الرئيسية » نقد » ادب » يوسف هداي ميس : المقاربة الأدبية… في «بنات الخائبات» لعلي السباعي عوالم من الوجع الإنساني

يوسف هداي ميس : المقاربة الأدبية… في «بنات الخائبات» لعلي السباعي عوالم من الوجع الإنساني

قصتان قصيرتان، هذا ما كتب على غلاف «بنات الخائبات» للقاص علي السباعي، إذاً… ليست هي بمجموعة قصصية، وانما قصتان قصيرتان ضمهما كتاب واحد لا يتجاوز 47 صفحة من القطع المتوسط. لوحة الغلاف لفتاتين بملابس مكشوفة يمسكان بأشياء… الرقي والسعادة تملأ وجهيهما. ولا أعلم هل هو ضحك كالبكاء، أم أن الكاتب أساء اختيار اللوحة لتخالفها مع ما يتضمنه الكتاب من حالات انسانية مفجعة تستدعي الدموع بدلا من الابتسام.

القصتان هما :«فرائس بثياب البحر» و«سيوف خشبية» ولعل اشتراكهما معا يوحي بما بين القصتين من وشائج قربى تضمهما، حتى تبدوان للقارئ المتأني مكملتين لبعضهما البعض.

بداية ونهاية

تبدأ كلتا القصتين بحديث يأتي بضمير المتكلم، يعبر عن انهزامية البطل ويأسه، إذ نقرأ في أول سطر من فرائس بثياب البحر: «ما كنت يوما قاطع طريق لكثرة تعثري بظلي». وهكذا يستمر الحديث عن جبنه وخوفه وسلبيته في مستهل يتواشج إلى حد بعيد مع أول سطر في القصة الثانية سيوف خشبية: «إني سيئ السمعة للغاية، أكثر من كل الناس».

ومثلما اشتركت القصتان في البداية فلا ضير من اشتراكهما في خاتمة تكاد تكون متطابقة، تتطاير فيها الرؤوس، حيث يُضرب البطل بالسيف في نهاية فرائس بثياب البحر: «هوى سيفه على رقبتي لحظة فصل سيفه رأسي عن رقبتي صافحت عيناي ابتسامة معلمتي». هذه النهاية عينها نجدها في سيوف خشبية:«نحرتها… أجل نحرتها وكنست احتجاج شفتيها المزمومتين بحركة متقنة من سيفي، تلقفتها رقبتها… أيقنت حينها بأن رأس داعرتي كان يطير…». وإذا كان رأس البطل قد نحر في القصة الأولى فداء لحبيبته، فكأنما انتقم لنفسه وقطع رأس داعرته في القصة الثانية ليكتمل المشهد.

الشخصيات

في القصتين بطل منهزم وسلبي، وفي الوقت نفسه هو عاشق دنف. في ما جاءت البطلة داعرة أو مغتصبة، وهي ضحية لعالم ذكوري، وفي كلتا القصتين يكون البطل آلة طيعة للجلاد، يساعده في سيفه الخشبي لعله يؤوب لفحولته، أو يتحول إلى سيف حقيقي يسلطه البطل على تلكم النساء ليقتلهن.

ومثلما جاءت البطلة- ناصرية- برمز واضح لمدينة الناصرية، نجدها أيضا في قصة سيوف خشبية ذات عيون سومرية تؤكد رمزية القصة الأولى. «ندت عنها دمعة ساخنة من عينيها السومريتين العتيقتين».

الزمان والمكان

للقصتين زمانان متباينان، لا يفصل بينهما سوى أشهر معدودة، فإذا ما رجعت الذاكرة فان زمانهما يتداخل ليصبح واحدا.

يصرح بزمان قصة فرائس بثياب البحر:«يوم كثر فيه صياح الديكة طوال فترة الكسوف…الأربعاء الحادي عشر من أغسطس/‏آب من العام التاسع والتسعين بعد الألف والتسعمائة» ويأتي الزمان في قصة سيوف خشبية: «في السابع من أكتوبر عام ألفين» كما يستشرف البطلان المستقبل القريب بدخولهما الألفية الثالثة، يقول الأول منهما: «ستحل علينا الألفية الثالثة وعلماؤنا يؤكدون بأن قرننا الحادي والعشرين سيكون قرن الجينات» ويقول بطل قصة سيوف خشبية: «سندخل الألفية بعالم خال من الداعرات». هذا التوافق بين الزمنين يواكبه توافق في المكان وهو مدينة الناصرية وقد جاء مصرحا به لأكثر من مرة.

كثر ما ترمز حالة «العجز الجنسي» لدى الأبطال بعجز آخر قد يكون اجتماعيا أو سياسيا.

إن عجز السلطة الحاكمة- نظام البعث- من جهة، واسم البطلة «ناصرية» يمنحنا صورة واضحة رسمها السارد بشكل جلي عن عدم قدرة النظام آنذاك عن إخضاع مدينة الناصرية لهيمنته، وانهزام النظام البائد أمامها: «ناصرية عنقاء بعثت من رمادها، نطقتها في وجهه بعينين متحدتين تفيضان عداوة جارحة، قالت متنمرة:

لم ولن تنال مني يا أخيتي».

خسوف وكسوف

ثمة ظاهرتان كونيتان تتكرران، خسوف القمر وكسوف الشمس. فالكسوف يشطب على أعمال البناء في المدينة، ويغلق دكاكينها حتى أن كل الطرق إليها تصبح خاوية ومهجورة، وفي ذلك اليوم يفقد البطل بصره لكثرة ما نظر للشمس المكسوفة. إذاً… فالكسوف هنا يرمز للخراب الذي يصيب وأصاب مدينة ناصر الأشقر كما أسماها الكاتب. والنظر إليها يفقد البصر، على العكس من النظر للقمر المخسوف في قصة سيوف خشبية الذي يجعل المرأة بائرة بلا زوج. إن خسوف القمر يأتي بإشارة عابرة ليست ذات دلالة كما جاء في كسوف الشمس.

أثناء قراءتنا للبنات الخائبات نعيش عوالم من الوجع الإنساني الذي كان ولا يزال يستشري في مدينة الناصرية بل وفي عموم العراق، خراب روحي وجسدي أكثر ما يفتك بـ«بنات الخائبات».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *