قصي الشيخ عسكر : الرِباط (رواية مهجرية) (القسم الأخير)

(17)

كنت في لحظة فرح تام إذ نام جاري تحت تأثير الحشيش، هذا آخر لقاء لنا .. لابدّ أن تلتقي الوجوه هكذا يقولون ليكن ذلك بعد خمسين عاما، فإذا أطل الصبح حملت حقيبتي الصغيرة من دون ضجيج .. كالنملة أخرج متسللا .. لقد تركت معظم ملابسي في الغرفة .. فها هو زمن الهجرة واللجوء يطل علي ..
عوالم جديدة أقتحمها حتى خشيت أن أنام فيسرقني الوقت ..
لم أدر حقا كم مر علي حتى غفوت ..
وجدت نفسي في حلم غريب .. البلدان تناثرت أمامي .. في الزبير أنتظر مع التلاميذ قدوم سيادة الرئيس .. يأتي مسؤول المنظمة يصيح فينا الرئيس اتجه إلى شط العرب .. التنومة .. عرفنا أخيرا أنّ الإعلان عن زيارته للزبير تغطية حتى يفوت الفرصة على الأعداء، قلت لمسؤول المنظمة: جمال رفيقي تناثر في المدن البعيدة والقريبة، لكن المدن انشطرت أمامي، وللمرة الأولى أسمعه يلين ويخرج عن صرامته الحزبية قال لي:اذهب .. المغرب أمامك صحيح إنها بعيدة .. سوى أن قرص الطين حطّ من الحذاء عن غير قصد على وجه الرئيس السابق .. اذهب الله ومحمد وعلي معك .. لن نقول للمغاربة وحدة حرية اشتراكية .. بل العمل متوفر .. والدراسة .. اذهبوا .. ليأتوا هنا أولا ثم يتعلموا أمورا كثيرا غفلوا عنها واستغفلهم العالم بها .. قدم نحوي المسؤول، قلت له أنت لا تعرف جمال لكنّ الحشيش يطرد الجسد عن الهموم في حين إن العرق يطرد الهم عن الجسد فأخذ أذني بين سبابته وإبهامه وعقب: مازلت واقفا .. اذهب .. المغاربة ينتظرونك .. اذهب..
هل قفزتُ من البصرة إلى الرباط؟
الرئيس غيّر موكبه، والغريب وجدتني أقف في شارع محمد الخامس، قيل هو يوم افتتاح البرلمان، وصاحب الجلالة في الطريق، وقفت مع الحشود على الرصيف .. أي رصيف لا يهمّ .. أعلام حمراء لم أكن التقيت مليكة بعد لكني تركت المحتفلين والأعلام الحمراء وغادرت وحدي الرصيف أما زغردات النساء فكانت تلاحقني .. طاردنني بين شارع محمد الخامس والحسن الثاني: هل تصبّن ياسيدي فجئت أطرق بابا مغلقا اكتشفت أن مصراعيه انفتحا قبل أن ألمسه، فدخلت وانغلق خلفي، وإذا بي وجها لوجه أمام الحسن الثاني ..
أمير المؤمنين ..
أحجمت عن أن أتقدم أية خطوة .. لست بخائف ولا عاجز .. للمرة الأولى أكتشف أن اسمي يطابق اسمه .. أنا هو أنا ملك .. أقفز بلحظة من الزبير إلى الرباط .. والذي قطع عليّ أفكاري جهاز غريب على مقربة من جلالته تبينت أنه آلة تسجيل انطلقت منها فجأة أغنية سمعتها من الإذاعة وفي الشارع ومن شفتي صانعة التسريحات فاتحة:
إياك جرحي جريت وجاريت
وعالجت ..
هل هناك من سجل كلامي من أول يوم دخلت فيه المغرب إلى هذه اللحظة؟جمال اختلطت عليه الأمور .. يتوهم أن فاتحة هي مليكة سوى أني سمعت أن الجنود الذين رأوك أثناء المؤامرة يوم كانوا تحت تأثير المخدر ألقوا السلاح وجثوا أمامك .. مازال باب المكتب قريبا من ظهري .. بقي الحسن الثاني ينظر إليّ وابتسامة ما تعلو شفتيه .. شفقة .. شماتة .. توعّد .. ابتسامة غامضة .. هل نادى على كل شخص يحمل اسمه أم وحدي دعاني؟ياصاحب الجلالة المسألة بدت بسيطة جدا .. بل لا مشكلة أساسا .. التقينا واتفقنا على الزواج .. رائع .. كان ذلك قبل أن يتدخل بومدين ووزير خارجيته وجلالتكم أيضا .. مادمتم مختلفين فلي القدرة على أن أخطف مليكة فنذهب كلانا إلى البصرة .. أرض الله واسعة .. هل تصدق أن الخميني تدخل في آخر لحظة وقد زاد الطين بلة لسوء الحظ أن سيادة الرئيس اختلف مع حافظ أسد .. في بلدي نحذف الألف واللام .. فهو نفسه وليس بشخص آخر ولكني رأيتهما في مؤتمر القمة الأخير عندك في الرباط يدير كل منهما ظهره للآخر على عربة تلف بهما الرباط ولا أخفي جلالتك أي سرٍّ .. أقف أمامك كما جلست مع الضابط الذي سألني عن شظية الطين منذ ذلك الوقت فقدت مليكة .. يا صاحب الجلالة .. يبدو أني دخلت خطأ .. معي تقرير أقدمه للرئيس المشغول بالقادسية، صاحبي دخن الحشيش أما أنا فقد بدأت الأمور تختلط في ذهني .. بدلا من مكتب سيادته دخلت مكتب الحسن الثاني .. أنا لم أسيء إليك .. يا جلالة الملك لم أر الا الجمال في الرباط اقسم لك على ذلك كل ما حولي جميل ذي فتنة وبهاء حتى اني مع مشهد الحسن والبهاء تجاهلت ذلك الوحش الوسخ ..في العشرين من عمره. لمحته من خلال الزجاج داخل المطعم ينتظرني ان اكمل نصف الدجاجة ليلتهم بعدي العظام الم اقل لجلالتك ان كثيرا من الأمور غير الجمال لا تعنيني قط؟ .. ها أنا غدا أرحل لم أقل للمغاربة أمة عربية واحدة .. أرسلتهم للشغل والدراسة .. كل ماقيل سمعته ولم أشترك فيه .. زوجة أحد وزرائكم أغوتها كوافيرة، فنامت مع سعودي جمحت به الفحولة فعض حلمة ثديها .. مجرد سماع، في الوقت نفسه جمال عاجز عن ممارسة الجنس وهو يثبت براءتي .. لكن هل تعمد “جندب ” ركل صورة الرئيس بالطين، بعد أسبوعين يحل رمضان .. الكذب حرام .. لا أعتقد أن هناك علاقة لـ “مليكة ” أو ” فاتحة” ” بقضية الحادث الذي تعرضت له الأميرة .. وأنا بعيد عن موضوع انقلاب السيارة بأختكم المتزوجة وعشيقها الفرنسي .. خرافات .. هل كانت لكم علاقة بزوجة الجنرال أفقير .. أعتقد يا صاحب الجلالة أني اشتريت علبة بودر لتنظيف الملابس .. فتجمعت حولي تظاهرة من النساء الواقفات على الرصيف عند تقاطع الشارعين، هل أنت بحاجة إلى من يغسل ملابس؟ تصبِّن يرحم الله والديك؟ كن يسألن .. بعضهن تشاجر .. فلم أجد بدا من الهرب إلى أقرب مقهى .. مثلما طاردنني الآن إلى مكتب جلالتكم .. هذا ماحدث منذ شهر تقريبا .. قد أكون تذمرت .. كنت في موقف حرج، ولا أظن الاغنية انتهت، جريت وجاريت اياك جرحي .. لعلك سمعت بأغنية العيد، أغنية عراقية .. المغني مات عام 1963 أنتم تسمعونها الآن .. أيّ شيء في العيد أهدي إليك .. هل يسمح لي صاحب الجلالة أن أجلب له شريط أغنية العيد .. أي شيء في العيد .. لطيفة التي ساعدها جمال على السفر كانت سمراء .. جميلة .. أما فاتحة فيمكن أن تغني أية أغنية في حين كانت فاتحة شقراء بضة لأقل أقرب إلى البياض والشقرة .. لو كان في عينيها بعض الحول لبدت أجمل أما مليكة فهي حنطية الملامح يتداخل بياضها بسمرة .. وتريد أن تسافر معي إلى العراق ..
ظل الملك ينظر إليّ .. ويطيل النظر ومازالت ابتسامة ما تعلو شفتيه ..
وبقيت لا أتقدم أو أتأخر ..
تقرير حلم أم حلم تقرير .. كابوس خفيف، جمال دخن سيجارة حشيش فلماذا أهذي .. لا أدري أحلم هو أم خيالات .. متى نمت لكني وجدتني في الصباح أستيقظ مبكرا .. كانت الساعة تشير إلى السابعة .. في صدري انقباض لم يصل إلى حد اليأس من الحلم ..
قد يكون هذا آخر نهار لي في المغرب ..
جمال لما يزل نائما .. ارتحت جدا للأمر .. بعد أيام يكتشف خبري .. خائن .. عميل .. ليقل الآخرون أي كلام .. إذ من الواجب أن أكتب تقريرا .. ملخصا .. لأسمه ما أشاء عن تجربتي في المغرب .. لقد قلت ذلك أمام الملك .. بالغلط .. ليقُل الآخرون أي كلام .. ماعلي إلا أن أقتنص الوقت .. حملت حقيبتي ثم أغلقت الباب بحذر .. وخرجت ..

(18)

في تلك اللحظة كنت أمارس الهرب ..
خلال دقائق استرخيت في سيارة الأجرة التي كانت تنتظر راكبا آخر .. الموقف يقودني إذا ما اتجهت يسارا نحو سوق السحرة .. ياترى لِمَ لم أنصح جمالا بالذهاب إلى هناك لعل ظهره مشدود بفعل ساحرة .. كيف نسيت ذلك، بأي شيء أتلهى إلى أن يأتي الراكب الخامس، هممت أن أدفع أجرة راكبين لولا أن فكرت .. أمامي طريق طويل .. وماعلي أن أفرط بنقودي .. أمامك سفر طويل .. قد يكون طويلا، وعسى الكابوس الناعم الذي رأيته البارحة يمر بسلام ..
وانطلقت السيارة، ومع كل خطوة كان الهاجس يصغر ويكبر هاجس الخوف والفرح والخلاص .. إلى هذه اللحظة لا أثق بحلم عثرت عليه مصادفة البارحة فتوجست منه وارتحت إليه .. لقد بدا غريبا متناثرا أشبه بثوب مرقع غير أن كل شيء بات يسير على مايرام .. أول ماسمعت عن الحرب في المغرب .. الرباط أول مدينة أخبرتني .. خلال فترة الاستراحة عند الظهيرة في الصالة كانت إذاعة الرباط تعلن أن الجيش العراقي عبر الحدود الإيرانية .. أنا الآن أغادر الحرب من المغرب التي حفظتني كل الأشهر السابقة ومعي في رحلتي حلم يتذبذب بين التفاؤل والتشاؤم .. أمامي وقت طويل لرحلة اليوم ..
الساعة التاسعة أستقل الطائرة فهل تجري الأمور على مايرام؟
ياله من يوم طويل ممل ..
ثقيل يتلاعب بي ..
منتصف تموز قدمت .. أحسست ذلك الصباح وأنا أتهادى على الرصيف بلسعة هواء بارد وقطرات من الندى الأنيق تلامس جفنيّ .. فأدركت أي حر ورمل خلفت ورائي .. إنها سنتان ثم أعود إليك ياجدي تموز .. لم تكن مليكة قد اعترضت طريقي بعد، وهاهي السنتان تنصرمان تتلاشيان مثل حلم، فأجد نفسي في مكان آخر ..
وحيدا
من دون مليكة
الدار البيضاء تستقبلني .. لا أرغب في أن أذهب مبكرا فلربما تقع عيناي في المطار مصادفة كما البارحة على وجه لا أود أن يراني .. هنا في الشارع لو التقاني أحد يمكن أن أدعي أنني أنتظر صديقتي كي نسافر إلى مراكش .. أتحسس صدري .. أطمئن على جواز سفري الذي وضعته مع معظم نقودي في محفظة جلدية تدلت من رقبتي على صدري .. لو ضاع .. لو سرقه نشال .. إذن سأعود إلى الرباط .. أتزوج مليكة سواء وافق السيد” الزياني” أم لم يوافق وليكن مايكون بعد شهر العسل .. الجبهة أم السلام .. إن لم تكن مليكة سأتزوج من فاتحة فأبقى معها في الرباط. وليكن مايكون ..
لكن مادامت الأمور تسير على مايرام .. فَلِمَ أشغَل نفسي بالتوافه .. ؟:
– هل تعجبك هذه القطعة؟
– ماذا؟
– أجنبية صناعة أوروبية!
يقطع علي أفكاري بائع ملابس متجول. يحمل بيد حزمة من القمصان وباليد الأخرى حقيبة .. أبتعد دون أن أجيب .. شكلي – إذ أبدو حاملا حقيبة، وأتطلع في المحلات – يدل على أني حديث عهد بالمدينة .. سائح .. عابر سبيل .. سأكون هدفا للمتسولين والنشالين .. والقوادين .. غير أني لا أعرف الدار البيضاء كما خبرت الرباط .. لا بد أن أبقى هنا بضع ساعات ..
– هل تبحث عن شقة يا سيدي؟
– لا أبدا.
– حسنة لله ياسي ..
أبتعد ثانية .. مثلما هربت من العاملات اللائي رأين معي علبة مسحوق للغسيل فتجمعن حولي .. أدخل مقهى. أطلب كوب قهوة بالحليب .. وتروح عيناي تراقبان المارة عن بعد .. جمال مازال نائما، وأنا شخصيا على الرغم من حبي لأفلام الكاوبوي .. لم أرها تتداخل في حلم الليلة الماضية الذي تقاطعت فيه كل الأشياء، ماذا سيكون موقفي لو أن كمية الحشيش التي دخنها أكبر مما يتحمل .. لا أظن أن أحدا يدق علينا باب الشقة، ولو حدث ذلك للضرورة فإن الطارق سوف يعود غدا .. أقصى احتمال ثلاثة أيام .. أربعة .. في هذه الحالة أكون أنا قد وصلت ” أوسلو “. أظن جمال لم يمت فلتكن أفكاري مبعثرة مثل حلم مضى .. سي ” الهبطي” يقول إن أخاه كتب له من بغداد .. إنها بعيدة عن الحرب .. ياسي حسن أنتم العراقيين شجعان مثلنا نحن المغاربة .. هناك في بغداد سي عبد القادر الكيلاني يحرسكم وعندنا هنا في المغرب المولى إدريس ..
لكن متى تنتهي الحرب بل متى تتغير الأوضاع لأعود مبكرا؟
ضحكت من نفسي .. وتساءلت مرة أخرى: لِمَ بدأت الحرب إذا مادامت ستنتهي .. لكل شيء نهاية هكذا يقولون حتى إنّي صدقت، فكم أنا ساذج لا لأني وضعت نهاية للحرب بل قبل أن أبدأ رحلة الهرب الطويل فكرت بالعودة مبكرا .. أمنيات تبدو الآن أقرب منها إلى المحال!
– قهوة بالحليب وسكر مضاعف أما المرارة فآن لها أن تترك ريقي!
لو سارت الأمور على مايرام، لكنت أعود إلى مدينة الزبير حيث الرمل وجدي تموز الغارق في الحرّ .. كنت أغادر المقهى، فأستقل سيارة إلى المطار .. وإن كان هناك شوط من الساعات يفصلني عن زمن الرحلة كأني أخشى من رصيف الشارع أن يلتهم خطواتي .. أريد أن أتحرر من الحلم ومن سذاجة سي ” الهبطي” وخوفي من أن ألتقي الملحق الثقافي أو غيره .. سأقول إني في سفر مدة أسبوع إلى أوروبا .. الخوف بدأ يتلاشى. ولم أعد أبالي بأي شيء .. حلم البارحة حررني من أيما خوف .. راحت السيارة تنهب بي الأرض .. وأذناي تستبقان الوقت لتلامسا بعد ساعات من الانتظار الممل شفتي مضيفة الطائرة وهي تعلن قبل الإقلاع:
اعزائي المسافرين على طائرة الخطوط الجوية الملكية المغربية المتوجهة إلى أوسلو يرجى ربط الأحزمة والامتناع عن التدخين
عندئذ تنفست الصعداء ..
وخرجت من المغرب
ومن الحرب،
كما لو أني لم أدخلها من قبل!

نبذة عن الدكتور قصي الشيخ عسكر
• قصيّ الشيخ عسكر: ولد عام 1951 في نهر جاسم – البصرة. وحاليا يحمل الجنسية الدانماركية.
• حصل على بكالوريوس في الأدب العربي من جامعة البصرة 1973، وماجستير في الأدب العربي من جامعة دمشق بدرجة امتياز 1986، ثم درس اللغة الإنجليزية في معهد كامبردج في كوبنهاجن خمس سنوات، واللغة الدانمركية في مدارس الدانمرك لمدة ثلاث سنوات.
• نشر كتاباته في العديد من المجلات المحلية والعربية مثل: الموسم، العالم، الموقف الأدبي (سورية)، العربي (الكويت).
• دواوينه الشعرية: رؤية 1983، صيف العطور الخرساء 1985،عبير المرايا 1992 .
• أعماله الإبداعية الأخرى: عدد من الروايات منها: المعبر 1985، سيرة رجل في التحولات الأولى 1986، المكتب 1989، شيء ما في المستنقع 1991، للحمار ذيل واحد لاذيلان 1992، رسالة 2016، الرباط 2017..

 

شاهد أيضاً

سامية البحري: رسالة إلى الإنسان.. فقط الإنسان

“وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم” لا تخجل من خطاياك ولا تبح بها لأحد. . …

فائز الحداد: رقصةُ الأنسة كورونا

على جنح خفاش همجي ولدتِ راقصة باليه منشطرة من دم التنين.. وأغنية الطاعون تهلهلُ على …

رفوفٌ ملتهبة
بقلم: أسيل صلاح.

يحتلني الدمعُ بلا مقاتلين أو خطاب تُمسكني الأربعون كقبلةٍ مائية جف عنها الصدى بين سطرين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *