الدّكتور علي القاسميّ سيرة ومسيرة مجموعة بحوث ودراسات مهداة إليه بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسّبعين
إعداد د. منتصر أمين عبد الرّحيم (8)

التعريب والترجمة من خلال كتاب “علم المصطلح”
لمؤلفه الدكتور علي القاسمي
الدكتور محمد العلوي
كلية الآداب ظهر المهراز، فاس

1- تقديم مضامين الباب الثاني من كتاب ” علم المصطلح “:
خصص المؤلف الباب الثاني من كتاب “علم المصطلح” للحديث عن التعريب والترجمة . وقد قسم هذا الباب إلى أربعة فصول عناوينها كالآتي: التعريب: دلالته وضرورته (الفصل الثامن)، تعريب التعليم العالي (الفصل التاسع)، الترجمة وأثرها في التفاعل الثقافي (الفصل العاشر)، ثم الترجمة وتنمية المفاهيم والمصطلحات (الفصل الحادي عشر).
1.1- التعريب: دلالته وضرورته
لمصطلح “التعريب” دلالات عدة واستعمالات متعددة رتبها المؤلف من الخاص إلى العام. فهو يعني، أولا، ترجمة كلمة أجنبية إلى العربية، أو بالأحرى هو نقل كلمة أجنبية بلفظها ومعناها إلى العربية دون تغيير فيها أو مع إجراء تعديل عليها لينسجم نطقها مع النظامين الصوتي والصرفي للعربية. فإن نُقل اللفظ إلى العربية دون تعديل سُمي “دخيلا” مثل (أوكسجين) و(نتروجين)، وإن تعرض لتعديل وتحوير سُمي “معرّبا” مثل تلغراف وتلفاز…إلخ. ونقل اللفظ الأجنبي إلى العربية بتعديل أو بدونه يدخل في إطار “الاقتراض اللغوي”.
والتعريب يعني، ثانيا، نقل نص كامل من لغة أجنبية إلى العربية سواء كان فقرة أو صفحة أو كتابا بكامله. وهو بهذا المعنى مرادف لمصطلح “الترجمة”.
كما يعني، ثالثا، استخدام قطر كامل للغة العربية كلغة للتخاطب والكتابة. وأشار المؤلف إلى أن التعريب استُخدم بهذا المعنى إبان الفتوحات الإسلامية وبعدها حيث حمل الفاتحون معهم اللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية إلى الأمصار.
ثم إن مصطلح التعريب يعني، رابعا، استعمال العربية لغة للإدارة أو التعليم أو لكليهما .
2.1- تعريب التعليم العالي:
في هذا الفصل، توقف المؤلف عند أحد أسباب تعذر تعريب التعليم العالي في العالم العربي، والمتمثل في الانفصام بين السلطة والمثقف. ذلك أن قضية التعريب شكلت في الوطن العربي وجها من وجوه الانفصام أو الصراع بين أصحاب القرار (السلطة) وبين المثقفين المعبرين عن طموحات شعوبهم. فأصحاب القرار يعتقدون أن الوسيلة الوحيدة لامتلاك ناصية العلم والتقنية هي استعمال “لغة العلم” نفسها في العلم، والتي ليست سوى الإنجليزية أو الفرنسية. أما المثقفون والمختصون واللغويون والجامعيون فيرون في المقابل أن تحسين مستوى التعليم ليكون قاطرة التنمية يستوجب استخدام اللغة الوطنية في جميع مراحل التعليم وفي جميع تخصصاته.
وقد خلص المؤلف في نهاية هذا الفصل إلى أن الجامعات العربية لن تستطيع أن تقوم بدورها القيادي في التنمية البشرية إلا بإصلاحها في أهدافها وبنيتها ومناهجها وبتعريب التعليم العلمي والتقني فيها. ولم يفته الإشارة إلى أن الدعوة للتعريب لا تعني بأي حال إهمال اللغات الأجنبية أو التقليل من شأنها كما قد يتوهم البعض. ولأن مستلزمات التعريب متوفرة في نظره، فإن تطبيقه لا يحتاج إلا إلى إرادة صادقة عند أصحاب القرار وإلى منهجية واضحة في التعريب.

القاسمي يتسلم شهادة الدكتوراه في حفل التخرج بجامعة تكساس في أوستن 1972

3.1-الترجمة وأثرها في التفاعل الثقافي:
تقيم الترجمة جسورا للتواصل والتفاعل بين الجماعات اللسانية المختلفة سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي.
ولقد تأكد أن للترجمة دورا أساسيا في كل نهضة ثقافية واقتصادية. ولذلك لاحظ الباحثون تناسبا بين التقدم الحضاري وكمية الترجمة، حيث إن البلدان التي تترجم أكثر هي التي تحقق تقدما أكبر. وبالإضافة إلى كون الترجمة وسيلة للتفاعل الثقافي والمعرفي مع الآخر، فهي تشكل قاعدة انطلاق النهضات الحضارية الكبرى.
إن الترجمة حوار بين لغتين قبل أن تكون حوارا بين حضارتين. وينتج عن هذا الحوار تغيير في مفاهيم اللغة المنقول منها (اللغة المصدر) وتطوير اللغة المنقول إليها (اللغة الهدف) في مفرداتها وتراكيبها ودلالاتها وأساليبها بالإضافة إلى استيعابها لمفاهيم جديدة. كما أن تأثير الترجمة يتعدى مجال اللغة والثقافة إلى الحركات الاجتماعية والسياسية.
إن الترجمة لا تؤثر في الثقافة المنقول إليها فقط وإنما في المنقول منها أيضا، ذلك أن الترجمة تهب النص الأصلي وجها جديدا وتمنحه فرصة جديدة للحياة في محيط ثقافي جديد، خصوصا إذا انقرضت لغته الأصلية. وهناك حالات لم تحي فيها النصوص الأصلية إلا بالترجمة، ففكر سقراط وأفلاطون وأرسطو مثلا يحيى بلغات أخرى وليس بلغته الإغريقية القديمة الميتة.
ومن أهم ما توقف عنده المؤلف في هذا الفصل شروط نجاح الترجمة في التفاعل الثقافي. وقد حدد هذه الشروط في التخطيط والنوعية والكمية. إذ لابد من وجود مؤسسة خاصة بالترجمة تعمل وفق خطة واضحة ومدروسة تحدد الأولويات وترسم الأهداف وتوفر الوسائل البشرية والمادية اللازمة ثم تقيم النتائج وتقوّم الخطة إذا لزم الأمر. أما بخصوص نوعية الترجمة، فلابد من الاعتراف أولا بأن الحصول على نوعية جيدة للترجمة أمر صعب لأن الترجمة مهمة عسيرة وعادة ما توصف بأنها خيانة للنص الأصلي. ومن أهم التحديات التي تواجه المترجم كيفية استنبات مفاهيم النص الأصلي في منظومة مفاهيم اللغة الهدف وفي سياقها الثقافي، وكذلك كيفية نقل التقنيات الأسلوبية المستعملة في النص الأصلي. وبما أن لكل لغة أساليبها وتقنياتِها الخاصة، فإن المترجم يواجه صعوبة تطويع اللغة الهدف لاستضافة تلك الأساليب والتقنيات.
ولضمان نوعية جيدة للترجمة يرى المؤلف أنه ينبغي إعداد المترجمين وتأهيلهم، بالإضافة إلى اقتصار المترجم على ترجمة الكتب التي تندرج في إطار تخصصه وخبرته.
وأما فيما يتعلق بالكمية، فقد اعتبر المؤلف أن قلة الكتب المترجمة تفسر لماذا لم تقم الترجمة بأي دور في التنمية البشرية في البلاد العربية.
ولكي تقوم الترجمة بهذا الدور، فإنه ينبغي أن تؤطرها سياسةٌ لغوية واستراتيجيةٌ ثقافية.
4.1- الترجمة وتنمية المفاهيم والمصطلحات:
قام المؤلف في هذا الفصل باستعراض تجربة الترجمة في تونس والجزائر والمغرب منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى بداية القرن الواحد والعشرين. وقد تناول بالعرض أهداف الترجمة في هذه الأقطار، والعوامل المؤثرة في تنمية الترجمة، وإنتاج الترجمة من حيث الكم والكيف، وختم الفصل بتقديم اقتراحات من أجل تفعيل الترجمة والرقي بها.
1.4.1- أهداف الترجمة في أقطار المغرب العربي:
تختلف هذه الأهداف بحسب الفترات التاريخية والظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية. فقد كانت في أوائل القرن التاسع عشر بهدف الاتصال بالدول الأجنبية أو ممثليها أو مؤسساتها في عواصم تلك الأقطار. ثم أصبحت الترجمة بعد ذلك وسيلة للاقتباس من النهضة الأوربية خصوصا بعد أن أدرك بعض القادة ورجال الإصلاح أن التعليم والترجمة هما الوسيلتان الفعالتان لنقل ثمار النهضة الأوربية إلى البلاد العربية.
وبعد دخول الاستعمار الفرنسي إلى أقطار المغرب العربي بدءا بالجزائر سنة 1830م، كان أهمَّ أهداف الترجمة القيامُ بدور الوساطة بين الإدارة الاستعمارية والأهالي.
أما بعد استقلال أقطار المغرب العربي، فقد أصبحت الترجمة وسيلة لتعريب التعليم والإدارة حيث سارعت هذه الأقطار إلى إنشاء مؤسسات تعنى بشؤون التعريب وبإعداد مترجمين مختصين لإنجاز عملية التعريب.
وبعد أن تكاثرت المنظمات الدولية والإقليمية كمنظمة الأمم المتحدة ووكالاتها ومنظمة المؤتمر الإسلامي والمنظمات التابعة لها، أصبحت الترجمة أداة للتواصل في العمل الدولي، وزادت الحاجة إلى الترجمة والمترجمين الأكفاء خصوصا في مجال الترجمة الفورية.

د. منتصر أمين عبد الرّحيم معدّ الكتاب

2.4.1- العوامل المؤثرة في تنمية الترجمة:
يذكر المؤلف أن أهم هذه العوامل هي:
أولا، الوضعية اللغوية في المغرب العربي: وقد انتهت هذه الوضعية إلى ثنائية عربية/فرنسية على الرغم من أن دساتير هذه الأقطار تنص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية. وقد كان لهذه الثنائية اللغوية انعكاس سلبي على حركة الترجمة لتَمكن المستعمل من قراءة المادة بلغتها الأصلية.
ثانيا، توفر العناصر البشرية المؤهلة: وذلك يتطلب الإعداد الجيد للمترجمين في معاهد متخصصة. وفي هذا الإطار عرض المؤلف ثلاث تجارب لإعداد مترجمين متخصصين هي: المدرسة العليا للترجمة في الجزائر، قسم الترجمة في معهد بورقيبة للغات الحية، ومدرسة الملك فهد العليا للترجمة في طنجة.
ثالثا، وجود مؤسسات البنية التحتية للترجمة: ويقصد المؤلف بذلك المؤسسات اللغوية والمعجمية والمصطلحية ثم المؤسسات الوطنية للترجمة. والمقصود بالمؤسسات الأولى المجامع اللغوية ومراكز الدراسات المعجمية والمصطلحية التي توفر المعاجم المختلفة التي يحتاج إليها المترجم وتيسير عمله، بالإضافة إلى إصدار الدوريات اللغوية وعقد الندوات واللقاءات العلمية حول قضايا اللغة والمعجم والمصطلح.
أما المؤسسات الوطنية للترجمة فالمقصود بها المؤسسات التي ترعاها الدولة والتي تعمل وفق خطة مدروسة وتتوفر على مترجمين متفرغين ومتعاونين. لكن أقطار المغرب العربي لا تتوفر على مثل هذه المؤسسات لحد الآن.
رابعا، التشريعات المشجعة على الترجمة: ويقصد المؤلف بذلك التشريعات المتعلقة بتعميم استعمال اللغة العربية وباعتبارها اللغة الرسمية، والتشريعات التي تحمي حقوق المترجمين، ثم تلك تيسر نشر الأعمال المترجمة.
وبالنسبة للتشريعات التي تنص على تعميم اللغة العربية وعلى كونها اللغة الرسمية، فعلى الرغم من وجودها في الدساتير فإنها تشريعات غير معمول بها.
أما التشريعات التي تحمي حقوق المترجمين فهي قليلة. وأما فيما يخص التشجيع الرسمي للترجمة وتيسير نشرها فليسا بالمستوى المطلوب حيث يقتصر الأمر على تخصيص جوائز متواضعة.
وأما البحوث العلمية في نظرية الترجمة الآلية، التي تؤثر بدورها في تنمية الترجمة، فهي البحوث التي ترعاها المجامع اللغوية ومعاهد الترجمة أو تحتضنها الجامعات. لكن هذه البحوث في أقطار المغرب العربي تبقى محدودة في نطاقها وإمكاناتها ونتائجها.
3.4.1-إنتاج الترجمة من حيث الكم:
تؤكد الإحصائيات المتعلقة بعدد الكتب المترجمة سنويا في المغرب العربي أن عدد هذه المترجمات قليل جدا، كما أن معظمها منقول من اللغة الفرنسية ويكاد ينحصر في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. ويرجع السبب في تدني نسبة ترجمة الكتب العلمية إلى العربية إلى الوضع اللغوي في أقطار المغرب العربي حيث تستعمل اللغة الفرنسية في الكليات والمعاهد العلمية والتقنية.
4.4.1-إنتاج الترجمة من حيث الكيف (أنواع الترجمة)
انطلاقا من تعامل المترجم مع المشكلات اللسانية والثقافية التي تثيرها الترجمة، توقف المؤلف عند تقسيم طه عبد الرحمن الترجمة إلى ثلاثة أنواع:
– الترجمة التحصيلية: وهي التي تسمى أيضا النقل أو الترجمة الحرفية. وفي هذا النوع يراعي المترجم الاعتبارات اللغوية أكثر من أي شيء آخر فينشغل بالمطابقة بين اللغتين المصدر والهدف سواء من حيث المعجم أو من حيث التراكيب. واعتبر المؤلف أن هذا النوع من الترجمة يؤدي في أحيان كثيرة إلى انحراف المعنى وسوء الفهم كما يقود إلى غربة المفاهيم المترجمة في بنية اللغة الهدف.
– الترجمة التوصيلية: وتسمى أيضا الترجمة التقريبية لسعي المترجم إلى إيجاد المعاني التي تقرب النص المنقول إلى اللغة الهدف، وذلك بواسطة اللجوء إلى التحوير والتكييف والاقتباس من أجل احترام أصول اللغة الهدف. ويحاول المترجم في هذا النوع من الترجمة فهم أفكار النص الأصلي ثم التعبير عنها بما يقاربها في اللغة الهدف دون الالتزام أو التقييد بكلمات النص الأصلي وتراكيبه.
– الترجمة التأصيلية: وتسمى أيضا الترجمة التأسيسية. وفي هذا النوع من الترجمة، يحاول المترجم التفاعل مع النص المترجم من أجل استنباته في المجال التواصلي للمتلقي وإدماجه في البيئة المعرفية واللغوية للثقافة المتلقية، وهذا يقتضي علما بمقاصد النص الأصلي ووضوحا في أهداف ترجمته.
وبعد عرضه لأنواع الترجمة المذكورة تساءل المؤلف عن نوعية الترجمة في المغرب، وانتهى إلى أن الترجمة في أطوارها الأولى كانت تحصيلية وقريبة من الحرفية، وأنها في أحسن الأحوال لم تعْدُ أن تكون ترجمة توصيلية. كما أشار إلى أن معظم الترجمات تمت بمبادرات فردية وليس ضمن خطة مدروسة وهادفة.
وفي خاتمة هذا الفصل استنتج المؤلف من خلال عرضه لتجربة المغرب العربي في الترجمة “أن الثنائية اللغوية الموجودة حاليا في أقطاره، وضعف تعليم اللغات الأجنبية كمّا وكيفا، وغياب مؤسسات وطنية للترجمة ذات استراتيجيات وأهداف واضحة قائمة على مسح للحاجات الفعلية، وقلة التشريعات المنظمة لاتحادات المترجمين والمشجعة لهم على العطاء والنشر، كل هذه الأمور تجعل من الترجمة عملا فرديا تحكمه المصادفة، …، بحيث يتضاءل تأثير الترجمة في استنبات الأفكار والنظريات والمناهج والأساليب وحصد ثمارها” .
وحتى تقوم الترجمة بدورها الحقيقي الفاعل، اقترح المؤلف مجموعة من المقترحات نذكر منها:
– تعميم استعمال اللغة العربية في جميع المجالات مع العناية باللغات الأجنبية.
– العمل وفق استراتيجية شاملة للترجمة في الوطن العربي.
– تأسيس منظمات وطنية للترجمة مع توفير الإمكانيات المادية والبشرية اللازمة.
– تشجيع نشر المواد المترجمة بكل الوسائل.
– إنشاء قواعد بيانات بيبليوغرافية ولغوية ومعجمية ومصطلحية.

غلاف الكتاب من تصميم د. منتصر أمين عبد الرحيم وصدر عن دار الوفاء، الاسكندرية، 2017

2- مناقشة وتعقيب:
1.2- عن التعريب:
في إطار حديث الدكتور القاسمي عن التعريب ودلالاته، يلاحَظ أنه قد وظف مصطلح “المعرّب” بمعنى يختلف عن الذي استُعمل به عند اللغويين العرب القدماء، والشيء نفسه بالنسبة لمصطلح “الدخيل”. فقد اعتبر أن المعرّب هو كل كلمة نُقلت بلفظها ومعناها إلى العربية مع إجراء تعديل عليها لينسجم مع نظامي العربية الصرفي والصوتي. فإن نُقل اللفظ إلى العربية دون تعديل فإنه يعتبره دخيلا. أما القدماء، فإنهم يعتبرون كل ما طرأ استعماله من ألفاظ في العربية دخيلا. والدخيل عندهم إما أن يكون معرّبا أو مولّدا، فالمعرّب ما دخل إلى العربية في عصر الفصاحة، والمولّد ما دخل إليها بعد ذلك العصر . وبهذا يكون المعرّب عندهم قسما من الدخيل.
ومما يجدر ذكره أيضا بخصوص التعريب المحصور في مجال المصطلحات والألفاظ بشكل عام أن اللغويين العرب القدماء قد سجلوا بعض القواعد العامة واشترطوا شروطا صوتية وأخرى صرفية على الألفاظ المنقولة من أجل إزاحة الغربة عن هذه الألفاظ ومنحها رداء مألوفا ومأنوسا. وقد اختلفت مواقف الدارسين والباحثين بخصوص تعريب المصطلحات. فهناك من لا يجيز ذلك لما يرى فيه من إفساد للعربية وتشويه لمادتها، والترجمة عندهم هي السبيل الأولى بالإتباع. وفي المقابل هناك من يقبل التعريب دون شرط على أساس أن المصطلح المعرب أقرب في الدلالة على المفهوم المقصود. وهناك فريق ثالث لا يرى بأسا من التعريب في المراحل الأولى من نقل العلوم والفنون الأجنبية في انتظار أن تتهيأ الشروط الملائمة للترجمة وتنضج .

2.2- الترجمة وأنواعها:
إن الترجمة احتكاك بين اللغات، بل إنها حالة قصوى من حالات هذا الاحتكاك . وهي تحاول نقل معنى النص الأصلي وإعفاء القارئ من الرجوع إليه. لكن عليها أيضا أن تنقل المظهر، كلما استطاعت إلى ذلك سبيلا، بما يتضمنه من خصوصيات لغوية وتركيبية وأسلوبية.
ولقد اعتبر جورج مونان في كتابه ” المسائل النظرية في الترجمة” أن الترجمة من جهة نظر لسانية عملية مستحيلة، ولذلك اعتبر وجودها في الواقع والممارسة فضيحةَ اللسانيات المعاصرة . ذلك أن كل لغة تشكل بنية مغلقة على ذاتها وتعكس رؤية معينة للعالم وثقافة معينة أيضا. ولكي يفسر جورج مونان إمكانية الترجمة حاول إيجاد منافذ ومسالك لها من بينها وجود ما يسمى بالكليات اللغوية (الضمائر وأقسام الكلام مثلا) في جميع اللغات بالإضافة إلى نظرية الحقول الدلالية والمعجمية. وارتباطا بذلك، فإن تقارب اللغات والثقافات والحضارات التي تعبر عنها يرفع من نسبة احتمال نجاح الترجمة بين هذه اللغات، أما تباعد اللغات والثقافات والحضارات فهو مما يصعب عملية الترجمة ويقلل من فرص نجاحها. وتبقى الترجمة دائما، في نظر جورج مونان، عملية ذات نجاح نسبي وذات مستويات مختلفة من حيث التواصل الذي تبلغه. بل إنه يذهب أبعد من ذلك فيقول إن الترجمة ليست دائما ممكنة وليست دائما مستحيلة وإنه يجب علينا في كل حالة تحديد مقدار الإمكانية ورسم حدود الاستحالة .
ولأن درجة التقارب أو التباعد بين اللغة المصدر واللغة الهدف تختلف بحسب ما إذا كانت اللغتان تنتميان إلى عائلة لغوية واحدة وثقافة واحدة أو إلى عائلتين لغويتن وثقافتين مختلفتين، فإننا لن نكون أمام نوع واحد من الترجمة في كل الحالات وإنما أمام أنواع مختلفة. واختيار نوع معين منها لا يكون اعتباطيا وإنما تبرره درجة التقارب والتباعد بين اللغتين. ولذلك، فقول الدكتور القاسمي إن ما سماه الدكتور طه عبد الرحمن ترجمة تحصيلية يؤدي في أحيان كثيرة إلى انحراف المعنى وسوء الفهم وإلى غربة المفاهيم المترجمة في بنية اللغة الهدف يحتاج إلى تقييد بتحديد هوية اللغة المصدر واللغة الهدف. ذلك أن هذا الأمر لا ينطبق على الحالات التي تنتمي فيها اللغتان إلى العائلة اللغوية نفسها (كالفرنسية مع الإيطالية) وإلى الثقافة نفسها كذلك، بل إن الترجمة التحصيلية الحرفية تحقق في هذه الحالة تناظرا معجميا وتركيبيا لافتا كما يتضح من خلال ترجمة العبارة الفرنسية quelle heure est-il ? بالعبارة الإنجليزية what time isit ?.
وفضلا عن ذلك، فإنه يصعب في بعض الأحيان تصنيف عملية نقل معينة في نوع واحد من أنواع الترجمة. ولذلك نجد من الباحثين والدارسين من يتحدث عن تقنيات مختلفة في الترجمة، وليس عن أنواع، بحيث يمكن للمترجم أن يجمع بين تقنيتين أو أكثر في نفس العمل. وهكذا نجد فابر وبايلن (1978) يحددان سبع تقنيات يمكن للمترجم أن يلجأ إليها في عملية الترجمة، وقد رتباها من السهلة إلى الصعبة على النحو الآتي: الاقتباس l’emprunt أو النسخ le calque، الترجمة الحرفية littérale أو الترجمة كلمة بكلمة mot à mot، النقل la transposition، التعديل la modulation، المعادلة l’équivalence، التكييف l’adaptation .
3.2- المصطلح بين الترجمة والتعريب والنقل:
أثار الدكتور القاسمي مجموعة من القضايا المتعلقة بالترجمة في الفصلين العاشر والحادي عشر. ولأنه تناول موضوع الترجمة من الخارج بحيث ركز على أهدافها وأدوارها وسبل الرقي بها، فإنه لابد من الوقوف عند مجموعة من الإشكالات التي تطرحها ترجمة المصطلح.
يثير المصطلح إشكالات عدة في لغته الأصلية، وتتضاعف هذه الإشكالات حينما يتعلق الأمر بترجمة المصطلحات إلى لغة أخرى من خلال إحداث دوال جديدة لمدلولات فصلت عنها دوالها الأصلية. وعملية إيجاد الدال الجديد، باعتبارها ترجمة، ليست مستحيلة دائما وليست ممكنة دائما على حد تعبير جورج مونان. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن مقدار الإمكانية وحدود الاستحالة يتحددان باعتبار درجة تقارب اللغة الهدف مع اللغة المصدر أو تباعدهما مع مراعاة درجة تقارب الثقافتين أو الحضارتين اللتين تعبر عنهما اللغتان.
وحينما يتعلق الأمر بالنقل إلى اللغة العربية يختلف أمر الاصطلاحات بين أن نترجمها من لغة سامية تشارك اللغة العربية في بنائها واشتقاقها وتصريفها أو من لغة أوربية مختلفة في بنائها للكلمة وفي بنائها الصرفي عموما. كما يختلف الأمر بين أن يؤخذ الاصطلاح من مصدره بحيث تكون ظروف وضعه معروفة فيستأنس بأصل لفظه للتحري عن مدلوله لدى واضعه، وبين أن يؤخذ من لغة غير لغته الأصلية .
كما يختلف الأمر بين أن ننقل إلى اليابانية أو ننقل من العربية إلى الفرنسية. فلو عرّب أحد لفظا يابانيا لما فهم القراء مدلوله، في حين يكون التعريب أوضح حينما يكون مصدر الاصطلاح فرنسيا أو إنجليزيا. ومعنى هذا أن مدى انتشار اللغة المصدر في بلادنا وغزارة الترجمة منها يساعدان كثيرا على فهم اصطلاحات هذه اللغة .
وفضلا عن ذلك، فإن النقل من لغة واحدة- بالرغم مما قد يترتب عنه من نتائج سلبية- يقلل من فوضى الاصطلاحات سيما إذا تعلق الأمر بالاصطلاحات المعربة بلفظها .
ثم إن الملاحظ أيضا هو أن فوضى المصطلحات تصاحب نقل العلوم الجديدة أكثر مما تصاحب العلوم التي حققت تراكما كميا ونوعيا على مستوى التأليف والترجمة.
إن الاعتبارات السابقة مجتمعة هي التي ينبغي أن تحدد ما إذا كان نقل المصطلح إلى العربية سيتم بواسطة الترجمة أو التعريب أو بنقل اللفظ الأجنبي بحاله. وبتعبير آخر، فإن اختيار طريقة من الطرق الثلاثة المذكورة لا ينبغي أن يكون اعتباطيا أو خاضعا لهوى الناقل ورغبته الذاتية.
أولا: الترجمة: إنها الطريقة المثلى لنقل المصطلح من اللغات الأجنبية سواء كان المصطلح العربي المناسب موجودا مسبقا، أو تم اللجوء إلى ابتكاره بطريق التوليد. والتوليد إما أن يكون في الصيغة أو في الدلالة. فالتوليد بالصيغة إما ابتكارٌ لكلمة جديدة من أصل عربي بطريق الاشتقاق وغيره من ضروب التوليد، أو نحتٌ لها. أما التوليد في الدلالة فيعني توظيف كلمات قديمة في معنى جديد بالتوسيع في دلالاتها على ضرب من المجاز. وهكذا فالتوليد عموما يعني اختراع كلمة جديدة، أو توظيف كلمة قديمة في معنى جديد .
ثانيا: التعريب: إذا تعذرت الترجمة يكون الباحث مضطرا إلى اللجوء إلى التعريب. وللتعريب أحكام وضوابط تهدف إلى إخضاع المصطلح الأجنبي لشيء من التعديل أو التغيير في بنيته وأصواته ليوافق نظامي العربية الصرفي والصوتي.
ثالثا: نقل المصطلح الأجنبي بحاله: إذا استعصى إجراء تعديل في اللفظ الأجنبي، فلا مناص من نقله بصورته الأصلية دون تغيير. وهو أهون من استخدام مصطلحات غامضة أو قاصرة عن التعبير العلمي الدقيق.
إن التعريب ونقل المصطلح الأجنبي بحاله يعفيان من مشقة البحث عن المقابل المناسب، ولكنهما يقدمان للقارئ العربي كلمة لا يفهم شيئا من أصلها ومن دلالتها . ولذلك فإن اللجوء إلى التعريب أو نقل المصطلح الأجنبي بحاله ينبغي أن يكون مؤقتا في انتظار الترجمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
– السيوطي، عبد الرحمان جلال الدين: ” المزهر في علوم اللغة وأنواعها “. شرح وضبط وتصحيح وتعليق: محمد أحمد جاد المولى وآخرين. دار الفكر.
– علي القاسمي: ” علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية “. مكتبة لبنان ناشرون. بيروت، لبنان. الطبعة الأولى 2008.
– كمال بشر:” دراسات في علم اللغة “. دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع. القاهرة 1998.
– جورج مونان: ” المسائل النظرية في الترجمة “. ترجمة: لطيف زيتوني. دار المنتخب العربي. بيروت، لبنان. الطبعة الأولى 1415ه- 1994م.
– Baylon, Christian et Fabre, Paul (1978): ” la semantique “. université Nathan. Linguistique française.1978.

هوامش :

1-انظر: ص ص: 108- 187.
2-على سبيل المثال لا الحصر، شكل “التعريب” أحد المبادئ التي قامت عليها السياسة التعليمية في المغرب بعد الاستقلال بالإضافة إلى التعميم والتوحيد والمغربة. وهو، أي التعريب، المبدأ الوحيد الذي لم يتحقق في جميع أسلاك التعليم حيث لا زالت اللغة الأجنبية هي لغة التدريس في كليات الطب والصيدلة والهندسة والعلوم.
وهكذا بقي “التعريب” حلما أو شعارا مؤجلا إلى الآن. بل إن هذا الشعار بدأ يفقد أولويته وراهنيته عند المسؤولين على السياسة التعليمية مع حلول شعارات أخرى من قبيل الانخراط في العولمة وإدماج الجامعة في المحيط الاقتصادي والاجتماعي وجودة التعليم…إلخ.
وحالة التعريب في المغرب تعكس إلى حد كبير الوضع اللغوي المضطرب في الأنظمة التربوية العربية عموما، والتي يعرف فيها التعريب وضعا مماثلا أو قريبا لما هو عليه في المغرب مع استثناء وحيد تمثله سورية. فهي القطر العربي الوحيد الذي عمم العربية في جميع مراحل الدراسة بالإضافة على تعريب الإدارة والجيش.
3-” علم المصطلح “. ص 179.
4-انظر: السيوطي: ” المزهر “. ج1. ص ص: 286-294. وص: 304 وما بعدها.
5-كمال بشر: ” دراسات في علم اللغة “. ص311-312.
6-لطيف زيتوني: ” المسائل النظرية في الترجمة “. مقدمة المترجم. ص25.
7-ص55.
8-انظر: ص305.
9-انظر: Baylon, Christian et Fabre, Paul: la semantique. P:266.
10-لطيف زيتوني: ” المسائل النظرية في الترجمة “. مقدمة المترجم. ص14.

 

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.