قصي الشيخ عسكر : الرباط (رواية مهجرية) (13) و (14)

(13)

ارتسمت علامة رضا واسعة على وجه يوسف الوهبي حالما خرج من مقابلة مع السيد عبد الرحمن العاني الملحق الثقافي، سوف يحصل على كتاب توصية ويلتقي طلابا مغاربة في بغداد .. خرج من مكتب الملحق مستبشرا، يتهلل وجهه بالسرور، وبقيت في الغرفة لحديث خاص
– أهذا الشخص الذي تحب أخته؟
قال العاني عبارته، ورمقني بنظرة ما، وابتسامة .. خيل إلي أنه مدير مدرسة يعبر بشفتيه وعينيه عن سلوك حميد لتلميذ مجتهد، شعرت أني مراقب لكنها مفاجأة .. يبدو أن جمالا مسؤولي المباشر لم يخف الخبر عنه ولو كنت مكانه لفعلت الأمر نفسه تحسبا لأي طاريء في المستقبل .. قد يكون جمال عدّها قصة تسلية لا أقل ولا أكثر
– لا أبدا .. ليست هي.
وهز رأسه شاكا
– إذن من تكون؟ قالها بابتسامة وعقب: لا تظن أنني أراقبك لكن لنعرف فيما إذا تطورت العلاقة بينكما إلى زواج كي نستعد لمنحكما بعض الامتيازات حين يحين السفر. أنت بعثي وتعرف هذه الأمور نحن نشجع العراقي على الزواج من عربية.
مازلت أنوء بثقل المفاجأة. خطواتي محسوبة بدقة .. من نفسي وجمال وآخرين ومن الفراغ نفسه .. هل أكتب عن نفسي .. عقدة الطين مازالت تذكّرني بالمدرسة. كيف أكتب عن مليكة. كرة الطين تطير فتسقط على صورة الرئيس. وأنا شاهد أقول الحق ولا أعرف هل حدث الأمر مصادفة أم أن زميلنا في المدرسة المشبوهة عائلته تعمّد ركل الهواء
– حين يحين الوقت سأخبر مسؤولي أو أخبرك بذلك.
– حسنا نأمل ذلك.
كنت في الأسبوع الماضي قد جئت إلى المكان نفسه، وجدت الرفيق ” محمد الشخص” سائق الحافلة الخاصة بالمدرسة العراقية، والملحق الثقافي. كان الشخص بحكم موقعه الحزبي المتقدم هو المتحكم الفعلي بالسفارة العراقية التي زرتها غرض تسوية راتب البعثة مرة فوقع بصري هناك على القنصل أركان حردان الذي لم يكن للسفير أو له أي دور مميز. رأيته كأنه متحفظ، متوجس، بينه والآخرين حاجز من صمت .. كان الشخص والملحق هما من يحكمان دولة السفارة، ذلك اليوم وجدت رفاقا معظمهم مدرسون وصلوا من مدن مغربية، ورأيت وجوها لمحتها في الشارع .. ممن يشتغلون في السفارة أو يترددون عليها. كراسٍ صُفّت على طول القاعة وامتدت إلى حيث التلفزيون الكبير الذي يحل محل سينما صغيرة. الشخص والملحق الثقافي يجلسان عند الواجهة، ونحن نتطلع إلى أخبار جديدة أو تبليغات من أحدهما.
قد يكون أمر مهم ..
أو حدث جديد
كل ليلة إذ آوي إلى الفراش أدير موجة المذياع والسماعة ملتصقة بأذني لأسمع أخبارا من محطات مختلفة، أحيانا ألتقط بغداد وفي بعض الأحيان أعثر على محطة طهران. كل الأجواء توحي بالحرب لكن لا أحد يصدق. كان هذا أشبه بلقاء عام لنا في الملحقية إذ كنا نتحاشى أي تجمع في الشقق يزيد عن شخصين لئلا نثير حفيظة جهاز الأمن المغربي. كان عملنا يستقطب المغاربة في الدراسة والعمل. سلوك تطمئن له حكومة صاحب الجلالة لاعب الجولف سابقا، شقيق رئيسنا الآن. كلام معاد، يمكن أن أقرأ مثله في مجلة ألف باء التي طالعتنا في شوارع الرباط، أو صحيفة الثورة ويمكن لنا كما حدث في عرض شريط الأيام الطويلة أن نوزع على الحضور البقية الباقية من قمصان الـ “تي شيرت” التي طبعت عليها صورة الرئيس، أخوة ومحبة فقط، لكن الرفيق الملحق بدأ يخبرنا عن الموسم الثقافي الجديد، قال إن الأسبوع القادم يبدأ بعرض شريط الايام الطويلة، حياة الرئيس، بطولته وهو يتصدى لرئيس الوزراء في شارع الرشيد، صبره وهو يتحمل ألم الرصاصة في ساقه من دون أن يصرخ ولا يئن، وشجاعته أمام نهر الفرات .. يخلع ملابسه ويعبر النهر ذا التيار الصاخب، هناك مشاهد الكاوبوي التي تثير اهتمامي في التمثيل. مشهد البطل والقبعة والحصان لم تنسني إياه قبلات سعاد حسني لشكري سرحان خلال خدمتي الإلزامية في كركوك. أين أذهب يوم الجمعة، وسينما المدينة تعرض فلما هنديا نصفه بكاء ونصفه ضحك، ولاضحك في الايام مهما طالت إلا مشهدا واحدا حين يشك الشرطي بامرأة منقبة فتكشف عن وجه جميل وتوبخه بحجة أن صاحبة هذا الوجه لن تكون أبدا ذكرا .. قنص وإطلاق رصاص كان نصف الحاضرين من المغاربة، اختلطنا بهم إذ ارتدى بعضنا وانا منهم الجلابية المغربية فبدا كأن معظم الحضور من المغرب. ساد القاعة صمت رهيب، وخيل إلي أن الشريط السينمائي يعلن عن حرب جديدة .. حياة الرئيس. الفقير مثلي، مرت بأحداث مذهلة، رصاصة في الرِّجل، وتَشرّد، يوم جاء إلى الحكم تابعنا جهاز التلفاز بشغف، من قبل قال الشيوعيون السيد النائب أقرب إلينا، سوف يصبح في يوم ما شيوعيا. أقرب أعضاء حزب البعث إلى اليسار. متأكدون من مستقبله .. ياعراقيون لا تعجبوا، وأنتم طلاب المتوسطة عقولكم غير ناضجة، ستفهمون فيما بعد، ألم تنقلب اليمن الجنوبي من قومية ناصرية إلى ماركسية شيوعية حد النخاع، أما أبي فقال هذا فقير مثلنا، يوم كان صبيا لم يكن يملك حذاء .. يحكمنا رئيس حاف .. معدم. يالله .. وفي لحظة ما التفت إلي سي يوسف وسألني:
– هذا ممثل معروف في العراق.
– من؟
البطل الذي يمثل الرئيس!
– ليس ممثلا ولم يمثل من قبل!
معقول سي حسن؟ يؤدي مثل محترف؟
همست في أذنه:
– كل أشخاص الفلم من الواقع .. شخصيات حقيقية .. سأشرح لك الأمر فيما بعد.
وعدنا نتابع الفلم باهتمام.

(14)

كاد كل شيء يسير على مايرام!
السفارة التي تعمل كخلية نحل ..
نحن الذين نكسب الناس من دون أن يعلموا أنهم يذهبون إلى العراق طلابا وعمالا. موظفين ومزارعين ثم يعودون من من غير أن يشعروا أنهم أصبحوا عقائديين ..
لكنها هي الحرب التي عكرت الوجوه، وضاقت بها الصدور ومعها تغير كل شيء.
رحت أعد الثواني والدقائق والساعات والأيام .. انصرفت الأيام والشهور وهاهي الحرب تتسع وتكبر مثل سرطان من دون علاج. ياللسخرية. قرأنا في المدرسة قصة عن شيء لاينتهي، خزان قمح كبير، ونمل كثير .. كلما دخلت نملة أخذت حبة قمح وخرجت. وتلك أيامي في المغرب تتآكل .. أبعد الراحة .. بعد الدعة والهدوء والسكينة أضع نفسي في فوهة مدفع وتحت وابل من الرصاص؟أمامي ألغام .. وفوقي رفوف طائرات .. وقذائف .. ويتهادى لذهني أكثر من صوت أن هذه الحرب تستخدم فيها أسلحة لم تكن في الحرب العالمية الثانية ..
حرب لا تريد أن تنتهي ..
ولا أحد يظنّ أن هناك من أهل الخير من يتوسط ..
الشيف الهبطي الذي سافر أخوه بتشجيع مني يقول الله أرحم الراحمين أخي حصل على عمل آذن في مؤسسة البريد في بغداد .. العاصمة بعيدة عن الحرب .. هادئة .. يكتب:أهلها سعداء كل ليلة يأكلون السمك المسقوف في أبي نواس على دجلة .. ياسي حسن بغداد فيها الشيخ عبد القادر الكيلاني يحميها والمغرب يحميها مولاي إدريس، وقال عجوز في المطعم ياسيدي كل يوم تقصفون الجزيرة هذه. راح يحكّ رأسه كأنه يحاول أن يتذكر .. جزيرة خرج .. أما تنتهي حكايتها .. وأروح كل ليلة أضع الشريط الإسباني جانبا، مي آمور .. تي كوير .. وأتابع إذاعة بغداد. أعثر مصادفة على إذاعة لندن .. غدا بعد العمل أقابل مليكة .. قالت لي انتظرني في البيت سآتيك ساعة إلى الشقة حالما أخرج من المدرسة .. وعلى الرغم من الحرب ومآسيها ورفض الأب لي خلال أول لقاء فقد اقتربت مني أكثر .. ازدادت بي ثقة .. راحت – خلال أية زيارة – تتصرف في البيت كأن الشقة لها .. تعمل شايا بنفسها .. وتدخل الغرفة دونما وجل. هي الحدود ذاتها التي وضعتْها بيني وبينها قبل الزواج الموعود .. تعال ثانية لتقابل والدي. أخبرني أي يوم يناسبك لأتفق مع أمي.
أجبت بابتسامة باهتة:
– ياحبيبتي ياعمري .. أنت تعرفين أنه رفض قبل الزواج لحدث وقع بين المغرب والجزائر سوء فهم لم يؤد إلى حرب فكيف يقبل الآن والعراق يخوض حربا يشغل صداها كل العالم؟!
مطت شفتيها دلالة على الاعتراض:
– الحرب الحرب!
من حقه أبوك يخاف يريد أن يطمئن عليك!
قالت بنظرة واسعة:
– هل أنت متمسك بي.
– هل تشكين في ذلك لكن افرضي أننا تزوجنا ثم سافرنا بعد أيام إلى العراق فعدت إليك جنازة جثة محترقة، أو فُقِدت..
فأخذت يدي وطبعت عليها قبلة:
– بعيد عنك الشر.
– احتمال. افرضي .. هل تعودين من العراق إلى المغرب أرملة؟
-أبقى مع أهلك وأظنهم لا يطردونني.
– حسنا لنفرض أن كل شيء سار على مايرام بماذا أجيب والدك حين يقول موافق لكن تعال حين تنتهي الحرب.
عادت لأسلوب أشبه بالاحتجاج والبرم:
– أتظن أن المغرب يعيش من دون حرب .. يحارب في الصحراء .. حرب عصابات بين الجيش والبوليساريو .. هناك جثث تصل من الصحراء .. لعلك لم تسمع عن جثة وردت إلى سلا قبل أيام وأخرى الى الحسيمة قيل إنها لوالد زميلة كانت معي تلميذة في الابتدائية .. ضابط قتل في الصحراء قبل شهر .. الله هو الحافظ.
يا للبراءة تتحدث عن حرب في صحراء مفتوحة أدواتها بنادق وبعض المدافع .. سيارات مصفحة .. وهناك في الجانب الأخر صواريخ .. طيران .. أسلحة فتاكة .. العالم مقلوب في الشرق .. آخر مخترعات الغرب والشرق .. العالم يجرب اسلحته فينا .. ملايين تتدفق على ملايين .. آلاف البشر يقتلون آلافا .. مئات الأسرى .. الموت مثل المطر في ساحة الحرب و الحرب مثل الطعام .. أكلات مختلفة بعضها سريع .. والآخر دسم يصعب هضمه .. قابلتها بابتسامة، وقلت وأنا أضع يدي على كتفيها:
– لماذا تحبينني؟
قالت بنقائها المعهود:
– نحن ثلاث أخوات، واحدة هاجرت إلى أوروبا .. والأخرى بقيت في المغرب .. أما الثالثة فتريد أن تهاجر نحو الشرق .. أليس كذلك؟
– تي كيرو
التهبت أحاسيسي، راودني ذلك الهيجان غير أنها تمنعت وفلتت شأنها كل مرة:
– اصبر .. دعنا نفعل ذلك في الحلال.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

يونس علي الحمداني: رحلة بحرية

عِندما نكون في البحرِ السّماءُ أجمل والدُنيا مِرآةٌ عميقةٌ تعكس أسرَار الزرقةِ وزرقة الأسرار.. عِندما …

أصواتٌ … بداخلِ الصَّمت
حسن حصاري / المغرب

كثيرا ما أضِيع … وأنا أفكرُ في الكِتابةِ اليك، وسَط سُطورٍ لمْ أكتُبها بَعد. أدركُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *