مؤيد البصام: لنعزي “الأنباري” قبل كل شيء بوفاة “محي الدين زنكنه”

رحل عنا الرجل الذي ظل مخلصا لفكرة ( الحرية ) إن كانت للفرد أو للشعوب، وظل يناضل بما آمن به بصمت، حتى وهو في أشد أزماته عندما اشتد عليه مرض عينيه، مثل جبل الصوان، يتحمل آلامه ويقاتل من اجل الإنسان والإنسانية بصمت. أجابني الشاعر الراحل سركون بولص قائلا: اقلنا حديثا محي الدين. عندما قلت له:  كنت أنت اقلهم حديثا. ( في معرض حديثنا عن  مجموعة الأدباء الذين أطلق عليهم لقب جماعة كركوك )، كان هذا أواخر عام 1966 في مدينة بغداد ، ونحن نسير عند الباب الشرقي ذهابا إلى المقهى الترابي في شارع سينما الخيام، حيث كنا نلتقي كل يوم مساء، فقليلا ما كان يخرج سركون في النهار إلا إذا كان مطمئنا من خروجه، بسبب دوريات الانضباط العسكري التي أطلقها في وقتها العقيلي وزير الدفاع في ملاحقة المطلوبين للخدمة العسكرية، وظلت من وقتها تحمل هاجس الرعب لكل الأدباء والمثقفين الذين تمسهم القضية، في تلك الفترة تعرفت على المبدع الراحل محي الين زنكنه، من حديث أصدقائي سركون بولص ومؤيد الراوي، ولكني لم التقي به، حتى حانت الفرصة، عندما أنشانا فرعا في مدينة بعقوبة لمؤسسة البصام للثقافة والسينما والمسرح، التي كنت رئيسها أوائل عام 1968 ، وأصدر الفرع عدد خاص من المجلة التي نصدرها في بغداد، ( الفنون المعاصرة ) عن الأدب في بعقوبة أو لأدباء مدينة بعقوبة، (واحتفظ بنسخة منها في أرشيفي)، وكان من ضمن من كتب فيها الراحل محي الدين زنكنه قصة قصيرة، فقد عرف في بداية الستينيات ككاتب قصة، قبل إن يشتهر في إبداعاته في كتابة المسرحية، ومن ضمن من كتبوا في العدد الروائية لطفيه الدليمي قصة، والناقد سليمان البكري دراسة نقدية، وسالم عن المسرح في بعقوبة، وكتاب آخرون من أدباء مدينة بعقوبة، في تلك الفترة تقابلنا وجها لوجه وعرفت محي الدين زنكنه، ذلك الإنسان الذي تتلبسه فكرة الحرية والتحرر من الامبريالية، وصياغاتها الاستعمارية، وكما هو معروف فان طليعة المناضلين في شعوبهم هم من الفنانين والكتاب والشعراء، وكان محي الدين زنكنه واحد من هؤلاء الإعلام في الدفاع عن قضية شعبه وشعوب الأرض قاطبة، بما كتبه عبر خمسة عقود، لم يكن محي الدين أنسانا عنصريا، ولا قوميا شوفيني، كما يحاول إن يصبغه بعض الذين تستهويهم اللعبة، لقد كان أنسانا يعتز بقوميته الكردية كما يعتز بها إي إنسان آخر، ولكنه كان على استعداد للتضحية، كما عمل طوال حياته للدفاع عن كل مقهور كائن من كان  وأيا كانت قوميته زمانا ومكانا، فان ابرز عنصر في مسرح محي الدين زنكنه الذي يعبر عن نهجه الفكري والنضالي، هو هذا الصراع الذي يؤججه بين إبطاله، وعوامل الاحباطات التي ترافق حياتهم، كان يؤمن بان الرأسمالية هي أس البلاء في مشكلة الإنسان والبشرية، وما حدث من نقاش حول مسرحيته ( لمن الزهور ) التي أخرجها الفنان عزيز خيون، في مهرجان بغداد للمسرح العربي، التي انقسم في تحليلها المناقشين بعد العرض في جلسة التقييم، بين الرمزية والنفسية وعقدة اوديب، أو كونها مسرحية فكرية، ولكنهم اتفقوا في النهاية ، أنها مسرحية تتحدث عن العلاقات الاجتماعية بصيغة الرمز، وهو ما يوضح لنا إن محي الدين زنكنه، كان مهتما بالإنسان كونه ضمن حلقة الاضطهاد الرأسمالي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، إن كان محليا أو عالميا، فكان أسلوبه السلس، والمؤثر في استثمار الرمز والدلالات الرمزية، لتصوير الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي العراقي يوصل هذا الحراك النضالي بقيم إبداعية رائعة، يستثمر فيها الرمز بصورة مذهلة، وقد صدرت هذه المسرحية ضمن كتاب ضم ثلاث مسرحيات تحت عنوان ( مساء السلامة أيها الزنوج البيض ) عام 1985 ، وهو عنوان إحدى المسرحيات الثلاث التي ضمها الكتاب، وهي مسرحية مونودراما من فصل واحد، قدمت على مسرح الدار البيضاء في المغرب عام 1990 وقدمتها أيضا لجنة المسرح العراقي في منتدى المسرح ببغداد، وترجمت إلى اللغة الكردية، وقدمت على مسرح معهد الفنون الجميلة في السليمانية، ونستطيع إن نفهم حراكه الفكري الذي كان يعبر عن وجهة نظر ووعي بمشكلة الإنسان بما عبر عنها الناقد والباحث في أدب محي الدين زنكنه، والكاتب المسرحي المبدع صباح الانباري في كتابه عن مسرحية ( السؤال ) حيث يقول “ينحاز في إعماله إلى قيم الدفاع عن الحرية ومحاربة الظلم والطغيان والاستغلال، وقيم الزيف والضلال، ومنوها بدور المثقف في المجتمع، ضمن معطيات فنية لم يضح بها لمصلحة نواياه الايجابية ” .
الغياب واللقاء على المسرح
       خلال غيابي عن العراق فترة أواخر ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لم التقي الراحل ولكن الأصدقاء كانوا يوردون لي إخباره، وذلك لأني طيلة العشر سنوات التي قضيتها في المقاومة الفلسطينية،  لم احضر إلى العراق إلا مرتان وبأيام معدودة لم تتح لي رؤية جميع الأصدقاء، حتى عودتي وكنت يومها أسير في شارع الرشيد فتقابلنا وصديقي المبدع الراحل عوني كرومي وقال : هل ستحضر مسرحية صديقك التي أخرجها، كانت مسرحية ( صراخ الصمت الأخرس )، وكتبت عنها وأرسلت مقالتي لجريدة الجمهورية ولكنها لم تنشر، وبعد عقد ونيف إعطاني صديقنا القاص والروائي سعد محمد رحيم المقال التي احتفظ به في الأرشيف، وقال هذه من أبي أزاد، ولم اعرف كيف وصلته، ولكنني استغليت مسافة السفر من بغداد إلى مدينة الحلة عام 2000، إذ كان قد اتصل بي وطلب إن نذهب بسيارتي إلى مدينة الحلة لحضور مناقشة رسالة ماجستير لأحد طلاب جامعة بابل، عن مسرحياته، وقد سألته عن المقالة ، فقال : لأنك أصبت في نقدك عن التغيير الذي أحدثه الحذف الذي قام به صديقنا المخرج عوني أولا، وما أردت أثارت المسألة، على الرغم من انزعاجي من كثرة الحذف، وثانيا لأنك تعرضت إلى الاضطهاد الاجتماعي، ما يكشف الدلالة الرمزية التي اختفي ورائها. وعندما وصلنا إلى جامعة بابل، كان في  استقبالنا الراحل قاسم عبد الأمير عجام ود.محمد أبو خضير احد المشرفين على الرسالة وبعض من أساتذة الكلية، وأقيمت دعوة غداء على شرفه، وكان معنا الصديق الشاعر محمد علي الخفاجي.
بعقوبة المدينة التي احتضنته واحتضنتنا
       منذ إن استوطن محي الدين مدينة البرتقال، عام 1964 بعد تعيينه مدرسا للغة العربية فيها لم يغادرها، إلا عندما اشتدت عليه الخطوب بعد الاحتلال، الذي جلب الويلات على العراق وطنا وشعبا، فتركها مرغما إلى مدينة السليمانية عام 2006، وكان لقائنا الأول بابي أزاد بعد فراق سنين طوال، عندما كنا نحضر أمسية في اتحاد الأدباء فرع ديالى، وبعد انتهاء الجلسة التفت د.شجاع العاني وقال: ياجماعه نحن مقصرون بحق صديقنا محي الدين، إذ كنا نناقش رواية النص، وقال : يومها شجاع إن أول من كتب في رواية النص هو الكاتب محي الدين زنكنه، وقادنا سعد محمد رحيم إلى بيته، وفي المرة الثانية لزيارتنا له حملت له معي مجلة (الزمان الجديد ) التي كانت تصدرها جريدة الزمان، في تلك الفترة من تسعينيات القرن الماضي، وكانت زوجتي عند عودتها من زيارة أهلها في عمان، تحملها مع المطبوعات التي تصدرها جريدة الزمان سرا، والتي توقفت عن الإصدار بعد (التحرير) ألاحتلالي،  وكان فيها خبر لباحث ومسرحي عراقي، قدم إلى مسرح برودويه في أمريكا  طلبا لإنتاج أحدى مسرحيات زنكنه، وقد وافقت إدارة المسرح بعد اطلاعها على إعمال ومسرحيات محي الدين، وقد استبشر خيرا بهذا الخبر ،  فمن خلال الدعوة التي ستوجه له، يستطيع إن يعالج عينيه هناك، وطلب مني إن احصل على عنوان هذا الشخص عبر المراسلة مع جريدة الزمان حتى يرسله إلى أزاد للاتصال به، كان وقتها ابنه أزاد خارج العراق، لم يكن مهتما بأهمية إن تقدم مسرحيته على مسرح برودواي الشهير بقدر اهتمامه في معالجة عينيه، وبعد الاحتلال عندما أقمنا احتفالا تكريمي بمبادرة من الإعلامي يوسف المحمداوي في قاعة التربية في الباب المعظم، وكان المقدم للاحتفالية صباح الانباري، وبعد إلقاء مداخلتي عنه، جلست إلى جنبه وهمست : بدل إن نذهب لأمريكا جاءت ألينا، فهل في علاج عينيك أمل ؟ .ابتسم بهدوء وقال: ننتظر ونرى . وانتظرنا ورأينا، أنهم جاؤا من اجل مصالحهم الخاصة، والذين عاونوا المحررين، كانوا اشد تعاسة ومرارة على الشعب العراقي، فلم يعرفوا إلا مصالحهم ومكاسبهم الخاصة، وكما كتب تحسين كرمياني “مات(محي الدين زنكة)، تاركاً حسرة كبيرة في قلبه ، حسرة عدم إعطاءه (فيزا) كي يعالج شبكية عينية.” .
       في كل الزيارات التي كنا نذهب بها إلى بعقوبة، في المناسبات التي كان يقيمها فرع اتحاد الأدباء في ديالى فعالياته، كنا نزور أبو أزاد في بيته، وكذلك عندما كرمته جامعة ديالى، أو الندوة التي أقامها الفرع تكريما له، أو عندما التقينا به حين حضر تكريم فرع الاتحاد في ديالى الفنان والكاتب خسرو الجاف، وكان صباح الانباري يطلعنا على آخر مستجدات ما أنتجه الراحل، فقد جند وقته وإبداعه وفاءً لأستاذه فبحث في كل شاردة وواردة في أدب وفكر وحياة محي الدين زنكنه، وحلل وفسر وقيم وفهرس، وكشف مواقع الإبداع في أدب محي الدين زنكنه، فكان بحق التلميذ النجيب والابن الروحي لهذا المبدع الرائع، وعلى الرغم مما قامت به جامعة ديالى من تكريم للمبدع الراحل، بالندوة التي إقامتها عام 1999-2000 بعنوان ( محي الدين زنكنه أديبا ) قدم فيها د. فاضل التميمي ود.وليد شاكر نعاس وصباح الانباري وسعد محمد رحيم، بحوث في أدب الراحل ثم أعقبهم المحتفى به ليتحدث عن تجربته، إلا إن الناقد فاضل التميمي، كان يطمح لأكثر من ذلك، عندما اسر لنا بأنه قدم اقتراحا لجعل جائزة باسم محي الدين زنكنه، لكن كل ما كنا نتمناه ضاع مع الاحتلال الذي جاء به المحررون، وعز عليهم منحه ما ظل يتمناه وهو علاج عينيه ليستمر بنفس النهج والقوة على القراءة والكتابة والمواكبة، والآن بعد إن غادرنا جسدا، وظل معنا روحا وفكرا  سيصبح مزادا من اجل إبراز وجودهم الخائب للكسب على حساب إبداعه، فهل يعذرنا أزاد إن قدمنا التعزية إلى من حفظ مكانة هذا المبدع الرائع أبا وأستاذا، ودرس مكانته الأدبية والفكرية وأثرها في الأدب المسرحي العراقي والعربي في حياته ، ليس مزايدته أو تحصيل مكسب، إنما إيمانا حقيقيا منه، بإبداع محي الدين زنكنة، الذي فاق من تابع إبداعه في التكريم، وأبدع في التعميم وكان قدوة لمن يحترم الثقافة والمثقفين في حياتهم قبل مماتهم، بروح الأثرة والتضحية. لقد ظل الكثير عصي عليهم فهم محي الدين زنكنه، وفيما كتبه صديقه زهدي الداوودي يوضح لنا جزء مهم من شخصيته ” انه كان يحب العزلة ويبتعد عن مماحكتهم التي يعتبرها صبيانية، كان يختفي برهة كي يظهر من جديد كما لو انه جاء يقدم عربونا للوفاء والإخلاص ” وما أكده الناقد فاضل عبود التميمي ” كان محي الدين زنكنه في سنواته اليعقوبية، يعيش عزلة مبدعة لم تمنعه من الاختلاط بأدباء المحافظة ومثقفيها، فقد كانت علاقاته الأدبية والاجتماعية تمتد إلى العشرات منهم … لكنه كان محيرا للكثيرين ممن كانوا لا يفهمونه لا سيما الذين لم يقرؤوا ما كتب، أو كانوا على مبعدة من أفكاره وتصوراته الأدبية والإنسانية “.
       وإذا تصفحنا ما ناله الراحل من النظام الدكتاتوري السابق من جوائز وهو كما كان معروفا عنه ضد النظام السابق فكريا، و نقارن بما قدمه المحررون بعد الاحتلال، خلال سبع سنوات، تكريما لهذا المبدع الفذ، من خلال سيرة حياته.
سيرة حياة
       ولد محي الدين حميد زنكنه في مدينة كركوك عام 1940 وبدأت بوادر إبداعاته، وهو في عمر الرابعة عشر من عمره، إذ كتب القصة القصيرة، وفي عام 1956 اشترك في تظاهرة طافت شوارع كركوك استنكارا للعدوان الثلاثي على مصر، واعتقل على أثرها، أكمل دراسته في كلية الآداب قسم اللغة العربية في بغداد عام  1962 ، وعين مدرسا في مدينة الحلة (بابل). ثم نقل إلى مدينة بعقوبة عام 1964 ليعين مدرسا للغة العربية فيها.
      كتب العديد من القصص القصيرة والمسرحيات التي قدم الكثير منها على المسارح  في داخل العراق وخارجه، لأكثر من أربعين فرقة مسرحية قدمت إعماله.
وحازت بعضها على الجوائز التالية:
1- جائزة الكتاب العراقي عام 1970 عن مسرحية الجراد في مهرجان المربد.
2- جائزة أحسن نص عراقي للموسم 1975-1976،عن مسرحية (السؤال).
3-  جائزة أحسن نص عراقي للموسم 1979-1980 .عن مسرحية ( في الخمس الخامس ) .
4-  جائزة أحسن نص عراقي للموسم 1982-1983 عن مسرحية ( العلبة الحجرية ) .
5- جائزة أحسن نص عراقي للموسم 1988-1989 عن مسرحية (الأشواك) .
6- جائزة المؤلف المتميز في التأليف 1989-1989 عن مسرحية ( تكلم يا حجر ).
7- جائزة لجنة المسرح الثانية 1999 عن مسرحية ( زلزلة تسري في عروق الصحراء ).
8- جائزة الدولة للإبداع 1999 عن مسرحية ( رؤيا الملك ).
9- جائزة الدولة للإبداع عام 2000 عن مسرحية (شعر بلون الفجر ).
10- إما في عهد (التحرير) فقد منح الجائزة الأولى لاشتراكه في مسابقة وزارة الثقافة عام 2005 عن مسرحية ( الخاتم ). هذا ما جادة به غيمة المحررين خلال السنوات السبع العجاف.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الرضا حمد جاسم : تحرير أم احتلال؟ .

ملاحظة:   1ـ كنت قد وعدت الأستاذ الدكتور عبد الخالق حسين ان اناقش معه امامكم أيها …

| استبرق عزاوي :ديوان خوابي الحنين للشاعر ياسر سعد .. كولاج شعري يتأرجح بين المقاوم والوطني .

ديوان خوابي الحنين للشاعر اللبناني المغترب ياسر سعد : كولاج شعري يتأرجح بين المقاوم والوطني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *