النخلة
لم تكن مجرد نخلة زرعها في حديقة منزله ، فقد كان لها ما لأولاده من مكانة في قلبه .. رعاها وأحبها مثلما فعل معهم. جنى تمرها الذي له نكهة العسل الجبلي كل عام ،يفرق قسما منه على الجيران والأقارب ويحتفظ بالباقي لأيام الشتاء الباردة.. وكانت شاهدا على مجالس سمره التي عقدها مع خلانه . مرت ثلاثون سنة ،ولم تبق طوارق الزمان لمجلسه أحدا ،وبقيت وحدها النخلة ،يشكى لها همه ويرفع لها نخبه. نمت خلالها وانتصبت شامخة، كحال أولاده الذين كبروا وتزوجوا. وعندها توجب قطعها لتوسعة المنزل .. عندما باشروا بقطعها ، أغمض عينيه وشعر بأنهم يقطعون في جسده هو.

المخزن
اشتريت مؤخرا بيتا قديما لكنه متين وواسع فحولته إلى مخزن.. وعندما طلب مني الرجل المسن الذي بدت عليه سيماء الوقار لكي أسمح له بالدخول ليلقي نظرة على البضائع ، ظنته لأول وهلة تاجر جملة فأبديت موافقتي.. طاف الرجل في غرف المنزل بتؤدة وتأمل عميق. وعندما وصل إلى ما كان فيما مضى مطبخا على ما يبدو، طال وقوفه ثم بسط يده مغمغما (أماه أريد مصروفي فأبي لايزال نائما وأنا سأتأخر عن المدرسة). ثم قبضها ثانية وغادر دون أن يلتفت إلي وهو ينظر بفرح إلى قطعة نقود قديمة لم تعد متداولة كانت على راحة يده .. كان هذا المخزن ،بيت طفولته..

القسمة
بعدما رفض أهلها طلبي خطبتها ،دعوتها للهروب والزواج بعيدا عن هذه الغمامة السوداء التي تعترض سبيل حبنا. لكنها كانت متعقلة أكثر مني وقالت بأسى بالغ (من غير المنصف أن نبني صرح حبنا، بينما نقوض حياة أسرتينا . المرادف للحب هو التضحية وليس الأنانية .) فاسودت الدنيا في وجهي وخيل إلي حينها أن سعادتي قد وئدت وأن حياتي باتت بلا هدف.. لكن الأيام انصرمت وتزوجت من امرأة عرفت كيف تزرع بذور الحب في قلب تصحرت حقوله . ثم رزقت بأولادي، و كل واحد منهم أضحى قصة حب جديدة أخوض غمارها ، ولم يتبق من الماضي سوى ذكرى ضبابية باهتة .

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هند زيتوني :  شيءٌ  من الحب .

اعتراف يشبه القول: إنَّ القلب الذي لا يعرف الحُبّ، هو صندوقٌ خشبي أجوف. يعتريه وجع الفراغ …

| عبد الجبار الجبوري : كلامُ القُبَل .

    أكادُ أسمعُ بحّةَ صوتِها، وهي ترسمُ دائرةً للضوءِ على شفاهِ المَطر،أغارُ من ضحكتِها، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *