هل الإنسانُ بحاجةٍ إلى الأدبِ؟
إعداد سحر هادي سعيد شُبّر

هل الإنسانُ بحاجةٍ إلى الأدبِ؟

إعداد
سحر هادي سعيد شُبّر
دكتوراه/ فلسفة اللغة العربية وآدابها
2017

عن قصد السؤال:
ألَا إنَّ ” الأدبَ يبني الإنسانَ” ، سِيَّما مفردة “يبني” مَوئِلٌ تعبيري يَحقُّ الأثر الأدبي على اعتقادٍ بالسلطة التي قامت ببنائه، واعتناقٍ لخطابِ المؤسسة التي تبنّت البناء؛ وإرغامٍ على التمثيل الأيديولوجي لأوامِرِها ونواهيها. ذلك أنَّ فعل البناء لن يكون قائماً بذاته، بل يكون ضمن محايثته لاستراتيجيات مرجعية ما دون سواها. فلمّا أَلْقَت المؤسسة/ مُريدةُ البناء ظلالَ معانيها على ذهن الأديب، استحكَمَت تلك الظلال موضوعاتٍ لأعماله الأدبية، وإحالاتٍ تَزدَهي بها قراءاتٌ نقدية تألَف مثل تلك الظلال، فإذا هي استحكام الأيديولوجيا في تمثّل الأدب للمعنى والحقيقة، والتنكّر لكلِّ ما يخالف مساراتها الفكرية أو ينافسها، وإتباع معتنقها الأدبي لمقولاتها ورؤاها المعرفية. ومع أنَّ هذه الأخيرة توفّر للنص الأدبي عُدّة معرفية وثيمائية وقيمية، لكنها سرعان ما تتشبّه بالأرجوحةِ التي يتكِئ ذهن الناص عليها، فيستريح من تفكيره في أفكارٍ ذاتية سوى التي اعتنقها، وتأملات باطنية خلف ظواهرها مستدِراً تأملات منمّطة وتعتيدية/ جاهزة، وقصيرة الأمد التداولي والمد الدلالي بمرور الزمن. فلا منادحَ من عوارضَ تأتي على كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ من ذاك العمران الأدبي، فتنسفها ماحقةً إياها إلى أنقاض ستقوم عليه بناءات غيرها. ولم تكن العوارض من رغبة الممارسة النقدية فحسب، بل من سعي الأدب إلى مواكبة عِدَاةِ العصر التي أنتجَته. فمَنْ منّا يقرأ العالم مهتدياً بأشعة فكرٍ عقيمٍ، وإشكالاته المصيرية باستنتاجات مكسيم غوركي في روايته ” الأُم” ـ مثلاً ـ وقد دلفتْها أيديولوجيا الشيوعيين؟ وهل يرصدُ الرُّصَدُ التأويليون في قَصيدة الحرب ـ لعبد الرزاق عبد الواحد، وكمال الحديثي …ـ غير رمزٍ سلطوي هوَت إيحاءاته في عالمٍ ينشد التحرر؟ بينما يمكن أن تعيشَ استدلالات قراءة ” طَرْطَرة” للجواهري دون أن تفقد بضَّتَها المضمونية المستطلِبة تشكيل خطاب تفسيري لزمر التناحر الفِئوي في مجتمعاتنا العربية، ودون أن تثير إِحنَ فِئة ضدّ أخرى.
إذاً يتحرّى السؤالُ إقصاءَ تعبير “الأدب يبني الإنسان” الشائع والماضي في ترسيخ دلالة البناء لِما هو مبنيٌّ أساساً. فالإنسانُ بناء جسماني وروحاني وعقلاني واجتماعي…، والأدبُ بناء لغويٌّ وفني… وكيف يبني الأخيرُ الأولَ الذي يمثّل فاعل صيرورته؟ لذا جعلتُ رؤيتي البحثية داحضةً لهذا التعبير، وعاديةً إلى ما يوطِّن الأدب محلاً للمتعةِ والخلق ذي المَصاب القيمي والجمالي والتهذيبي والفلسفي، وناكِثةً لجلائلِ مَأسَسة الأدب إذا تَعرّفتها آثاره، ومستبِثّةً لحاجات الإنسان المثبَّطة.

إلماعةٌ مفهوميةٌ:
يتَّكئ مفهوم الحاجة على معنى الافتقار والإرادة والنزوع. إنَّما تحتاجُ إلى الشيء هو أن تجعلَه مطلوباً لديك، ومرغوباً في نفسك، مدفوعاً لإصابتِه. فكلّما تُطيفُ بك الضرورة لتحقيقه لا تجدُ غير أفعال الإرادة مَزْعَماً يحلُّ ذلك الشيء واقعةً وحقيقةً وعملاً ومنفعةً. إذن، لو ثُبِّطتْ حاجات الإنسان ـ التي بغير مراد الفقر والمأرَبَة هنا ـ لـدَقَـقَـتْهُ من باب النقص وتكوِّن الشرخ ، وانتشار الهمّ واليأس على كاهل النفس. وقد أَطَلَّت هذه الأعراض بسبب حال الإنسان ذي الإرادة تجاه ما هو ضروري لوجوده، أو لتسديد غاية من غاياتِه(1) ، لاسِيَّما أَوْلى الغايات بالصيرورة : تحقيق الذات لا إنكارها؛ التي إذا لم تتحققْ تَجدها مُستلَبةً بأسرِها من قِبل قوى إنتاج الاستلاب، محجوزةً عن حدوث وجودها لذاتها واستحقاق تتمة نقائصها. لكن إهدارَ هذا الاستحقاق تُجنى عواقبه في حاجة كبرى تُجلّيها حاجة الإنسان بما هو إنسان إلى الآخر(2). فالحاجة الكبرى تُعرِّف كلاً نفسه في مرآة حاجات الآخرين، لذا تتبنى إنتاج التاريخ كلّه. وبكلمةٍ أدق، تأخذ الحاجات الكبرى / الحاجات العقلية والمصيرية على عاتقها تكوَّن التاريخ لما تكفّلت به من شروط التكوّن. وقد بلغنا هذا المحمل الفلسفي من الرأي الماركسي المقرّ: بأنَّ الجدلية القائمة بين الحاجات تولِّد علاقات اجتماعية، وتولِّد بدورها حاجات متزايدة(3). وما التأريخ من كلِّ نواحيه إلا أسباب وُصِلَت بعضها ببعضٍ حتى وإن اختلفت وتنازعت فيما بينها لتؤديَ حاجاتٍ رامَها الإنسان المحكوم بالزمانية. وعليه ، فإنَّ أجلَّ أيامه وأحقَّها بالاستحضار، تلك الأيام التي لن يقصَّ أطرافها مقصُّ انكفاء الإرادة عن تهديفاتها، ولن تُنفَضَ عليها أيادي الضعف والهدم.
وتنأى الحاجة عما يكبِّلها من حِبال الرغبات التي عَقَدَها عدم ضرورة تحقيقها حولها، وتنطلق إلى آفاق الضرورات الحتمية التحقق بالنسبة لذي اللّب، إذ ينتحيها لأنَّها تحكمه مما تعطفُه إلى أشراء تمثّل القيم الأخلاقية والجمالية في مجتمعه بوصفها (( نظامَ روابط مادية بين البشر، نظاماً يتّخذ باطّراد أشكالاً جديدة ويمثل تاريخاً))(4)، ولعلَّنا نضيف إلى ذلك، أنَّ تكوَّن الحقيقة هو نشاط تحقيق حاجات ذوي الألباب.

بول ريكور

نوع الحاجة وكيفية اعــتمالها في الإنسان / الأديب والأدب:
ما دامَ وجود الحقيقة يعتمد كلّياً على سياق تلبية الحاجات، فإنَّ نوع الحقيقة وضرب تمثيلها عقلياً وعملياً ومثالياً ومادياً يدلُّ ضمناً على توافق مذاهب الحاجات التي تنشدُ تحررها من قبضات المنع، وإن انتهت إلى تناقضات حادّة. ولهذا تُعدُّ مواكبة إشباع الحاجات لتأريخ التفكير فب البحث عن وسائل تحقيقها، ورسم أشكال صيرورتها، وشحن تلك الأشكال بمثالات مضمونية خيرَ دلالةٍ على الفكر الذي اهتبلت أهدافه حاجاتٍ لم يسبق لها أن تُعاشَ ، أو تتشبثَ بأغصان الكينونة. فلم تخرج الحاجة عن تأمل صاحبها أو مبتغييها إلا لتمثلَ المعمل الفكري الذي خلَّق نطفَها من جينات أيديولوجية ومعرفية وثقافية. فإذا الحاجات جمالية، مثالية، نسبية، ذاتية ، ونفعية عملية، مشتركة، عامة وكلُّها ما تجسّد في الأدب وفكره، وما نذهب إليه في هذا البحث.

فحاجةُ الإنسان للأدب حاجة جمالية تمتحنُ قدرتَه على الاستجابة لِما من آثاره الانفعال سواء أكانت هذه الآثار إيجابية أم سلبية، وتبذل طاقته العقلية وموسوعته المعرفية لِما من شأنه الكشف عن قوى خضمّ الأدب الثائر ، وبذخ الجهد التأملي على سّنن تكوِّنه ومرامي خطابه. إنّها ترفع الإنسان الجمالي إلى هرم المعرفة حيث الذات أَلْفَتْ موضوعاً تَدركه، والموضوع صادَفَ ذاتاً تستكنهه، وكلُّ من يتعرف إلى الجمال ينشدُ حاجةً تقدِّم موضوعاً للذات ، وذاتاً للموضوع. كما هي حاجة براجماتية وإنجازية وجماعية يتطلب تحقيقها أن تُتَرجمَ إلى أثرٍ عملي ذي قيمةٍ معينة، أي يلوّح في أفقها هدفُ صيرورة التأريخ التي تحرك الأفراد والجماهير والطبقات عتلاتِها، فتلتمّ شِعاب الأفق حول ما يدرأ كفَّ التأريخ عن حركة صيرورته، ويشلّ نشاطها قبل أن تطالَ المعنى الذي هو سلوكي مشترك بين البشر وتأريخي محض أيضاً. وهكذا تصير الحاجة البراجماتية للأدب ذات طابع رمزي ـ كما تنطبع به في نوعها الجمالي ـ ومن ثَمَّ تصبح ذات معنى ـ لن تطرحه أيةُ حاجةٍ بعيداً عن غاياتهاـ أجدرَ صوره أن يتخيلوا الأفراد أنَّ حاجاتهم للأدب ليس من شأنها إذكاء عداء بين الطبقات على أساس (( تلبية حاجات البعض تتمّ بالضرورة على حساب تلبية حاجات البعض الآخر، وتخوض الأغلبية صراعاً متواصلاً ضد الأقلية لتلبية حاجاتها الأساسية، فينشأ نتيجةً لذلك عداءٌ بين الطبقات))(5)، بل تسوِّي بين هذه الطبقات المتناحرة في مناحي الفكر من خلال أبعاد خطابها الذي يجري بصيغة التعبير عن الجماعة ومنافعها. وهي صيغة تشكّل الأنساق الاجتماعية والسياسية والفلسفية والثقافية حيث وَجدَ الفردُ ذاتَه مسلكةً فيها، وإن كانت ستعيد مشهد استلاب إرادة الفرد وميوله مسلِّمة إياها إلى مرفئ رفض تشربه بتصورات الجماعة وحتمياتها غير القادرة إلا على تفسيخ دور الفرد في تجسيد التأريخ؛ التأريخ الذي يَضهَل إلى صيغته الذاتية، الباطنية، التأريخ الذي تجرّد من ماديته لتبطِّنه معاني الحاجة اللامرئية .
وفي أشباه معتركِ تلك الحاجات في الذات الإنسانية التي تبثّها ألسنة الأدب يمتلك الأدب حقّ مناظرته للعلم، من حيث مرادفة النتائج التي ترشد إليها أبعاد ملاحظات العلم، ومشاهداته الأمبريقية للحقائق؛ ومن حيث حاجتنا لكلتا تفسيراتهما، وإن بَقِي الأدبُ تابعاً لعقل التأمل الجمالي والقيمي، حيث تكون الحاجات مُقلَقة، ومستحيلة الحدوث في الواقع مما يُناط بالخيال وظيف تدفِّقها بهيأة صور مشحونةٍ بالعاطفة والحقيقة. الخيال وحده يفسّر العوالم الموضوعية والذاتية على حدٍ سواء دون أن تقمعه القوى العصية على الشرح بسبب تعالقاتها التجريدية والرياضية السببية المفروغة للعلم(6) . وإن كانَ طريق الأدب لكشف الحقائق طريقاً خفياً يُبينُ التأمل والاستيحاء عن مغامِضِه. وإنَّ الأديب لمثل العالِم يعلمُ بما يقعُ عِلماً غير مباشرٍ، ويقرنُ إدراكَه بعللِ وجوده ليملأَ ردهةً خلاءً من ردهات وعيه بالعالَم الذي وُجِد فيه. ووعي العالَم وتأريخ انبثاقه في ذات الأديب يصلُ خيطَ التماثل بينهما، فلكي يحققا واقعة الفهم والتجلي استباحا دور التمثيل عن حاجة الإنسانية الكبرى : فهم الوجود ومحيطه التي اقتاتَتْها عقول الأدباء والعلماء سواءً بسواء.
ويبدو أنَّ الذات مطبوعةٌ على إتيان الكبح والمنع والحجز على حاجاتها، لم تلبثْ أن تستأثرَ تلك الأفعال بإرادتها، فسلكتْ سبل البحث عما يُفتر آثار حجز حاجاتها، أو يزيل عقبات حدوثها، وتصغو إلى أصداء اعتمال المقموع في تأملاتها وتأويلاتها. فلو أَرَجَتْ في ذهن الأديب فكرةٌ إيروسيةٌ، مُؤلَّفها الجسد وما آدَه من إسار ثقافية ودينية واقتصادية لانتصبَت مقولةُ الحرية أُولى المقولات في سَوف مخياله، وإن كادَ الفرق بين الحاجة والحرية لَيُضِلُّنا عن عدم إقراره، لولا أنَّهما صنوان في الذات يمتحان من بئرٍ تشابهَت أمواهُها، حيث ينبغي أن يأخذَ مسارهما ما يمكن المطالبة به ضد أمثولات أية سلطةٍ، ويُستضاء بسراج الضرورة الذي ينشر أشعته في أفعال الذوات، وقد امتلكَتْها قدرةُ التصرف كما يروق لها. فترى خيال الأديب مُسبِراً مكنوناته وخزائنِ مدركاتِه(( بالخيال والشعر تُفتح احتمالات كينونة في العالم، لا تحت شرط الكينونة المعطاة، بل تحت شرط إمكان الكينونة، من هنا بالذات يتحول الواقع اليومي لصالح ما يمكن أن نسمّيه بالتغيرات الواسعة الخيال التي يجريها الأدب على الواقع))(7) ليخلقَ صوراً ضاقَ بها الواقع ذرعاً، فهي بمثابة حاجاتٍ مكبوتة، ويرصفها بارئاً الفكرة الإيروسية قصيدةً، عليها سيماء الرمز الإيروسي، وظلاله الإيحائية، وإن استحكم العكسُ في ذات الشاعر مهما تمثّل أنحاء الموضوع نفسه مُقتّراً لمحات مادة الإيروس، ، سِيَّما في لغته وصوره وأفكاره ومرجعياته ومناصاته، سيلتوي الغرض والمعنى مجانفين ما انطوى عليه عمله الشعري من مواد الإيروس: العري، واللامقدس، والمبتذل، والماجن، والمُقصى، والمهمَش وما شاكَل هذه المعاني. وما هذا المثال إلا مصداق احتياج الأديب والفنان إلى غيره: الناقد والمتلقي والقارئ رائياً هذا الأخير كم من حاجةٍ تشبه حاجاته لُبِيت، أو ثُبِّطت في الصنيع الفني، فتطامنت في اللاوعي الذي سيقدحها شرراً، وهي في الحقيقة جذوةٌ قد خَبَتْ، وكم من الحاجات استلاذت باللاوعي الأدبي مستطلبة كمالها وتكامل النفس بها. إذن، لتعرية العمل الأدبي من حاجات ذات تنوعٍ غزيرٍ أمائرُ سيميائيةٌ يتكفلها النص جلاءً، فيمضي لطواياه القارئُ معتقداً بدور النص (( الوسيط الذي نفهم عبره أنفسنا […] فهو يمدد تلك الخاصية الأساسية لكلِّ خطاب حتى يكون موجَّهاً إلى شخصٍ ما، لكن خلافاً للحوار، لا تكون المواجهة متوفرة في حالة الخطاب؛ لأنها إذا جاز التعبير، مخلوقةٌ، مقامةٌ، ومؤسَسَةٌ من طرف الأثر الأدبي نفسه. ذلك أن الأخير يفتح الطريق إلى قرائه وهكذا يخلق مواجهته الذاتية الخاصة))(8)، وهنا لا تعدل المواجهة الذاتية التي يجريها القارئ بالتعاضد مع النص عن كونها حاجاتٍ لَبَّــتْها ذات النص، لأنَّها مجعولةٌ للتعبير عن ذات القارئ التي خالطَها نقص تلك الحاجات.
ولا ريبَ، أنَّ ذات النص تجسّد الإنسان متبصَراً ، متأملاً وجوده وظواهر عالمه، فلم تُقضَ مرامي المعرفة إلا بإنفاذ حواسه وعقله وحدسه في خضمّ هذا العالم ـ وهذا ما تصدّت له الفلسفة منذ أفلاطون ـ متفكِّراً. ويكون التفكير خاصيةً تبذرها مشكلةٌ ما، تُرتسم كأنها لغزٌ للعقل المتفكِّر، أو كسؤالٍ استقلّه جواباً، وهيهات أن يقصي العقلُ أحدهما عن الآخر، حيث يتعاوران دور الانكشاف الثيمائي/ الموضوعاتي حتى إذا تفاقما ، فوجدا طريقاً إلى الأدب ليتبلورا معنى وحقيقة ينبغي وقوعهما. كما تُملي المشكلة هنا والسؤال والتفكير فيهما على الأدب حاجة يتفق القراء على إقرارها بعد إطلاقها من قبضات اللاممكن والمستحيل، وقد تُرجِمت لغةً نتناول العالمَ من خلال (9).
وإنَّ ممارسة التفكير قد مرّت بطورٍ أداتي تفرضه اللغة والفكر ومعجم الاعتبارات الثقافية والتأريخ، لأن المعرفة التي تلاحقها هذه الممارسة معرفةٌ بالعالم تستند للمعايير الثقافية المتاحة لنا وللأبعاد التي نستقربها أو نسعى إليها(10). وعليه تُدرج ممارسة من هذا النوع ضمن صنافةٍ ذاتية نسبية هوويّة، وبالنتيجة يعلّق حائذُ ـ الذي أحرز ـ الرؤية التي أَنفذها العقل إلى إدراك نخلة ـ على سبيل المثال ـ دلالةَ مُدرَكِه بأسلبةٍ لغويةٍ وتصوريةٍ وهيولى تنسج وقصد لا يخلو من حصرِ ذات المتفكِّر بإحساس ما، لكن في الوقت عينه تلوّح الحاجة إلى التعبير عن المُدرَك بوعي هذه الذات أو تلك. فمن المحال ((على إنسانٍ بشري أن يدركَ شيئاً معيناً بحواسه أو بفكره دون أن يكون إدراكه هذا قائماً بالنسبة لشخصه))(11). معنى هذا أنّ العالم واحدٌ، لكن تجلياتنا لظواهره ستختلف وتتنوع ضرورة تبعاً لتعدد حاجاتنا وإراداتنا، فلكلِّ إمرئ ينتمي لهذا العالم مَأْربٌ وإرادةٌ عساهما ما انفكا عن ظواهر التنوع الدلالي في أطوائِهما الرمزية، فــــــ (( التجربة الحسية اليومية السابقة على العلم يُعطى لنا العالم بكيفية ذاتية ـ نسبية. لكلٍّ منّا تجلياته التي يُعتبر أنها هي الموجود الحقيقي. وقد فَطِن الناس في علاقاتهم مع بعضهم منذ مدة طويلةٍ إلى هذا الاختلاف الذي يوجد بينهم بشأن ما يعتبرونه موجوداً))(12)، فتبدو المدركاتُ منزويةً بمعاني نسبية متلبثةً بأيما متأملٍ على حِدة، وإن كانت لا تتعدى أُرف/ حدود توحدها برؤية أبستمولوجية ما.
ولعلّ الأدب أجدرُ مصاديق المعرفة وضروبها تمثّلاً لهذا المفهوم، حيث ارتهنت أشكاله من شعر ونثر، وصوره المتخيلة والواقعية، وأداته اللغوية والفنية بتعقب آثار مدركات العالم نسبياً وذاتياً لدى ذهن مدرِكِها. كما يطرح هذا الرأي المزعوم حاجة الذات وهي تجمع بين ذاتيتها والدور الثيمي الذي يستعرضه العالم أمامها أولاً، ومن حيث حلولها كموضوعٍ للإدراك ثانياً، تصطف جنب العالم ليلتقطَ معاني وجودها العقلُ؛ إلى الأدب فلولاه لتبدّد التأمل والمعرفة على المجردات والمثاليات من دون المحسوسات والماديات الفيزيقية والنفس ـ الأدبُ مكمنُها الآمن ـ إرثها الذاتي الباطن وثروتها الدلالية الناشبة في القيم العقلية المحض وَهَج التعارض. فما يستطيع القارئ المتأمل رواية ستندال “الأحمر والأسود” صرف نظره عن سؤالٍ مداره: البخل الذي صِيغت شخصية السيد دورينال ـ محافظ أو عمدة بلدة ” فيريير” في نص الروايةـ وهو سؤال استرجاعي، أي أنَّه انسرب من تأملات قبلية أجراها المؤلِّف حول نفس البخيل وتصوراته وأماراته ومآلاته مع إدراكه البخل كقيمة أخلاقية سلبيةٍ، وعَقَدَ صلاتٍ من نوع الآثار التي تخلّفها تلك القيمة على شخصية الصراع/ الحدث الرئيس/ نفس جوليان سوريل، القس الشاب الطامح والطَمِع أيضاً. لكن يبين التساؤل من جهة أخرى، تجسيد الموضوعات والأفكار والقضايا بالأحرى التي رسمَت خصائص القرن التاسع عشر، وأيديولوجياته السائدة يومذاك. ولا شكَ أنّها أيديولوجيات وأنساق تُكيِّف التحامها بالأدب على نية نقدها وتفنيدها وإنذار الوعي الجمعي الذي ستشكّله القراءة من مهاويها وأهوالها، لا على نية مدحها أو إظهارها بشكل جيد. مما سيُشفي الحاجة على البروز مجدداً، لكن بشكل التبادل البينذاتي ـ ذات الأدب وذوات القراء فيما بينهم ـ على مستوى الانتقاد والتقييم والتفلسف. وفي الأدب ما يَعِظ الأنسان أن يعودَه مستثمراً معانيه المتجددة وأصداء حاجاته الضليلة. فضلاً عن عدم إجهاض الاستثمار الدلالي الذي أجراه الأديب أفكاراً وموضوعاتٍ ولهجاتٍ وثقافاتٍ؛ حقّ روح المجتمع وفلسفته اللصيقة بالأديب في الانجلاء. وهكذا تتآزر حاجات الأفراد متحققةً أو شاكيةً حجزها عن التحقق في مجتمعات لا تُعدم جوازي الآثار الأدبية، إذ سخَتِ الأذهان المتأملة روح العصر في ممارسة فضحِ مثالبه وصقلِ نقائصه معلِيةً من دور تمثيلها للآخر وإشراكه في إدراك الروح السائد. إلا أنَّ هذا الدور لن يمنحَ بتبذيرٍ إذا ما كان هنالك أدبٌ عظيمٌ أنتجهُ مؤلِّفٌ عظيم ، تتزاحف أسئلة العقل نفسه وأسئلة الواقع والزمانية والأبدية والوجودية تزاحف الخاضع لإجابات تحفر حتى في البدهيات والثوابت، وتطلب حلاً لأزماتٍ حَفَّزَت مثل تلك الأسئلة، لتطفوَ على سطح نكران حاجاتها الأساسية للمعنى والحقيقة القابعين في الآداب العظيمة.
ورُبَّ سائلٍ يعترضُ، أليست هذه الاستدلالات التي ينفقها الإنسان بوصفها حاجاتٍ من اهتداء القارئ الناقد المثالي إلى مغازي ينشدها النص الأدبي؟ بل هي كذلك استدلالات تبخر وقعها حاجة النص المعادلة بحاجة مؤلِّفه ومجتمعه للإجراء النقدي وبالعكس. استدلالات تنبثق من معنى موثقٍ بمقاصد المنشئ وإن كان عمق النص يواريها تحت أَدَمَتِهِ اللغوية، فتقتضي عملية المواراة هذه التأويلَ بما هو إغراق الفهم في عمق النصوص، واتصال بشكلِ الكينونة في العالم المعروضة أمام النص(13) . وهنا نتبنى اقتراح هايدغر الذي يعلّق الفهم بإمكانه تشكيل بنية من بنيات كينونة العالم: (( فلحظة الفهم ترد جدلياً على الكينونة في وضع ما، كما لو أنّها إسقاط أخص الممكنات لتطبيقها على نظرية النص. في الواقع ما يؤوَّل في نصٍ من النصوص هو اقتراحٌ ما للعالمِ، لعالمٍ كما يمكن لي أن أقيمَ فيه لكي ألقي فيه واحدةً من أخصِّ ممكناتي))(14)، ويستتبع لقائي بواحدة من ممكناتي الذاتية حاجاتي وسواها التي انتهكها النص انتهاكاً مشروعاً، فحملها على استدلالات وقراءات تصدق تعويل الإنسان عليها، واكتشافه لإرادته عند مولِّداتها، وإذا بالاكتشاف تختلط الغريزة والمنهج(15)، أي ما تنفك حاجتنا لمعرفة العالم والذات عن مصادفة المنهج الذي يطلقها وينجزها.

بعض النماذج الأدبية التي تستهدف حاجة الإنسان للأدب:
أ. على مستوى الشعر: قصيدة ” دمٌ فاسدٌ” للشاعر العراقي المغترب بلندن سعدي يوسف:
دمٌ فاسدٌ
Mauva is sang
قال رامبوووووووووووو؛
إذاً، كيف جئتَ، تحاسبُـني، في الصباح ِ المبكِّـرِ؟
لم تحترمْ قهوتي الـمُـرّةَ ،
الطيرَ في (( كستناء الحصانِ)) …
ولا غـفلتي،
ــــ أنت تعـرفُ أنيَ أسهو ــــ
ولم تبتدرْني، كما يفعـلُ الناسُ، ما قلتَ حتى: (( صباحكَ خيرٌ …))
وجئتَ تحاسبُـني …
لأقُلْ أولاً: مَنْ تكونْ؟
ولأقُلْ ثانياً: هل لك الحقُّ في أن تكونَ جليسي على قهوةِ الصبح ِ؟
لا بأسَ
فلنحترمْ، مثل كلِّ العـبادِ، الحقيقة َ!
نحن، هنا جالسان ِ معاً …
OK?
OK …
هل ستتركُني قبلَ أن تُكملَ الجملة َ المتعــثِّـرة َ؟
اصبِرْ قليلاً
وأتـمِمْ …
فما نَفْعُ أن تـتزوَّدَ من قهوتي الـمُـرّةِ ؟
الصبحُ ليس زمانَ الهروب
المسدسُ ليس سلاحَ دفاعٍ …
أَقِــمْ
وارتشِفْ، رائقاً، قهوتي مُــرَّةً،
[ … ] دمي فاسدٌ
أنتَ تعـرفُ هذا
وتعرفُ أنّ الفسادَ مقيمٌ به، أحمرٌ، كالـكُـرَيّاتِ حمراءَ
لا تـفـزَعَـنَّ!
اطمَئِنَّ …
فليس الذي بيَ مثلَ الذي بكَ … والثورةُ المستحيلةُ أبعـدُ من أن تراك ! (16)

يمكن لهذه القصيدة أن تُلقيَ إيحاءات أنثروبولوجية وتكوينية أجناسية بحيث تعبّر عن قراءة الفرد لحقيقته الأنثروبولوجية والنشوئية العربية، وتفسّر نُظم عاداته وتقاليده في سلسلة تأريخية مقدِّمةً براهين تطوره الثقافي وإن كان سلبياً؛ على كاهل الذات القارئة، لا سِيَّما الذات العربية. فكأنها تعرفها تساؤلات بعيدة، بينا ترتقب الذات إجابات خلف هذه الأصداء: هل خصائص تكوِّننا الهوويّ العربي فاسدة أو صالحة، وضيعة أو نبيلة، اشتراكية أو انعزالية، ارتدادية أو تقدمية؟ وستظلُّ هذه الأصداء رفيقة تأوّلات القارئ التي تبحث عمّا يؤكده عقل النص أو ينفيه، ما يُضمره في نفس شاعره منتظراً من النص أن يكون عوناً له إيجاباً أو سلباً(17)، حتى يتمّ القارئ لقاءه بدلائل إما أن تُبطلَ رّيبته بأصله، وإما أن ترسّخَها بحيث تُدلع شعوراً محيطاً بكلِّ ذات لو انفتحت على خصائصها البشرية، وأعرافها وثقافة مجتمعها التي أطلقت أُولى صرخاتها في أرجائهِ، وهو شعور يحدِّث (( خوف المرء من أن يظلَّ مجهولاً، أن يلقيَ به شخصٌ ما إلى الظلِّ))(18). إنّه الشخص الآخر الغالِب الذي تنافحه الذات المقلَقة في القصيدة، والمتبني فعلَ طمسِها أو منافستها في أفقه الأنثروبولوجي والثقافي العولمي، فينكِّل بنقائص أمثولات الذات العربية الميتافيزيقية، ومع هذا لا تتجاوز الذات العربية محاورته لتتوجّه إلى مزيدٍ من معرفة مميزاتها الأنثروبولوجية، فتلحظ صورةَ تأثرِها به حدَّ إمّحائها(19) . وتتوسّط الحوار في هذه القصيدة رؤيتان: رؤية الذات العربية وقد أسدَّها للقارئ ملمح القهوة المرّة ذو الدلالة المرجعية المتصلة بالبيئة العربية، وربما تغيظ الذات الغريمة منها ـ التي استحضرتها صيغة المخاطب، إذ ما شاءَ سعدي تسميتها، لأنّها تمثّل وعياً مارَسَ أفعال الانتهاك والطمس على ذات المتكلم ـ ، كما استحلت مَحمَلاً تدلَفَتْه استدلالات التهكم بالانسلال الانثروبولوجي العربي. والتهكم بالنسبة لهذه القصيدة يُرسي فكرة تقديم الذات كموضوعٍ للنقد يمكن أن تتقمصه أية ذات عربية. كما لم تكن فكرة التهكم الأنثروبولوجي هي المجتلاة هنا فحسب، إنّما تسوّغ انطراح حاجاتنا لتفكيك منظومة القيم الأخلاقية والسياسية والثقافية والاجتماعية التي جَهدت من جَعل الأصل العربي فاسداً لدى تأمل الذات العربية نفسها. كما أنَّ فساد الأصل هنا لا يحوي وضعاً أخلاقياً بقدر ما يصيغ دلالة كنائية عن خنوع الذات العربية لأشكال القوى المهيمنة وتشوّهها بمضامينها.

ب. على مستوى النثر: رواية ” زُّقَاق المِدَقِّ” للروائي المصري نجيب محفوظ:
إنَّ شخصية “حميدة” في الرواية تتّخذ موضوع القلق والشك بمرجعية الأعراف والنُظم الاجتماعية التي توجّه سلوكها. مما ستخدم تحولاتها بعدِّها شخصية متنامية في الرواية إرادة تحطيم الهرم الأخلاقي المُشاد في المكان المغلق والمعادي لحميدة في آن واحدٍ حيث زّقاق المدقّ، وإرادة الانتظام في هرم تُغاير تدرجاته القيمية معنى الاعتدال الأخلاقي والاجتماعي والديني، حيث انزلقَت ذهنية حميدة إلى موطنِ الأهواء والنوازع والإكراهات ووثبات السلوك المُخلَّقة بشكل دقيق من قِبل الراوي نجيب محفوظ، إذ أَتَت أُكلَها الحاجاتُ في نفس الشخصية التي رَسَمَها المؤلِّف، حيث احتوى أغلب الشخصيات بيت الشح والفقر والتخلف كما حميدة ضمن تمظهر حاجتها الدائمة إلى البذخ المادي الذي يتممّ مرحلة أنوثتها، وضمن تمظهر التفاخر والتقدير الذي لطالما استهوى نفسها. لكنها لم تلقَهما حتى بعد إسلاكها في مهوى اجتماعي لا أخلاقي، إذ أعربَ إبراهيمُ ـ وهو الشخصية التي تؤشر الأفق الأكسيولوجي القبيح في الروايةـ عن ازدرائه لحميدة وتحسيسها بانحدارها من بيئة الذل والهوان، وهي الذات المستشعرةُ لهذه المثلبة التي أكسبها إياها المجتمع، والمحاولة مسخها، والمعتدة لتغييرها تجاه الجاه والمال والكبرياء. وقد أُكِّدت هذه الدلالة حين هَرَبت مع إبراهيم وعاشت ليومٍ واحدٍ في بيته:
(( لعلكِ تتساءلينَ، كيف يريدني على أن أبقى في بيتهِ؟! فَأذَنِي لي أن أسألَكِ بدوري لماذا تعودينَ إلى المِدَقّ؟ ألتنتظرين هناك شأن الفتيات البائسات حتى يتعطف رجلٌ من مخلوقات الزُّقاق [ وهم مخلوقات منسحقة وبائسة ومدقعة أحوالها الاجتماعية مثل: عباس الحلو الحلاق، والعم كامل المريض، والعم كرشة الشاذ، وابنه المنحرف، وطبيب الأسنان اللِّص، وصاحب الوكالة الذي أجهز عليه المرض بعد أن تواترت أحلام أُم حميدة على صفقات مستقبلية من زواجه المرتقب بحميدة …] فيتزوجكِ ويلتهم حسنَكِ النضير وشبابكِ الغض، ثم يتركك لُقى في الزبالة؟! لستُ أحادثُ فتاةً بلهاءَ تذهب بها كلمة فارغة وتجيئ بها أخرى، ولكني أعلمُ علمَ اليقين أنكِ شابةٌ قليلةُ الأشباه، جمالُكِ فتانٌ. ومع ذلك فهو مزيةٌ بين مزايا عديدة تكاد تطغى عليه. أنتِ الجسارةُ نفسها. ومثلكِ إذا أرادَ شيئاً إن يقول له كُن فيكون))(20). ويؤكّد مقطعٌ آخر إحاطة الراوي لآفاق فكر شخصياته المركزية، كما يتدارك المقطع حاجة القارئ لتفسير تحولات تلك الشخصيات، ولاستكناه المدى الدلالي والأيديولوجي الذي تجول فيه هذه الرواية حيث تقول: (( إنَّ كلينا من معدن واحدٍ، خلقنا الله للحب والتعاون، فإذا اجتمعنا اجتمع لنا الحب والمال والجاه، وإذا افترقْنا افترقنا للشقاء والفقر والذل))(21). ويدني الراوي القارئ من خبيآت شخصية حميدة غير ضانٍ عليه بما يتهيأ له من تأويل لحاجات غير مرغوب فيها لو قرأَ المقطع الوارد بصيغة ديالوج ـ حوار بين حميدة وإبراهيم، بين حاجاتٍ اختلفت، ثم اتفقت في المصيرـ (( لا أكادُ أصدقُ أني انخدعتُ بكِ رباه! أتصبحينَ يوماً من عرائس المدق؟! حَبَلٌ وولادةٌ، وحَبَلٌ وولادة، إرضاعُ أطفالٍ عل الأرصفةِ، ذبابٌ وبصارة وفول، ذبولٌ وترهلٌ! .. كلا. كلا … لا أريدُ أن أصدقَ هذا …
فصاحتْ به غير متمالكةٍ نفسها:
كفى …
وانطلقت نحو الباب، فنهضَ مسرعاً، ولَحِقَ بها وهو يقولُ برقةٍ ” رويدكِ”، لكنه لم يعترضها ففتح لها اباب، وخرجا معاً. جاءت سعيدةً غير هيّابةٍ، وذهبت مهيضةً ذاهلةً […] ابتلعتها أفكارها فغابت عن الدنيا، وجعل يسترقُ إليها النظر صامتاً دون أن يجدَ حكمةً في خرق الصمت المخيّم، سأنتظرُكِ غداً، فابتعدتْ عن الباب وهي تقول باقتضابٍ وحدةٍ:
كلا… فقال ويده تُدير أكرة الباب: سأنتظرُكِ يا محبوبتي … وستعودين إليّ …))(22).
وإنَّ إحدى القرائن البالغة الدلالة على قلق الشخصية “حميدة” وهزم المجتمع ونظمه لأحلامها التوتر النفسي بعد أن جانَفَها ليومٍ واحدٍ ظنَّت زواجها من إبراهيم في ساعاته القصيرة ، إذ عاودَها بشدةٍ حين رجعت إلى بيتها واستمعَت لثرثرة أُمها دون أدنى صغو لها: (( ولم تكْ تمضي دقائق حتى راحت الأمُ في نومٍ عميقٍ، وملأت الحجرةَ شخيراً. ولبثت حميدةُ محملقةً في النافذة المغلقة وقد نضح خصاصُها بنور القهوة المتصاعد. استحضرت ذاكرتُها حوادث يومها العجيب))(23). إذ وثبَ إبراهيم بنفسها إلى عالم الجسد وحاجة الذات التي تحسّ مظاهر السلطات والبذخ دون أن ترفل بمُتعِها مزيحةً خلف ذلك اليوم الذات الهوويّ التي أدركت خيبتها وضعفها ضمن الواقع الذي ينبذ أمثالها لو انكشفت لها صور قبحه، لا سِيَّما صورة غياب العدالة الاجتماعية عن كل قوانينه، فلم يفت إبراهيم مرادُ تلك الذات (( أريدُ شريكاً محبوباً نقتحم معاً حياة النور والثورة والجاه والسعادة، لا حياة البيت التعسة والحَبَلِ والولادة والقذارةِ، حياة النجوم اللاتي حدثتُكِ عنهن …))(24). إنَّ الروائي يستدعي الحاجة التي رِغبتها شخصياته السردية ولو في أحلامها دائماً، وقد عالجَها بصيغة حدث يحاكي ما نَبَذه نجيب من ذلك الواقع نبذَ متأملٍ لقوى إبطال تلك الحاجات الإنسانية، ومحاربٍ لأشكالها التي تعكر حيوات الأفراد بآثار أمشاجها السياسية والاجتماعية والاقتصادية في أعطاف الحرب العالمية الثانية ـ الرواية صدرت في عام 1947 ـ مما طَفقت ذات حميدة تميّز محفلها البائس من محفلٍ نهائي تتصوره كريماً ينتظرها: (( فشعرت على رغم قلقها الراهن بسرور غير خافٍ، سرور الزهو والفخار والجنون الكامن في غرائزها. ولم تنسَ مع ذلك أنها قالت عن ذلك الرجل وهي راجعة إلى زُّقاقها ” يا ليتني لم أره!”. ولكنه كان قول لسان لم يجد له صدى في قلبها. والحق أنها عَرفت من نفسها في ذلك اليوم مالم تستطع معرفته مدى عمرها. وكأن هذا الرجل قد اعترض سبيلها ليجلوَ ما خفي من ذاتها ويبسطه لناظريها كمرآةٍ مصقولة، بيد أنها قالت ” كلا” وهي تفارقه، وربما لم يكن عن هذا القولِ مذهبٌ، ولكن ما معناه على وجه التحقيق؟! أليس معناه أن تقبع في بيتها مترقبة عودة عباس الحلو[ الذي ذهب للعمل وجمع الثروة من بقايا الإنكليز] ؟! رباه، لم يَعد للحلو مكانٌ في نفسها. أمحى أثره. وتبدد رجعُ صداه. وليس الحلو في الواقع إلا هذا الزواج التعس، وما يعقبه من حَبَلٍ وولادة وإرضاعٍ على الأرصفة وذباب، إلى آخر هذه الصورة البشعة الممقوتة. أجل. لم يكن لعاطفة الأمومة نبعٌ يتفجر في نفسها شأن الفتيات من أترابها، ولم تكن نسوة الزُّقاق بمتجنيات عليها فيما رمينْها من قسوةٍ وشذوذ، فماذا تبتغي إذاً؟! … وخفقَ قلبُها خفقاناً متتابعاً فعضَّت على شفتيها حتى كادَت تُدميهما. إنَّها لتعلمَ ما تبتغي، وما تهفو إليه نفسها، كان يجري قبل اليوم في شعورها متقلقلاً بين النور والظلمةِ، ولكنه شقَّ اليوم غشاوةَ الغموض وأسفر جلياً لا لبس فيه ولا إبهام. ومن عجبٍ أنها لم تعانِ ـ في سُّهادها ـ تردداً خطيراً فيما ينبغي أن تختارَ من السبيل، ولم تشعر كثيراً بوطأة التجاذب بين ماضيها وحاضرها، أو بين ماضي حياتها من الخير وما يتصدى لها من الشر، بل الحق، أنها اختارَت سبيلها بالفعل وهي لا تدري، ووقعَ اختيارُها عليه وهي بين يدي ذلك الرجل، في بيته! كان لسانها يهدرُ غضباً وأعماقها ترقص طرباً، كان وجهُها يربدُ ويعبسُ وأحلامها تتنفس وتمرح!.. وفوق هذا كلّه فإنها لم تمقتْه[إي إبراهيم] لحظة واحدةً، لا بل لم تحتقره قط [ حتى بعد أن بدا لها قوّاداً، رجلاً فاسداً]. وكانَ[…] حياتها ومجدها وقوتها وسعادتها! لم يثر حنقها إلا إدلاله بثقته وهو يقول لها ” ستعودين إليّ” !))(25).
فيجب أن تعود الذات القارئة إلى هذا النوع من الاعتراك بين إرادة النفس وإرادة صروف الواقع ومهيمناته المتنافسة على إخفاق تحقيق حاجات الإنسان، فعندما تُحبط إرادة النفس الحرة، أو إرادة العقل المتأمل من قِبل الأنساق المكيّفة للعقل الجمعي المجتمعي، فإنَّ سلسلة من الإرادات الذاتية كإرادة الفتاة حميدة والشاب إبراهيم وسواهما تنظّم مختلف التقلّبات ضد تلك الإرادة الكبرى والمطلقة الجائرة وإن كانت تقلبات ذات قيمٍ خطيرة ومنحرفةٍ، لكنها تجسّد مرحلةً من واقع المقصي والمهمش والمقموع حاجاتهم الإنسانية، تجسّد ما يشبه الذات الهوويّة، لأنها انشطرت ليس من تلقاء نفسها، بل مرغمةً من قبليات ومتصورات، بحيث تصبح ذاتاً مزدوجة، إلا أنَّها تقاوم إرادة ذلك الكائن/ النسق/ الدين/ التأريخ/ العرف/ السياسة الجاثم على حِراك حريتها، أو تجهله فتندرج ضمن البناء الهرمي لذلك المجتمع. إذن، القيمة الأدبية لهذا الضرب من الروايات تتجلى في الممارسة النقدية التي تتزلف من أصوات الإرادة البشرية المكبوتة إذا ما تنبهت إلى ما يكفّها عن التحقق. فضلاً عن أنها قيمةٌ وردَت بهيأة محكيات فكر وتفلسفٍ عن الحاجة التي تُدفع الإنسان هماً وكرباً لعدم صيرورتها سلوكاً، وهي بأثرها استحالَت حاجةً سرعان ما يَألَفها القارئ المُجهض الحاجات أمثالها.
مسرحية الذُّبَاب للفيلسوف والأديب الفرنسي جان بول سارتر:

في تساؤلاتِنا المبيّتة لرغبة كشف ذواتنا لنا، وانضاء حتميات الحقيقة عن إرادتنا التي تُداجيها أنساغ اللاحرية، كان علينا التعرف بشكل سابق على قبليات وجودنا، أي تَحرِكها على معنى وجودنا في عالم الوجود نفسه، وعلى من يسيّر مواكب وجودنا، والأقدار التي لا تُخطئ سبل الاكتراث بحيوات الوجود بأسره لتُحيي إمكان التنافس بين منطق العدم ومنطق الوجود، وكليهما تقبضه حتمية الفاعل المطلق قبضاً لا يَدَعُّنا أحراراً في نوع وجودنا وكيفية استمراره، وأية معضلةٍ ستواجه الكينونة لو انفلتَتْ من مؤثرات تلك الحتمية ـ القوة التي تُخضعنا لها أفعالٌ عابثة بحرية إرادتنا(26)؟ وما الذي استبطناه الخير والشر المنتقيين للكينونة من مرجعية؟ علينا أن نفتّش عن إجابات حرّة، أي لا مُلزِمةً لتأملاتنا ولا مُقسِرةً لاستدلالاتنا؛ لتلك الأسئلة التي قدّمتها إيحاءات مسرحية الذباب الصادرة عام 1943. إنّها طمحَت لتبجسَ فكرة الوجود للحرية وأسقطَت فكرة الوجود للحتمية بحيث نحَّت عن الذات وِزر تبني موقفٍ سيؤول حتمياً بأمدائه الفكرية السلطوية خلا موقفها الناجع. ذلك أنّه موقفٌ تواءم وحاجة الذات الحثيثة لفسخِ هياكل الحتمية مهما كانت، ومحو معانيها الجبرية، موقفٌ يأبى إباءً مطلقاً تبرير الفعل الأخلاقي الحرّ من جهة صدوره، أو من جهة مرماه(27)، موقفٌ يرشّح العبودية من نداءات العقل والخشية من الإله أو العقل المطلق (( فالعبد الذي يَرسُفُ في العبودية يمكنه تحرير نفسه))(28)، لكن إذا توخّى قراءة معمّقةً للمجاهرة بالإيمان، وقد أبداه أهل مدينة أراغوس، كما جهروا بارتيابهم وخوفهم من الأرواح الميتة التي تُبعث كل سنة إليهم وفقاً لحتمية إرادة الإله جوبيتر، والذباب المسيّر بمشيئته، وكأنَّه عقابٌ لهم واختيارٌ من طوعِ امتلاك حريتهم.
إنَّ المجاهرة بإطاعة جوبيتر في هذا العمل المسرحي تفتح الباب على دعوة سارتر الفلسفية الوجودية إلى نقض إرادة الإله؛ دعوة المؤمن المتكابر على أية مؤثرات الحتمية التي تستنفد خيارات الإنسان لمطامحها. كما تكافح ضد التضحية بإرادة العقل المتناهي إزاء العقل المطلق، فأشرعَت الطريق إلى فكرة ديكارت: (( إنَّ العقلَ وحده لا يثبتُ ولا ينفي شيئاً، بل يتصور المعاني التي يمكن أن يحكم عليها بالإثبات والنفي، أما الإرادة فهي تقوم على قدرتنا أن نفعل الشيء أو أن نتركَه، أن نثبته أو ننفيه، نقدم عليه أو أن نحجم عنه. وبعبارة أدقّ، لكي نثبت أو ننفي الأشياء التي يعارضها العقل[…] يجب أن نتصرف بمحض اختيارنا، دون أن حسَّ بضغط من الخارج، يملي علينا ذلك التصرف. لقد شهدت تجاربي لي إرادة ضافية، مترامية لا يحصرها حدٌ، ولا يحبسها قيدٌ … هي وحدها القوة التي خبرتُ في نفسي أنّها كبيرة للغاية، بحيث لا أتصور غيرها أوسع منها، وأرحب. إنّ الإرادة هي التي تجعلني أحكمُ بوجهٍ خاص، أي على صورة الله ومثاله))(29). ومَصابُ ذلك، إعادة النظر في كلّ ما يجهد إلى زلزلة دور إرادة العقل ذي الفاعلية التغييرية، فاعلية تغيير مواقف الحتمية الشاملة مثل منعطفات سارتر الإنسانية وقيمه الوجودية(( أنّ كل عمل من أعمالنا يخلق الرجل الذي نريده، ويخلق أيضاً صورة الإنسان كما نتصوره في واجب وجوده. إذا اختار الإنسان أن يكون شيئاً معيناً، فهو يؤكد بذلك قيمةَ ما يختار، لأنه لا يستطيع اختيار الشر، إنّ ما يختاره هو خير لهن ولا خير إذا لم يكن خيراً لجميع الناس))(30). ومنه جاءت ثورة انتقام أورست وألكتر أخته من إيجيست ملك أراغوس وزوجه كليتمانستر موقفاً منخرطاً في الحرية من أجل الجميع/ الكينونة. وما مشهد الثأر إلا فسخينِ بعيدي الأثر الدلالي يدوران في أفق المسرحية، يتجلى أولهما في رصد أورست ـ ابن الملك المقتول أغناممنون ـ البطل نفسه لإرادة تحرره وأهل أراغوس من مصدر الإرادة المطلقة التي أوقعت الشر في مملكة أبيه، فكان استشراء الخوف الدائم من عودة روحه عاقبةَ تلك المدينة الكأداء، ومنه قوله :
(( إيجيست: أرأيتَ لمَ أُلقِ الرعب في نفوسهم ليتخلصوا من وخز ضمائرهم بسرعةٍ كحركة اليدِ ))(31)، وقد غابَت عنها مظاهر الحياة مما أصاب أناسها دوارٌ نفسي عنيف ورعب مفرط حيث ضاقت النفوس ذرعاً بالحرية وأمل الخلاص من قبضة جوبيتر الذي ولّى إيجيست الملك القاهر، وحيث تحلّ السعادة إذا حلّت أرواح الأموات كلّ سنةٍ مرةً في بيوت أراغوس، وقضت على ساكنيها بالتأنيب والتنكيل والحساب، ذلك هو العيد المعهود في مدينة أراغوس، وقد أَهْدَاهُ جوبيتر لذويها، بينا يهمّ أورست بإهدائهم عيداً للحرية:
(( أورست: اسمعي: كلَّ هؤلاء الناس الذين يرتجفون في غرفهم المظلمة، محاطين بأعزائهم المرحومين، افترضي أنني أخذت على عاتقي كل جرائمهم، افترضي أنني أردتُ أن أُكسبَ اسم ” سارق وَخْزَات الضمير” ، وأن أجعلَ نفسي قفراً لكلِّ ندمهم))(32)، ويبرهن هذا المشهد على وعي التحرر الفردي الذاتي من العبودية التي رسَمها الخوف والذباب كصورٍ لمعنى الحتمية المطلقة وعياً محكوماً عليه بالحرية(33) ، إذ ستعمّ آثار الوعي الجمعي الإنساني. ذلك الوعي الذي يضطلع بوظيف (( إنشاء نظر متأملٍ للعالم متحررٍ من قيود الأسطورة والتقليد عموماً، معرفةٍ شاملةٍ بالعالم وبالإنسان متحررةٍ إطلاقاً من الأحكام المسبقة))(34)، إذ نفهمُ من اعتمال الأحكام القبلية في المعرفة الإنسانية والتجاء الوعي لضروب التواكل التي ترافقه ملامح سلب الإرادة، وهو يقوم برحيله الاستكشافي.
أما الفسخ الآخر، فيستحث رغبة القارئ لتقبّل مشهد إقصاء إرادة جوبيتر الإله من مملكة أورست ـ الذات المتحررِة والمحرِرة ـ ونفضِ نفسِه من مؤثرات تلك الإرادة المتبدية في الرعب والخنوع والذباب وندب الأموات وضِعة ألكتر أخته. كما يأخذ القارئ إلى يمِّ الموقف الذي يُتمثّل ويُتأمَل، لأنه ليس من صنع (( أزمة أحداث درامية، بل أزمة ذهنية خالصة، أي أنَّ المسرحية [ التي أنتجت الموقف التأملي] لا تحتوي على عدد من الأحداث الدرامية المثيرة التي تهزّ وجدان المتفرج، بل تصوّر موقفاً تجمعّت خيوطه على نحو يجعل منه أزمة ضمير أو أزمة مصير، أو أزمة قضية، المهم أنها أزمة تستحث المتفرج على التفكير))(35). فلا يفوت التفكير القرائي أن يلحظَ مرحلة نفاد هيمنة جوبيتر وسطوته الجائرتين بعد أن لاحَت له في أطراف الحوار بين الإله والإنسان الحر، إذ أفصحَت عن ضرورة أفول ممارسات الهيمنة وسحق مؤثراتها من قِبل إرادة الكينونة الحرّة: (( أورست: إنَّ رجال أراغوس رجالي. فيجب أن أفتحَ عيونهم.
جوبيتر: يا للناس المساكين! ستهدي إليهم الوحدة والخجل، ستنزع منهم الثياب التي غطّيتُهم بها وستدلّهم فجأة على وجودهم، وجودهم النجِس التافه الذي أُعطي لهم دون مقابل.
أورست: لماذا أمنعُ عنهم اليأس الذي في نفسي[ يقصد تبرمه من سلطة الإله جوبيتر التي اختارها شعب أراغوس]، وهو نصيبهم؟
جوبيتر: ماذا يصنعون به؟
أورست: ما يشاؤون: إنهم أحرارٌ والحياة الإنسانية تبدأ في الناحية الثانية من اليأس[… فمهما امتدّ اليأس في شعب أراغوس لا بدّ من كوةٍ تهدي إليهم الأمل، وقد مثّلها مجيئ أورست إلى تلك المدينة].
جوبيتر: وهكذا يا أورست، فكلّ هذا كان مقدّراً، كان يجب أن يأتيَ رجلٌ فيعلن أفولي. أنتَ هو إذاً))(36).
إنَّ هذين الفسخين يطرحان على القراءة النقدية ضرورة التقاط معانيهما واستيحاء مكنوناتهما، وتلك الضرورة تكثف من التحام حاجاتنا الوجودية بالأسئلة التي قدّمها الفسخان لنا، وتوفّر مكمناً للذهن الذي تتوسّله الذات كشفاً عن غائية اختياراتها، وقد انفرطَ عِقد تعلّقها بحتميات تسيّرها وترغِمها على غير ما تبتغي. إنّها ضرورة الإجابات التي تشفّ عن خاصية استفهاميةٍ حاضرةٍ أبداً، وقويةٍ حدّ دويّها في كلّ قراءة لآثار أدبية هفَت إليها، لأنها تمثّل موضوع الحاجة الذي يبقيها في اتصال بالعالم، وإن انفصلت عن إرادته العليا، كما نتلقى الصدى الدلالي في تلك المسرحية.

وختاماً، اصطفيتُ ثلاثة الأعمال الأدبية تلك دون سواها بسبب غناها الجمالي والقيمي الإنساني، فلم تَنْزرْ موضوعاتها في التعبير عن تَمام مرافِق الذات الإنسانية، وهي حمّالةٌ على عاتقها أسئلةُ نشأتها الأنثروبولوجية ـ وقد صبَّتها قصيدة “دم فاسد” على القراءة النقدية ـ وما تمخضّت به من عِبءٍ المجتمع الذي جعلَ من وجود حاجاتنا عدماً لحقّ وقوعها كمجتمع “حميدة” حتى خَلَجَتها حتميات العالم الأكبر، لا سيَّما حتمية العبودية التي أَبلَغَت تلك الذات عند الخضمّ لِتموجَ وهي موثوقةٌ بأشطان إرادةٍ غير إرادتها، مما أَقَامَت مسرحية الذُّباب حجتها الفكرية على حاجاتنا لبترِ أشطان أمثال تلك.
وبعد تطواف غير زهيد أَسفرَت إجابتنا عن نتيجةٍ مفادها: إجلاء الآثار الأدبية لإرادة الإنسان. وهي إرادة طالما يُخفق القمعُ الفكري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتأريخي تحققَها لدى مجتمعاتنا. وهيهات أن يزيّفَ الأدبُ إمكانَ تلبيته لحاجاتنا الإنسانية أو رصدها ووصفها، واحتمال فتحه أذهان المتلقين على تفكيك الأنظمة التي قيّدت تلك الحاجات. إنَّ حاجة الإنسان للأدب تهديه إلى الحقيقة التي تندفع تجاه الذات حينما تولَد نُقُودها ورؤاها فتَتحدّثُ إرادةً نحسّها قد تدفّقت في القصيدة والرواية و… على شكل انفعالات وقراءات لن تُخطئ رغبة سَبْرِنا الحياة.

هوامش :

(1) ظ: المعجم الفلسفي ، مراد وهبه ، دار قباء الحديثة ، القاهرة ، ط5/ 2007، 261.
(2) ظ: معجم الماركسية النقدي ، جيرار بن سوسان، جورج لابيكا ، ترجمة جماعية ، دار محمد علي للنشر صفاقس، دار الفارابي بيروت، د. ط ، د. ت، 564.
(3) ظ: المصدر نفسه ، الصفحة نفسها .
(4) المصدر نفسه ، الصفحة نفسها .
5) معجم الماركسية النقدي ، 565.
(6) ظ: معجم الماركسية النقدي ، 592 .
(7) من النص إلى الفعل ، بول ريكور، تر: محمد برادة ، حسان بورقية ، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية ، القاهرة ، ط1/ 2001، 88، 89.
(8) من النص إلى الفعل ، 89.
(9) ظ: موسوعة النظرية الثقافية، المفاهيم والمصطلحات الأساسية، أندرو إدجار، بيتر سيدجويك، تر: هناء الجوهري ، مراجعة وتقديم وتعليق، محمد الجوهري، المركز القومي للترجمة ، القاهرة ، ط2/ 2014، 75.
(10) ظ: المصدر نفسه، 127.
(11) حياة الفكر في العالم الجديد ، د. زكي نجيب محمود ، الهيأة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 2013، 229، 230.
(12) أزمة العلوم الأوربية والفنومينولوجيا الترنسندنتالية ، إدموند هوسرل، تر: د. إسماعيل المصدق ، المنظمة العربية للترجمة ، بيروت ، لبنان ، ط1/2008 ، 66.
(13) ظ : من النص إلى الفعل ، 88.
(14) المصدر نفسه ، الصفحة نفسها .
(15) ظ: أزمة العلوم الأوربية والفنومينولوجيا الترنسندنتالية ، 91.
(16) الأعمال الشعرية، سعدي يوسف، منشورات الجمل، كولونيا ـــ بغداد، ط1/ 2009، 6/ 55، 56.
(17) ظ: سياسة الشعر ، دراسات في الشعرية العربية المعاصرة ، أدونيس ، دار الآداب ، بيروت ، 1996، 57 .
(18) سيميائيات الأهواء من حالات الأشياء إلى حالات النّفس ، ألجيرداس.ج. غريماس، جاك فونتنيي ، تر: سعيد بنـﮔراد ، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان ، ط1/ 2010، 242.
(19) ظ: سياسة الشعر ، 71.
(20) زقاق المدق ، مكتبة مصر ، 203 .
(21) المصدر نفسه ، 204، 205.
(22) المصدر السابق ، 205، 206.
(2) المصدر السابق ، 206.
(23) المصدر السابق ، 204.
(24) زُّقاق المدق ، 207، 208.
(25) ظ: الوجود والحرية بين الفلسفة والأدب ، د. محمد شبل الكومي ، الهيأة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، ط1/ 2010، 392.
(26) ظ: المصدر نفسه ، 398.
(27) المصدر نفسه ، الصفحة نفسها.
(28) من مقدِّمة د. كمال يوسف الحاج لمسرحية الذباب ، تر: حسين مكي ، منشورات دار مكتبة الحياة، ط2، 12.
(29) المصدر السابق ، 23.
(30) الذباب ، 116.
(31) المصدر نفسه ، 109.
(32) ظ: الوجود والحرية بين الفلسفة والأدب ، 399.
(33) أزمة العلوم الأوربية والفنومينولوجيا الترنسندنتالية ، 46، 47.
(34) الوجود والحرية بين الفلسفة والأدب، 402، 403.
(35) الذباب ، 158.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. عاطف الدرابسة : رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة المصرية (فاطمة ناعوت) .

رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة …

| كريم عبدالله : القناع في القصيدة السرديّة التعبيريّة قراءة في قصيدة الشاعرة : سلوى علي – العراق ( بلقيسٌ أنا ) .

تبقى القصيدة هي المرآة التي من خلالها نتمكن من رؤية العوالم الداخلية للذات الشاعرة , …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *