حسين سرمك حسن : يونس بحري : غوبلز قال لي: “بغداد اليوم وغدا وفي المستقبل مركز الثقل في الشرق الأوسط” (ملف/1)

إشارة : 

يونس البحري أسطورة عراقية بحق لم تُدرس على المستوى التاريخي والسياسي والنفسي والصحفي. من مستشار للملك عبد العزيز آل سعود، فمفتي اندونيسا، فسكرتير للملك غازي الذي أجج احتجاجات العراقيين ضد بريطانيا فتسبب بمقتل القنصل البريطاني، فمستشار ملك ليبيا، فمدير إذاعة العرب في برلين مع النازية حتى هزيمة هتلر. ناهيك عن زيجاته المائة وأبنائه الستين. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة في ملفها عنه. 
المقالة
يونس بحري : غوبلز قال لي: “بغداد اليوم وغدا وفي المستقبل مركز الثقل في الشرق الأوسط”
حسين سرمك حسن
   بغداد المحروسة     
 19/تموز/2017
• يونس بحري “السائح العراقي” الذي جال العالم 4 مرات يصلح فيلما ومسلسلا عظيما

في عدد جريدة الزمان الغرّاء الصادر يوم 18/تموز/2017 لفتت انتباهي مقالة بعنوان ” السندباد والمغامر والرحالة العراقي يونـس بحـري، بإنتظار شريط سينمائي يوثّق حياة الأسطورة” للسيّد “ريـاض محسن المحمداوي” منشورة في ملحق “ألف ياء” تستعرض حياة الرحالة المغامر العراقي الأسطورة فعلا “يونس بحري” وتدعو إلى توثيق حياته الحافلة الصاخبة بفيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني. وقد عدتُ بذاكرتي إلى يوم أخبرني فيه الفنان “جواد الشكرجي” في أحد لقاءاتنا عام 2009 في دمشق أن إحدى القنوات تتهيّأ لإنتاج مسلسل تلفزيوني عن هذا المغامر الأسطورة (وبالمناسبة جواد يصلح تماما لأداء هذا الدور فهو “أبو جحيل” – وهذا يكفي – الذي شغل العراقيين ليالي طويلة في مسلسل “ذئاب الليل” الشهير ليكون الشخصية الأشهر في التلفزيون العراقي بعد شخصية “حجّي راضي التي أدّاها الفنان الكبير وملك الأداء التلقائي في العالم العربي “سليم البصري”). ولا أعلم أين أصبح هذا المشروع المهم الآن. 

طلب منّي جواد آنذاك مصادر عن يونس بحري عدتُ إليها مثلما أعادتني إليها مقالة المحمداوي الآن. 

ولأن مقالة الزمان أحاطت بسيرة يونس بحري بشكل وافٍ ومشوّق فإن ما أودّ إضافته هنا يقع في حقل السياسة والاجتماع أكثر مما يقع في دائرة السيرة على الرغم من أنه مواقف سيرية ترتبط بحياة يونس بحري. 

لشيخ عبدالله المبارك والدكتور محمد صلاح الدين وزير خارجية مصر سابقا والأستاذ يونس البحري صاحب جريدة العرب (المصدر صحيفة القبس )

• يونس صالح الجبوري يعرّف بنفسه 

وضع يونس بحري (يونس صالح خلف الجبوري ولُقّب ببحري بعد فوزه بالمرتبة الأولى في عبور بحر المانش ورفعه علم العراق في الثلاثينات) تعريفا بشخصيته على الصفحة الأولى من مذكراته التي أصدرت منها شركة فرج الله اللبنانية للمطبوعات ثمانية أجزاء حسب علمي تكفي مادة لأي سيناريست مقتدر يقول فيه :

(الصحفي والدبلوماسي والسائح وإمام جامع باريس ومفتي إندونيسيا ومستشار ملك ليبيا ومذيع راديو برلين في الحرب العالمية الثانية وصاحب “العرب” و”حي العرب”. الرجل الذي يتقن 16 لغة، وعبر مضيق جبل طارق سباحة فائزاً بالدرجة الأولى بسباق دولي. زامل غوبلز وزير إعلام الريخ الثالث وتحدّث إلى موسوليني وهتلر، وقام بجولة حول العالم على الأقدام باسم “السائح العراقي” ، والرجل الذي كان أول من قال “حيّ العرب” وقال من برلين “بلاد العرب للعرب”) (مذكرات يونس بحري/ج 5/ص 1).  

غلاف الجزء الثالث من مذكرات يونس بحري

• غوبلز: بغداد مركز الثقل في الشرق الأوسط

من أخطر المعلومات السياسية التي يذكرها يونس بحري هو الشرط الذي وضعه غوبلز لتعاونه معه وربط مستقبله بعجلة الدعاية النازية وهو ترك يونس بحري خدمة الملك عبد العزيز آل سعود. يقول يونس:

(وقد استغربت آنئذ فرض هذا الشرط عليّ. إذ لم تكن هناك علاقة تربط الحزب النازي بالملك عبد العزيز فألقيت السؤال المحيّر على غوبلز فهبّ واقفاً وأشار بمسطرة طويلة بيضاء على خارطة كبرى للشرق الأوسط وقد وُضعت على عواصمها أعلام نازية صغيرة تتفاوت في الحجم بالنسبة لأهميتها في وجهة النظر النازية. ثم ضرب غوبلز بالمسطرة على علم كان أكبر الأعلام المُلصقة على الخارطة وقال : 

(من هنا يجب أن نبدأ !!

وتطلعتُ إلى المكان الذي أشار إليه عميد الدعاية النازية .. فكان بغداد!! 

أحنيت رأسي موافقاً

ابتسم غويلز وهو يردف قائلاً :

(إن بغداد اليوم وغداً وفي المستقبل هي مركز الثقل في الشرق الأوسط كلّه. إن هذه الرقعة من الأرض (مشيراً إلى نجد) لا فائدة تُرجى فيها حتى ولو صارت جنّة عدن ! إنّنا لو اردنا إنشاء برلين ثانية في بلادكم لما وجدنا خيرا من بغداد) (ص 19). 

لقاء في مجلة ألف باء 1972 عنوانه أسطورة تمشي على الأرض

• العراقيون يُفرطون حتى في الطاعة 

ومن المواقف التي تعكس جانبا من السيكولوجية العراقية المتمثل في الروح التنافسية العارمة (التي أسقطت حضارة سومر حسب كريمر) والنزوع المستميت إلى التفوّق على الأصل (محاولة قتل الأب “لكن بأي طريق خصوصا العنف واجتثاث وجوده وتراثه” حسب أطروحات معلّم التحليل النفسي) هو سلوك يونس بحري عند دخوله على هتلر :

(كان هتلر واقفاً وعن يمينه وقف الدكتور غوبلز وزير دعاية الرايخ وهو يبتسم لي منشرح الخاطر.. ورفعت يدي اليمنى محيياً بالتحية الهتلرية. وانطلقت تحية “الزعيم” من فمي كطلقة مدفع: هايل هتلر.

ومدّ هتلر يده اليمنى لمصافحتي وهو يقول: أخلص التهاني بعملك الجديد. أنت رفيقنا في السلم. 

قلتُ: وفي الحرب أيضا) (ص 26).

يذكّرك هذا الموقف المفرط الحماسة بوصف الخليفة “الوليد بن عبد الملك” للعراقيين وهو يرى عراقياً يحمل حجرين بدلاً من واحد كما فعل الخليفة والجميع من بعده لوضع حجر أساس الجامع الأموي :

(يُفرطون حتى في الطاعة).

ولعلّ هذه الروح هي العامل الغائر في بطانة الكثير من مواقف السياسيين العراقيين المتناقضة في تحولّاتها وولاءاتها من أقصى اليمن إلى أقصى الشمال في العهد الملكي والعهد الجمهوري المناقض له على حدّ سواء وحتى يومنا هذا . 

يونس بحري والمؤرخ الكويتي عبد العزيز الرشيد

• “هتلر” في بغداد 

وتحت عنوان “هتلر في بغداد” (ص 38) موقف آخر يلفت انتباه المحلّل :

(وكما في بيروت كذلك في بغداد كان لهتلر أنصارا ومريدين، ففي لبنان كاوا يسمّونه “أبو علي” وفي العراق كانوا يشيرون إليه بالحاج و “أبو محمد”.. 

لقد استحوذ هتلر على قلوب المتطرفين في الوطنية العربية لأنهم كانوا يعتقدون بأنه مناط الأمل في الخلاص من الاستعمار البريطاني ومن النير اليهودي في فلسطين.. وفي غمرة الحرب الطاحنة عندما كانت الصحف مُراقَبة وسماع الإذاعات الألمانية ممنوعاً في البلاد العربية والحرّيات مُقيّدة، وُلد لشيخٍ عربي جليل في بغداد ولدٌ ذَكَر. 

لقد اهتزت أسلاك البرق بسبب هذا النبأ . وراحت إذاعات الحلفاء تُجمع على القول أن تسمية المولود البغدادي الجديد هي تسمية لها خطرها المباشر على الرأي العام العربي. لقد كنتُ أول من أذاع نبأ ولادة “هتلر” في بغداد. وأحدث كل هذه الضجة العالمية. أجل لقد وُلد “هتلر” في بغداد. في عقرقوف عاصمة أمراء بني تميم العرب الأشاوس. 

فلقد وُلد للشيخ علي السهيل ولد أسماه “هتلر” تيمناً باسم زعيم الرايخ الألماني الثالث. إن شيوخ بني تميم القبيلة العربية الأصيلة في العراق معروفين بميولهم البريطانية. ومع ذاك أقدم الشيخ علي السهيل على تسمية ولده “هتلر” بالرغم من الإنذارات والتهديدات التي صدرت من إذاعات الحلفاء. ثم لأن هذا يأتي من الشيخ السهيل عميد قبائل آل تميم وأميرهم المعروف .. هذا ولا يزال هتلر حيّاً. أجل إن هتلر لا يزال حيّاً. وأعني به هتلر علي السهيل في بغداد، وليس هتلر “زعيم” ألمانيا الهتلرية)(ص 29 و30). 

• ملكيّون أكثر من الملك 

وفي أكثر من موضع كان الضباط والسياسيون الألمان يندهشون وأحياناً يضحكون من قوّة أداء يونس بحري للتحية النازية “هايل هتلر” لهم في موضعها المناسب وغير المناسب. كان يونس مفرطاً في حماسته لإظهار إخلاصه للنازيين بصورة تفوق الوصف حتى أنّه كان الأوّل في الكثير من الدورات والاختبارات ومنها دورة للجاسوسية تحت غطاء المراسل الحربي!! وهذه الحماسة والتفوّق والإخلاص المفرط كان حال جميع العراقيين الذين وصلوا برلين لتأييد المشروع النازي والعمل في إطاره . حتى أن يونس بحري يصف البروفيسور “فرج الله ويردي” بأنه كان أشد الناس تعصّباً لهتلر بل كان نازياً أكثر من غوبلز. ومن هو غوبلز حين يُقارن بفرج الله ويردي ؟ (ص 67). 

• سلوكيات انتحاريّة 

ولكن سلوكيات وشخصيّات البعض الآخر من العراقيين كان “انتحارياً” إذا ساغ الوصف من ناحية أخرى برغم أنها تقابل وتتصل في الجذور النفسية العميقة بسلوك وشخصية يونس بحري الذي يتسم بالكثير من السيكوباثية. فالسيّد “س. آ” (إسمه موجود في الجزء الخامس) السياسي العراقي الذي فرّ من روما إلى ألمانيا بعد أن قطعت الحكومة العراقية علاقاتها مع إيطاليا بعد الحرب العالمية (الغربية) الثانية كان معروفاً بميوله المِثْلِية. وكان يعلم بأن الحكومة الألمانية تبيد من تعتبرهم عالة على الحياة الإنسانية كالغجر واليهود والمجرمين القتلة المزمنين في السجون و”تخصي” المِثْلِيين إلّأ أنه كان كل ليلة يعود ومعه جندي ألماني يلتقطه من الملاهي الليلية ليكمل سهرته معه مسحورا “ببنية أجسام الجنود الألمان وأردافهم الممتلئة التي لا مثيل لها” كما يقول ليونس بحري الذي حذّره من هذا السلوك (ص 76 – ص 79).

يونس بحري وأنور السادات 1955

• فرص ضائعة 

ومن الملاحظات الخطيرة جدا أيضاً التي ذكرها يونس هي ما قاله على الصفحة 81 :

(وأذكر انني لمّا ذهبتُ إلى جاوا – هندونيسيا في سنة 1929 موفداً من المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود للقيام بالدعاية للحج صُحبة العلّامة الكبير مؤلف تاريخ الكويت الشيخ عبد العزيز الرشيد وأصدرنا في بتلفيا – جاكارتا مجلة (العراقي والكويتي) التي دعونا فيها إلى ضم الكويت إلى العراق لأول مرة في التاريخ العربي الحديث ، كتب لي الدكتور زكي كرام مقالاً أيّد فيه دعوتنا لتوحيد الكويت والعراق مبرهناً على أن هذين البلدين الشقيقين يؤلفان معاً وحدة اقتصادية واجتماعية لا غنى لأحدهما عن الآخر .. ناهيك عن الضرورة الستراتيجية البحرية والبرية.. وقد شجّعَنا على المضي في هذه الحركة المرحوم الملك عبد العزيز آل سعود الذي كان يموّل وفدنا إلى هندونيسيا ويصرف من ماله الخاص على الصحف التي أصدرناها هناك باللغتين العربية والماليزية) (ص 81). 

يتساءل المرء وفي القلب غصّة : كم من الفرص التاريخية المهمة ضيّعها قادة هذه الأمة على أنفسهم وأمّتهم وكان فيها الخير الكثير الذي كان من الممكن أن يجنّب الأمّة الكوارث التي حصلت بعد ذلك وما ترتب عليها من وضع مأساوي تعيش فيه حتى الآن؟

• أخيرا مات الأسطورة على الرصيف وهذه من طبائع بلادنا العزيزة

إنّ الدعوة إلى توثيق سيرة حياة يونس بحري الأسطورية الصاخبة الجَسُور والمليئة بالمغامرات الاقتحامية والعجائب السندبادية في فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني دعوة مهمة وجديرة بالتقدير ، لكن ما لا يقل أهمية عن ذلك هو أن تُدرس تجربته من قبل المحتصين في محالات علم الإجتماع والنفس والتاريخ والسياسة. 

ومن المؤلم جدا – وهذه هي عادة بلادنا العزيزة – أن يموت يونس بحري مُهمَلاً وحيداً بعد أن ظلّ متروكاً فاقد الوعي على الرصيف في منطقة البتاويين ثم في مستشفى الراهبات عدة أيام ليلفظ انفاسه أخيرا ويُدفن في مقبرة الغزالي – جناح السبيل بتأريخ 30 أيار سنة 1979 “مجّاناً” على نفقة البلدية .. ولا حول ولا قوّة  إلّا بالله العلي العظيم. (راجع مقالة الأستاذ معن خليل آل زكريا “قراءة معمّقة في حياة السائح العراقي يونس بحري”).

الصور المُرفقة والتعليقات عليها :

(1). يونس بحري بالزي العربي وبجواره المؤرخ الكويتي عبد العزيز الرشيد.

(2). يونس بحري وأنور السادات ومسؤولون لبنانيون بارزون في بيروت عام 1955. 

(3). الشيخ عبدالله المبارك والدكتور محمد صلاح الدين وزير خارجية مصر سابقا والأستاذ يونس البحري صاحب جريدة العرب (المصدر صحيفة القبس)

(4). صورة من لقاء أجرته مجلة ألف باء مع يونس بحري عام 1972 عنوانه “أسطورة تمشي على الأرض”. 

(5). غلاف الجزء الثالث من مذكرات يونس بحري

 

 

 

شاهد أيضاً

د. صالح الرزوق: قراءة في (الديوان الرشيق) لقصي الشيخ عسكر (ملف/18)

إشارة: للشاعر والقاص والروائي والباحث المبدع الكبير د. قصي الشيخ عسكر بصمة مميزة في أغلب …

الشعر كلذّة وخلاص وخطاب جمالي
قراءة مُكثّفة في نص (بلا تاريخ) للشاعر محمد النصار
سعد جاسم (ملف/44)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

علوان السلمان: البذرة اعلنت عن ثمارها يا…… (ملف/43)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

4 تعليقات

  1. كريم القاسم

    ” كم من الفرص التاريخية المهمة ضيّعها قادة هذه الأمة على أنفسهم وأمّتهم ”

    هذه العبارة هي الغصة التي لاتفارقنا ، وكأنها لعنة من السماء …

    المقال رائع جدا وفيه من العِبَر ما تجعل السياسي العراقي يعيد النظر في الكثير من الأسس والروابط والثوابت في

    العلاقات الخارجية والاقتصادية ، فالعراق بوابة الجهات الأربع .

    العزيز دكتور حسين ، كعادتك تأتي بما يشد الذهن ويجيش الخاطر …

    الف شكر لهذه الإشارة التاريخية الهادفة .

  2. شكرا جزيلا أخي الأعز الأستاذ كريم القاسم على لطفك ومشاعرك الأخوية النبيلة.
    أخوك : حسين

  3. محمد بدر الدين البدري

    الاستاذ العزيز حسين سرمك
    في العام 2009 قام المؤرخ الموصلي السيد معن آل زكريا ببيع قصة الاسطورة يونس بحري للممثل السوري (عابد فهد) ليقوم الاخير بانتاجها مسلسلا فحينها كنا نقيم في دمشق ولا أعلم ماذا حصل بعدها..

  4. شكرا أخي الأستاذ محمد البدري على هذه المعلومة المهمة. وبحري يستحق أكثر من مسلسل وفيلم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *