حسين سرمك حسن : قارب الموت والظمأ العظيم تحليل طبي نفسي ونقد أدبي لقصص مجموعة “أوان الرحيل” للدكتور علي القاسمي (19) (الفصل الأخير/القسم الأول)

حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة – أواخر 2014

(19)
(لقاء مع المبدع القاص د. علي القاسمي)
س 1 ) قلتَ في مقدّمة أعمالك القصصية الكاملة : (إنّ منْ يقرأ هذه القَصَص لكي يستخلص منها جوانب من سيرتي ، سيُصاب بخيبة أمل ، ومن يقرأها بوصفها من نسج الخيال ، سيفوته الشيء الكثير من الحقيقة ، لأنّ الفنّ عموماً ، والأدب على وجه الخصوص ، ينطلق من أرض الواقع ليحلّق في سماوات الخيال) . لكن من يقرأ قصصك لن يُصاب بخيبة الأمل لأنه يستطيع العثور على الكثير من جوانب سيرتك فيها ؟ وهل يستطيع الفن تمويه الجذر الواقعي السيري ؟ ثمّ هل معنى رأيك هذا أنّ فعل الخيال كفيل بموت “المؤلّف” حسب الأطروحات البنيوية المعروفة ؟ َ
ج 1) أتفق معك تماماً، فما قلتُه في المقدمة يعني أن قصصي تشتمل على الواقعي كما تشتمل على الخيالي. وأنا لا أقول بموت المؤلّف، لأني أحسب أن الأدب القصصي هو في جوهره عملية تواصلية، عناصرها: الكاتب ( المُرسل)، والقارئ ( المتلقي)، والقصة (الرسالة)، والكتاب أو النص الإلكتروني ( قناة الاتصال)، واللغة وتقنيات الأسلوب (شفرة الاتصال وقواعدها). وأود أن أضيف عنصراً سادساً لم تذكره نظرية الاتصال المتداولة، وهذا العنصر هو : الناقد (الخبير بتفسير الشفرة وتأويلها) الذي يُلقي مزيداً من الضوء الكاشف على الرسالة فيزيد من استيعاب القارئ لها واستمتاعه بها. ومَن يقول بموت المؤلّف كمن يقول بموت القارئ أو بموت أي عنصر آخر من عناصر العملية التواصلية/ الأدبية. فجميع عناصرها متعالقة ومهمة، وتتحقق غاية النص الأدبي بالتفاعل المنتج بين هذه العناصر جميعاً.
س 2 ) من مجموع (77) سبع وسبعين قصّة قصيرة ضمّتها أعمالك القصصية الكاملة هذه ، هناك (36) ست وثلاثون قصة تتكوّن عناوينها من كلمة واحدة ، و (35) خمس وثلاثون قصة تتكوّن عناوينها من كلمتين اثنتين ، أوّلاً هل تؤمن بأطروحة أن “العنوان ثريّا النصّ” ؟ وهل يعزّز تكثيف العنوان هذا الدور أم يضعفه ؟
ج 2) يقول الروائي الناقد المغربي، صديقي محمد عز الدين التازي، في روايته ” الحديقة الأندلسية”: ” أنتَ تتحدث عن مشكلتي مع عناوين رواياتي. إبداع العنوان ليس أسهل من إبداع الرواية نفسها.”، ولعل العنوان أهم عتبات النص الأدبي، لما يضطلع به من وظائف تشويقية وتواصلية وتفسيرية وتميزية وتلخيصية. حتى إن أحد نقاد السرد البارزين، الصديق الدكتور عبد المالك أشهبون، أفرد له كتاباً كاملاً، ” العنوان في الرواية العربية” (2011). وفي الحقيقة الحقيقية، أنا لا أُتعب نفسي في البحث عن عنوان معبّر، فأحياناً أضع أول عنوان يرد على بالي قبل كتابة القصة التي تبلورت في ذهني، وأحيانا أضع العنوان بعد كتابة القصة، كما حصل في عنوان قصة ” أصابع جدي” الذي حوّلتُه في طبعة أخرى للمجموعة إلى ” ليلة وفاة وجدي”، ربما بتأثير عنوان الفيلم المصري ” ليلة القبض على فاطمة” . وكما تفضلتَ فإن عناويني قصيرة، ربما لأنني لا أريد أن أكشف جميع أوراقي من البداية، على حد تعبير المقامرين، وكتابة القصة مقامرة ومغامرة، خاصة عندما تأخذ القصة في كتابة نفسها، وتأخذك معها إلى غير الوجهة التي نويتها، مع العلم أن عناوين الأعمال الأدبية التقليدية، تتألف من كلمة أو كلمتين: “هملت”، ” مدام بوفاري” ، مرتفعات وذرنك.” ” الجريمة والعقاب” ( وأنا أعد العنوانين الثاني والثالث هنا كلمة واحدة لأنه اسم علم واحد، مثل هملت).
س 3 ) ميلك هذا إلى التكثيف جعل غالبيّة قصصك لا تزيد على 4000 كلمة ، في حين أنّ الاتجاه النقدي الحديث يصل بالقصة القصيرة إلى 20000 كلمة . ألم يؤثر هذا الميل على موضوعة توصيل أفكارك إلى القارىء ؟ هناك قصص لديك كان بالإمكان إطالتها لتحقيق المزيد من التأثير والتماسك مثل قصّة “الحمامة” و “المشاكسة” و”الرحيل” ؟
ج 3) في قصصي الأولى، كنتُ أركز على حدث واحد ينمو نمواً تصاعدياً إلى نهاية القصة وعندما تنتهي لا أجد لدي ما أضيفه. وفعلاً أخبرني بعض الأصدقاء أن في وسعي أن أوسّع بعض قصصي لتصبح روايات. ولكن لا أجد ميلاً في نفسي للعودة إلى قصة انتهيتُ منها. وعندما أخذت أعدّ طبعة مزيدة منقحة من كتابي ” مرافئ على الشاطي الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة” درستُ أفضل قصص وليم فورد لأختار منها قصة أترجمها، فلاحظتُ أن قصصه طويلة، وكان يحقق ذلك باستخدام تقنيات سردية يمكن وصفها بتشعّب الأحداث الثانوية داخل الحدث الرئيس مع بقاء عدد الشخوص في الحد الأدنى. وتأثراً به كتبتُ ثلاث قصص طويلة أضفتها في آخر كتابي ” الأعمال القصصية الكاملة” هي: الجريمة الكاملة، الحب في أوسلو، واللغز. وأتفق معك في أن ميلي إلى التكثيف جعل بعض القراء لا يستوعب بعض جوانب القصة، كما أستشفُّ من تعليقات بعض القراء على قصتي ” الرحيل” المنشورة في عدد من المواقع على الشابكة (الإنترنت).
س 4) يصف بعض النقّاد فنّ القصة القصيرة بأنّه “فنّ الفرد المأزوم” ، إلى أي حد تعتقد أنّ هذا المفهوم كان مفيداً في التعبير عن أزمات شخصياتك القصصية ؟
ج4) أحسب أن هذا الوصف قريب من الحقيقة. فالفنان شاعراً كان أو رساماً يكون في حالة توتر تعقبها لحظة اتقاد، لينطلق إبداعه. لأروي، مثلاً، كيف كتبتُ قصة ” النهاية” الموجودة في آخر هذه المجموعة القصصية: كنتُ في مكتبتي عندما حوّلت لي الكاتبة في الصباح الباكر مهاتفة من سيدة تعمل حارسة في عمارة سكنية. أخبرتني هذه السيدة أن أحد السكان كان يعمل معنا قبل مدة طويلة ثم تقاعد وهو يعيش بمفرده وحيداً بلا أهل، قد توفي الليلة الماضية، وسألتني ما إذا كنا نعتزم دفنه. فأخذت بعض الموظفين وعملنا الإجراءات الإدارية للدفن، وذهبنا بجثمانه إلى المسجد فالمقبرة، وعدت في المساء منهكاً حزيناً. وشعرتُ برغبة حادة في كتابة القصة، فكتبتها بسرعة وأويت إلى فراشي. وفي اليوم التالي رجعت إلى القصة لإجراء التعديلات والتحسينات اللازمة عليها، فتبيَّن لي أنني لا أستطيع أن أغيّر شيئاً فيها. وكانت هذه القصة من القوة بحيث أنني عندما نشرتها، اتصلت بي الشاعرة المغربية المناضلة الدكتورة مليكة العاصمي ( ولم أكن أعرفها شخصيا، ولكننا نقرأ لبعضنا) لتسألني عن أحوالي وتعرض عليَّ مساعدتها المادية، كما فعل مثل فعلها مثقفون مغاربة آخرون بدافع الشهامة والكرم المغربيين. الجواب على سؤالك: نعم أكتب القصة القصيرة عندما يستبد بي الحزن أو الألم، فتتوهج القصة بحرارة التجربة الإنسانية.
س 5 ) أعلنت الفسلفة المادّية الغربيّة التسووية (تسوية الإنسان مع الطبيعة كجزء وليس كثغرة مقدّسة) عن موت الإنسان ، وانعكس هذا الموقف على الأدب والفن ، وانتقلت سمومه إلينا .. وأنت ملتزم بهموم الإنسان العربي تحديداً في أغلب قصصك ، وصار هذا الالتزام يُصنّف على النزعة “الكلاسيكية” في الأدب . هل يمّثل لك هذا الالتزام “الكلاسيكي” قيداً على نزوعك التجديدي ؟ وهل صار يمثّل عامل إحراج في وجه الهجمة الحداثوية ؟
ج 5) عندما كنتُ صغيراً علمني والدي أن الأدب الجيد يدور حول ثلاثة موضوعات: الحياة، والحب، والموت. وأحسب أن هذه الموضوعات هي موضوعات الأدب منذ ” ملحمة جلجامش ” حتى اليوم. والحداثة الموجودة في كل عصر، قديماً وحديثاً، لا تجدِّد في موضوعات الأدب، بل في طرائق تناوله وعرضه، أي في الأساليب. وجميع المدارس الفنية أو الأدبية تتعلق بالأسلوب. فالفنان يرسم الموضوعات ذاتها منذ عصر ذلك النحات الرسام الذي زيّن جدران بابل ونينوى حتى مدرسة بغداد للفن الحديث ونصب جواد سليم في بغداد. ولكن التحديث أصاب الأساليب والأدوات. فموضوعاتي قد تكون كلاسيكية، ولكن تقنياتي السردية في معظمها حداثية، بفضل مزاولتي تدريس المناهج الأدبية وترجمتي لبعض روائع الأدب العالمي.

س 6 ) وارتباطاً بموضوعة “الكلاسيكيّة” أو الواقعيّة التي تُحسب عليها نصوصك القصصية ، يخشى النقّأد من مسألتين : المباشرة ، وضعف الجانب الجمالي خصوصاً جماليات اللغة الشعرية ، كيف تعاملت مع هذين الجانبين في نصوصك ؟
ج 6) في حقيقة الأمر قد أسقط في المباشرة أحياناً بسبب حرصي على إبلاغ رسالة الكاتب بوصفه شاهداً على عصره إلى القارئ. قد تتسرب إلى قصصي بعض الخطابات الفوقية البعيدة عن السرد، على الرغم من محاولتي اليقظة للتخلص منها. ولكن سردي في أغلبه يشتمل على جماليات اللغة الشعرية، فأنا ابن الرافدين حيث ترعرع الشعر وازدهر. وكل من قرأ كتبي حتى النقدية منها يلمس الشعرية فيها، كما ألمس الشعرية في كتاباتك. عندما صدرت الطبعة الأولى لكتابي ” العراق في القلب: درسات في حضارة العراق” كتب الشاعر الكبير فاروق شوشة مقالتين عنه في جريدة الأهرام القاهرية، قال في إحداهما عن أسلوبي: ” هو في حقيقته قصيدة ذائبة في ثنايا نثره الأدبي الجميل، مغموسة بروحه المتوهجة، وعاطفته الجياشة، وشجنه الآسر؛ في سطور تذكّرنا بتجليات السياب، ووثبات البياتي، وسبحات نازك، وإفضاءات بُلند…” وأنا أعتز بشهادته.

س 7 ) جعل هيدجر العقل سجيناً للغة ، ثم جاء فوكو ليجعله سجيناً للمفردة ، وتقديس اللغة يرتبط بموضوعة الشكل بقوّة ، كيف تنظر إلى علاقة الشكل بالمضمون وفق هذه المعطيات الحداثوية ؟
ج 7) أتفق مع هيدجر وفوكو في ذلك إذ إن العقل هو مكمن التفكير، ولا يمكن لأفكارنا الانتقال إلى الآخرين ما لم تحملها اللغة على أجنحتها الذهبية، بل أذهب إلى أبعد من ذلك، فأعدّ اللغة الوجه الناطق للفكر في قطعة نقد واحدة. إن المشكلة التي أثرتَها هنا، وأعني بها علاقة الشكل بالمضمون، أو الإسلوب والمحتوى هي لبُّ العمل الأدبي، وناقشها كثير من الأدباء والنقاد في تراثنا الأدبي واختلفت آراؤهم فيها، وأنا ممن يرون ضرورة، مصاقبة اللفظ للمعنى بحيث يتجلّى بهاء اللفظ وسناء المعنى في النص الأدبي. واللفظ هنا لا يعني المفردة فقط وإنما يشمل تركيب العبارة أو بنيتها كذلك. أو كما قال الجاحظ في “البيان والتبيُّن”: ” من حق المعنى أن يكون الاسم له طبقاً، وتلك الحال له وقفاً، ويكون الاسم له لا فاضلاً ولا مفضولاً.” والمقصود بالمعنى هنا المضمون وبالاسم اللغة والأسلوب اللذين يعبّران عن المضمون. ولا أشايع أبا حيان التوحيدي الذي قال ذات مرة في ” المقابسات”: ” إذا استقام لك عمود المعنى في النفس، فلا تكترث ببعض التقصير في اللفظ.” مع العلم أن أبا حيان من أرباب الأساليب الفذة.

س 8 ) في مجموعتك “أوان الرحيل” وصفتَ نصّين من نصوصهما بـ “ما يُشبه القصّة” وهما “البحث عن قبر البياتي” و”هل تداوي الكتابةُ الطفولةَ الجريحة ؟” . ما هي المبررات لهذا الوصف في الوقت الذي يتوفّر فيه النصّان على العرض والحدث والتصعيد الدرامي وغيرها من اشتراطات فن القصة القصيرة ؟
ج 8) اجتمع لهذين النصين خصائص القصة القصيرة وخصائص المقالة معاً في نظري. ولهذا لا أعدّهما قصتين خالصتين. ولكن الناقد الكبير الدكتور سعيد يقطين في تقديمه لطبعة ” أوان الرحيل” المغربية، عدّهما قصتين. وأنتَ تعلم أن النصوص الأدبية ليست كالمعادلات الرياضية في دقتها الحسابية، إذ إن المعايير تتفاوت من كاتب إلى آخر.
س 9 ) في قصّة “جزيرة الرشاقة” يبدو أنّك تبشّر بنوع جديد من “انهيار الحضارة الغربيّة ” ، في صورة لعنة تنطلق من “معجزة الطعام” كما أسميتها ، هل ترى لذلك بوادر انعكاسات على الأدب الغربي ؟
ج 9) أنا لا أبشر بانهيار الحضارة الغربية، بل إن فلاسفة أمريكا واقتصاديوها ومؤرخوها ينشرون الكتب تباعاً منذ سنوات حول سقوط دولتها وانحطاط حضارتها، معللين ذلك بالانهيار الاقتصادي والانكسار العسكري والتدني الأخلاقي. وأنتَ تعلم أن القرآن الكريم ذكر بزوغ حضارات سابقة وأفولها وبيَّن أسباب ذلك، وأن ابن خلدون أوضح في تاريخه ” العبر” ومقدمته، العوامل التي تتحكم في قيام الدول وسقوطها. وفي قصتي ” جزيرة الرشاقة” عزوت انهيار حضارة تلك الجزيرة لخلل في منظومة القيم. ولكن الحضارة الغربية وآدابها ما زالت في موقع القوة. والانحطاط يستغرق زمناً طويلاً عادة.

س 10 ) وفي هذه القصّة وقصص أخرى مثل “الغزالة” و”المدينة الشبح” ونهايات قصص “الظمأ” و”الساعة” و”النهاية” وغيرها ، تسود أجواء غرائبيّة تخالف المذهب الواقعي عادة ، كيف تنظر إلى هذه المُزاوجة ؟ وإلى أيّ حدّ تساهم في حداثة نصّك الواقعي ؟ وهل هناك ضوابط تضعها لكي لا تنفلت القصّة من يديك ؟
ج 10) في واقع الأمر، عندما أكون في حالة المخاض بالقصة، لا أفكر في المذهب السردي التي ستنتمي إليه تلك القصة ، سواء الواقعي أو الغرائبي أو الحداثي، ولا يعنيني ما سيقوله النقاذ الكرام عنها، بل كل ما يهمني هو وضعها على الورق كما يمور بها وجداني، وتضطرب بها نفسي، ويراه خيالي، لأشعر بالخلاص والارتياح بعد ذلك. لا أستبعد أن بعض قصصي قد تأثرت بنوع السرد الذي كنتُ أقرأه أو أترجمه في الفترة التي كتبتُ فيها تلك القصص. وهذا يُذكرني، بالكتاب السنوي ” أحسن القصص الأمريكية The Best American Short Stories” فبعد كل قصة مختارة، يذكر كاتبها كيف تأتى له كتابة تلك القصة، كما يذكر أحياناً ما الذي كان يقرأه حينما كتب تلك القصة.
س 11 ) في الكثير من قصص هذه المجموعة “أوان الرحيل” يلاحظ الناقد المُدقّق نوعاً من “الربكة” الوصفيّة واللغويّة تعكس تشوّش الراوي – ومن ورائه أنتَ طبعاً – بسبب قلق الموت الذي يلتهب في داخله . في قصة “الكومة” مثلاً لاحظ معي هذه الصياغة : (لاحت له كومة .. ليمعن النظر في الكومة .. حسبها مجرّد كومة !!) (وعلامات التعجّب منّي) ..
ج 11) قد تكون هذه “الربكة” بسبب القلق، وقد تكون مقصودة. في حالة قصة ” الكومة”، القصة واقعية وقد جرت لي وأنا أجري في حديقة ” البحث الزراعي” التي يطل عليها منزلي في حي أكدال بالرباط. والارتباك ناتج من عدة أسباب مثل الظلمة، والبرد الشديد، وضغط الوقت، لأنه كان عليّ أن أعود بسرعة الى المنزل لأستحم واتناول الفطور لألتحق بعملي في الوقت المحدد.
س 12 ) وارتباطاً بهذه القصة وغيرها مثل قصّة “النجدة” ، نجدك دائماً تجرّح الضمير الإنساني (أنانا العُليا) . وفعلاً ، ما الذي حصل لضمير الرجل الركّاض في الكومة بحيث لم يفكّر إلّا بوضع النقود في يد العجوز الميّتة ؟
ج 12) ماذا تريده أن يفعل غير ذلك؟ في بلداننا العربية المتسولون كثيرون، لأن الأنظمة لا تقوم بواجباتها في تدبير الشأن العام، كل همها حماية نفسها بالأمن والجيش ، أما حقوق المواطنين التعليمية والصحية والاقتصادية فهي آخر ما تفكر به. فلو كان هنالك تعويض بطالة وتعويض عجز وغيره لما تكاثر الذين يعيشون تحت خط الفقر. ولما ازدادت الاضطرابات الاجتماعية. وهذا ما لخّصه أبو العلاء المعري في بيتٍ واحد:
ظلموا الرعيةَ، واستجازوا كيدها فَعَدَوا مصالحها وهم أُجراؤها
والمثقف يجد نفسه في موقف مؤلم: إما أن يعبر عن رأيه فينتهي به الأمر في السجن أو المنفى، وإما أن يسكت أو ينافق فينكسر من الداخل.

س 13 ) المشهد الأخير في قصّة “النجدة” ، وبدرجة أقلّ في “المُشاكسة” ، وكذلك فكرة “جزيرة الرشاقة” و “الحمامة” .. هل تبغي منها القول إنّ هناك تعريفاً آخر للإنسان هو إنّ “الإنسان حيوان شرير” ؟
ج 13) أنت أدرى مني بالجواب، لأنك طبيب نفسي. فطبيعة النفس البشرية خليط من الخير والشر، أو بالأحرى من الشر والخير ﴿ ونفس وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها﴾. أو كما قال المتنبي:
والظلمُ من شيمِ النفوسِ فإنْ تجدْ ذا عفةٍ، فَلِعلّةٍ لا يظلمُ
﴿ وما أُبرئُ نفسي إن النفس لأمّارةٌ بالسوء﴾
س 14 ) في قصّة “الكلب ليبر يموت” نبدأ بمقارنة بين موقف ثقافتين من الكلب ، ثم ننتهي باستدرار عطف القارىء على المدام صاحبة الكلب الوحيدة ، واختفاء سمير نهائيا من ساحة القصّة . هل تعتقد أنّ على الأديب أن يركّز على الحالات “الفرديّة” ويأخذ هموم وانشغالات الإنسان كفرد بغضّ النظر عن المجتمع والثقافة والتاريخ ؟ لأوضح أكثر أقول : إنّ المدام المقهورة على الكلب هي من مجتمع كان يحرق الجزائريين أحياء .. وشرطته كانت تربط أيديهم إلى الخلف وترميهم في نهر السين في عهد الجنرال ديغول الذي نتغنى بمواقفه . هل هناك مسؤولية على الأديب تجاه التاريخ أم أنّ خياله ينشط خارج إطاره ؟
ج 14) أتفق معك على كون الأديب شاهداً على عصره. وقد اضطلع الأدب العربي الحديث بهذا الدور. ولو نظرت في الشعر العربي عموماً والشعر العراقي خصوصاً لوجدتً كماً هائلاً من القصائد التي تغنّت بالثورة الجزائرية وفضحت جرائم المستعمرين الفرنسيين. وقد قام صديقي الدكتور عثمان سعدي، عندما كان سفيراً للجزائر في بغداد، بجمع الشعر العراقي الذي عضد الثوار الجزائريين وفضح الجرائم الإنسانية التي اقترفها الفرنسيون، ونشره في كتاب يقع في مجلدين كبيرين بعنوان ” الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ” ، وفيه تجد جميع الشعراء العراقيين كبيرهم وصغيرهم: كالجواهري وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة والبياتي وسعدي يوسف وغيرهم كثير.
بيد أن قصتي ” الكلب ليبر يموت” تفضح جانباً آخر من الحضارة الغربية، لا يتمثل بالاستعمار الذي يقتل الشعوب للاستئثار بخيراتها، بل ينصبّ على الأساس الفلسفي الذي تقوم عليه تلك الحضارة، والمتمثل بطغيان المادية فيها على الروحية والوجدانية، بحيث تتصحر العواطف البشرية وتتلاشى العلاقات الإنسانية، ويعاني فيها الإنسان الوحدة والعزلة، فتعيش في باريس أكثر من مليوني امرأة وحيدة مقهورة، فتضطر إلى معاشرة الكلاب، والعيش معها، واتخاذها أليفاً. والقصة القصيرة، ليست كالرواية ولا كالدراسة الاجتماعية الإحصائية، فهي تركز على حالة فردية وتريد بها ظاهرة اجتماعية. فمعاناة المدام ديبون هي معاناة لملايين النساء في فرنسا بسبب طيغان الروح المادية على الحضارة الغربية. وهذه الروح المادية هي إحدى دوافع الاستعمار الغربي وقتل الشعوب.

س 15 ) في قصّة ” الساعة ” كنتُ أتوقّع أن يكون العنوان الأدق هو “الساعات” أو “ساعات” ما دام الراوي يتحدّث عن شخص يتعامل في منزله وحياته مع عشرات الساعات من مختلف الأنواع . لم تكن هناك ساعة واحدة محدّدة ومميّزة تدور حولها القصّة . هل كنتَ تريد الإيحاء بـ “الساعة” الأخرى الكبرى الرهيبة الصاخّة ؟
ج 15) حدسك أصاب الهدف كالعادة. فكلمة ” الساعة ” في اللغة العربية مشترك لفظي متعدد الدلالات، يفيد الوقت، ومقدار ستين دقيقة، ويوم القيامة، وأداة قياس الوقت، وغير ذلك. واستعمال هذا المشترك اللفظي (الساعة) عنواناً للقصة، يطلق عنان التأويل لدي القارئ ويضاعف متعة التلقي.
س 16 ) الميل إلى “الشرح” الإضافي في نهايات بعض القصص مثل “المشاكسة” و”الخوف” ، أضعف وقع المفاجأة فيها ، ويشعر القارىء المُحلّل وكأنّك تحسّ بالذنب إذا تركت القارىء “يحتار” بعض الشىء ويتعب في إكمال النهاية ؟ هل تتفق معي في ذلك ؟
ج 16) في قصة “المشاكسة”، النهاية على الوجه التالي: ” تصلُ سيّارةٌ مسرعة، تدهسها وسط الشارع. تسقط فاطمة أرضاً مضرّجةً بدمائها. أمّا هو فيواصل سيره من غير أن يلتفت. ”
فلا يوجد أي شرح هناك . والمقصود من الجملتين الأخيرتين تصوير مدى قسوة المشاكس وخسّته وخبثه ، لأنه هو بطل القصة وليست الصبية المسكينة الضحية، والقصة تهدف إلى نقد ظاهرة ” المشاكسة”.
أما في قصة ” الخوف” ، فثمة شيء من الشرح، كنتُ أمل منه تأكيد حقيقة أن السكوت عن الجريمة هو جريمة بحد ذاته. ولعلك على صواب في ملاحظتك النقدية.

س 17 ) يمكنني القول إنّ قصتي “القارب” و “الخوف” الرائعتين هما من نمط “القصّة الكاملة” ، وهما مع قصّة “الظمأ” – من وجهة نظري – أفضل قصص المجموعة وأرفعها فنّياً ، ما هي الظروف والشروط والحالات العقلية والنفسية التي تجعل الكاتب يكتب قصّة هائلة فائقة الجودة مثل هاتين ؟ وهل لقصّة “الخوف” جذر واقعي تكفّل به الخيال كما أطّرت عمل القاص في المٌقدّمة ؟
ج 18) طبعاً أنا أطمئن إلى حكمك على جودة هذه القصص الثلاث، بوصفك ناقداً متميزاً محنكاً. وأفتخر بكلماتك الكريمة. ولكني من تجربتي الخاصة، أجد أن القراء يتباينون في أحكامهم. وكما تعلم، فإن مجموعة ” أوان الرحيل” تُدرَّس في كثير من المدارس المغربية. وأحياناً أتلقى دعوات من بعض مديري هذه المدارس للالتقاء بالطلاب والإجابة على أسئلتهم، وأستجيب لهذه الدعوات. وذات مرة قمتُ بتجربة، إذ طلبتُ من 150 تلميذاً وتلميذة تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والثامنة عشرة ، أن يكتب كل واحد منهم عنوان القصة التي أثرت في نفسه أكثر من غيرها من القصص، وجمعت الأوراق. وفي منزلي قمت بوضع الإجابات في جدول، فتبين لي أن القصة المفضلة تختلف من طالب إلى آخر، وأن جميع القصص لاقت استحساناً من طالب أو آخر، ولا توجد فروق يُعتد بها إحصائياً. ويبدو لي أن متعة التلقي تعتمد على خبرة المتلقي السابقة وظروفه الحياتية وعاداته القرائية.

س 18 ) في الفقرة الثانية من قصّة “القارب” ، وفي استهلال قصّة “المدينة الشبح” ، هناك وصف للقارب تحت تحوّلات الضوء وبطنه الأبيض .. إلخ ، ووصف لكثبان الرمل الصفر التي تعفّر وجنة الشمس .. قدرة تشكيليّة حقيقيّة .. من اين أتيت بها .. وكم خدمتك في عملك السردي ؟
ج 18) أنا متذوق للفنون التشكيلية ولست محترفاً لها. وينبغي أن يتمتع الكاتب بثقافة واسعة ليستطيع مزاولة الكتابة.
س 19 ) جاءت استعانتك بقصّة “الورقة الأخيرة” للكاتب الأمريكي “أو هنري” ضمن إطار اللعبة الماوراء سرديّة (الميتافكشن) ، عزّزت لحمة قصّتك “القارب” بدرجة كبيرة ، قرأتُها أنا بالإنكليزية فوجدتُ أنّ بعض حقائق القصّة قد تغيّرت بما يخدم قصّتك . لكن ألا تعتقد أنّ المقارنة الدقيقة كان يجب أن تجري بين الرسّام خالد في قصّتك والرسّام “برمان” في قصّة أو هنري ، لأنّ التشابه بين خالد والفتاة “جونسي” كان ظاهريّاً فقط ؟
ج 19) لقد استخدمتُ هذه التقنية، قصة داخل قصة، في عدد من قصصي القصيرة مثل ” أصابع جدي” و ” التفاحة المحرمة” وغيرهما. وقد يكون التغيّر الذي وقع في قصة أوهنري ناتجاً عن اعتمادي على الذاكرة، فقد درستُ هذه القصة عندما كنتُ طالباً في جامعة تكساس في أوستن في مطلع السبعينيات. أما المقارنة الظاهرية التي اعتمدتُها، بين الرسام خالد في قصتي والفتاة المريضة في قصة أوهنري، فهي التي تخدم هدف قصتي، لأنهما معاً يواجهان الموت، ولأنهما معاً متعلقان برمز طبيعي يمثل الحياة بالنسبة إليهما، خالد متعلق بالقارب، والفتاة متعلقة بالورقة الخضراء على شباكها.

س 20 ) في القصّتين : “القارب” و “الظمأ” تلاعبتَ بواقعة موت الرسّام مرّتين بصورة خلّاقة ، كم هو مقدار القلق الذي في الراوي منك ؟ كان الراوي في الظمأ شديد العجلة في إرسال نعش صديقه إلى الوطن الأصلي وكأنّه يبغي “التخلّص” منه ! وهذا الصوت الذي يردّد نداء أبي محجن في إصراره على معاقرة الخمرة حتى بعد الموت .. يتردّد في عملية دفن مقدّسة بخلاف بيتي مالك بن الريب المتّسقين مع العمليّة ! وإلى أين يمضي هؤلاء المشيّعون في الصحراء ؟ وكيف يحملون نعشاً على جماجمهم ثم على أعناقهم في حين أنّه يُحمل على الأكتاف عادة ؟!
ج 20) عندما كتبتُ قصتي ” الظمأ” و ” القارب ” كنتُ في غاية التأثر بوفاة صديقي الدكتور خالد الجادر، وتراءت لي في مخيلتي عملية دفنه في الصحراء فوصفتها كما أملاها الخيال عليّ دون أن أدقق ما إذا كان المشيعون في الصحراء ينبغي أن يحملوا النعش على أكتافهم، فقد رأيتهم في خيالي يحملونه على أعناقهم، فمددتُ عنقي ملتوياً لأحمله معهم. أما ” الخمرة” في بيت أبي محجن الثقفي، فهناك مَن يعدّها رمزاً للحياة، خاصة المستشرقين الألمان، فهناك بيت قبل ذلك البيت هو:
فنحن وإن لم نسكن الخلد عاجلاً
فما خَلْدُنا في الدهر إلا رحيقها

وكما تعلم فإن للخمرة دلالات عديدة منها الحياة ، ومنها المحبة الألهية في الشعر الصوفي وغيرها.

س 21 ) كم هي مهمّة العين “السينمائية” لكاتب القصّة قياساً إلى كاتب الرواية ؟ هل تستعيد تصميم المشهد الرائع المصنوع “سينمائيّا” في نهاية قصّة “الظمأ” حين يجلس الرجل المثكول في الظلمة وأضواء البرق تضيء لوحات صديقه الراحل .. كيف “أخرجت” هذا المشهد ؟
ج 21) أتفق معك على أن الفنون والآداب، أفاد بعضها من بعض. فكما أن السينما استفادات من الآداب السردية كثيراً، فإن الآداب السردية ــ خاصة القصة والرواية ــ استفادت من التقنيات السينمائية. وقد ساعدتني الطبيعة، خاصة المطر والرعد والبرق والبحر على كتابة ذلك المشهد بعد عودتي منهكاً من المطار. فأنا لا أجوّد في الكتابة إلا عندما أكون تحت تأثير الحزن والنصب.
س 22 ) في قصّتك “الغزالة” هناك عدد كبير من الرموز : القمر ، الصحراء ، الأب ، الغزالة ، الذئب ، الدم ، الجواد ، والبوم، والنسر .. وغيرها .. ألا تعتقد أنّها كانت متخمة بالرموز ؟ فسّر أحد النقّاد رموزها بطريقة عجيبة حيث اعتبر الخيمة رمزاً للوطن العربي والبندقية رمزاً لأسلحة الدمار الشامل !!
ج 22) انفتاح أبواب العمل السردي مشرعةً على التأويل، يهبه حيوات متعددة متجددة، ويسعد الكاتب أن يحظى عمله بكثير من التأويل. وما تفضلت به من تأويل سياسي لقصتي يذكّرني بالتأويلات التي قرأتُها لقصة ” الشيخ والبحر” لأرنست همنغواي قبل أن أُقدم على ترجمتها، إذ جعل أحد النقاد الصياد رمزاً للطبقة العاملة، والسمكة الكبيرة رمزاً لقيمة عمل الطبقة العاملة، وأسماك القرش التي أكلت السمكة الكبيرة وحرمت الصياد المسكين منها، رمزاً لطبقة الرأسماليين الذين يستحوذون على إنتاج الطبقة العاملة.
بيد أن تأويل البندقية في الخيمة بأسلحة الدمار الشامل، غير محتمل، لأن البندقية نفدت ذخيرتها ولم تعُد تساوي حبة رمل. وأسلحة الدمار الشامل ، كاليورانيوم المنضب وغيره، هي التي استعملها المستعمرون الجدد ضد الوطن العربي ، وليس العكس.
س 23 ) في قصّة “المدينة الشبح” ذكّرتني طريقة الجدّ في مواجهة محنة نضوب الثروات والجفاف والخراب بـطريقة شعريّة ، بتحذيرات المفكّر العراقي الراحل “علي الوردي” من سطوة “العقلية الشعريّة” على العقل العربي قبل أكثر من ستين عاماً . هذا التحذير ، الذي تطلقه أنتَ الآن بصورة قصّة ، هل تعتقد أنّ له جدوى ؟ هل هناك جدوى من الأدب في الحياة العربيّة ، خصوصاً أنّ الجدّ الكاتب و”الشاعر” الذي بقى وحيداً صامداً قد فرّ – أخيراً – أمام نضوب النفط وتهديد الجفاف لوجوده ، مُقتدياً بسكّان المدينة الآخرين ؟
ج 23) تكون للأدب جدوى سياسية إذا كان المجتمع مثقفاً ويقرأ، والسياسيون يطلعون على ما ينتجه الأدباء والإعلاميون والمفكرون ويستعينون بهم ويستشيرونهم. أما إذا كان المجتمع في أغلبيته أمياً وكان السياسيون يحكمون بما تمليه عليهم مصالحهم الشخصية فقط، فإن دور الفكر في السياسة سيتضاءل أو ينعدم. لقد كتبتُ هذه القصة قبل سنوات طويلة عندما كان ثمن البترول مرتفعاً جداً.

س 24 ) هل كان اختيار اسماء مثل “حصّة” و”جوهرة” مقصوداً ؟ وهل كان اختيار زوجة “أمريكيّة” الأصل للراوي مقصوداً أيضاً كتعبير عن موقف أمّة حديثة النشأة من التاريخ خصوصاً أنّها رفضت : (لا تحدّق في حضيض الوحل) ، في البداية فكرة زوجها في السفر إلى أعماق الصحراء العربيّة لكشف تاريخ جدّه ، وخصوصاً أنك أيضاً أخفيت صوتها مع لحظة عثور الحفيد على مذكّرات جدّه وحتى النهاية ؟
ج24) اختيار الأسماء في الأعمال السردية غالباً ما يكون مقصوداً مدروساً، فالاسم يدل على المسمى من حيث الصفات الجسدية أو الخلقية. وأسماء مثل ” حصة” و ” جوهرة” يشير إلى الثراء المستحدث أو محدثي النعمة. وينعتونهم بالفرنسية الأغنياء الجدد Les nouveaux riches وقد سخر منهم أديب فرنسا الأشهر موليير في مسرحيته ” البرجوازي النبيل” Le bourgeois gentilehome. وأختيار الزوجة الأمريكية فيه مقارنة بين الثقافة الأمريكية البرغماتية العملية التي تنظر أكثر إلى الحاضر والمستقبل وبين الثقافة العربية التقليدية التي تعلق أهمية أكبر على الماضي.

س 25 ) (قبضتُ على جمرِ الحنينِ بمُهجتي)
هذا شعر أخي العزيز .. كيف أصبح راوي قصّتك “المدينة الشبح” شاعراً هكذا وبصورة مفاجئة ؟ وهذا التحوّل خطير من الناحية النفسيّة لأنه يعبّر عن تماهي الراوي ، صاحب السيّارة الكهربائيّة كرمز للتطوّر التكنولوجي الخارق ، المُفرط مع جدّه ؛ الجدّ الذي يواجه المحن التي تمحق الوجود بعقلية شاعر ؟!
ج 25) نعم ، لكل مقام مقال. إن الراوي هو نتاج تربية أبيه وجده وقِيمهما وتعلقهما بالشعر والأدب، وقيادته سيارة كهربائية مجهزة بحواسيب متطورة وخرائط إلكترونية، لا تؤثر جذرياً وفورياً في قِيمه. فأنتَ تستطيع أن تأخذ بدوياً من خيمته وجَمله وتضعه في شقة حديثة وتعلّمه قيادة السيارة في أسبوع واحد فقط ، ولكن تغيير قيمه البدوية وعاداته الاجتماعية وتقاليده العشائرية، وذائقته الشعرية، قد يستغرق عشرات السنين أو عدة أجيال. هذا ما ينبئنا به علم الاجتماع.

(يتبع القسم الثاني من الحوار)

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

2 تعليقان

  1. صالح الرزوق

    الأخان العزيزان حسين سرمك و علي القاسمي
    لماذا هذا التحامل على عنوان موت المؤلف. هاجني صديق أعتز بصداقته على عنوان أحد كتبي و هو موت الرواية. نحن نرثي العقل الكلاسيكي الجامد الذي تجاوزته عربة التاريخ مع منعطف البيروسترويكا مثلما فعل بارت في منعطف الستينات التي شهدت نكسة حزيران و قبلها العدوان الثلاثي على مصر و بعدهما ثورة الطلبة في باريس.
    مثل هذه الأحداث تؤشر على موت شخصية لها تفسير ناجز و تبشر بشخصية ذات ملامح غير منتهية.
    فالموت ليس إعداما و لكنه تحول من طور إلى طور.
    فأين المشكلة..

  2. صالح الرزوق

    نسيت أن أضيف إنه لقاء غني بالمعلومات و الأقوال المأثورة. و شيق. و تابعته باهتمام. على الرغم من وقفات عند بعض النتوءات الذهنية التي تحتاج لتفكير.
    القصة فن حديث مهما قلنا عن أصوله عند العرب.
    فالحكاية شيء و القصة شيء.
    بانتظار تتمة اللقاء و شكرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.