حسن السّالمي : الصّــــــوّال (*)

حسن السّالمي/ تونس
الصّــــــوّال (*)

– إنّ هذا الجمل لصوّال..
– اصمتي يا امرأة.. فأل الله ولا فألك !
– ألا ترى إلى قحف رأسه، كيف يميل إلى الوراء ميلا يسيرا.. ومثله وجهه إلى أسفل.. ألا تنظر في عينيه !!
*****
– يا أبتي.. إنّ الجمل صال علينا، طاردنا ونحن عصبة..
– أصمتن.. إنّكن لكاذبات !
*****
– يا بعلي.. إنّ الجمل صال علينا، ولولا أن غلّقنا علينا الأبواب لمسّنا السّوء..
– اخسؤوا.. إنّكم لكاذبون !
*****
الخلاء له طنين.. والشّمس تنزل إلى مستقرّها.. في يده خيزرانة، والجمل أمامه يتعشّى من الحلفاء وأعشاب الصّحراء.. فجأة سمق بعنقه.. رفع رأسه ونظر ذات اليمين وذات الشّمال…
– إنّك لغدّار !
وأطلق ساقيه إلى الرّيح.. والجمل وراءه يزبد ويرغي، يطوي الأرض طيّا.. على مشارف العمران وقلبه في حنجرته، ألفى رجلا يقتطع من طوب الفنكر..
– يا ابن العمّ.. هلمّ إليّ بفأسك!
نكس الجمل رأسه، ومدّ عنقه إلى حلفاء قريبة وهو يتسربل بهدوء خادع، يمضغ عشاءه على مهل، كأنّما لم يكن ذلك الهائج!
*****
– إنّكم لصادقون…
– تالله إن ظلّ قائما بين ظهرانينا لأوردنا المهالك..
– دفعتُ فيه ثروة.. وبائعه يسكن طرف الأرض.
– أرواحنا خير منه !
*****
بعد أيّام أخرى..
– جهّزوا لي عدّة السّفر، فلا مناص من إرجاعه إلى أهله.
– أتمضي به وحيدا في الصّحراء، وأنت تعلم من مكره ما تعلم؟!
– إذن فليصاحبني أشدّكم.
*****
خيوط الضّوء تنتشر.. والصّحراء تستعيد ثوبها الخالد.. الرّجل وولده يغذّان السّير، يتناوبان على لكز جملهما… لمّا صعدت الشّمس قوس الأفق، ظهر “زمْل” بعيد..
– امكث هنا.. لعلّي أبتاع جملا.
– أتذرني فردا في هذه الصّحراء، ورفيقي غدّار صوّال !
– تجلّد يا ولدي، ففي مثل هذا تختبر رجولتك !
*****
الرّيح لها صفير.. والصّحراء كحياة أبديّة.. أشباح جبال تلوح من بعيد.. وسواد “الزّمل” يغيب وراء التلّة.. الجمل بارك، والولد يمتطي سنامه تحسّبا من الغدر.. تحرّكت أذناه إلى الأمام، ثمّ عادت إلى الخلف.. من طرفه فاحت رائحة ما.. تحفّز الولد وملأ يده بهراوته.. بسرعة شيطان، لوى الجمل عنقه إلى شماله وفمه مفتوح ككبّاشتين…
*****
– يا أبتي إنّ الجمل صال عليّ، ولكنّ الله سلّم !
– (…) !
– انظر أثر عدوانه على الأرض.. لقد كنت والله أعارك شيطانا..
– ما أشأم هذا البرج.. فلنغادره حالا !
*****
والشّمس يُضرَبُ عليها خمارٌ أسود..
– فلنبت ليلتنا هنا..
*****
القمر في المحاق.. وعلى الكون ينسدل ضوء باهت.. الرّجل وولده في رحلة مع الأحلام.. الجمل غير بعيد يغالب عقاله.. ويبدأ زحفه إليهما..
أبواق اللّيل تنفخ في صليل الحجارة التّي يجرّها…
– أبتي.. انهض إنّ الجمل يصول علينا !
*****
الشّمس في كبد السّماء..
– لقد بعتنا جملا صوّالا.. فأعد لنا ثمنه.
– إنّكما لباغيان.. انظرا أثر عدوانكما على رأسه وعنقه وسائر بدنه!
– يا ابن السّوء.. وهل يُباع جملك إلاّ لحما..
علا غبار ونزل.. وصعدت شتائم إلى السّماء..
وفاضت دماء…
————–
(*) المجموعة القصصيّة ” التّيه”-

 

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الرضا حمد جاسم : عام جديد..

عامٌ جديد وعمرٌ يُشطب…وأيام تتكسر كالحطب…تُنَّضد امام موقد الحياة…حيث سيلتهمها اللهب…كما التهم قبلها ايام من …

| محمد الدرقاوي : من تكون  سناء ؟.

اللحظة  فقط يفتح عينيه  ، المرئيات من حوله غير ما ألفها قبل  ان تطويه غيبوبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *