الرئيسية » ملفات » د.نوافل الحمداني : قصيدة القمح وسردية النص الشعري عند (ياسين طه حافظ) (ملف/2)

د.نوافل الحمداني : قصيدة القمح وسردية النص الشعري عند (ياسين طه حافظ) (ملف/2)

إشارة :

يسرّ أسرة موقع النافد العراقي أن تدعو الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء ملفها هذا عن الشاعر الكبير “ياسين طه حافظ” “آخر خطباء” الشعر الحديث الرائي الراقي المحكم الجميل الذي طبع بصمته على خارطة الشعر العراقي والعربي ولو توفّرت له الترجمة لقلنا العالمي . قدّم أعظم الخدمات للثقافة العراقية شعرا وترجمة وبحثاً عبر أكثر من ثلاثين كتاباً. وعبر مجلة “الثقافة الأجنبية” التي كان أول رؤساء تحريرها ومن رسم شخصيتها المتفرّدة منحنا خزينا ثقافيا هائلا. والأهم من ذلك كلّه هو هذا الإيمان بحياة كلها شعر وزهد بالأضواء وعمل صامت دؤوب من أجل الإنسان. تحية للشاعر والإنسان الكبير ياسين طه حافظ. 

المقالة :

الاداء والصيرورة:

يتجه  الوعي السردي عند ياسين طه حافظ في مجموعته (ما قاله آخر الخطباء) نحو رصد  الحدث السردي وتمكين الفعل وتحميله دالات  ذلك الحدث أداء وصيرورة، وقد  أكد التبئير النوعي لفكرة التداعي بين الحدث والدلالة، نوعا من التقاطع في  قصيدة (القمح) لاسيما بين مايمكن أن يتحقق على مستوى النص

 أوما يمكن أن يجسده الحدث على مستوى الفعل في إحالاته الدلالية، ولاريب في إن الناظر لمجمل انجازات هذا الشاعر يجد اشتغال نصه على بؤرة فاعلة تتمثل في انحيازه الى فضاءات زاخرة من الانزياح في تشكله البنائي أو في تجاوزه لقيم الشعرية بانفتاح رؤيوي يؤكد تنميطا شعريا سرديا يعنى بالواقعة الحياتية، في تشكل حدثها باطراد دلالي متنوع، يرشح لغة متفردة ويثير إِشكالية لأجواء الصورة الشعرية  في المزاوجة بين الاتساق أو الانسجام والمخالفة.

        ان ترسيم الأنا الشاعرة لصناعة شعرية تلتزم اللغة أولا ومن ثم يسير معها منسجما على مستوى من الأداء الشعري، يجعل النص ينخرط بأصالة في تمثيل قيم شعرية و اسباغ تعطيل حركي يمثل نمطه تداولا نظميا، و يتطلب تحقيق هذا المستوى خوضا في بؤرة الحدث السردي ويحتم كشفا تداوليا لأبعاد البنية السردية ومحددات تمايزها، وميدان دورانها، فالنص غالبا، مايعتمد بؤرة سردية معينة، تأتي على شكل انتظامات ذهنية تدور حول ثيمة حدثية، ولعل كشف  استطلاع لقصيدة القمح، ما يؤكد هذا المفهوم، إذ أنه يعتمد نظاما ارتداديا يعكس كثيرا من حيثيات الصور الجانبية ليستشف النظام السردي أو أنه قد يفجر موضوعاتها على نحو غير متوقع، يبدو واقعا في تمثلات القصيدة وانتقالاتها المجازية التي تؤطر تمثيلا ذهنيا يستجلب له كل ممكنات الانزياح في السرد من صورة فكرية واعية، وانتظام ادائي، وتقمص لاجواء المكان وأبعاد الشخصيات وإشراقات الصورة، فضلا على اتساق لغوي يسانده  نظام آخر (شعري/ صوتي) يسهم ايقاع  التوازي في تشخيص انفتاحه الشعري  أو تعطيل انبهاره السردي.

بؤر التوتر:

لاشك في أن السرد الشعري، لاتستوضح مراميه الدلالية الا عبر لغة متراكبة تختزن كثيرا من تداعيات المنطق وصور الواقع، أو أن تذهب مرجعيته الى اشهار الصورة وعيا عجائبيا ينقل الإحالة من وعيها الظاهري المتلمس الى وعي اسطوري جاذب قد نجد له تمثيلا على مستوى الواقع  وقد لا نجد ذلك إلا في مخيال وقاد يطري ذاكرة القصة ويغنيها:

كان القطار هناك ينتظر الحمولة

كانت العربات من صدأ و شمس

تفسح الرهج الذي يأتي به القمح المرحل

كانت الاكياس تغفو حالما، تلقى كأن 

انهت حكايتها

ظل الشذى قلقا يحوم بأنتظار الريح 

تحمله وتمضي 

يشير تفعيل  بؤرة الحدث على مستوى دالات النص،هنا،على التدليل الواعي لموضوعة القطار، غير أن هذا الايعاز الى فعل الحركة بالتطور على مستوى السرد، سرعان ما يتوقف، نظرا لانحسار كواشف النص وتداني محايثات انطلاقه ولأن مؤثرات الصورة السردية مضطربة عنده لحظة التكون فهو بحاجة الى أن يذعن فكره الداخلى لإرهاصات  التقلب(حدثي// زماني)بدلالة الفعل (كان) الذي يحيل في الوقت نفسه على صيرورتين:

الاولى، زمانية للايحاء بأن البعد السردي قائم في استشرافه، هذا لايعني ان الزمن كان يتوغل في التداعي السلبي عنده لأن إلماعاته الذهنية (ان صح التعبير) لا يمكن نكرانها:

كانت العربات من صدأ و شمس.  

      فالمشهد يكتنز فعل السرد (كان) عن طريق  تحويل المثير السردي (العربات)، بوصفه ايقونة نظام يسعى الى استيلاد كل محكمات الصورة السردية، واذ هي تؤسس منطلق الحدث، تنهار على اساس مقومات التمكن لفعل الاداء، ويأتي المؤشر الدلالي: (من صدأ وشمس) للإيقاع بذلك.

وللاشعار بأن الزمن ليس بوصفه اللغوي، انما هو زمان فلكي مستفحل مكانا واقعا، على ضوء ذلك يمكن ان نقول ان ذاتية التقابل  قائمة بين اللفظين:

صدأ          شمس

او حدوث تداعي النفي في قوله،  ما نريد قوله أن الصورة التواردية في(لولا) جاهزة: لولا تحقق ثيمة المحرك السرد (الشمس) لما كان بالامكان تحقق الافتعال في بؤرة التوصيف: كانت العربات من صدأ وشمس 

 الثانية: لعل القارئ يسأل، ماسر هذا الترابط التعليقي بين  إمكانات القمح  بوصفه مولدا ذهنيا فاعلا يحرك الفكر العرفي الشعبي ويثيره بفضل ما  يتركه في الذاكرة من علامات تحيل على الأرض أو على حبها وربما نذهب بعيدا  إلى إشاراتها النفسية وانعكاسات ذلك في النماء والخصب والحياة وقد تكون مواسم الحصاد سيمياء راسخة على الوجد الطفولي والحب الآخر النهم وهو مستولد أكيد من تداعي الإيحاء في تشبيه المفعلات السردية الصورية لحقول القمح، في تداعيات الانفعال وبث الانشراح وتنامي الميول في الإحساس بالحب  ومكابداته وبين انجازات الصورة في تراكب حيثيات لاعلاقة لها بمستوى الفعل المنجز على الصورة السردية، يزاد على هذا، ان الشاعر في احيان كثيرة ينسى بؤرة انطلاقه السردي، لينكشف على شعرية توصيفية ذات حضور نسبي في تطوير فن الحبكة عنده إزاء حالة التراخي السائدة في عموم بنائه الفني:                                          

ظل الشذى قلقا يحوم بأنتظار الريح 

تحمله وتمضي 

     وبعد ان استمكن الشاعر في التأسيس لبؤرته الشعرية الاولى تنادى الى الأخذ بمبدأ  التنامي في توسيع ذاكرته النصية، في التداول، اوفي التحويل، او في اشهار حدث ما ومن ثم الذهاب الى تجلي آخر استظهارا لدلالة معينة دون غيرها  ناقلا فاعلا، أو مفعلا للحدث على نحو مؤثر، يتمثل به ليظهره بحسب تنقلات خارجية، تنبثق مع بؤرة السرد في الداخل الاصل، لكنها قد تبتعد عن معيارية النص في الانفتاح أو الانغلاق إلى أولية تمكين الاداء و تنامي توصيفاته ومن ثم الولوج في بقعة من الحركة، ناضجة وقابلة للمناورة:

وأنا أمر هناك = جارتنا بخطوتها العزوم  

     لكن، ما استدعاه الشاعر الى ساحة التمثل  في الإثارة ومن ثم الإصابة، منهجه في التعاطي، يبين ايدلوجية فكرية، وترسيخ حدثي يظهر السرد على نحو فاعل، وان كان التوتر جاثيا، لذلك كان تداخل صورة الأنا وجارتنا هناك، تفك عرى ثيمات متداعية ومجهولة عائمة، تبدو، في فعل القطار أو في فعل العربة حلما واهيا، دون الخوض في تحصيل الدلالات الحدثية حتى لو كان القطار بؤرة نصية انطلق منها السرد على نحو جاذب وقابل للمفاضلة أو الموازنة، لكن مانعنيه موازنة التمنع، أي ان شخصية (الانا)  إذا كانت تستدعي رشاقة الوعي وقوة الملاحقة، في شخصية (الجارة) التي جاءت التوصيفات في تمثيلها متماسكة في الوقت نفسه ومتباعدة، لاثارة أكبر قدر ممكن من العواطف والنوازع النفسية في صورة سردية مفعمة بالرومانسية والإثارة:

ولونها القمحي يختصر الطريق، تقول:

هذا الدرب أسلم، هل تشم شذى الجذور

 ونفحة القش المبلل، 

     قد لاتبدو، هذه الصورة مفتعلة، على مستوى السرد النصي ولاسيما، الواقع منها على أبجديات الترميز لواقعة الأرض في مجمل أفعال التوصيف الذي انجز تداخل الأجناس في تصوير حيثيات التشكيل الفني على نحو فيه كثير من الاصالة والتجدد، واذا كانت هذه الصورة السردية شائعة في معظم أعمال السرد العراقي الا ننا وجدنا تأمين النفس والتعطش الحسي _ هذا التأزم _ جاء بفعل التوتر في الصورة  السردية وتهيؤات الحدث الحسي واستفعال المكان/الأرض في التوثب والانجرار، نحو شعرية باهرة  تصف الحسي والمسكوت عنه: 

تشم     شذى الجذور 

نفحة    القش المبلل 

    والشاعر لايرى بأسا، من اعتماد مشاهد انتقال تتجاوز مبدأ الترخص للتمثيل الشعري، فلا بأس من الربط بين القمح والنخل بوصفهما ملمحين اساسيين من ملامح أصالة البيئة العراقية الطافحة، اذ هي تشتمل  ذاكرة مكان متخصصة في عرف الوعي الشعبي:

في الحقول ترى العجائب

كانت فسائل هذه النخلات اذ كنا صغارا 

هل ترى

كبرت ويسقط تمرها في الصيف نلتقطه 

اذا جعنا – توق الدرب، …….

ولعل في تشخيص الجارة بتراصفات توصيف التشظي لحقول القمح انجذاب قدرة على اثارة الاداء في تفاعلات السرد، فلا تكاد تخلو، دالة مشهدية واحدة، من دالات هذه الثيمة، من  اشارة الى هذه الشخصية، أكان تصريحا، او تلميحا، وهذا حسن، اذا ادركنا ان القصة برمتها تتطلب رؤية حدثية نفسية أولا، تداعياتها موزعة بين الحقل و القطار، ولكنها تترسخ بحسب مدخول تأسيسي بين السارد و تهويلات التنكير في شخصية الجارة، فهي في لغة السارد، مرجعية طارئة في بؤرة السطح من القصة: 

قالت: عطشتَ، الصيف لم يبرح حرارته تقرّبْ 

وابترد، رقت شفاهك، ايها الولد اقترب

   هذي مرايا الله، رائقة وصافية الا تدنو وتشرب  

      ويقف القارئ مبهورا امام تزاحم هذه الصورة الرائقة، بكل دالاتها المتنافرة في مكمن الوعي الذاتي تحديدا لأبعاد الغريزة وهو نوع من التفعيل لمجمل غرائب الصورة في تراكب الحدث ابتداءا واحتباكا اذ ان الانغراز وبهذه الصورة في استعجال ايقونة الحس، داخل نفسية السارد، يفاجئ المتلقي بسبب انتظام وتيرة التصعيد عنده فيما أسس، لكن اشهار التوتر في بؤرة التفعيل الحسي على هذا النحو ليشير الى نوع من الانبثاق بدأ الشاعر يتوسله لازالة ندب الاحباط والكشف اللذين كانا يمثلان المعادل الموضوعي لصورة الجارة، بوصفها مولدا حدثيا يبنى على اساسه كم هائل من الاحداث، تتراكب بما ورثه في طباق التراسل الحسي، ازاء تراخي وتداعي الشفرة في بؤرة الانطلاق

 شمرت للماء تكشف في الفضاء ذراعها الريان 

شعت بضة تلك الذراع 

الماء يركض فوقها 

الماء جُنَّ من الفرح    

     وقد يستغرب المتفحص لمجمل اعمال الشاعر ياسين طه حافظ ايغاله في تطلب صور شعرية غاية في التفاعل الحسي ليسير بخط مواز مع ترنح الفعل قبالة الانشطار في الترويح النفسي: 

أرى الدنيا الخفية، أومأت للماء لو تدنو

فهذي الريح لا فحة ووجهك يافع والدرب  

       الصورة  تنهال الى مشهد يافع يقتنص ملكة الخيال من تراثها السليقي ليثير احساسها في تجاوز المعتاد للانقلاب على الكمون النفسي البرئ الى ترخص في استبذال لوحة الطفولة وانغمارها في سراديب لاتحصى من الاثارة:

تأخذ غَرْفةَ ويد تشير (تعال) لو تدنو

ثناياك العذاب تريد ماء،إنه عطش

تعال هنا   

ثلاثية الزمن:

 والظاهر أن فعل الحدث في هذه القصيدة, قد قسم زمانيا ً، على ثلاث مراحل , في كل مرحلة يأخذ التوصيف مدى سرديا مختلفا، لكن ثيمة (الجارة) كانت وما تزال السيمياء الجاذب الجذري لكل التأسيسات في الصورالجانبية  لمشاهد اللوحة:

 كم صار عمرك , قد كبرت ,شذاك هذا 

ام شذا القمح المسافر جاء يتبعنا  ,

      هذا المشهد يخول السارد قدرة الانتقال في الصورة من سرد واع ينصب معظمه الى تشكيل فني يمثل تداعي الزمان فيه اساسا في الحركة والمناورة , مع استمرارالولع النفسي اوالتوق في اشهارمكامن النفس الانسانية، تلك التي تستوضح مسكوتا فعليا يسعى السرد لاظهاره على نحو خجل:

لكنا اقتربنا، ما تزال ذراعها مكشوفة

قالت: وصلنا  ثم جست صدرها تتفقد

كان الصبي مرافقا أو حارسا  

      واذا كنا قد المحنا سابقا الى ان الاستشراف اللغوي في عموم مايسرده الشاعر ياسين طه حافظ يكاد يشكل النظام الاخاذ في مجمل انجازه للسرد الشعري، اذ هو الاقدر على التحكم في كل استنطاقات الكلمات وانفعالات الالفاظ وتقابلات الصوت في صناعة تواز يستطيع بسرعة ان ينفلت من بؤرة لغوية مباشرة او مترهلة لينتقل الى نصية مؤثرة قادرة على استيعاب كل مجريات النص وتوصيفاتها المحركة وربما يمثل هذا التصور في البناء السردي عنده قدرته على اقتراض الالفاظ دلالات نفسية لاتستطيع اللفظة ان تتمثل بها وحدها لولا تضافر دلالات التنغيم والتوصيف:

شاخ الصبي وضاع حقل الله، أذكر قولها

رقت شفاهك، أيها الولد،اقترب  

ولعل نظرة إستشراف لسرده في التأويل الشعري تحيل دلالات الزمن الى متراميات حدثية متوزعة على عموم صورة المشهد السردي لهذه القصيدة  فهي تستثير الكامن من مغيبات التفكير الجمعي  في الاستحياء او الايحاء الايروسي، ما اعنيه قدرته على تحميل هذه اللفظة بنيتين من الوعي المعرفي إيجابية وسلبية: 

كم صار عمرك؟ صوتها الريان خيط الماء

في صحراء أيامي….. 

      ولاشك في ان الجديد في تمثل صور الانتقال الحدثي، في رمزية هذه القصيدة تشير إلى كليات زمانية مركزية تختصر عالما كبيرا من الانفعال الوجداني الذي يتوق الخارج منها إلى مفعلات واعية في الاظهار:

كانت فسائل هذه النخلات قد كبرت

ويسقط تمرها في الصيف نلقطه إذا جعنا

وكانت ضحكة 

محمرة مسمرة الخدين تطفح رغبة

الشيخ محنيُ، يهز الرأس، قد غرب النهار  

غير انه يفتقد المبهر من صور اشراقه حين الارتداد  الى النفس ومن ثم الانكفاء على الذات المفعمة بالحزن والقهر.                

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *