الرئيسية » ملفات » محمد خضير : ودائع الفارس الذهبي (ملف/23)

محمد خضير : ودائع الفارس الذهبي (ملف/23)

إشارة :
رحل المبدع الكبير “جليل القيسي” الرائد المجدّد والمحدث في فن القصة القصيرة وفن المسرح في العراق وهو في ذروة عطائه ونضج أدواته الفنية . ومع رحيله – وللأسف وكالعادة – أُسدل الستار على هذه التجربة الفنية التحديثية الهائلة. هذا الملف الذي تقدّمه أسرة موقع الناقد العراقي هو دعوة لإعادة دراسة تجربة الراحل الكبير الفذّة بصورة أكثر عمقاً وشمولاً. ندعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء الملف بالدراسات والمقالات والوثائق والصور.

المقالة : 
ودائع الفارس الذهبي 
محمد خضير

(زليخة البعد يقترب): “أي شيء آخر غير الذكريات يمكن أن يطمئن إليه الإنسان في العزلة. هل ثمة شيء مثل الذكريات يمكن أن يجعل الحاضر في قلب العزلة أكثر تماسكا ومعقولية”. افتح أية صفحة من مجموعات قصص جليل الأربع تعثر على مثيل لهذا الموتيف المتكرر بين السطور: “كانت المدينة مغلفة تغليفا كثيفا ووحشيا برعب لا وصف له”.
كتب جليل القيسي العبارة النموذجية الآتية في مفتتح قصته استحضر وجها أليفا لقصاص يذوب شيئا فشيئا في عذاب عزلته، تواجه جملة حوارية مثل هذه تتقافز في كلام شخصياته: “إن الإنسان العاري لا يطعن. لا يطعن”.
كان رقيقا ومسالما كقديس، رواقيا وعدميا كدستويفسكي، عاريا إزاء رعب مجهول حاول أن يهدئه بمسرحة ذاته واستدعاء شخصيات خيالية من الروايات التي قرأها بشغف كبير كي تساعده على صياغة مواقفه الميتافيزيقية الملتبسة. لقد دعا إلى مسرحه أبطال الإنسانية وطلب منهم العون لتلبية رغبته في التضحية والقداسة. كان نفسا في كل، وكلاً في نفس. كان معذباً لفرط حبه الإنساني، وقصور لغته “الصاهلة” عن التعبير عن هذا الحب اللامحدود.
كانت لغته تنفرط مثل موتيف في لحن كنسي كئيب، ويضيع صداها بين أقدام “المارة” المسرعين؛ إذ لم تتح له مدينة “مغلفة بالرّعب” كمدينة كركوك أن يمر عبر الأبواب إلى محيط الروح الإنساني المطلق، فهي كغيرها من مدن العراق، المسدودة الأبواب، لا تملك إلا ذكريات باهتة عن القديسين والأبطال. كان جليل الممثل والشاهد على موت “الصهيل” على مسرح المدينة. كان فارسا بلا مضمار، قارئا تشبع بأخلاق الفرسان وخيال العصور الذهبية لكتب الأدب، لكنه انتهى كاتبا ميتا بين أقدام “المارة”.
سعى جليل القيسي في قصصه وحوارياته إلى اقتطاف آخر ورقة في شجرة الصور والذكريات، من موقعه المتبتل جوار قلعة (أرانجا) القديمة. مد يده وراء أسوار موقعه ليلتقط خيالا شريدا في صحراء العالم، يدعوه إلى مائدته الليلية، ويحقق معه حوارات الذكرى التي لا تنقطع.
كان متكلما بارعا، وحواريا بليغا، وكان يبهجه في صمت القلعة الثقيل أن ينتزع من زائره عبارة غريبة أو تعليقا نادرا أو تحليلا عقليا، وقد تلعلع ضحكة مثل عود ثقاب ينير تقاطيع الوجه الصخري الغامض في آخر الليل.
لكنه غالبا ما يكون متكلما وحيدا، ممثلا سعيدا بأداء الأدوار القصيرة على مسرح ملكي، مسرح القصة الصاهل بخطاب شـخصيةٍ مزدوجة ترتجل مونولوجاً أمام جمهور غائب.
لا يملك كائن سردي مقيم في (مملكة الانعكاسات الضوئية) ما يملكه جليل القيسي من طرائق عديدة للقاء شخصياته القادمة من معتقلات صحراوية، وزواره المنفلتين من روايات دستويفسكي وكافكا، وأشباحه الخارقين من مملكة آشور القديمة، ولا سعادته بهذه اللقاءات النادرة؛ بل لا يوجد من يضاهيه في بعث الحياة في صورها وأناسها؛ فهو الأمهر بيننا جميعا في استنطاق الأخيلة الجامدة وإعادتها إلى الوجود. كانت هذه الأخيلة والصور تأتي طائعة إلى صومعته، أو إلى سجنه، ثم تنفلت عائدة دونما وداع، لكنها تترك بين يديه ودائع لا تقدر بثمن؛ وكم كان يهيم بها ويفخر؛ ودائع الحب والافتتان والصداقة، قوارير السّرد المقطر من ينابيع الجبال والغابات، فيوزعها علينا بإيثار الكاتب الحواري، الممثل الملكي، الفارس الذهبي الهائم في خرائب مملكة (أرانجا).
استأمننا جليل على ودائعه، وها نحن نعيد نشرها على ملأ الزائرين المنتظرين خارج مملكة الأموات مع الأمير مشكين وعشرات من حوارييه:
المتعبد الأعزل في قلعة القصة القصيرة، الأمير السعيد، الفارس المتجول في أعالي السهول العراقية.
المستوحش الأبعد، السجين في المعتقل الصحراوي رقم 125، يربي خيالاته ويطلقها سكرى حول العالم، فتتحول إلى قبعات على رؤوس ثوار الغابات: الصورة المثلى التي ترسبت من أدواره المسرحية التي مثلها في مختلف نصوصه على وجه من الوجوه، أو صيغة من الصيغ.
ــ المتقمص الأسرع لأشباح الروايات الملعونة، الممسوس الأعظم في مصحات الممسوسين، الصرصار الأكبر في أقبية المُذلين المُهانين وبيوت الموتى.
– الفم الذهبي المسرف في استعمال الصفات والألقاب، المدوي بضحكات الأبطال الصغار، ولعنات المهزومين الكبار.
ــ الحواري المخلص لأرباب الحب والجمال والحكمة.
ــ المحاوِر الماهر على مسرح الحياة الصاخب، المبتكِر الأول للسرديات الحوارية القصيرة.
ــ المواطن بلا صفات، غير صفات القصاص المتكلم عن السابقين واللاحقين، الصفات التي ولدت مع قصصه ولن تموت.

*عن صحيفة الصباح

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *