هادي العلوي.. الزاهد العضوي على الطريقة التاوية.! ٢-ـ٣
شعوب الجبوري وإشبيليا الجبوري

ترجمة عن الالمانية أكد الجبوري (ملف/4)

إشارة :
قيمة المفكر تكمن أحياناً في إشكالية أفكاره. والمفكر “هادي العلوي” من هذا الطراز. فقد جاءت أفكاره (وعبر أكثر من 20 كتاباً وثلاثة معاجم لغوية) صادمة وإشكالية عرّضته للكثير من التُهم الظالمة و “المُحقّة”. هذا الزاهد الذي كان يكرّر وصيّة الحياة الشريفة للمثقف العربي خصوصا “لا تملك شيئا ولن يملككَ شيء أبدا …تلك هي الحرية”. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء ملفها عنه بالمقالات والصور والوثائق.

المقالة :
هادي العلوي.. الزاهد العضوي على الطريقة التاوية.! (٢-ـ٣)
شعوب الجبوري وإشبيليا الجبوري
ترجمة عن الالمانية أكد الجبوري 
كانت علاقة المفكر هادي العلوي بالمؤسسات الثقافية علاقة تحديات مريبة، فبعد أن تبحر تضاعيف في الفكر وفلسفة العلوم والتراث، وأصول “اليسارية”، وأعد نفسه للتقاليد المعرفيةـ ومنهجياتها؛ لأنه أنتقد العقائد الدينية واليسارية والكتب “المقدسة” لديهما، عزفوه، إن شئتم، لكن نقده لم يكن موجها ضد الشعور الديني والورع والقوى الحقيقيين، ولا ضد “المثقف” اليساري الملتزم ونضالاته، بقدر ما كان يقصد به المؤسسة الدينية، ومكاتبية اليسار للسلطة السياسية في تنمية الوعي السياسي، وثقافته المغلقة.

لكن، حتى لو كان الحديث عن الزاهد أدخل في باب الباطل منه إلى باب الحق، هناك من أجمع المفهوم بالثقافة بشيء من الباطل، ليكون عونا على الحق، لأجل أغراق أصطلاحه نفوسا تصدأ كما يصدأ الحديد، كما يقال.

والحق، أن المفكر هادي العلوي دق للزاهد العضوي معانيه لقيمة عن أن توصف، فلا أحد يدرك حقيقة عضويته إلا بالمعاناة الحقيقة، وإذا كان أوله نظرية توصف، فإن أخره جد وممارسة. لكي ينتهي إلى القول بأنه يحدثنا عن الزاهد العضوي بلغة الممارسة والمسؤولية لا بلغة الشعراء الحالمين، بل هو ـ العلوي هادي ـ أقتصر على رسالته على الحقائق الواقعية التي دقت سماتها في الزاهد العضوي، والتي لا يمكن وجود سواها دفعا ورفعا.

الأديبة شعوب الجبوري

كان هادي العلوي يحمل تشخيصات وبينات متعددة عن مكابدات البشرية كلها، ولا تبعد عن تحديات الزاهد العضوي مواجهتها، مؤطرا فيها تصورات متباينة تستقصي علامات ومظاهر الزاهد، ولنستعرض وقوفنا على نماذج وأنواع عن نشأة تستقصيه، ثم متابعة أحوال لجاجته وعوارض تمييز شغفهم؛
• اولا، الزاهد ذلك الذي يرضى ويتتبع بأحوال المحبين وعوارض حبهم، وبوضعه البائس ويبقى أسير أنفعالاته يتتبع الوصل والوفاء والسلو الحزينة، وهو “الزاهد التابع”؛
• والآخر، من ينتحب ويتأسى بسبب شغف الزاهد التابع، صلة الحب بالشهوة، وهو” الزاهد المنظرـ الواعظ”؛
• والثالث، من يسعد ويبتهج لضعف الإنسان وهونه وعجزه، ويغتم الفرصة للسطو على السلطة والنفوس، وبسط نفوذه على مجتمع “الزهاد التابعيين” كما يتربص قربا من الماكرين لغيرهم، وهو “الزاهد الماكر” أو “الطاغية”؛
• والرابع، يعرج عنه على الطهر والتعفف بأخلاص ويتكدر ويكابد لمحن الإنسان وشضف حياته المضنية، ويرفض الخنوع لأي سلطة مستبدة، صاحب موقف حاسم، شجاع، مطالبا بحق عادل، والرضا بمصير محنه، وهو “الزاهد المتمرد”.
ويرى هادي العلوي إشكالية الزاهد العضوي وهشاشته أن تعالج من خلال:
ـ إنشاء طبقة من الزهاد داخل المجتمع يكون هدفها الأساسي زعزعة الفكر السائد المتحجر والشعارات الزائفة داخل المجتمع ويسعى لتحسين تدريبها وتجديدها.
ـ يميز هادي العلوي بين أنواع من الزهاد أيضا، بالإضافة إلى ما هو أعلاه، وماهو شائع الان، الزاهد ذو ميول للسلطة (الذي يردد وعظ ظهوره على القنوات الفضائية ويتباهى بكثرة مقالاته ويتبجح “بالتراكم الكمي” لمؤلفاته وحصده الجوائز وإنتماءه المؤسسي، وبين الزاهد الذي يشبه (ولاءه الرقيب الجلاد) الذي يحرس طائفة ما أو أيديولوجيا ليدافع عنها من خلال ثقافته، وبين الزاهد العضوي الحقيقي “المتمرد” اللامنتمي لأي طائفة وليس حارسا لأي أيديولوجيا وليس مدفوعا بمصلحة، ولا يمتلك أعلى الشهادات العلمية، ولا يقدم العمل النظري على اليدوي.
ـ يرفض هادي العلوي الفكر المتعالي كالفيلسوف الذي يفكر في أشياء متعالية بعيدة عن خدمة أهداف مجتمعه.
ـ ينظر هادي العلوي بأن الزاهد العضوي الحقيقي بأداءه يؤسس ممارسة الفاعلية (يضع تصورات، ثم يبدأ بمحاولة توظيفها داخل المجتمع، إن الكفاءة والفاعلية ممارسة عند هادي العلوي، هو نظرية وتطبيق في ذات الوقت.
ـ يرى هادي العلوي بأن الزاهد العضوي الحقيقي هو نتاج مجتمعه، فكلما كان المجتمع مليء بالمشاكل والتناقضات والصراعات يكون المجتمع في حاجة الزاهد العضوي الذي سيتفاعل في مجتمعه، بهدف تغيير الوضع السيء الذي يعيش فيه المجتمع ككل.
ـ الزاهد العضوي عند هادي العلوي لا ينصب العداء لطوائف مجتمعه وأيديولوجياتها ولا يحاول أن يسخر منها أو يتعالى عليها لأن هدفه في النهاية هو محاولة صنع إرتقاء ثقافي مع تلك الأيديولوجيات.
-ـ الزاهد العضوي عند هادي العلوي يعمل على تأسيس الخطاب داخل المجتمع بحيث يميز بين خطاب الأيديولوجيا وبين خطاب الثقافة الشعبية وبين الخطاب الفلكلوري التي تسير المجتمع بطريقة تخيلية أكثر منها حقيقية، وبعدما يشتغل الزاهد العضوي في تلك المناطق المتعددة من المفاهيم فإنه لا يعمد إلى هدمها دفعة واحدة، بأعتبارها لا عقلانية، بل بإعتبارها التصورات الفلسفية البسيطة للناس.

المترجمة د. أكد الجبوري

-ـ إن هادي العلوي يرى في الناس بأنهم زهاد، منهم الفلاسفة ومثقفين، ولكن قلة قليلة هم منهم هي التي تهتم وتعني بالعمل الفكري، بينما الغالبية العظمى تفضل الركون والعطالة الفكرية، أن هادي العلوي يرى التأكيد على عدم التمييز بين الأفراد والأشخاص فكريا.
ـ إن هادي العلوي لا يؤمن بالزاهد المتعالي أو النخبوي على البسطاء كزاهد عضوي، ذلك الزاهد الذي يؤسس للهرمية الفكرية بحيث يجعل الثقافة والفكر والعلم درجات بل ويجعل كذلك العلم مخصوص لأهل أو لأفراد معينيين.
ـ يرى هادي العلوي بأن الزاهد العضوي عندما يتخلى عن قضايا مجتمعه ويشتغل بالممارسة الحياتية فإنه عند هذه اللحظة يموت الزاهد العضوي.

كان نشاط المجتمع المدني بالنسبة لـ(العلوي، هادي) مختلفا عن النماذج التي هيمنت على المشهد السياسي في النظام العالمي الجديد، ما بعد انزال البيارق الاشتراكية؛ حيث صار في البداية عافية لكل شيء سيء في الدولة؛ ثم معادلا للمنظمات غير الحكومية، وعمل غالبا كنوع من “الآلة المضادة للسياسة”. لقد عنى نشاط المجتمع المدني بالنسبة لـ(العلوي هادي) شيئا مشابها للثورة قبل الثورة.

 

 

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

الحياة لحظة*
رواية سلام إبراهيم الرواية الوثيقة
كاظم الزيدي* (ملف/148)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

قراءة الروائي المصري الراحل “فؤاد قنديل” لرواية “الحياة لحظة” لسلام إبراهيم (ملف/147)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *