هادي العلوي.. الزاهد العضوي على الطريقة التاوية.! (4) أو التوصيف المدلول
إشبيليا الجبوري
ترجمة عن الالمانية أكد الجبوري (ملف/6)

إشارة :
قيمة المفكر تكمن أحياناً في إشكالية أفكاره. والمفكر “هادي العلوي” من هذا الطراز. فقد جاءت أفكاره (وعبر أكثر من 20 كتاباً وثلاثة معاجم لغوية) صادمة وإشكالية عرّضته للكثير من التُهم الظالمة و “المُحقّة”. هذا الزاهد الذي كان يكرّر وصيّة الحياة الشريفة للمثقف العربي خصوصا “لا تملك شيئا ولن يملككَ شيء أبدا …تلك هي الحرية”. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء ملفها عنه بالمقالات والصور والوثائق.
المقالة :
هادي العلوي.. الزاهد العضوي على الطريقة التاوية.! (الحلقة الرابعة ) أو التوصيف المدلول
إشبيليا الجبوري
ترجمة عن الالمانية أكد الجبوري
يمكن لحياة هادي العلوي المثمرة والمؤلمة أن تلهمنا وحتى تكون هلها سلوانا لنا كي نعمل في أزمنة اليأس هذه، وعلى غرار كثير من الثوريين في الماضي والحاضر، فقد عانى من محن، منقطعا للبحث والقراءة والتأليف، لا ينساق وراء طنطنات مفكرين وقته، فهو في مشكلة الكليات يتوقف عن الحكم ويراها غير قابلة للنظر دون حل عن جهد ممارس ممتحن.

تمثل العلوي هادي التطور الهائل في النظر إلى التاريخ والتراث، الذي أحدثه الشرق، وتأثر بفلسفة الحياة التي سادت في الفكر الاسلامي، فرأى أن يحدث في فلسفة التاريخ ثورة ثقافية، وذلك باطراح النظرة التقليدية إلى التاريخ كتيار عضوي مستمر متصل من القدم فالوسيط فالعصر الحالي، وأن ينظر إلى التاريخ والتراث بدلا من ذلك على أساس أنه مكون من حلقات حضارة مغلقة، فألتحم بزاهده العضوي قيام صلابة حكمته، حين رسم تحرر النظر بأسم المكان اللامتناهي لحركته، أن طبيعة الزاهد العضوي جعل قيامه بهذا التحرر فيما يتعلق بالطبيعة الانسانية للتحرر من الشهوات، يوم أن تركت نظام الحياة كيدا ومقتا إلى الانسان كما تصوره النيوليبرالية، وكما نتصوره اليوم صحيحا وحده بالنسبة إلينا.

أن الانسان ونشاطه العام قادر، بل في حاجة إلى التحرر من الوضع الذي تصادف ووجد العلوي نفسه فيه، وهو (الزاهد العضوي). ولكن تشاؤمية العقل تبدو لنا أيضا أكبر من تفاؤل الإرادة والنفس. وبينما نجد زمنا طويلا قد مضى منذ تخلص الزاهد من فكرة الابتعاد النسبي، لا نزال يرى مكابدة تزاهده حيث كان؛ فريسة لهذه المحنة والصراع لمكونات العضوي الحقيقي الذي تجمعه معه هذه الفكرة الجامحة والمتسلطة على دربه ورفع وهمه.

الا فليتحرر الزاهد العضوي من وهم “الزاهد التابع، المنظر، والطاغية”، بأن يجعل بينه وبين النظرية مسافة كافية لان تجعل للزاهد العضوي ينظر الى النظرية بأعتبارها شيئا بعيدا كل البعد، غريبة كل الغرابة، وبأعتبارها من زمن راكد ليس لها ثقل أكبر مما لغيرها من مدد الزمان، بعيد لفرق شاسع بما فيها ما للنظرية والممارسة والنتائج والتقييم العلمي العملي، بل دون أن تخضع لقاعدة من قواعد هذا، المثل الأعلى، أو ذاك الزاهد العضوي المتمرس، مما تشوهه وتلفق في طبيعته، ودون أن ترجعه إلى نفسه ويدخل فيه عواطفه ومحنه وهموم رغباته الشخصية التي تمليها عليه تجارب حياته العملية، مسافة أقرب، لجعله مع ذلك يحققها تمام التحقيق متقشفا راضيا، تسمح بأدراك الواقع الانساني من بعد تشهيات هائلة، بألقاء نظرة فاحصة التراث الانساني كله؛ بما فيه التراث الاسلامي والحضارات الكونية، وصراعه.

ويبدا العلوي ثورته الجديده هذه بوضع تمييز بين الزاهد “تاريخيته” وبين طبيعة الزاهد العضوي وأنشطته، أن الزاهد مطبوع بطابع الحدوث وبين طبيعة الزاهد العضوي الحقيقي، الذي مطبوعه بطابع خلق وممارسة الإمكان باستمرار، حركة فاعلة. فطالما كان الزاهد ينظر صورة الإنسان المحيط به؛ كي يعرف بها لاية قوانين يجب أن تحقق هذه الصورة الانسانية (الكرامة والحق والعدل والحرية، والمساواة.. دون أن يسائل نفسه عما إذا هذا التحقيق يتم بالفعل او يمكن فقط أن يتم، فموقفه سيكون موقف المحيط ضمن مسؤولية طبيعة مكونات الزاهد العضوي الذي يشتغل بالعلم والبحث والممارسة، ويتساوى دائما بالنسبة إلى الضرورة في العلية للطبيعة الانسانية الكونية كعلية مركزية، حال كان لها أن تظهر كضرورة غالبا (او) لا تظهر، أي أن هذه الضرورات مستقلة عن محنة المصير، فن هناك تجارب متعددة من الصراعات التي تؤدي إلى ثورات من تركيبات طبقية معقدة، التي تتم بالفعل وتتحقق، وبعضها التي لن تتحقق بالفعل في يوم ما. ولكنه، أي العلوي هادي، قد أثبت على أنها ممكنة الوجود، لها لزم الممارسة، وبالتالي أهمية الزاهد العضوي؛ أهمية عملية علمية في ممارسة بالنسبة إلى نواظم بنيوية ثابتة طبيعتها، لا إلى نوعيات متغيرة في طبيعة مرونتها، وكل تصنيف من طبيعة عضوية الزهد و أنشغالاته، مكونة من مجموعة من الحقائق، اما تاريخانيته؛ فتقوم على وقائع، والوقائع تتوالى، بينما الحقائق؛ يستنبط بعضها من بعض، وهكذا تختلف (زمنيا) عن (أحداثها) لكنها تجتمع في توليفات منسجمة.. أبرقت الثورة… إلى قضية. وهكذا يمكن التجربة الحية للزاهد العضوي أن يستغني عن الالفاظ، بينما معرفته العقلية المنظمة مستحيلة بدون الفاظ. وبهذا المعنى ان الزاهد العضوي “مشاء” يحول المجهولات إلى معارف، قابلة الادراك في شكه، هو وحده الذي يسيره عطشه احداث له، بينما العطش تجربة حادثة، حاضرة، ذات اتجاه نحو المستفبل، ونظرة إلى تفاؤل ألارادة، ترى طبيعة مكوناته العقلية يسودها الضرورة الرياضية، بينما، في الإرادة، تسوده، الضرورة المضنية مشقة.

ثم ان العلوي، حول محنته إلى فرصة، وأنتج بعض اكثر الأعمال الفكرية أصالة وعمقا في النظرية السياسية والأستراتيجيات الثورية، وفي الفن والأدب واللسانيات، وكتب كما أختار مشقة أنفرادية في الكتابة، وعزلة، كي يعمل في جو هاديء، وأنتج حصاده الفكري الضخم، الذي تم أخراجه للنشر، وبطلب من محبيه.

من الصعب فهم تفاؤل هادي العلوي بالإرادة في وقت عانى فيه من الألم والحرمان الاختياري والتقشف القاسي. ربما ساعدته الصفات التي حملها من تجربته.

إن هذه الجولة السريعة والمقتضبة، عبر حلقات تجاويفيها الثالاثة المغلقة، تساعد بالدفع على تصور كيف كان العلوي المفكر مركزا بشغف فائق للعادة ومرئيا ومنهجيا. كان العلوي هادي يلوذ بنفسه وصار منطويا وإن لم يكن معاديا للمجتمع، بل محبا ومرحبا بالحريص على عضوية زهده وجلادته، وهكذا خلق عالما خاصا به؛ قرأ فيه، وفكر وكتب، وتخيل نظاما جديدا للأشياء.
إلا ان شخصيته الصادقة المطمئنة برضا التقشف، مجسدا الزاهد العضوي الحقيقي، التي بدت غريبة على الأخرين من صحبه، متوحدة بأنسجامه، جلبت لهم المقت، الذين كانو أحيانا يتهمونه بأوصاف، تصف “شر بليتهم”، لكنه كان يرد بحيوية جعلت مخابثيه يتهيبون مواقفه، وحسم كلامه “قل وقصر فدل”. إن دفاعه المستميت عن النفس الزكية والفقراء رفعة، جلب له الاحترام والاعتراف من أعدائه.

كزاهد عضوي، كان العلوي هادي قادرا على معرفة ومعالجة “مشاعر الناس البسطاء، حتى وإن كانوا لا يعرفون أو يفمون، بينما انتقد “المفكرين” الذين أعتقدوا؛ أنهم يستطيعون أن يعرفوا دون أن يفهموا، وبالذات دون أن يشعروا أو يدركوا. وهكذا أصر أن الزاهد لا يستطيع أن يصنع امجاد تاريخية دون شغف صادق، دون ارتباط وجداني بين الزهاد العضويين والمجتمع. هذا التمكن غير الرتيب، مكن هادي العلوي من ان يقدم تحليلات ثاقبة حول أزمة محنته. ويعود الفضل للعلوي انه عرف الأزمة ويعود أمر معالجته إلينا.

من شاء التوسع والتعمق فليرجع إليه، حياته ومؤلفاته والدراسات التي كتبت عنه. ليساهم في ما يلبي حاجة ماسة يستشعرها القاري العربي ليس فقط المتخصص في الفلسفة والفكر والتراث، بل وكل مثقف بعامة.

وفي تحريرنا للمقالات السابقة قد أستعنا ـ كما هو طبيعي ـ ببعض ما سبق أن عرضت وتكررت في كتب او مقالات سابقة، وأفدنا من صحبة له يساريين سابقين، التي ظهرت مدونات ولقاءات لهم، ومن كتب ومجلات متعددة، لو سردناها هنا لاستغرق ذلك عدة صفحات.

وكل أملنا في أن تكون هذه المقالات المتواضعة، والتي ستعمق وتتسع، أداة تحفيز لعمل يمتاز بمداده الباحثين والراغبين في الإفادة من اتساع المنهج والمذهب الفلسفي لارتقاء المستوى في التألق بالفكر الإنساني الصحيح، يليق بالمفكر الجليل (هادي العلوي) رحمه الله تعالى بفسيح جناته.

بعض عن مؤلفاته:
ـ كتاب التاو
ـ فصول عن المرأة
ـ المرئي واللامرئي في الادب والسياسة
ـ شخصيات قلقة في الإسلام
ـ الإغتيال السياسي في الإسلام
ـ من تاتاريخ التعذيب في الإسلام
ـ شخصيات غير قلقة في الإسلام
ـ فصول من تاريخ الإسلام السياسي
ـ خلاصات في السياسة والفكر السياسي في الإسلام
ـ المعجم العربي الجديد، المقدمة
ـ المعجم العربي المعاصر: الإنسان والمجتمع

المترجمة د. أكد الجبوري

عن الالمانية/ أكد الجبوري

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *