أ.م.د.إخلاص باقر النجار : إلى اتحاد أدباء العراق بعامة … واتحاد أدباء الموصل بخاصة

إلى اتحاد أدباء العراق بعامة … واتحاد أدباء الموصل بخاصة …
أ.م.د.إخــلاص بــاقــر الــنـجـار
العراق / جامعة البصرة / كلية الإدارة والاقتصاد قسم العلوم المالية والمصرفية
قبل ثلاث سنوات خلت من الآن وبينما كنت أتابع بعض الصفحات الادبية ، لفت انتباهي تعليق مثقل بالهموم ومسطر بجثث الكلمات المحترقة ، فكتبت ردا على هذه القارئة وسألتها لماذا قلمها مملوء بحبر الألم ولماذا هذه السوداوية والتشاؤم فأجابتني وكيف لا تحترق في أتون الألم وهي تعيش في الموصل وقد فجعت بين عشية وضحاها بأنها تحت نير وظلم جهات لا تعرفهم ، وقد عشعش الخوف بين الأزقة والطرقات ، وذاع صيت فئة الحسبة التي تأخذ على عاتقها اقامة الحد على الشك ، وانها لم تر الشارع منذ شهر ولكنها تسمع بما يجري من أحداث دموية ، المهم أنا عرفت انها شابه من الموصل وأنها محقة في كل ما قالت ولكن سبحان الله شعرت بنوع من المسؤولية تجاه هذه الفتاة ، ورحت اكتب لها على الخاص ان لم أجدها في التعليق ، فراحت تكتب لي على مضض وهي خائفة ايضا حتى مني للوهلة الأولى ، هذا ما ألفته منها لأنها لا تعرفني من أنا ومن أين أكتب لها وحتى حسابي الذي كنت اكتب لها منه لم يكن باسمي الرسمي ، ففكرت بمحاولة تغيير حبر قلمها من التشاؤم الى التفاؤل وان كانت مهمتي صعبة جدا ولكني قررت وبدأت المحاولة ، ولكوني قاصة تصورت نفسي وكأني في صدد كتابة مشهد صعب جداً لا أعرف نهايته كيف تكون ولا أعرف هل ستستجيب معي هذه القارئة أم لا ، فسألتها هل أنت متعلمة ؟ فقالت نعم عندي شهادة البكالوريوس من كلية التربية من قسم علوم الحاسبات وكل عائلتي متعلمة واخوتي اساتذة جامعيين ، ثم سألتها وهل أنت مؤمنة ، لم يكن قصدي الدين البتة لأني أعرف بأن الموصل الحبيبة ماكيت جميل للتنوع العراقي ، ولست أنا ممن يسأل الناس عن دينهم لأني أتعامل مع الانسانية قبل الدين ، ولكنها محاولة للتدرج في الأسئلة ، المهم قالت : أنا مسلمة والحمد لله وحالة مرتحلة في قراءة القرآن ، ولكن الخطب جلل وخوفي شديد جدا من التنظيم ، ومما قد يلحق بي وبأهلي وبمدينتي وبصديقاتي من الديانات الأخرى . عرفت بأنها مسلمة حتى أدخل إليها من مداخل ( المؤمن القوي أحب الى الله من المؤمن الضعيف)، وراحت تكتب لي الأحداث اليومية وكأني أشاهدها بأسى ، فاقترحت عليها أن توثق الأحداث في دفتر خاص وجعلتها تحلم بيوم التحرير ، ولكنها قالت لي بأنها تخاف من الحسبة قد تداهم البيت في أي لحظة لاسيما وأنها سمعت بأن التنظيم ان لم يعدم يقطع الأيدي أو اللسن ، فقلت لها هل لديكم كهرباء وانترنت وموبايل وطعام وماء … الخ ، فقالت لحد الآن نعم فقلت لها أذن الحمد لله أفضل ممن ليس لديهم ، وهذه نعمة تقتضي الشكر لله ، وكلما حدثتني عن خرق حدثتها عن التدوين والتوثيق ، لأنها تمتلك اسلوب جميل في تسطير الكلمات ، وحتى تشغل نفسها ايضا وتبدد خوفها اليومي . ثم طلبت منها ان تبدأ بمشروع كتابة الرواية ، فقالت لم اكتب ولا اعرف كيف تكتب الرواية ، فسألتها هل قرأتي يوما قصص او روايات ، وان لم تقرأي ألم تشاهدي الأفلام والمسلسلات على شاشة التلفاز ، فقالت نعم ، فقلت لها أذن أروي لي الأحداث واسبغي عليها بعض من الخيال ورتبي الرسائل بصورة مشاهد وأرسلي لي المشهد الأول حتى أقرأه وأقيمه ، ثم أرسلت لها إحدى قصصي على شكل صور وقلت لها تقمصي الدور وعيشي اللحظة ، ثم اني اخبرتها بأني إحدى طالبات الدكتورة إخلاص النجار واني سأرسل رسالتك لها لتقيمها وانقل لك رأيها بما تكتبين مع كيل من الثناء والقبول ، الحديث طويل جدا ولكني أحاول ان امسك الخيوط الرئيسة للموضوع ، وأخيرا أقتنعت بفكرتي وهي ان تكتب المشهد بحذر تام وتتأكد من ان كل أبواب المنزل مغلقة وترسله لي على الماسنجر ثم تمسحه بالحال لتتحرر من الخوف وبيني وبينها الله فيما ترسل ، وتبقى هي بإنتظار التعليق ، فهل يمكن للقارئ ان يتخيل نفسه في مثل هذا الامتحان الطوعي وان يكتب مشهد والخوف يملؤه من رأسه إلى أخمص قدمه وعيونه مشدودة تترقب الأبواب ، والله انها شجاعة كبيرة جداً وعندما تتعب في كتابة المشهد وترسله ستمسحه ، وأنا بدوري استلم المشهد وأحوله وأرتبه على الحاسوب ، وبعد أيام أقول لها بأن الدكتورة قرأته وقيمته وقالت (كيت وكيت) وتثني عليك ايما ثناء وتدعوك الى التكثيف في الكتابة وان لا تفوتك لا واردة ولا شاردة عن التنظيم وان تهتمي بتوثيق الأحداث والتأريخ والأماكن وأسماء الشخوص إن أمكن . وراحت القاصة المجدة المثابرة تدافع عن الموصل بأضعف الايمان بقلمها تكتب طوال السنوات العجاف وترسلها على شكل مشاهد ، وبعض الأحيان اطلب منها تعديل المشهد وتطويره وإعادة كتابته من جديد ، حتى انقطع النت مع اقتراب التحشيد الميمون لتحرير الموصل وقد كتبت مشاهد حية بحدود الـ (100) ورقة ، وعندما تحررت الموصل بسواعد الأبطال ، أرسلت لها مجهودها المميز عبر الايميل وطلبت منها ان تجعل المشهد الأخير مشهد التحرير ، وعرفت لها عن نفسي ، تلك هي العراقية الأصيلة الشابة الموصلية التي واجهت داعش بالقلم وكتبت قصة كاملة من ألف جرائمه إلى يائها ، على الرغم من سطوته واستبداده ، تلك هي القاصة الشجاعة يسرى حميدي جاسم ، فأدعوا كل مثقفي العرب والعراق ، وادعوا كل أدباء العراق بعامة وأدباء الموصل بخاصة إلى احتضان هذه الموهبة وصقلها والاستفادة من المشاهد الحية التي دونتها الكاتبة يسرى ، والاستفادة منها في عمل درامي لكاتبة من داخل الموصل كتبت من الواقع وليس من وحي الخيال ، ليرى العالم اجمع بأن العراقي مبدع وسيبقى مبدع وتاريخنا يشهد لنا بذلك . واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: كاظم المقدادي… الاعلام توهجات العقل.

*يعرف منذ كان يحلم بأن يكون على قدر شهرة الن ديلون، من أن الاعلام ليس …

شكيب كاظم: هل كان للهجة تميم أن تسود وتمسي لغة العرب؟

منذ أيام الدرس الجامعي في الجامعة المستنصرية، استرعى انتباهي، ونحن في درس النحو العربي، وتحديداً …

التعايش مع واقع النصوص في مجموعة (ما أقولهُ للنحات ) للشاعر أنمار مردان البياتي*
قراءة: محمد جودة العميدي

عن دار الفرات للثقافة والاعلام – العراق- بابل وبالاشتراك مع دار سما للطباعة والنشر والتوزيع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *