوذا ً بحبها بلا حدود ” ( ص 57 ) ، و ” كنت أشعر أن حياتي الحقيقية بدأت بها ” ( ص 28 ) .ولم يخف رغبته فيها جسديا ً ، وتبلغ به رغبته فيها حد أن يقول بصراحة ” أتحرر من كوابحي وأغلالي ، فأتمناها وأترغبها . استدعي أجمل صورها ولا أمنع نفسي من تملكها ” ( ص 368 ) أو ” ما وجدتها يوما ً إلا لذيذة ودافئة ومشتها ة ” ( ص 302 ) . ولإهدائه لها رواية “أرملة بورتو بيللو ” بما تنطوي عليه من إيماءات جنسية ، دلالته في هذا المجال . ويمكن القول أن إشارته إلى قراءته لرواية ” امتداح الخالة ” أو” في مديح زوجة الأب ” لماريو فرغاس يوسا وهي تتناول العلاقة المحرمة بين الطفل الفونسو وزوجة أبيه ، نتدرج في هذا الباب . إإن رغبته الجسدية هذه وصدود بلقيس عنه جعلته ضعيفا ً إزاءها ” أعتقد أنني الليلة أنجزت شيئا ً جميلا ً . لقد حققت حبي لهذه المرأة الفريدة ، لقد أعلنته بصورة حازمة . لفد وهبتها سيادة عقلي وروحي ” ( ص 69 ) .
وحيث جازف بعلاقته بزوجته حين ارتبط ببلقيس ولم يكن في حاجة إليها ما دامت له زوجة جميلة ومثقفة ومخلصة له وتوفر له كل ما يريد على الرغم من أنه كان يغيب عن البيت كثيرا ً منشغلا ً بعمله في المدرسة وفي المؤسسة الصحفية ( الجريدة ) في أن واحد تاركا ً إياها تواجه فراغ حياتها . ولم يكن يتحسب ، وهو يغامر في الإيغال بعلاقته الخاصة إذ لم يضع في اعتباره ما تنطوي عليه زوجته من نوازع وأحاسيس المرأة التي تحرص على حياتها الزوجية وتماسك أسرتها وهي تكتشف ما قام به زوجها من وراء ظهرها ، لذلك أرادت أن تنتقم منه ومن حبيبته معا ً ، على الرغم من أنه حاول أن يتستر على الغلطة التي ارتكبها بحقها وتراها هي خطيئة وكان عاجزا ً عن تبريرها ” كنت أشعر بكذبي وضعف صدقي وخواء وسيلتي ” ( ص 340 ) و ” لقد مارست الكذب وتماديت فيه غير عالم بما قد يسفر عنه في الوقت القريب أو البعيد” ( ص 34) . فعل ما فعل مع زوجته مع أنه يعترف ” إن ما ينبغي أن أقوله هنا إنني لم أعرف ولا حتى في أفلام الحب الجنوني ، قلبا ً يفيض بالحب كقلب زوجتي ، طهارة ً أم تضحية ” ( ص 343 ) . وبعد كل الجولة الطويلة في مجاهل النفس البشرية تنتهي الرواية بالفصل الذي يحمل عنوان” السفر” الذي يوحي بانفصام العلاقة بين بطل الرواية وزوجته حيث يقرر كل منهما السفر ولكن في اتجاهين مختلفين .
لقد حلـّقت ” المدونة الرقمية ” بكل ما تنطوي عليه من أحداث وأفكار ، في فضاء واسع بجناحين : الحب والواقع العراقي المتردي قي طل الاحتلال . وإذا كانت موضوعة الحب قدأخذت حقها من اهتمام الروائي ، فإن الموضوعة الثانية أخذت حقها هي الأخرى ولكن بدرجة أقل . لقد عمد الروائي إلي تفكيك الواقع العراقي آنذاك وهو في أسوأ حالاته . وفي الفصل الذي حمل عنوان ” استباحات الأمريكان ” يورد محض صور من تلك الاستباحات التي تعرض لها العراقيون فيشير ، كمثال واحد فقط ، إلى ما اقترفه الجندي الأمريكي ” ستيفن جرين ” حين قام باغتصاب الصبية العراقية ذات الأربعة عشر ربيعا ً بعد أن كان قد قام بقتل والديها وأختها ،عادّا ً العراقيين ليسوا بشرا ً ” يدخل جرين البيت بحرية فائقة ، وبالحرية الفائقة عينها يسحب مسدسه الأمريكي الأسود السريع الطلقات ، ويقتل ثلاثة أنفس بريئة ويقوم بجريمته ، لقد أغراه جمال فتاة بكر فسقط في شهوته فأسال دمها مرتين ” ( ص 77 ) .
وفي الفصل الذي يحمل عنوان ” إلى مدينة السماوة ” يورد الروائي مثالا ً آخر على صلف الجندي الأمريكي . ففي الطريق إلى السماوة والراوي وصديقه في سيارة ذلك الصديق : ” ها نحن بمواجهة الأمريكان بدباباتهم التي حرنت وسط الطريق العام ، فوهات أسلحتهم موجهة نحونا ” ( ص 82 ) . يطلب أحد الجنود منهما أن يرفعا أيديهما للتعبير عن الإذعان ، فيفاجأ برفض صديق الراوي ذلك في مثال على الصمود والمقاومة : ” ذهل الجندي الأمريكي على قرار صلب غير متوقع ” ( ص 84 ) فيتراجع . يقول الراوي بهذا الصدد : ” أتذكر أن شابا ً من محلتنا مر بالقرب من دبابة عليها جنود أمريكان ، يحمل موتور مبردة كان أصلحه توا ً وها هو يعود به إلى بيته حاملا ًإياه بيده على كتفه وكان الوقت مساء فظنوا أنه يحمل قنبلة سيلقيها عليهم ففاجأته رصاصة اخترقت صدره ( ص 85 ) ، ويرسم هذا المشهد المأساوي صورة للرعب الذي كان يستبد بجنود الاحتلال . وتضاف إلى ذلك عمليات الاقتحام القسري للبيوت وتحطيم الأبواب والاستهانة بأعراض الناس وسرقة ما يملكون من أموال ومصوغات . وتورد الرواية نماذج لها ، فيقول الراوي وصاحبه : ” كم سيكون حجم اللعنة التاريخية التي حلت عليه ، ذلك الذي ضللهم بـ ” الطريق المفروش بالورد ” ( ص 82 ) ، ليجدوه مفروشا ً بالموت .
وفي عملية عرض لجوانب من تاريخ العراق الحديث ، تتوقف الرواية عند ثورة 14 تموز لاسيما في العامين الأولين منها وما تحقق في ظل قيادة الزعيم عبد الكريم قاسم الذي لا تخفي الرواية تعاطفها معه وانحيازها إليه . وما تلبث أن تتوقف عند الحركة التي قام بها نائب العريف حسن سريع في 3 تموز 1963 وحاولت تغيير الوضع الذي نشأ عن انقلاب شباط 1963 . يصف الراوي محنته عندما ألقي القبض عليه وهو يتمشى عصرا ً في شارع أبي نؤاس واتـُهم بمشاركته في الحركة ، ويصف في الفصل الذي يحمل عنوان ” مفاجأة شارع أبو نؤاس ” ما جرى له ولآخرين معه من تعذيب وحشي ، حيث كان على المرء آنذاك أن يعترف كاذبا ً بجريمة لم يرتكبها : ” ولكي تنقذ نفسك من الموت بالتعذيب الطويل ، عليك أن تعترف ـ أن تقول نعم كاذبة وتأخذ جزاءك أما بموت سريع أو بسجن لا تعرف مداه ” ( ص 487 ) .
تقترب الرواية من نهاية أحداثها في مساء 31 / 12 / 2007 ، ولهذا الموعد دلالته فهو يشير إلى نهاية سنة قاسية على العراقيين كان من عناوينها الاقتتال الطائفي و الموت والتعذيب والاختطاف والقتل على الهوية والجثث الملقاة على المزابل أو تلك التي تطفو على الماء . لكن إذا كان هذا قد انتهى بعد ذلك التاريخ ، فإنه ما لبث أن عاد بصورة أخرى و ” بأساليب أصبحت لا تحصى للترويع والابتزاز والخطف والتهديد بإخلاء السكن والقتل ” ( ص 25. ” ) .
إن هذه الرواية تحفل بمشاهد بانورامية للوضع المتردي والمأساوي الذي مر به العراقيون وما زالوا يمرون به ما دام القانون غائبا ً ” بفعل غقوة مسؤوليه على أحلام المال المتاح للسرقة بالأطنان ” ( ص 250 ) .
على مستوى البناء الفني تقترب الرواية من شكل اليوميات أو المذكرات ، وقد تبدو بعض فصولها مثل قصص قصيرة قائمة بذاتها ، ترفده لغة تتوافر على صياغات تبدو معها كأنها قصائد منثورة .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *