طلال حسن : السيّد والعبد (مسرحية للفتيان)

شخصيات المسرحية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ السيد

2 ـ العبد

3 ـ المرأة ـ انيبا

5 ـ الوصيفة

ردهة في بيت السيد ،
العبد الوصيفة ترتب الردهة

الوصيفة : يبدو أن سيدي ، لم يستيقظ بعد .
العبد : هذا ما يبدو .
الوصيفة : أظنه سهر البارحة ، حتى ساعة متأخرة
من الليل .
العبد : إنه السيد ، وهذه حياته ، وله أن يسهر
أو لا يسهر ، كما يشاء .
الوصيفة : ليت الأمر كذك .
العبد : ” ينظر إليها ” ….
الوصيفة : وكأنك لست من زيّن له السهر ، حتى
تلك الساعة .
العبد : هذا ليس شأنك ..
الوصيفة : ” تتوقف وتنظر إليه ” ….
العبد : ولا شأني أيضاً .
الوصيفة : بل شأني ، لأني بمثابة أمه .
العبد : السيد فطم منذ أمد بعيد ، وليس الآن
بحاجة إلى أم مثلك .
الوصيفة : كم أتمنى ، أن يفطم منك أيضاً ، قبل
فوات الأوان .
العبد : ” ينظر إليها ثانية ” ….
الوصيفة : أن مثل هذا السهر المفرط يؤذيه ،
فصحته ليست على ما يرام .
العبد : بالعكس ، إن صحته جيدة ، انظري إلى
وجهه وجسمه المكتنز .
الوصيفة : لا أعني صحته البدنية ، وأنت تعرف
هذا .
العبد : قال لي ، لن أتعشى اليوم ، فقلت له ، لا
تتعشَ ، يا سيدي ، لا تتعشَ ، فالوقت
متأخر ، والعشاء يضرك .
الوصيفة : لكنك عدت ، وغيرت رأيك .
العبد : هو من غير رأيه ، وقد أيدته ، فأنا كما
تعرفين .. عبده .
الوصيفة : مهما يكن ، كان عليك أن تبقى على
رأيك ، ولا تحضه على الإفراط في
الطعام والشراب والسهر .
العبد :أراد أن يتعشى ، لم أشأ أن أعارضه ،
إنه سيدي ، ولم يكن مزاجه رائقاً ، فقلت
له ، تعشَ ، يا سيدي ، تعشى ، واشرب ما
يبهج قلبك ، واليدان النظيفتان تلفتان نظر
الإله شمش .
الوصيفة : ليتك تخلص له ، وتقول له ما يفيده ،
ويجنبه المهاوي .
العبد : أنت تنسين أنني عبد .
الوصيفة : ليتك عبد فقط .
العبد : ” ينظر إليها ” ….
الوصيفة : العبد ينصت ، ويطيع فقط .
العبد : ” ينصت ” كفى ، يبدو أن سيدي قد
استيقظ .
الوصيفة : انتهيت من عملي ، رتبت الردهة ،
والآن بدأ عملك .
العبد : إنني لا أتمتع بعملي ، كما تتمتعين أنتِ بعملك .
الوصيفة : ها هو سيدي قادم ” وهي تخرج ” فلأذهب .

السيد يدخل ، يبدو
متعباً بعض الشيء

العبد : ” يقترب من السيد ” طاب صباحك ، يا سيدي .
السيد : طاب صباحك .
العب : أرجو أن تكون قد نمت ما يكفي ، يا
سيدي .
السيد : لا أدري ، يبدو أنني نمت متأخراً ليلة البارحة .
العبد : قبل الفجر بقليل ، يا سيدي .
السيد : ربما ” يهز رأسه ” لا أذكر .
العبد : لقد أفرطت ، يا سيدي ، في الطعام والشراب .
السيد : هذا واجبك ، كان عليك أن تنصحني بعدم الافراط .
العبد : ” يطرق رأسه ” …..
السيد : وأنت ، أيها العبد ؟ يبدو لي أنك لا تنام ، لا في الليل ، ولا في النهار .
العبد : ليتني أستطيع أن أنام .
السيد : لو تنام لربما نمت استطعت أن أنام كفايتي .
العبد : ” يرفع رأسه ” مولاي ، طعام الفطور جاهز .
السيد : هذا الكلام لا يريحك .
العبد : يريحني أن تتناول طعام الفطور .
السيد : سأتناول الفطور بعد قليل ، لأنني أريد
أن أذهب إلى القصر .
العبد : اذهب إلى القصر ، يا سيدي ، اذهب ،
ولا تتأخر .
السيد : ” بدون حماس ” نعم ، سأذهب .
العبد : فالملك سيسر لمرآك ، ويبتهج
لحضورك ، وسينالك كرمه .
السيد : ” يصمت ” ….
العبد : ” متردداً ” سيدي .
السيد : لا ..
العبد : ” ينظر إليه منتظراً رأيه ” ….
السيد : أيها العبد ، لن أذهب إلى القصر .
العبد : لا تذهب ، يا سيدي ، لا تذهب إلى
القصر .
السيد : نعم ، لن أذهب .
العبد : فالملك سيبعثك في حملة ثانية ، في بطن
دروب المجهول ، عبر جبال تعج
بالأعداء ، سيجعل الألم والعناء ، ليل
نهار ، خبزك والأدام .
السيد : ” يصمت مفكراً ” …..
العبد : ” يصمت هو الآخر ” ….
السيد : أيها العبد ..
العبد : سيدي .
السيد : لدي خصوم في القصر ، لقد فكرت ، سأمدّ لهم يدي .
العبد : مدّ لهم يدك ، يا سيدي ..
السيد : نعم ..
العبد : مدّ يدك .
السيد : وحتى شانئي ، إذا لم أمدّ له يدي ، فإني على الأقل ، سألزم الصمت .
العبد : هذا عين العقل ، يا سيدي ، عين العقل ، ألزم الصمت .
السيد : ” يصمت ” ….
العبد : سيدي ..
السيد : لا ..
العبد : ” ينظر إليه منتظراً موقفه ” ….
السيد : لن ألزم الصمت .
العبد : نعم ، يا سيدي ، لا تلزم الصمت ، فالصمت ليس دائماً من ذهب .
السيد : ولن ألقي يدي إلى التهلكة .
العبد : عليك أن تكون حذراً ، يا سيدي ، فأعداؤك لن تأخذهم بك رحمة .
السيد : ” يصمت ” ….
العبد : ” يتطلع إليه منتظراً ” ….
السيد : أيها العبد .
العبد : سيدي .
السيد : أود لو اقترفتُ شراً .
العبد : هذا ضروري ، يا سيدي ، اقترف بعض الشر ، وإلا فكيف يمكن أن تملأ معدتك ، أو تكتسي بثياب تمنحك الدفء .
السيد : ” يصمت ” ….
العبد : سيدي ..
السيد : لا ..
العبد : ” ينظر إليه منتظراً موقفه ” ….
السيد : لن أقترف شراً .
العبد : أنت محق ، يا سيدي ، فمقترفو الشر إما أن يُقتلوا أو تسلخ جلودهم ، أوتسمل عيونهم ، أو يُلقى بهم ، وبدون رحمة ، إلى أقبية العذاب .
السيد : ” يصمت ” ….
العبد : سيدي ..
السيد : لن أرتكب شراً .
العبد : ” يصمت منتظراً موقفه ” ..
السيد : ليس هذا فقط ، بل سأقوم للناس بعمل طيب .
العبد : مرحى ، يا سيدي ، فلا أفضل من القيام بعمل طيب ، فمن يقم بالعمل الطيب ينقش اسمه ، في رُقم الإله مردوخ .
السيد : ” يصمت ” ….
العبد : سيدي ..
السيد : ” يهز رأسه ” ….
العبد : ” ينظر إليه مستفهماً ” ….
السيد : كلا .
العبد : سيدي .
السيد : لن أقوم بعمل طيب لأيّ كان ، ومهما كان المردود .
العبد : ومن يلومك على ذلك ، يا سيدي ؟ من يلومك ؟
السيد : فليكن ما يكون ، هذا موقفي ، لن أعمل أي عمل طيب .
العبد : تجول في آثار الأيام الغابرة ، يا سيدي ، ودقق النظر في جماجم البسطاء من الناس والنبلاء ، أيهم كان وغداً ، وأيهم كان المحسن ، سيدي ، لا تقم بأي عمل طيب .
السيد : أوه ، أيها العبد ، إنني حائر .. حائر .. ومتعب .
العبد : لا تحتر ، يا سيدي ..
السيد : ” يحدق فيه ” ….
العبد : وابحث عما يريحك ، ويمتعك ، ويدخل السرور إلى قلبك .
السيد : أنت محق ، هيا .
العبد : ” ينظر إليه مستفهماً ” ….
السيد : ” عند النافذة “أنظر ، الجو يبدو رائعاً
هذا اليوم .
العبد : لا عجب ، يا سيدي ، نحن في أوائل
الربيع .
السيد : في مثل هذا اليوم ، لا ينبغي أن يبقى
المرء في القصر .
العبد : سيدي .
السيد : أسرع إلى عربتي ، واشدد إليها جيادي
، إنني ماض للتريض في الريف .
العبد : عليك بذلك ، يا سيدي ، عليك بذلك ،
فجوّاب الآفاق اللاهي يملأ معدته دوماً،
والكلب الضال يجد دائماً عظمة ،
والسنونو المهاجر يبرع خاصة في بناء
الأعشاش ، والحمار البري يجد العشب
في أشد الصحارى جدباً .
السيد : ” يصمت ” ….
العبد : سيدي .
السيد : لا أيها العبد .
العبد : لا ..
السيد : سأبقى في القصر هذا اليوم ، ولن
أمضي للتريض في الريف .
العبد : لا تمض ِ ، يا سيدي ، لا تمض ِ ..
السيد : آه .
العبد : لا تُعرْ للأمر اهتماماً ..
السيد : ” ينظر إليه ” ….
العبد : فمصير جواب الآفاق اللاهي بين كفي
القدر على الدوام ، والكلب الضال يفقد
أنيابه ، وعش السنونو المهاجر يدفنه
الغبار ، والأرض العارية مرقد الحمار
البري .
الوصيفة : ” تدخل ” سيدي .
السيد : ” يلتفت إليها ” نعم .
الوصيفة : المرأة انيبا ، جاءت .
السيد : انيبا ” حائراً وقلقاً ” آه .
العبد : إنها عشتار ، يا سيدي .
السيد : عشتار !
العبد : كلّ امرأة هي عشتار .
السيد : لا أفهم .
الوصيفة : سيدي .
العبد : ” للوصيفة ” أبقيها حتى أخرج ”
للسيد ” بعد إذنك ، سيدي .
السيد : ” للوصيفة ” اذهبي ، ولا تدخليها حتى
أصرفه .
الوصيفة : أمر سيدي “ترمق العبد بنظرة سريعة
و تخرج ” .
السيد : أسمعني ألاعيبك .
العبد : بل أسمعك الحقيقة ، يا سيدي .
السيد : حسن ، تكلم ، أسمعني الحقيقة ، إنني
أصغي إليك .
العبد : هناك ترتيلة بابية تقول عن عشتار..

عشتار التي ترفل باللذة والحب
المفعمة بالحيوية والسحر والرغبة
حلوة الشفتين
وفي شفتيها يكمن سرّ الحياة
قوامها جميل وعيناها مشرقتان
ومن نظرتها تنبعث
الفرحة والعظمة والطمأنينة

السيد : هذه هي المرأة .
العبد : لكن لكلكامش رأي آخر .
السيد : كلكامش !
العبد : ملك اوروك .
السيد : أسمعني .
العبد : عشتار .. المرأة .. قالت لكلكامش

تعال يا كلكامش وكن حبيباً لي
تعال وامنحني من ثمرتك
تعال وكن زوجاً لي وأكون زوجتك

السيد : هذا أمر جيد ، عشتار نفسها تطلب
الزواج من كلكامش ..
العبد : لكن كلكامش لم يوافق ، بل وقال لها ..

ما أنت إلا موقد
سرعان ما تخمد ناره في البرد
وبئر ابتلع غطاءه
وقير يلوث حامله
ونعل يقرص قدم منتعله
فأي حبيب بقيت على حبه إلى الأبد ؟

السيد : ” يشير بيده ” كفى .
العبد : ” يصمت ” ….
السيد : اذهب ، وقل للوصيفة ، أن تدخل تلك
المرأة .
العبد : أمر سيدي ” يخرج ” .
السيد : ” يقف بادي القلق والحيرة ” ….

يفتح الباب ، وتدخل
الوصيفة وبرفقتها المرأة

الوصيفة : سيدي .
السيد : اذهبي أنتِ .
الوصيفة : أمر سيدي ” تخرج ” .
انيبا : نحن الآن وحدنا .
السيد : أهلاً بك .
انيبا : شكراً .
السيد : علمت أنك ستتزوجين ..
انيبا : مرة أخرى .
السيد : ليباركك الإله مردوخ .
انيبا : هذا ما قلته لي في المرة الأولى .
السيد : تزوجت الوزير.
انيبا : بل باعني أبي للوزير ..
السيد : ” ينظر إليها صامتاً ” ….
انيبا : كان في حدود الستين من عمره ، ولم
يكن عمري وقتها أكثر من ست عشرة
سنة .
السيد : ” يطرق رأسه ” ….
انيبا : وكان عمرك ، في ذلك الوقت ، حوالي
تسع عشرة سنة .
السيد : كان وزيراً .
انيبا : عرضت عليك أن نهرب ، ونتزوج في
أي مكان ، لكنك كالعادة ترددت .
السيد : ” ينظر إليها صامتاً ” ….
انيبا : وحاولت أن أهرب وحدي ، لعلك تخاف
عليّ ، وتلحق بي ، لكنهم أمسكوا بي ،
وتزوجت كرهاً .
السيد : ثم تزوجت مرة أخرى .
انيبا : تنازل الوزير عني لأحد الضباط الكبار
، بعد أن أعجبته فتاة أصغر مني .
السيد : وصار لك منه طفلة .
انيبا : نعم ، وكم أحببتها ، إنها ابنتي ، لكنها
للأسف ماتت بعد أشهر ..
السيد : ” ينظر إليها مغالباً تأثره ” ….
انيبا : ولم يلبث القائد الكبير أن قتل في معركة
، قبل عدة أشهر .
السيد : يقال أن من ستتزوجينه ، هذه المرة ،
غنياً جداً .
انيبا : ” بشيء من السخرية ” لا تنسَ ، أن
لي تاريخي .
السيد : ” ينظر إليها حائراً ” ….
انيبا : لا فائدة من الانتظار ، لقد قلتها لي ،
، منذ المرة الأولى ، وستقولها لي دائماً ،
ليوفقك الإله مردوخ .
السيد : لتوفقك الإلهة .. عشتار .
انيبا : عشتار !
السيد : عشتار أيضاً إلهة .
انيبا : أنت لم تتغير ..
السيد : ” ينظر إليها ” ….
انيبا : ولن تتغير .
السيد : ” يطرق رأسه ” ….
انيبا : ” وهي تتوجه إلى الخارج ” ليوفقك
الإله .. مردوخ .
السيد : ” ينظر إليها مغالباً رغبته في مناداتها “….
انيبا : ” تخرج ” …..

السيد يبقى وحده
لفترة ، يدخل العبد

العبد : ذهبت عشتار .
السيد : هذا ما أردته ، يا سيدي .
العبد : لا ، أنا لم أرد ما أردته ، بل ما أردته أنت .
السيد : أردتُ أن أذهب إلى القصر ، وأقابل الملك .
العبد : لم أمنعك .
السيد : وأردتُ أن أمدّ يدي إلى أعدائي ، وأتوافق معهم ..
العبد : إنهم مازالوا موجودين .
السيد حتى عندما أردتُ أن أقترف الشر ، كما يفعل غيري من الناس ، من أجل التفوق والنجاح ..
العبد : ” ينظر إله صامتاً ” ….
السيد : وقفت في وجهي ، وزينت لي العكس ،
وأخيراً المرأة .. انيبا .
العبد : لا علاقة لي بالموضوع ، لقد جاءت
إليك بنفسها .
السيد : نعم ، لكن حتى قبل أن تدخل ، أريتني
إياها عشتار .
العبد : إنها عشتار ، هكذا تراها أنت أيضاً ، يا
سيدي .
السيد : لا ..
العبد : عشتار .. عشتار ..
السيد : لا .. لا ..
العبد : عشتار ..

السيد ينقض على
العبد ، ويمسك بخناقه

السيد : أيها اللعين .. سأخنقك .
العبد : ” لا يحاول الفكاك منه ” ….
السيد : سأخنقك .. سأخنقك ..
العبد : اخنقي .. يا سيدي ..
السيد : سأخنقك .. وأتخلص منك .
العبد : هذا محال ..
السيد : ” يتراخى قليلاً ” ….
العبد : أنت لا تجرؤ على الانتحار .
السيد : ” يحدق فيه ” ….
العبد : أنت العبد ..
السيد : ” يحدق فيه ” ….
العبد : وأنا السيد ..
السيد : ” ينظر إليه مستسلماً ” ….
العبد : أو العكس ، لا فرق ” يضمه إليه ”
ولن يفترق أحدنا عن الآخر .

يبقى السيد والعبد ،
أحدهما يحتضن الآخر

إظلام تدريجي
ستار

26 / 8 / 2012

 

شاهد أيضاً

مروان ياسين الدليمي: اكتشاف الحب: اوراق من مدونتي الشخصية (ج/5)

لم تكن حالتها الصحية تسمح لها في ان تجيب على ما كان يدور في راسي …

فرات صالح: غصة

يوما ما ستجلس سيدة تجاوزت الأربعين لتتناول فطورها تحت ظل شجرة الصفصاف في حديقتها، وتحت …

مَريم لُطفي الآلوسيّ : النَّوارسُ المُهاجِرة- رحلةُ الموتِ (قُصَّةٌ مأساويَّةٌ لأرواحٍ تبحثُ عن السَّلامِ) (1)

الإهداء.. إلى كلّ الأرواح البريئة التي قضت بحثا عن السلام, عن وطن ودفئ وأمان.. كان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *