قصي الشيخ عسكر : الرباط (رواية مهجرية) (15)

(15)

لأكون صادقا مع نفسي حين أقول إن هناك في يوم الإثنين، بالتحديد ساعة أرقبها بشغف تلك الساعة لم يعد لها الطعم ذاته بعد الآن ..
فاتحة وعطشي الذي يرتوي
يوسف وحلم السفر ..
الرحيل إلى العراق أصبح محفوفا بالمخاطر فالحرب وباء يستعصي على العلاج ولاينفع معه أيّ دواء .. ولم يبق إلا التوتر والقلق وبعض الخوف من المجهول.
حضرت مرة بعد الحرب ببضعة أيام إلى الشقة، تأسفت وسألتني عن أهلي، ظننا وقتها كلنا أن ذلك الحدث ينتهي بعد يوم أو يومين .. لينتظر سي يوسف أسبوعا أو أسبوعين .. شهرا .. قالت إن المغرب دخل مع الجزائر حربا ثم توقفت بعد أيام .. يومين أو ثلاثة وإن شاء الله سينتهي مابيننا وإيران .. ثم طرأ شيء ما لم أتوقعه قط.
اتصلت عبر الهاتف بسي يوسف وتوقعت زيارة أخرى من فاتحة إلا أنها لم تأت، صدمة، أعقبتها بمكالمة أكثر من مرة ردت خلالها السيدة في صالة الاستعلامات .. الجنة الخضراء بعيون الآخرين تحولت إلى جحيم واسع الفك يلتهم القريب والبعيد .. أيّ مجنون يلقي نفسه في أوار مفتوح الأشداق .. لا تخف ياسي يوسف .. هناك ثلاثة ملايين مصري يعملون في العراق .. العراقيون في الجبهة، أما أنتم العرب فيمكن أن تديروا المصالح الأخرى .. قد تعمل في دائرة حكومية مكان عراقي يؤدي خدمته الالزامية .. ياسيدي الله كريم إن شاء الله تنتهي الحرب وأنتم منتصرون .. وليس من المصادفة أن فاتحة اعتذرت عن المجيء إلى الشقة حين اتصلت بها عبر الهاتف وفضلت أن نلتقي في كافتريا الشلال القريبة من محل عملها ..
لم أسألها عن سبب إعراضها عن المجيء إلى الشقة التي جمعتني بها .. وجدت موضوع سي يوسف مدخلا مناسبا للحديث:
– أين سي يوسف. لقد تم إعداد كل شيء يخصه.
تعرف الظروف غير مناسبة العراق يعيش حالة حرب، أبي نفسه تحسس جدا من موضوع السفر وقد عمل جهده فتوسط له ليعمل مرشدا سياحيا في مؤسسة السياحة “ووجدت نفسها تستطرد دون أن تدرك” شغلة زوجي السابق ..
هذه المرأة التي كانت أول أنثى أمارس معها فحولتي تجنبتني .. قلت ملتمسا أي عذر لأطرد عن نفسي الخوف وعنها هواجس الحرب:
– العراق كبير. بغداد وكثير من المحافظات تعيش بأمان .. حياة هادئة عادية .. بعض المدن لا تعرف الحرب .. قد يكون هناك مشاكل في المحافظات على الحدود العراقية الإيرانية.
ترددت بعض الشيء ثم اندفعت:
– المشكلة يوسف سمع من بعض اصدقائه أن الحكومة العراقية مقابل الامتيازات التي تمنحها للعمال والطلاب العرب تطلب من أي منهم أن يذهب للحرب فترة قصيرة شهرا .. أقل..
– هذا كلام باطل.
واستدركت محاولا أن أطرد أي خاطر قاتم يفسد عليّ مايدور بذهني:
– كل شخص له يومه الموعود وكتابه المعلوم، ولا أحد ينقص أو يزيد من عمر أحد.
– صحيح لكن أيضا الحذر واجب.
أعرف أني قد أخفي بعض الحقيقة .. أحاول أن أجعل الصورة أكثر بريقا .. أزيل عنها بعض ظلال تخفي مافيها من تشوّه .. حين يسافر ويتصل بمكتب الطلاب العرب، الاتحاد الوطني .. طلبة المغرب .. يستلم منحة ثلاثين دينارا .. شيء رائع .. اطعم الفم تستحي العين .. سي يوسف رفيق يوسف .. يمكن أن تذهب عشرة ايام إلى الخطوط الخلفية .. للآخرين أنوف تشم الموت عن بعد فلماذا نتهافت عليه نحن .. من الأولى أن أغير الموضوع:
– هذا عن يوسف فما ذا عن سي مولود؟
– أووه هذا معتوه يريد أن يسافر إلى السعودية ليدرس الدين.
– يترك دراسته هنا.
– هو تركها فعلا ويحب أن يدرس هناك ليعود أمام جامع.
مرت فترة صمت، هممت أن ألمس يدها، وقلت بعد رشفة من كوب القهوة:
– معقول كل هذه الغيبة؟
فسحبت يدها، وقالت وهي تشف من كأس العصير:
– معك حق .. تريد الصراحة من غير لف ولا دوران.
– نعم لا أجمل من الصراحة لاسيما أني عشت ظروفا سيئة .. بلدي يعيش حالة حرب .. أنا في قلق وأنت تتجاهلين زيارتي.
فردت بابتسامة لمّاحة على تشاؤمي المبالغ فيه:
– قلت يابنت دعيه يعاني بعض الوقت ليعرف منزلتك!
– هل جرحتك في أمر ما!
– كلا لا أقصد ذلك. لكني سألت نفسي يا بنت مانتيجة هذه العلاقة؟ كان من الممكن أن تتضح الأمور لو سافر سي يوسف .. لكان يمكن أن أكون معه في العراق، غير أن الظروف تغيرت .. محال أن نترك الأمان ونرحل. فهل أظل أعيش طول العمر معك بالحرام؟ ماذا لوسافرت؟ هل أجد شخصا آخر أعيش معه في حرام آخر؟
لم يكن ذلك ببعيد عن ذاكرتي .. أياما معدودة .. شهورا .. كنتِ تتحدثين عن الفرنسيات .. الأوروبيات .. تقرفين منهن مثلما تتجنبين العراق الآن .. مثلما تأنفين من الحرب .. يزنين بمئات الرجال ثم يخترن واحدا:
– كان عليك أن تصارحيني منذ البداية.
قالت وهي تنقر على المنضدة بإصبعها نقرات خفيفة:
– دخول أبي على الخط، ووقوفه بوجه يوسف، وخضوع أخي لنصيحته ثم قبوله الوظيفة التي اقترحها عليه أمور جعلتني أتجنبك ولو إلى حين، وقد توقعت أن تتصل بي وانتظرت هذا اليوم الذي أراك فيه وقد عدت إليّ.
هذا أنا ذا أعود .. صحيح توقعك. عدت أرى أول امرأة عرّفتني رجولتي .. غير أني ألقي عليك نظرة وداع فقط ولا أجرؤ أن اصارحك أني لا أعود:
– لكني اتصلت أكثر من مرة؟
– قد أكون مشغولة مع الزبائن فلا تسيء الظن بي سي حسن!
– ماذا ترينيي أفعل؟
– تروم السفر إلى العراق في مثل هذا الظرف؟
عندك حل آخر؟
تأملت قليلا، من خلال زجاج النافذة وقالت:
– عندك رأسمال يكفيك لفتح مطعم صغير، عمل سندويجات أو شيء من هذا.
– أبدا كل ما معي هو راتب تلميذ متدرب.
– أنا قلبي عليك، لا أريد أن ترجع للنار، لو أردت أن أخدعك أو أورطك كما تفعل الأخريات لأعرضت عن الحبوب .. يمكن أن يعلق حمل وأضعك تحت الأمر الواقع ..
– ولم لم تفعلينها؟
-هذه طريقة خسيسة. لكن هذا لايعني أن هناك شيئا في عقلي تحرك .. ربما فعلت ذلك بدافع الانتقام من غدر زوجي .. انتقمت لنفسي، وبعد مدة صحوت حتى وقف أبي بوجه أخي في سفره، ورضي بسفر مولود فتركتك فترة لتعود إليّ.
خيبة أم أمل أم ماذا؟أم هي الحرب التي تحوّل القبيح حسنا والحسن قبيحا في وقت لا ندرك فيه أن الأمان والدعة قد يخدعان:
– هل من شيء لديّ أفعله؟
– ما رأيك أن تتعلم الحلاقة، أنا أعلمك، وهنا في الرباط دورات تدريبية بإشراف مختصين، تعلم حلاقة النساء والرجال، وشاركني في المحل، سوف أفرغ لك جزءا من محلي.
ما ذا أقول، ذهني يسرح قليلا معك: أنا لم أتهم حلاقة مثلك أنها أغوت زوجة وزير ٍلسعوديٍّ سائحٍ ثريٍّ لم يتمالك نفسه فقضم حلمة ثديها، ولو فعلتُ ماتقولينه لزلزلت السفارة من تحت قدمي الأرض ولدقوا الطبول لي في محلة العرب .. جَبنَ، وتناهى بابنك الخوف ياحاج ذيبان الخيبري حتى قبل بالزواج من حلاقة في الرباط لتعصمه من الحرب، جبان .. ياللعار هي الحلاقة ذاتها التي قادت زوجة وزير مغربي لخليجي قضم حلمة ثديها .. مادمت قرينتي ستلتصق بك في البصرة تهمة فعلتها حلاقة غيرك .. ابن الخيبري هرب من الحرب وتزوّج قوادة .. يعذبونني بضعة أيام في الرباط بكلام بعضه معسول وبعضه تهديد، وحين تنتهي صلاحية جواز سفري لن يسمح لي أحد أن أعيش هنا، سوف يأتي حرس متمرس يضع القيد في يدي ويقودني عنوة .. ملكنا ورئيسكم أخوان لا نريد مشاكل .. ماذا أقول؟
– أراك سكت؟ ما ذا تقول؟
إذاً هو قراري الأخير وهي الحرب التي جعلت من يوسف يقبل بوظيفة داخل المغرب، وجعلتك تنتبهين للحرام. ودفعت مليكة إلى أن تتعلق بي، كل هذا يجري، ونحن بعيدون عنها، فما ذا يحدث لو كنا في أتونها:
– كلامك وجيه دعيني أفكر.
– فكر ماشئت لكن لا تدع الوقت يسرقك. ” وأكدت”: أنك أردت أن تساعدنا أنا وأخي فلن أكون أقل كرما منك. ” وازداد حماسها ” تعلم الحلاقة واعمل معي هذه فرصتك .. لاتقذف نفسك في النار، يمكن في المستقبل، من يدري، نستطيع أن نفتتح مطعما صغيرا” أضافت ضاحكة وهي تلمس يدي”أعدك ستكون صاحب محل للحلاقة ومالك مطعم. أتظن السيد محمد الوهبي يتخلى بهذه السهولة عن صهره العراقي، نحن ياسي حسن، أبناء أصول!
فهززت رأسي، وقلت:
– فعلا ماترتئينه هو عين الصواب.
وددت لو أدعوها لزيارة الشقة، كنت موقنا من أنها ترفض، غير أني أعرضت، وراودتني رغبة في أن أكفر بكل شيء حولي. أحتقر نفسي، وأكره سلوكي. علي أن أخفي السر الذي يسري في جسدي كما يسري السم في فم الأفعى. أقل غلط، قبل الأوان، يثير الشكوك من حولي، أسخر من أعماقي، وأودعها على أمل أن أتصل بها في أقرب وقت، وكان هذا آخر لقاء لي معها.

شاهد أيضاً

استجابة لدعوة القاص الاستاذ محمد خضير
تمرين قصصيّ: موسم تصيف البيوت
بلقيس خالد

يعرض أمام عينيها أنواع السجاد :هذه سجادة لا تليق إلاّ بأقدام الأميرات .. مصنوعة ٌ …

مريم لطفي: مرافئ..هايكو

1 صيف الثلج وبائعه يتقاطران عرقا! 2 سحابة سوداء عابرة اسراب السنونو 3 من قدم …

ألمُغنّي
(تأبين متأخر كالعادة إلى فؤاد سالم)
شعر/ ليث الصندوق (ملف/8)

– دو – كلّ صباح يُلقيه الحرّاسُ من القلعة موثوقاً للبحر فتحوّل جثتَهُ الأمواجِ إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *