حسين سرمك حسن : جواد الحطّاب: أفعى الرائحة المميتة (ملف/7)

إشارة :
ببساطة .. لإحساس عميق وقناعة راسخة لدى أسرة موقع الناقد العراقي بأن الشاعر المبدع “جواد الحطاب” هو “ظاهرة” فذّة في الشعر العراقي المعاصر لا يمكن إلّا الوقوف عندها طويلا وتأملها ودراستها بعمق ، تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن تجربته الإبداعية المهمة ؛ شعرا ونثرا ، متمنية على الأحبّة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.

المقالة : 
مشاهد سرديّة لا تُنسى (3):
جواد الحطّاب: أفعى الرائحة المميتة
_____________________
حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
21/7/2017
كان من بين مشاريعي النقدية المهمة قبل عدّة سنوات هو مشروع “مشاهد سرديّة لا تُنسى” الذي كتبتُ ونشرتُ منه حلقتين كما أتذكر في الصحف والمواقع الإلكترونية على الشابكة (الإنترنت). الهدف من هذا المشروع الذي لفت انتباه بعض الأخوة النقّاد والقرّاء آنذاك نقدي شامل بمعنى استخلاص الدروس الإبداعية والخصائص الفنية الجمالية التي جعلت هذا المشهد عظيما لم يُكتب قبله ولا بعده في مجاله التعبيري وسياقه الفني ومحمولاته الفكرية والنفسية الفريدة من وجهة نظري طبعاً . وخططت لانتقاء مشاهد سردية متنوّ‘ة من الإبداع السردي العراقي والعربي والعالمي.
والمشروع فيه ناحية تدريبية أيضاً ذات شقّين : الأول يتمثل في تدريب ذائقة القارىء على الاستقبال العميق والواعي والمنفعل جمالياً بالمواقف السردية الباهرة واستكشاف المعاني الفنية الكامنة والمستترة والمضامين والصراعات والأواليات والعمليات النفسية الغائرة التي تؤكّد كون المبدعين – حسب الوصف الدقيق لمعلّم فيينا – هم أساتذة علم النفس التلقائيين الذين جعلهم حدسهم الإبداعي وحساسيتهم الإنسانية النفسية العالية يكتشفون الكثير من قوانين النفس البشرية وصراعاتها ودوافعها الملغزة قبل أن يصوغها علماء النفس في صيغة قوانين وقواعد سلوكية رصينة. والثاني يتمثل في تدريب الشباب من كُتّأب السرد القصصي والروائي وحتى السيري على الاشتراطات والخصائص الفنية واللغوية والجمالية التي تجعل المشهد السردي عظيماً وساحراً يتربّع على موقع شاهق على سدّة التاريخ الروائي. من خلال دراسة كل مشهد سردي مُختار والتقاط أسرار صنعته وأبعاده الفنّية والجمالية والنفسية يحصل الكاتب الشاب وهو يضع خطواته الأولى على درب الفن السردي الشائك الشاق على نماذج مثالية من حيث كمالها الفني وبهائها الجمالي وعمقها الفكري والنفسي وشكلها اللغوي (وطبعاً هذا لا يُغني أبداً عن الموهبة والقدرات اللغوية والمعرفة النظرية بأسس الفن الروائي والخزين القرائي الثر من عيون وأمّهات الفن الروائي العربي والعالمي).
تناولت مشاهد روائية فذّة شكلت سبقاً في سياقها وصياغتها التصويرية وتعبيراتها الجمالية وغوصها في أعماق شخوصها وتقديمها ما هو جديد بارع وصادم في عالم الرواية مثل أول مشهد للواقعية السحرية – كما تُسمّى برغم أن الواقع العراقي منذ الثمانينات جعل تعبير الواقعية السحرية بارداً ومُصطنعاً لأن الواقع فيه سبق الخيال – في الرواية العراقية للروائي العراقي الكبير غائب طعمة فرمان من رواية “القربان” وآخر من رواية “العرس الوحشي” للروائي الفرنسي “يان كيفليك”.
وبسبب ظهور انشغالات أهمّ في عملي البحثي والنقدي أجّلت هذا المشروع وها أنا أعود إليه وقتياُ ليس لأن تلك المشروعات التي شغلتني عنه قد انتهت ولمن لأنني ” أتخمت ” بها ومنها ولم أجد ملاذا يشفيني من هذه الحالة المؤذية سوى العودة إلى أحضان الفن العظيم فهو الشىء الوحيد الذي يحفظ حياتنا من الانحطاط ويحفظنا من الإنكسار والجنون.
أواصل مشروعي المهم هذا بمشهد عظيم سطّره الشاعر “جواد الحطّاب” في كتابه “يوميات فندق ابن الهيثم” الذي سألته في لقاء مهم وموسّع أجريته معه كجزء من كتابي عنه لماذا سمّى هذا الكتاب “دفتر حرب” وكم يحمل من خصائص الرواية فقال :
( يوميات فندق ابن الهيثم ؛ هي كتاب يؤرّخني مثلما يؤرّخ المدينة ( البصرة ) وفصوله تمتد على مساحة زمنية تستغرق طوال سنوات الحرب ( العراقية الايرانية ) أي ثماني سنوات ؛ ومساحة جغرافية زمنها العراق كله ؛ من شماله الى جنوبه ؛ ومن شرقه الى غربه ؛ وبالتالي فهي (رواية) حرب ؛ أو ( دفتر حرب ) حقيقي ؛ ودفتر الحرب – وهذا مما يعرفه الجنود – هو السجل اليومي لاحداث القطعة العسكرية ؛ في القتال والإدارة والأوامر الأخرى .. وها ما تجده في الكتاب ؛ وإنْ كان سجلا ( شخصيا ) للناس الذين التقيتهم في الخطوط الأمامية ؛ وفي كمائن الموت ..
مشروعي الروائي ( إذا جازت التسمية ) ابتدأ مع بدايات الحرب مع ايران ؛ وكان اسمها ؛ وكأنه نبوءة ( لن يتوقف الرصاص ) لأنّه فعلا لم يتوقف الرصاص فيما بعد ؛ ونشرتُ منها فصلين في مجلة يرأس تحريرها الناقد الكبير محمد الجزائري ؛ الذي احتفى بها في تقديم ما نشرته المجلة ؛ وثيمتها هي خراب العلاقات الانسانية وتجوهرها في الأزمات ؛ مثلما فيها وحشية تعامل المتقاتلين مع الأسرى ؛ عكس كل القيم والأعراف والتقاليد التي تفرضها الانسانية والدين ..
وتآمرا ؛ على كسلي في إكمالها ؛ سمّيت يوميات ابن الهيثم ( رواية حرب ) تجد تآمري عليها أيضا في الشعر ؛ خصوصا في بعض القصائد التي أعتبرها أنا ؛ روايات كاملة .
المشهد :
دعونا نستمع إلى جواد الحطّاب وهو يصف ، بصدق مؤثّر، اللحظات التي تمدّد فيها على عشب حديقة الحيوانات خلال يوم من أيام إجازته الدوريّة التي جاء فيها من الجبهة ليستريح لأيام وينسى هموم الحرب ولعناتها :
(.. الهدوء السائد في الحديقة يغمرني بالأمان والبراءة ، هنا لا شيء يذكرّك ؛ من الممكن ان تنسى وتغرق وتتوه بعيداً مع البطّ السابح في البحيرة والضجّة الأليفة لاصطفاق أجنحة الحمام وسعادة الطواويس بريشها الزاهي ، وتراكض الغزلان في الأقفاص دون خوف من الصيادين.
أتذكّر أن هذا هو يومي الأوّل في الإجازة الدوريّة ، وعليّ أن آخذ نصيبي كاملاً من الأيام السِتّة المتبقية منها .. عليّ ان أكافح من أجل اجازة لا تقاطعها الذكريات وصداها الذي لا يخلّف في القلب سوى المرارة ،
كم شخصاً يولد فيك بعد المعركة ؟
.. آلَمَتْني افكاري فاستلقيتُ على تلّة مُعشبة ؛ وأرحتُ ظهري على ثيّلها الطري ؛ فوق رأسي سماءٌ نظيفة الزرقة ، وفي استطاعتي أن انام على نفسي الآن دون أي رهبة لصافرات الإنذار ..
حاولت ان اتجاهل عينيّ المُديرة العانس ؛ التي تقود سفرة الأطفال المدرسية .. اردتها ان تبتعد قبل أن يقع ما أخافه ، ما صلّيت مراراً لله طوال الطريق الشاسع بين الفاو وبغداد من أجل ان لا يحدث .. لكنني كنت مثل من بَتَرَتْ يديه قذيفة ويحاول أن يرتقي حائطا من المرمر.
وفجأة انهار كل شيء ؛ ربّما مرّت بأحدكم هذه الحالة؛ ان ترافقه رائحة ما ؛ نفنالين ، نفط ، عطر، بانزين ، حريق .. وتظلّ معه ؛ تعود اليه حتى بعد زوال أسبابها ؛ بالنسبة لي كانت رائحة المعركة ملء خشمي ؛ الجثث المُحترقة ؛ الإطارات المشتعلة ، الحديد الساخن ، الانّات ، النظرات الزجاجية الساكنة ، الانتفاضة الأخيرة للأجساد ، لا أريد أن أثير شفقتكم إذا قلتُ بأن نصف راتبي كان نذوراً للأولياء الصالحين من أجل أنْ لا أشمّ هذه الرائحة ؛ في أيام الإجازة على الاقلّ ؛ أما هناك في الجبهة فليس مهمّا وجودها او عدمه ؛
فهناك ” المنشأ”..
انها تنبع من .. لا أدري .. من حجاب فصيل .. من ساتر سريّة .. من مقرّ فوج .. هذه الرائحة الملعونة التي ما زالت تحاصرني منذ أولّ معركة في مرتفعات ” زين القوس ” منذ أولّ موضع حفَرْتُه في الظلام ، ثم اصطدمت~ يدي بجمجمة إنسان : كان قبراً !!ً.
كانت القنابل تحرث المنطقة ولا مجال لحفر موضعٍ آخر فاضطررت الى البقاء مع الجثة حتى الصباح ، منذ تلك اللحظة ابتدأتْ والى الآن : الرائحة .. الرائحة .. لم يعد بأمكاني أن ألعب مع اطفال السفرة المدرسية في حديقة الحيوانات ..)
وهذه واحدة من بين أهم عطايا الأفعى الجديدة ؛ عطيّة يسمّيها فلاسفة علم النفس المستريحون (عقبى الشدائد الفاجعة(Stress disorder posttraumatic ، وياله من اسم شاعري ، عقبى الشدائد الفاجعة ..
لكنه سمّ الأفعى الذي يميت ببطء ، قد يصل احتضار المقاتل المُصاب بلدغتها الى أربعين عاماً – كما حصل لمقاتلي فيتنام والحرب العالمية الثانية– وليس له ترياق ناجز وشاف ؛ الى الآن هناك مجموعات منهم تجفل وتفزّ حين تسمع صوت انصفاق باب أو تكسّر قدح او زعقة فرامل أو حتى (انفجار) سدّادة قنينة مشروبات غازيّة أو إطار سيّارة !!
صديق شاعر ، معروف ، قاتل في مرتفعات جبليّة لسنوات ؛ بات يختنق الان عندما يصعد السلّم الى شقته ويحمله أولاده ؟!!
بعد (40) عاماً ظهر ان الكثيرين من مقاتلي الحرب العالمية الثانية يعانون من كوابيس ليلية ترتبط بسنوات اسرهم لدى الجانب المعادي .
اتذكّر ان اسير حرب عراقي من كركوك عاد الى وطنه بعد أكثر من ( 12) عاما من الأسر؛ احتفى الأهل بقدومه واقاموا مأدبة لأهالي القرية ؛ انهى الأسير طعامه فرحاً، وقام ليغسل يديه ؛ قبل قيامه أخذ نصف رغيف، طواه بعناية، ووضعه في جيبه ؛
تشكو إحدى الزوجات من انّ زوجها المحارب العائد من الأسر يواقعها ثم يترك السرير لينام على الارض.. وآخر يدخل المرافق الصحّية ويترك الباب مفتوحاً. وفي الولايات المتحدة الأمريكية حين تحصل جريمة قتل في أحد الأحياء يكون الاحتمال الثاني أن يكون القاتل من مقاتلي حرب فيتنام السابقين.
جواد الحطّاب ليس اختصاصيا بعلم النفس أو الطب النفسي لكنه خبير أكثر منهم بأوجاع النفس البشرية ومظالمها وخيباتها وسهولة انجراحها بخلاف ما تُظهره من تنفّج ومكابرة.
تلك الليلة التي قضاها الحطّاب مع جمجمة الجندي سوف تلاحقه مدى الحياة ، وهذا للأسف الخراب الذي لا تلتفت إليه الحكومات وهي ترسل إبناءنا إلى جبهات القتال وتعتقد أن تعليق النياشين على صدورهم يشفي أرواحهم الممزقة.
من شاهد منكم فيلم “صائد الغزلان” الرائع الذي يختار فيه أحد المقاتلين الذين عاشوا جحيم الأسر وإجراء لعبة “الروليت الروسية” عليه وعلى رفاقه ، البقاء في بلدة فيتنامية يلعب فيها كل ليلة لعبة الروليت المميتة هذه. وحين يأتي صديقه باحثا عنه يرفض العودة. إن مكانه الطبيعي هناك حيث رفقة الموت والخراب بعد أن تأكّد تماما أن الحياة كذبة.
وفي فيلم “العودة” يهرب مجموعة أسرى من معسكرات الاعتقال الروسية في سيبيريا – وهي قصة حقيقية – ويتجهون نحو منغوليا ثم يصلون الهند . في منتصف الطريق يقرّر أحدهم العودة فينصعق رفاقه. فيقول لهم : “أمضيت سنوات طويلة في المعتقل. الآن . لا أعرف ماذا أفعل بالحرّية”.
والجنود الذين عايشوا الجثث والموت و”قتلوا” و “انقتلوا” لن يعودوا أصحاء يتجولون فرحين في حدائق الحيوان أبداً. إنّهم يشبهون شخص تلك الحكاية الخرافية الذي يدخل مغارة محرّمة ثم يخرج مخروساً لا يتكلّم ابداً ولا يستطيع وصف ما شاهده، ولا قدرة لديه على التفاهم مع من تركهم قبل قليل. يشكو جنود الحرب من أن لا أحد يفهمهم ولا يعرف “لغتهم” من المديرة العانس إلى أقرب الناس لديهم. يفقدون “القدرة على الحياة” ولن يستطيعوا حتى مجاملة الأطفال بصورة عابرة في حديقة حيوان. ستتبعهم تلك الرائحة التي لا تُعرّف حتى وهم في اسرة نومهم مع زوجاتهم أو قرب أحضان أمهاتهم. الرائحة .. الرائحة .. الرائحة.
تلك الرائحة تعلق بالروح والوجدان والعقل والذاكرة وتنفلت لتذكّرك كل مرة تحاول فيها الإسترخاء وترى علامات الحياة الباذخة من خلال الأطفال، تذكّرك بأن الموت هو الحي الذي لا يموت.
وهذا المبدع المحارب المُعذّب يذكّرنا بأنكم حين تتقاتلون لا تذهبون إلى نزهة وأن هناك شيئا سيعلق بأرواحكم بصورة أوثق وأقوى من النياشين التي تعلق بصدوركم هو : رائحة الموت.
وكلمات جواد الحطّاب تؤثر فينا بدرجة أعظم من كلمات أي عالم نفس أو رجل سياسة. كلماته “تصوّر” لنا تفاهتنا وكيف يُمكن أن نّدفن في الأرض الحرام بلا علم أمّ أو حبيبة وستنتظران دهرا ، وكيف سيأتي شخص مُحاصر وحيد لينبش تربتنا وتصطدم اصابعه بجمجمتنا الصلعاء وكيف سيقضي ليلة معنا بدون علمنا ولا موافقتنا وبلا قداسة وحُرمة كاذبة ملأت عقولنا بها الأديان. هذه هي الحقيقة : نحن عبارة عن رائحة موت عطنة .. جيفة . هذه هي النهاية التي نهرب منها مثل “من بترت يديه قذيفة ويحاول تسلّق حائط من المرمر” ، والتي حاول جلجامش مستميتا أن يفرّ منها ففشل بعد أن خدع نفسه بالأفعى. نهاية المهزلة يضعها جواد الحطّاب الكبير أمام أعيننا بقدرته الشعرية السرديّة الفذّة سوداء فاقعة ولكنه يختلف عن كل المبدعين السابقين الذين صوروها بأن ملأ خياشيم أنفسنا برائحتها التي لا تُعرّف. الأفعى اليوم هي رائحة الموت في جبهات القتال. كان الموت مُقدّراً من الله فصار مُصنّعاً من الإنسان وله رائحة تلاحقك حتى وأنت ممدّد على تلّة مُعشبة في حديقة الحيوان بالملابس المدنية. رائحة تذكّرك بأن المديرة العانس قد”شمّتك” وخافت على أطفال سفرتها منك لأنك إنّما خدعت نفسك حين جئت في أول يوم إجازتك إلى حديقة الحيوان بملابسك المدنية . كلّا . الكل يعرفك ويشاهدك بملابسك العسكرية ورائحة اصابعك التي حفرت تحت الجمجمة الصلعاء. الرائحة التي يهرب منها الجميع لحقْتَهم بها حتى حديقة الحيوان وها هم يخافون على أطفالهم منك.
تحية للإنسان الكبير والمبدع الفذّ “جواد الحطّاب”.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *