الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » حسين سرمك حسن : قارب الموت والظمأ العظيم تحليل طبي نفسي ونقد أدبي لقصص مجموعة “أوان الرحيل” للدكتور علي القاسمي (19) (الفصل الأخير من الكتاب)

حسين سرمك حسن : قارب الموت والظمأ العظيم تحليل طبي نفسي ونقد أدبي لقصص مجموعة “أوان الرحيل” للدكتور علي القاسمي (19) (الفصل الأخير من الكتاب)

حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة – أواخر 2014

(19)
(الفصل الأخير/القسم الثاني والأخير من اللقاء)
(لقاء مع المبدع القاص د. علي القاسمي)
س 26 ) كنتُ قد أخبرتك برسالة بأنني قرأتُ قصّة “الخوف” وجسدي يقشعر ، وقد أخبرتني برسالة جوابيّة عن الأستاذ المغربي الذي ترجم القصّة وكان يرتجف ، وعن الحمّى التي أصابتك لمدّة يومين بعد أن كتبتها .. تعجز الأسئلة عندي .. ما الذي يمكن أن تخبر القرّاء به عن هذا المشهد العظيم المُرعب البليغ الذي شكّل نواتها ؟
ج 26) بوصفك طبيباً نفسيا،ً أنتَ أعلم مني بمشاعر الناجين من كارثة وكيف يصابون بالندم ويحسّون بالذنب. غادرتُ العراق سنة 1968، ولم أعد إليه حتى اليوم. ولكن العراق يسكنني دوماً أينما ذهبتُ وحيثما سكنتُ. ومنذ ذلك التاريخ، مرّ العراق وأهله الطيبون بمحن وكوارث متتالية: طغيان، حروب، حصار، مجاعات، إلخ. وكنتُ أدرك أن الغاية من وراء ذلك هو تدمير الدولة العراقية وتفكيكها، وتقطيع أوصال العراق. وذات يوم كنتُ أجلس في مقهى تطل على البحر في شاطئ قريب من مدينة الرباط، وسرح نظري في البحر المترامي أمامي وأنا أفكر في العراق، وإذا بي أرى فجأة ذلك المنظر الذي وصفتُه في قصة ” الخوف”، وشاهدتُ، وأنا أرتجف رعباً، الرجال الذين يرتدون الخاكي، وهم يجرون الرجل الوضاء الوجه الذي له طعم التمر ومذاق الفرات (العراق) في لجة الموج، ويبترون لسانه، ويقطّعون أطرافه بسكاكينهم، فتنزف دماؤه وتقطر من أطرافه المبتورة، ثم تنزّ نافورة دم حمراء، من أعماق البحر. وأخذت ساقاي ترتجفان ثم تصابان بنوع من الشلل الآني، ووجهي يتصبب عرقاً، وعيناي تحمرّان بالدمع، ويصيب جفاف شديد شفتيَّ…وهكذا كتبتُ القصةَ في تلك المقهى. وبقيتُ محموماً مدة يومين. ألم تبكِ ً بعد أن تشاهد فيلماً سينمائياً مؤثراً، أو تكتب نصاً أدبيا أو تبقى حزيناً لفترة بسبب فيلم مفجع. لقد كان ذلك المشهد الخيالي البحري باعثاً لدمع عيني ومداد قلمي. وهذا ما حدا بناشر كتابي ” الأعمال القصصية الكاملة” ، أخي الدكتور جورج عبد المسيح، إلى القول: ” لقد كتبها القاسمي بدم القلب ودمع العين.”

س 27 ) هل كان تذكّر راوي قصّة “الخوف” لكونه “قارىء” منذ طفولته ، وليس متبارياً عنيفاً ، إشارة أخرى إلى أن “القراءة” / الأدب تقتل الشجاعة ؟ بدليل أنّ الوحوش البشرية التي تقطع الألسنة والرؤوس الآن هم حثالات غوغاء في حين انزوى المبدعون في صومعاتهم ومنتدياتهم ؟
ج 27) هذا صحيح. فالأفراد يتباينون في الطباع، فمنهم من هو مسالم بطبعه، ومنهم العدواني الطباع تماماً كالحيوانات في الغاب، فمنها المسالم منها المقاتل. وأنتَ تعرف أن الإنسان كان جزءاً من الطبيعة، ثم أستطاع بالثقافة أن ينفصل عنها ويحاول التحكم فيها. كنتُ في منتصف الستينيات طالباً في الجامعة الأمريكية في بيروت، وكنت أحياناً أتشرف بمجالسة الشاعر خليل حاوي أستاذ الأدب العربي، في مقهى فيصل في شارع بليس. وكان يتأجج وطنية وعروبة، وعندما اجتاح الجيش الإسرائيلي بيروت سنة 1982، وكان خليل وهو في شقته المطلة على شارع الحمراء يشاهد الجنود الصهاينة يختالون في الشارع، لم يحتمل ذلك، وهو المصاب بالصرع ورهافة الإحساس، فانتحر. كان يتمنى أن يحمل البندقية ويقاومهم، ولكنه لم يفعل معلّلاً ذلك بـ ” ليس لي طبع المحارب”. فلكل فرد طبعه الخاص.

س 28 ) الشمس التي “تدلق” والرمال التي “تكرع” في ظلّ سرابٍ “يرتفع وينخفض” (قصّة المدينة الشبح) .. والابواب المُوصدة مقابل المُغلقة وغيرها الكثير .. هذه الدقّة اللغويّة التي ترفض “الترادف” كما أعلنت أنتً في أكثر من مناسبة ، ألا تحيلنا إلى مظلوميّة اللغة العربية – ومن قبل أبنائها قبل غيرهم – حين يُشار إلى فقرها الحضاري وجمودها ؟
ج 28) في علم اللغة الحديث، لا توجد لغة غنية ولغة فقيرة، ولا توجد لغة متطورة ولغة بدائية، ولا توجد لغة جميلة وأخرى قبيحة، فجميع اللغات متساوية في قدرتها على التعبير عن أحتياجات الناطقين بها من دلالات ومفاهيم، ولكل لغة وسائلها في توليد الألفاظ الجديدة التي يحتاجها المجتمع. وجمال اللغة ينتج عن اعتياد أهلها عليها، كما بيّن ان حزم في نقده للفكر اليوناني. . وأي تطور يصيب اللغة فهو بفضل تطور أهلها، وكل ضعف يصيبها هو من ضعف أهلها. ( مع ملاحظة أن لي تحفظات على بعض جوانب هذه النظرية التي يقرّها علم اللغة الحديث، فأنا أرى أن الوسائل التي تعتمدها اللغات في توليد الألفاظ الجديدة تختلف من لغة إلى أخرى، وأن بعض هذه الوسائل أكثر إنتاجية من غيرها؛ فاللغات الاشتقاقية أكثر قدرة من اللغات اللصقية على التوليد والوضع، تماماً كما تختلف النساء في قدرتهن على الحمل والولادة والإرضاع. والاشتقاق هو في أوج كماله في اللغة العربية). واللغة العربية ليست فقيرة ولا جامدة. ولكن أهلها يمرون بفترة فقر حضاري وجمود علمي.
س 29 ) لكن من ناحية أخرى تتعلّق بـ “لغة” الإبداع ، ألا ترى أنّ هذه الدقّة تقف بالضد من الشعريّة التي تستند إلى “خلخلة” النظام اللغوي وقواعده وتحقيق “الإنزياح” في دلالات مفرداته ؟ وكمثال على ذلك استخدام راوي “المدينة الشبح” لمفردات الإفتراس واللوك للكلمات وصولاً للإدراك .
ج 29) أنت، يا أخي أبا عمر، بثقافتك الواسعة وعلمك الغزير، تثير أسئلة شائكة، تتطلب الإجابة عليها كتباً كثيرة، والوقت لا يسعفنا. فأنت تثير قضية الإبداع وتقنياته، والشعر وتقنياته، واللغة وترادف الألفاظ فيها واشتراكها، بسؤال يتكون من سطرين أو ثلاثة.
أتفق معك أن الشعرية تخلخلُ ضوابط الدلالة التقليدية، وتُجهز على الكلمات المحنطة، وتحقق الانزياح في معانيها. وأتفق معك أن قصتي جمعت بين شعرية الأسلوب ودقة استعمال المفردات بدلالاتها الأصلية، وهذا تناقض ظاهر، في الظاهر.
ولعل أسهل وأقصر طريقة للإجابة على سؤالك العويص هي أن أقول إن القصة هي من النثر، وليست من الشعر الخالص، ولكنها تستخدم بعض الأساليب الشعرية، كما أن القصة ليست مسرحية ولكنها تستخدم بعض الحوار المسرحي. ولهذا فإن هذه القصة تجمع بين بعض خاائص الشعر وبعض خصائص النثر. وأن الراوي في قصة ” المدينة الشبح” هو عربي أمريكي، فمن ناحية ورِث الروح الشعرية من أبيه وجده، ولكنه أكتسب الدقة الصناعية من ثقافته الأمريكية.
س 30 ) ذكرت تاريخ كتابة قصص مجموعاتك الخمس التي ضمّتها أعمالك الكاملة بصورة عامّة في المقدّمة (من سنة 1995 إلى سنة 2010) ، ولم أجد تاريخاً مُثبّتاً في نهاية اي قصّة من القصص . ألا تعتقد أنُ تثبيت تاريخ كتابة قصّة “الخوف” و”المدينة الشبح” بشكل خاص كان يمكن أن يُثري دلالات النصّين التاريخية والاجتماعية ؟
ج 30) أتفق معك تماماً. وأشعر بالندم لعدم تسجيلي تاريخ كتابة كل قصة. ولو أتيحت لي فرصة إعادة طباعة مجموعاتي القصصية، وأسعفني الوقت، لبحثتُ عن التاريخ التقريبي لكتابة كل قصة، من خلال تاريخ الصحف التي نشرتها أول مرة، وأثبته في نهاية كل قصّة.
س 31 ) وارتباطاً بموضوعة “المكان” ودوره في البناء القصصي ، يقوم أغلب القصّاصين بتصميم المكان وتأثيثه بصورة تناسب طبيعة “المُثكل” كما يصف جدّك جلجامش الموت ، أنتَ لديك مثل هذا الميل ، لكنّك أيضاً تختار الأمكنة والأزمنة بلا اشتراطات ، فكل مكان ملائم لحضور الموت من صحراء وبحر مفتوحين على اللانهاية كما في “الغزالة” و”القارب” و”الخوف” ، إلى غرفة صغيرة أو شقة خانقة كما في “الرحيل” و”النهاية” . هل هذا مُخطّط للتعبير عن سطوة الموت الذي سيدركنا حتى لو كنّا في “بروج مشيّدة” ؟ أم لإشعال توقّع القارىء بالمناقضة ؟ وفوق ذلك كان وصفك لبعض الأمكنة خصوصا في استهلالات قصصك مفعماً بالإسترخاء و “الرومانسيّة” (الغزالة ، القارب.. ) .
ج31) نعم، جاءت قصص المجموعة متنوعة من حيث المكان، كما تفضلت. ولعل هذا التنوع قد حصل بصورة لاشعورية. ولكن التنوع لم يقتصر على المكان فحسب، بل شمل كذلك الموضوع ( المحتضر أو الميت)، فهو تارة إنسان (طفل، رجل، شيخ)، وتارة حيوان، وتارة مدينة، وتارة حضارة، إلخ. ووصف المكان يختلف في أسلوبه تبعاً لطبيعة المكان، فإذا كان المكان بحراً، أو صحراء شاسعة، مثلاً ، كان الوصف يجنح إلى الرومانسية، وأما إذا كان المكان غرفة في مستشفى ، فالوصف غير ذلك.
س 32 ) في قصّة “الرحيل” كان كل حوار الرجل والمرأة بالعيون ! متى تتوقف اللغة الشفاهية وتعلن عجزها ؟ وهل لغة العيون اللاشفاهيّة أثرى من لغة الكلام الشفاهيّة ؟
ج 32) في قصة “الرحيل”، غابت اللغة المنطوقة، لأن الرجل كان في الأسبوع الأخير من حياته التي انقض عليها المرض الوبيل وأنهك جسده، فهو لا يقوى على الكلام. وكانت الفتاة في أشد الحزن تخنقها العبرات. فكان التواصل بلغة العيون، التي هي عندي أقوى من لغة اللسان وأصدق، أو كما قال الشاعر صرَّدُر :
إنَّ العيونَ لَتُبدي في نواظرها ما في القلوب من البَغضاءِ والإحَنِ
إضافة إلى أن العين هي المنفذ الأساس للمعرفة إلى فكر الإنسان، أو كما قال المتنبي:
خُذْ ما تراه ودَعْ شيئاً سمعتَ بهِ في طلعةِ الشمسِ ما يُغنيك عن زُحلِ
وهذه الصلة القوية بين العين والفكر صورتها عبقريةُ اللغة العربية بمتقابلات اشتقاقية مثل:
البصر والبصيرة، والنظر والنظرية، والرؤية والرأي. في حين لا نجد ذلك في الكلمات المتعلقة باللسان أو الأذن أو الرجل. وهذه المعلومة هي في خانة ما كان يسميه أجدادنا ” مِن العلم المضنون به على غير أهله”. وأنتَ من أهله.

س 33 ) وبالرغم من أن الرجل في قصّة “الرحيل” يقترب من الموت ، إلّا أنّ غريزة الحب (أو الجنس بلا أغطية) كانت حيّة و”يقظة” بحيث التفتت إلى “ملاسة” خدّي المرأة “الأسيلين” والدموع تنهمر عليهما . ألا ترى أنّك في “أوان الرحيل” رحلت بعيداً مع غريزة الموت وأهملت غرائز الحياة ، بمعنى أنّك لم تصل إلى الموت عبر صراعه مع دوافع الحياة الأصيلة أيضاً ، بل رحلتَ إليه مباشرة ؟
ج33) أظن أن وصف خدي الفتاة بالأسيلين ورد على لسان الراوي وليس الرجل المحتضر، لأننا كقراء لا نعرف القرابة أو العلاقة التي تربط الفتاة بالمحتضر. وحذف هذه المعلومة جاء بناء على نصيحة من همنغواي الذي قال في روايته السير ذاتية التي ترجمتُها إلى اللغة العربية ” الوليمة المتنقلة” ما معناه أن القاص يستطيع أن يحذف معلومة ما من القصة على شرط أن يكون هو يعرفها.
وإذا كنتُ قد رحلتُ إلى الموت مباشرة في هذه المجموعة القصصية، كما تفضلتَ مصيباً، ربما بسبب التكثيف، فإنني تعاملت مع بقية غرائز الحياة في مجموعاتي القصصية الأخرى.
س 34 ) يذكّرنا موقفك هذا بلازمة سيّدة الحكّائين : شهرزاد وهي تقول حين تصل السعادة في الحكاية ذروتها : “وجاء مفرّق الجماعات وهادم اللذات” .. هل أنتَ وريثها ؟ أليس من المؤسف أن بورخيس وستندال وفلوبير وتولستوي وأو هنري وماركيز وباموق وغيرهم الكثير الكثير يعلنون عن دينهم لسيّدة الحكايات : ألف ليلة وليلة ، في حين يلهث كتّابنا وراء النصوص الغربيّة ؟ كيف كانت سياستك في استثمار مخزونات تراثنا العظيمة – سرداً وثقافة – ؟ ولو كتبت نصائح إلى كاتب شاب في هذا المجال ، ما الذي ستقوله له ؟
ج 34) أتفق معك في ملاحظتك الصائبة حول استثمار الغير لتراثنا، وعدم استثماره من قِبل أدبائنا. ذات مرة كنتُ مع المرحوم عبد الوهاب البياتي في عمان، وسألته عن سبب استخدامه رموزاً من الأساطير اليونانية وليس من تراثنا، فأجابني بما معناه أن رموزنا قد استُهلكت أو أصبحت معروفة للقارئ.
وأنا بوصفي مؤلف ” معجم الاستتشهادات” الذي يلخّص التراث العربي ممثلاً في حِكمه، وأمثاله السائرة، وأقواله المأثورة، وقواعده المبنية على القيم والمثل، أعد نفسي أحد وارثي هذا التراث الثري. وفي دراسة لي عن التراث، ذهبتُ إلى أن (التراث) الحضاري والثقافي يختلف عن (الإرث) المادي ، فإذا كان الإرث يستلزم موت الأب ليتمكن الابن من حيازة ميراثه، فإن (التراث) الفكري والحضاري يعني حضور الأب في الابن، واستمرار الماضي في الحاضر. وعلى الرغم من أن كُلاً من التاريخ والتراث يتعلّق بالماضي، فإن التاريخ هو الماضي في بُعده التطوري، في حين أن التراث هو الماضي في بُعده التطوري المتصل بالحاضر والمتداخل معه والمشتبك به. ولا يستطيع التاريخ إجراء حوار الماضي مع الحاضر إلا عبر التراث، ويكون زمام المبادرة في هذا الحوار بيد الحاضر الذي يتشابك فيه الماضي والمستقبل.
وتعاملي معي التراث العربي في أعمالي السردية كثير ومستمر، وقد يكون مباشراً ظاهراً أو غير مباشر مبطناً.
س 35 ) في قصّة “النهاية” تنتهي هيبة الموت العظيمة ويُبتذل من خلال عدم اهتمام الأهالي ، وغناء سائق العربة التي حملت التابوت ، وسوء تصرّفات حفّار القبور .. اختيار هذا المواطن العربي / الراوي لساعة موته وطريقة دفنه بهذه الأعصاب الهادئة ، هل هي الحالة السيكولوجية التي أوصلت الناس إلى البحث عن الخلاص في الموت من حياة هم فيها ميّتون ؟ لو أنّ السياسيين قرأوا هذا النص وما يشابهه هل كانوا سيتحصّنون بالخير واحترام البشر وتخفيف عذاباتهم وعدم الوصول إلى تفجّرات الخريف العربي الدموي ؟ الراوي الذي نفض يديه حتى من الكتب المقدّسة ومن الكتب والتلفاز والعمل والناس والعالم الذي “نطفو في وساخته” ، هل أردته حالة فرديّة أم أنموذجاً جمعيّاً ؟ وهل فيه إيحاءات إلى عقم الثقافة ؟
ج 35) تحليلك مصيب. أحسب أن كاتب القصة القصيرة يتناول حالة فردية ويقصد بها نموذجاً جمعياً، لأن قصر القصة القصيرة وطبيعتها المركزة لا يسمحان له بإيراد حالات كثيرة مماثلة. أما عقم الثقافة أو إنتاجيتها فتعتمد على السياسة الثقافية المتبعة في البلاد. ففي كتابي ” السياسة الثقافية في العالم العربي” بيّنتُ ذلك إحصائياً ووثائقياً، وأكثر من ذلك تستطيع السياسة الثقافية أن تعمم نوعاً من الثقافة لأغراض معينة. ففي ألمانيا مثلاً تهدف السياسة الثقافية إلى خلق مواطن علمي صناعي مفكّر، أما في بلداننا العربية، فإن السياسات الثقافية تستخدم وسائل الإعلام لترجيح كفة الأغاني الخفيفة والرقص الهابط وكرة القدم والإكثار من استخدام اللهجات العامية الدارجة بغرض تسطيح العقل العربي والتحكُّم فيه بسهولة. فأنت لا تجد في برامج وسائل الإعلام عندنا برنامجاً يومياً لعرض الأعمال الأدبية والفكرية ونقدها، أو مقابلات مع أطباء نفسيين، أو لتعليم مهارات تقنية كالكهربة والنجارة والحدادة وإصلاح السيارات، أو لعرض مسرحيات راقية، أو غيرها. ولكنك تجد عشرات الفضائيات المخصصة على مدار الساعة لكرة القدم، أو الأغاني والرقص، أو أفلام الرعب الأجنبية، أو إثارة النعرات الطائفية البالية.
س 36 ) في ما يشبه القصّة الختامية : هل تداوي الكتابةُ الطفولةَ الجريحة ؟ ، هل جاء قولك بأنّك أمضيتَ عطلة في مراكش لإراحة نفسك المُنهكة بسبب أحداث فلسطين والشيشان والعراق كدفاع استباقي ضد سؤال الطفلة القومي المقبل ؟ ولو تركت السرد يمضي من دون هذه الإشارة ألم يكن وقع المفاجأة أشدّ في نفسك ونفس القارىء ؟ وهل هذا الموقف الدفاعي الاستباقي يتسّق مع دلالات النصّين القصصيّين اللذين اخترتهما للاطفال الحاضرين من مجموعتك “رسالة إلى حبيبتي” ؟ ولهذا جاء “الزهو والعُجب” مترتّباً عليهما ؟
ج 36) كنتُ أرمي من وراء ذكر الإنهاك النفسي الذي أصابني بسبب أحداث فلسطين والشيشان والعراق وحاجتي إلى عطلة في مراكش، إلى إحداث وقع المفاجأة والتضاد عندما تنتهي العطلة بسؤال الطفلة الصغيرة عن أطفال العراق المحاصرين المحرومين من الحليب والغذاء. أي أنني هربتُ من المشكل فوقعتُ فيه. وهذا يعني أن قضايا فلسطين والشيشان والعراق هي قضايا مصيرية علينا مواجهتها لا نسيانها أو التهرب منها.
أما اختيار النصين القصصين ” الدرس الأول” و ” البطة وفاء” لقراءتهما على الأطفال، فهو نتيجة مناسبة النصين موضوعاً وأسلوباً لأولئك الأطفال الصغار سناً وتعليماً. وهنا كذلك خاب ظني إذ إن الأطفال كان في سن عقلي أكبر من سنهم الزمني.

س 37 ) ألآن ، أرجو أن تتحمّلني ، ودعني اسألك بدلاً من تلك الطفلة العظيمة : أنتَ – وأخاطب من خلالك أغلب الكتّاب العراقيين في المهاجر والمنافي – كيف صبرتم على موت نصف مليون طفل عراقي بسبب حصار الأمريكيين والبريطانيين القتلة ، وعلى حرق أكثر من (1200) ألف ومئتي طفل عراقي وهم أحياء من قبل الأمريكان الأشرار .. نعم أحرقوهم ، في ملجأ العامريّة ، بالنار ، وهم أحياء ، ومع أمّهاتهم .. وكان الأطفال العراقيون يشوون بالنار الأمريكية في الملجأ وهم يصيحون : ماما .. ماما .. إلحگيني ! وإنّ الجنرال الذي اقترف الجريمة قد كُرّمته أمريكا بأعلى الأوسمة ! .. كيف صبرتم على عشرات الألوف من الأطفال العراقيين وهم يولدون بوجوه مُخيفة (شفاه مشرومة ، وعيون عمي ، وآذان ناقصة) ، وبفتحات مميتة في قلوبهم الصغيرة ، وبإثني عشر إصبعاً في أيديهم ، وبأرجل مفقودة ، بسبب االتشوّهات الوراثية التي سبّبها اليورانيوم المُنضّب الذي استخدمه الأمريكان في قصف المدن العراقية الآمنة ، والذي يبقى في التربة لمدّة أربعة مليارات سنة .. أُكرّر أربعة مليارات سنة ليقضي على شعب كامل مع نهاية هذا القرن إلى الأبد ! كيف صبرتم على آلاف الأطفال العراقيين الذين يموتون سنويّاً بسبب السرطانات التي سبّبها اليورانيوم المُنضّب ! ألم يصلكم صراخ الأمّهات العراقيّات وهن يلدن بعمليّات قيصريّة بلا تخدير في المستشفيات بسبب المنع الأمريكي البريطاني ؟ ألم تعلموا إنّ خمسة آلاف طفل عراقي أصبحوا أيتاماً خلال ساعات لأنّ الأمريكان دفنوا خمسة آلاف من آبائهم – وهم أحياء وبملابسهم العسكريّة ، وأكرّر دفنوهم وهم أحياء ! كيف صبرتم كمبدعين ولم تكتبوا نصّاً واحداً عن قتل الأمريكان والبريطانيين لأطفال وطنكم العراق ؟ قرأتُ نصوصاً لكتّاب عراقيين عن مشكلات أطفال في السويد !! كنّا نموت أيّها الأخوة كل لحظة ، وكنتم تركّزون على مقتكم للنظام الطغياني !! هل ستردّ عليّ مثلما رددتَ على الطفلة الحائرة بالحديث عن رسائلك عن أطفال الشيشان ؟
ج 37) إن الأدباء العراقيين في المهاجر والمنافي سمعوا صراخ الأطفال العراقيين وأمهاتهم، بصورة أعلى وأوضح مما وصل إلى زملائهم داخل العراق، لأن الفراق والحنين يؤججان نيران الشوق والمحبة للوطن وأهله في أفئدتهم وأرواحهم. والنصوص التي كتبوها شعراً ونثراً كثيرة. ولعل نصي الذي تناقشه في سؤالك الكريم ” هل تداوي الكتابة الطفولة الجريحة” هو واحد منها.
وقد ترجمتُ نصاً كتبه أستاذي الدكتور صالح جواد الطعمة بالإنكليزية في ” حولية الأدب العالمي” وعنوانه ” الشعر العراقي في المنافي الغربية”، إلى العربية، ونشرتُه في عدة جرائد وفي كتابي ” الحب والإبداع والجنون”. وهو يجيب على سؤالك الكريم.
وبمناسبة ذكرك لحادثة قيام الجيش الأمريكي بدفن خمسة آلاف جندي عراقي أحياء،;كانت لي مراسلات مع المفكّر الأمريكي الدكتور نعوم تشومسكي، وبعد الغزو العراقي الخاطئ للكويت، أرسل إليّ بنسخة من كتابه الجديد، آنذاك، ” عرقلة الديمقراطية” Obestrecting Democracy مع مقالين له قال عنهما إن الصحف الأمريكية الكبرى رفضت نشرهما فنشرهما في صحيفة بريطانية ثانوية، وكان أحدهما عن مفاوضات أوسلو التي كانت على وشك أن تبدأ بين الإسرائليين والفلسطينيين، حيث أوضح فيه أن هدفها الحقيقي المباشر هو إيقاف الانتفاضة الفلسطينية التي عرقلت الاستيطان الصهيوني، وغايتها إقامة سلطة فلسطينية لها صلاحيات بلدية ( أو جمع القمامة، على حد وصفه) وواجبات المحافظة على أمن إسرائيل، وأن المفاوضات ستستغرق عقوداً من السنين، والمقال الآخر يهاجم فيه أمريكا ويتهمها بجرائم حرب ضد الإنسانية لأن جرافاتها العسكرية المدرعة قامت بجرف الرمال في اتجاه خنادق الجنود العراقيين بالكويت ( الذين وصفهم بأنهم جيش من الفلاحين لا يرقون إلى تكنولوجيا الدمار الأمريكية) ودفنهم أحياء، فقمتُ بترجمة هذين المقالين ونشرتهما في جريدة (العلم )المغربية باسم تشومسكي وتوقيع المترجم (ع م ق). وسلّمتُ نسخة من المقال الأول إلى سفير فلسطين بالرباط، أما الثاني فقد أخذته معي إلى المنزل لأقرأه ثانية وثالثة وأنا أبكي. وفيما كنتُ أفكر بترجمة كتابه الجديد إلى العربية وإذا به يصدر مترجماً في بيروت، طبعاً بترتيب بين الناشر اللبناني والناشر الأمريكي.

س 38 ) إعلانك الختامي في هذه الحكاية : “أنا كاتب بلا خيال” وهو إعلان ذكي مُرتبط بالموقف الذي واجهته ، أساء فهمه بعض النقّاد ، هل يعكس هذا قصور النقّاد الذين أُتخموا مسبّقاً بالأطروحات الغربيّة عن فهم آليات اشتغال الكاتب العربي وردوده الموقفيّة ؟
ج 38 ) ربما، لأن بعض أصحاب الاتجاهات الأدبية المعاصرة في أمريكا اليوم، لا تعد الأعمال السردية الواقعية جزءً من الـ fiction ، فالمصطلح الأخير لا يغطي أي عمل له صلة بالواقع من قريب أو بعيد، بالنسبة إليهم.
س 39 ) أنت عراقي ، وجدّك جلجامش صاحب أول وأعظم صرخة في تاريخ البشريّة : لماذا أموت ؟ ولماذا كتبت الآلهة لنفسها الخلود وقدّرت لي الموت ، وذلك في الوقت الذي كان البشر يُساقون إلى الموت كالقطيع وبلا احتجاج ؟ كم أسهم هذا القلق العراقي الدفين من الموت حتى يومنا هذا في شحذ إمكاناتك الإبداعية ، ليس الأدبية حسب ، بل العلميّة ايضاً ؟
ج 39) أنا لا أدعي شرف الانتساب المباشر إلى الملك جلجامش. لعل جدتي هي صاحبة الحانة التي كرع فيها جلجامش الخمرة حتى ثمالة الحزن والبكاء، بعد أن سرقت الحيّة منه، وهو نائم، نبتة الحياة التي قاسى الأهوال من أجلها، ثم انسابت مختفية في غارها. فرقَّ حال صاحبة الحانة لحاله وخاطبته بقولها الذي ترجمتُه بلغتي الكسيحة:
ابكِ يا جلجامش واذرف العبرات،
لأن الآلهة التي آثرت نفسها بحق الحياة،
هي التي قضت على الإنسان بالممات.
ولكني قد أنتسب إلى أفكار جلجامش، فعندما استحال عليه تخليد نفسه ومواطنيه بزراعة نبتة الحياة ، فإنه لجأ إلى إنشاء المدارس في مدينته الورقاء ونشر المعرفة، طبقاً لمقولة ” العلم حياة والجهل ممات”. ولهذا فأنا معلّم يكثر من القراءة والكتابة.
ومن المؤكد أنني ورثت قلق العراق وحزنه الطويل بسبب الظلم والطغيان والحروب والمجاعات والفيضانات والأوبئة والموت طوال التاريخ، أو كما قال بدر شاكر السياب: ” ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوع”.

س 40 ) وبعد أن عاد جلجامش فاشلاً من رحلة البحث عن الخلود قرّر الانتصار على الموت بالكلمة والحجر ، بالحجر من خلال بناء مدينة أوروك بأسوارها الجبّارة ، ونصب تمثال لخلّه الراحل أنكيدو من اللازورد ، وبالكلمة من خلال تسطير ملحمته . اندثرت الأسوار وضاع التمثال .. وخلدت الكلمة التي سطّرها “الشاعر المجهول” . هل تعتقد فعلاً بأنّ الكلمة تكتب لك الخلود في وجه المُثكل ؟ أم أنّها خُدعة دفاعيّة نفسيّة ؟ وللتحديد أكثر هل فعلاً أنّ المُبدع يكتب تحت هاجس مقاومة الفناء ؟ وهل صحيح أنّ الإنسان ابتكر الحكاية كوسيلة لمواجهة الموت ؟
في الختام – ومن الناحية الفلسفيّة والنفسيّة – أقولُ إنّنا كبشر قد حُكم علينا بالانتظار ، حتى ليمكنني القول إنّ الإنسان “حيوان ينتظر موته” بوعيه الشقي ، وسواءً أكان هذا الانتظار حسب رأي أحد المفكّرين يُفضي إلى الفراغ والعدم واللاوجود ، أم إلى تجربة الخلود والبقاء والأبديّة ، فقد قّضي علينا في كلّ الأحوال أن نعيش في انتظار تلك اللحظة التي قد لا يكون بعدها انتظار ، أو التي قد تدنو بنا إلى أعتاب الجنّة أو النار . وخلال جلوسنا في “غرفة الانتظار” التي يسمّونها الحياة ، علينا أن ننشغل – بلا خوف – بقراءة كتاب الموت .. كتاب الانتظار . هذا الكتاب الذي سطّر علي القاسمي صفحات مهمّة منه بكل اقتدار .. ننشغل به إلى أن يحلّ “أوان الرحيل” .
فتحيّة لك ايّها القاص المُبدع .
ج 40) تختلف دوافع الكتابة من كاتب لآخر. لم يخطر ببالي قط أن الكتابة ستمنحني الخلود. ربما كتبتُ قصصي بوصفها فترات استراحة من كتابتي العلمية المتخصصة ( علم المصطلح وصناعة المعجم). وربما كتبتُ بدافع الحنين ولاستعادة بعض لحظات الماضي الجميلة. ربما كتبتُ بدافع الوحدة ولخلق واحات من خيال استظل بها من هجير البُعد عن الوطن والعزلة.
وعلى أية حال، فإن كلماتك الطيبة عن كتاباتي تمنحني كثيراً من الرضا والسعادة. فشكراً وتحية لك، عالماً وطبيباً وأديباً وناقداً فذاً.
الهوامش :
———-
(1) الأعمال القصصية الكاملة – علي القاسمي – مكتبة لبنان ناشرون ودار صائغ – بيروت – الطبعة الأولى – 2012 .
(2) و(20) (29) ويكيبيديا : الموسوعة الحرّة
(3) و (4) قصائد حب على بوابات العالم السبع – عبد الوهاب البياتي – دار الشروق – القاهرة – الطبعة الثالثة – 1985 .
(5) الزاوية والمنظور – عبد الستار البيضاني – سلسلة الموسوعة الصغيرة – العدد 465 – بغداد – 1996 .
(6) هرم ماسلو : هو هرم وضعه عالم النفس “ابراهام ماسلو” رتّب عليه الحاجات الإنسانية في صورة هرم في أسفله الحاجات الفزيولوجية وفي قمّته حاجات تأكيد الذات ولحظات التجارب الفائقة .
(6) و (7) سنة 501 الغزو مستمر – نعوم تشومسكي – ترجمة مي النبهان – دار المدى للثقافة والنشر – دمشق – 1996 .
(8) تشريح التدميرية البشرية (الجزء الثاني) – إريك فروم – ترجمة محمود منقذ الهاشمي – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 2006 .
(9) بين الثقافة والسياسة – عبد الرحمن منيف المركز الثقاﻓﻲ العربي – الدار البيضاء وبيروت – الطبعة الثالثة – ٢٠٠٣.
(10) و(11) و(12) الخروج من التيه : دراسة في سلطة النص – د. عبد العزيز حمّودة – عالم المعرفة – 2003.
(13) المرايا المحدّبة : من البنيوية إلى التقكيك – د. عبد العزيز حمّودة – سلسلة عالم المعرفة – 1998 .
(14) (34) (35) (36) (37) (51) (58) (62) مشكلة الإنسان – د. زكريا ابراهيم – مكتبة مصر – القاهرة – بلا تاريخ .
(15) (16) يوم تحول نهر “السين” الى مقبرة عربية – فيصل جلول – موقع الكاتب فيصل جلول على شبكة الإنترنت .
(17) و (18) أنيس حبيبة روحي – إيزابيل أللندي – ترجمة صالح علماني – دار المدى – دمشق – 2007 .
(19) فيلم (the lost city)
(21) (22) (26) (27) (28) (32) لحظة الأبدية – سمير الحاج شاهين – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – الطبعة الأولى – 1980 .
(23) طريقة التحليل النفسي والعقيدة الفرويدية – رولان دالبير – ترجمة د . حافظ الجمالي – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – الطبعة الأولى – 1983 .
(24) (33) أفكار لأزمنة الحرب والموت – سجموند فرويد – ترجمة سمير كرم – دار الطليعة – بيروت – الطبعة الثالثة – 1986 .
(25) بؤس البنيوية – ليونارد جاكسون – ترجمة ثائر ديب – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 2001 .
(30) The Literature Network
(31) الموت والعبقرية – د. عبد الرحمن بدوي – دار القلم – بيروت – بلا تاريخ .
(29) (61) أفكار لأزمنة الحرب والموت – سجموند فرويد – ترجمة سمير كرم – دار الطليعة – بيروت – الطبعة الثالثة – 1986 .
(38) (39) الطوطم والحرام – سجموند فرويد – ترجمة جورج طرابيشي – دار الطليعة – بيروت – الطبعة الأولى – 1983 .
(40) (41) (42) (43) انتصارات التحليل النفسي – بيير داكو – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 1983 .
(44) (47) (48) (52) (53) (55) (56) (57) الكتابة والفقدان – قراءة في التجربة القصصية عند علي القاسمي ، قراءة نقديّة – ابراهيم أولحيان – دار الثقافة – الدار البيضاء – الطبعة الأولى – 2011 .
(45) أسطورة الأدب الرفيع – د. علي الوردي – بغداد – الطبعة الأولى – 1957 .
(46) مهزلة العقل البشري – د. علي الوردي – دار الورّاق للنشر – لندن – 1994 (والطبعة الأولى منه صدرت ببغداد عام 1955 وليس عام 1959 كما ورد في طيعة دار الورّاق) .
(49) عابر سرير – أحلام مستغانمي – رواية – منشورات أحلام مستغانمي – بيروت – الطبعة الثالثة – 2004 م .
(50) سورة “عبس” .
(54) الإبداع الروائي اليوم – أعمال ومناقشات لقاء الروائيين العرب والفرنسيين آذار – مارس 1988 معهد العالم العربي – باريس – دار الحوار – سورية – 1994.
(59) Harold I,kaplan, Benjamin J.Sadoclc(1998): Synopsisi of psychiatry, 8th ediction, Mass Publishing co. Egypt.
(60) الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان – د. عبد الوهاب المسيري – دار الفكر – دمشق – الطبعة الرابعة – 2010 .

 

تعليق واحد

  1. صالح الرزوق

    أسعدني هذا الحوتر كثيرا برشاقته و صفاء أفكاره و بجرأته على الثوابت.
    و أكثر ما لفتن نظري هو الهوية.
    مع أن القصص مع الحداثة بلا مواربة. هناك إشارا كثيرة تدل على الانتماء لزمن التقنين الملحمي كما تصوره ملحمة غلغامش. و هي ترانيم و طقوس يغلب عليها التفسير الحضاري و ليس التفكير العرب إسلامي.
    فغلغامش بهويته الرافدينية منفصل تماما عن الحوض المعرفي للإسلام و العرب و تاريخ الأمة الحديث و تاريخ العراق السياسي.
    فهو مرتبط بأوروك و ليس بالعراق. كما هي أناتشيد اللآلئ مرتبطة بالأمة السورية و الفينيقيين و حوض المتوسط و ليس لها أية علاقة عضوية بسوريا المعاصرة.. لا في السياسة و لا المجتمع و لا في تطوير المفهوم الشعوبي لخليط من التسريبات التي لا تعرف مكوناتها الصحيحة.. فهي ركام من وحل الفكر الإسلامي و القومي و الكولونيالي و الخرافي المبسط الذي يعتمد على المعجزات و الاتكالية.
    طبعا أنا لا أعارض شيئا من ضمن أطروحة اللقاء و إنما أحببت أن أرسم خطا بين ما سلف و ما نحن عليه.
    و أن تكون اختياراتنا واضحة.. مع الفكرة الحضارية أم ثقافة سايكس بيكو التي أنتجت الفكر القومي كردة فعل أولى و كتفسير لصعود البورجوازيات المحلية.
    و ألف شكر…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *