الرئيسية » نقد » ادب » كريم القاسم : (البلاغة) سلسلة صناعة الكتابة (الحلقة السادسة)

كريم القاسم : (البلاغة) سلسلة صناعة الكتابة (الحلقة السادسة)

البلاغة لغة هي الوصول والانتهاء الى الهدف .هنا سندرج بعض التعاريف لمفهوم البلاغة .ولكثرة هذه التعاريف دلالة على اهميتها واهمية احترافها من قبل الكتّاب ، والتي لايصلها الا من كثر مرانه وزادتْ معرفتهُ في صناعة الكلام ، وحَسُنَ انتقائه للالفاظ والمعاني .ــ يعرّفها الامام (علي بن ابي طالب) كرّم الله وجهه : 

• البلاغةُ ما سَهُلَ على المنطق، وخَفَّ على الفطنة .

• البلاغة أن تُجيبَ فلا تُبطئ، وتُصيبَ فلا تُخطِئ .

• ثلاثة فيهنّ البلاغة : التقرّبُ من معنى البُغْية ، والتبعُّد مِن حَشْوِ الكلام ، والدَّلالةُ بالقليل على الكثير.

• مَن عَرَف شيئاً قَلّ كلامُه فيه، وإنّما سُمِّيَ البليغ ، لأنّه يَبلُغ حاجتَه بأهونِ سعيه .

ــ ( المعجم الوسيط) : هي حسن البيان وقوّة التّأثير .

ــ (ابن الأثير) : هي استدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم، لأنه لا انتفاع بإيراد الأفكار المليحة الرائقة ولا المعاني اللطيفة الدقيقة دون أن تكون مستجلبة لبلوغ غرض المخاطب بها.

ــ (الماوردي) : ليس يصح اختيار الكلام الا لمن أخذ نفسه بالبلاغة ، ولاتكون البلاغة الا بالمعاني الصحيحة المستودعة بالالفاظ الفصيحة

.ــ وقيل للبدوي مالبلاغة ؟ قال : هي مادون السحر وفوق الشِعر، يفتُ الخردل ، ويحط الجندل

.ــ وقيل للحضري ، فقال :  هي ماكثر إعجازه ، وتناسبت صدوره وأَعجازه

.ــ وقال بعض البلغاء : لايكون البليغ بليغا حتى يكون معنى كلامه اسرع الى فهمك من لفظه الى سمعك.

الغاية من دراسة البلاغة /

• القدرة على فهم معاني القرآن الكريم الذي يعتبر أساس البلاغة ولمعرفة أسراره.

• القدرة على نطق الكلام وتمييز حسنه من رديئه .

• إدراك وفهم العبارات والتراكيب اللغوية التي يتم قراءتها .

• تنمّية قدرة المؤلف على اختيار الكلام المناسب للمواقف المطلوبة .

• تنمّية قدرة الناقد على نقد النصوص الأدبيّة وتقويمها وتقييمها . 

ـــ من العلوم البلاغية تتشكل كل الصور الفنية التي يرسمها الاديب ان كان ناثراً ام ناظماً ، ولذلك يعتبر النقّاد البلاغة هي زادهم وعتادهم في تفكيك النصوص الادبية للبحث عن الصور الجميلة التي ينسجها الاديب كي يجعل نصَّه يرقى الى مواطن الرقي والابداع .وكما قلنا سابقا ان الكاتب والمؤلف امامه كَمّ هائل من الالفاظ والمفردات التي هي ذاتها التي يتناولها الناس مِن حوله في حديثهم وكتاباتهم ، لكنه حين يُحسِن التقاط بعض هذه المفردات ، ويحسن نسجها أوسبكها فيأتي بعبارات تسحر الخاطر وتذهل اللب بحيث تستقبله النفس بشهية وانشراح ، وإذا استطاع الكاتب ان يأتي بهذا ، قال عنه النقّاد انه كاتب فصيح وبليغ . ـــ وكثيرا ماكان النقّاد القدماء لايفرقون بين الفصاحة والبلاغة ، حيث يعتبرونهما مترادفان ، وقد اورد ابوهلال العسكري رأيين في ذلك :الرأي الاول / انهما يرجعان الى معنى واحد وإن اختلف اصلهما ، لان كليهما يبحث عن الإبانة وإظهار المعنى .الرأي الثاني/ان الفصاحة تخص اللفظ ، والبلاغة تخص المعنى ، ولذلك يسمى الببغاء فصيحا ولايسمى بليغا ، فهو يأتي بالحروف والالفاظ ، لكنه لايقصد المعنى .اما الخطيب القزويني فهو آخر المتأخرين الذين وقفوا عند ذلك حيث جمع كل مابحثه الذين سبقوه ورتَّبهُ علمياً فوجد الفصاحة هي مقدمة للبلاغة وقال :بأن الفصاحة صفة للمفرد والمركَّب ، ولذلك نقول كلمة فصيحة ولا نقول كلمة بليغة ، ونقول قصيدة فصيحة وبليغة . إذا البلاغة كل والفصاحة جزء .

اقسام علوم البلاغة  :
1- علم المعاني / 

ويهتم هذا العلم بطبيعة الكلام مستعملا (الاسناد بنوعيه والمسند والمسند اليه ـ الخبر والانشاء ـ القصر والاطناب والايجاز والمساواة والفصل والوصل) ، حيث يمكن هنا الاهتداء الى المعاني التي تناسب فكرة النص وكيفية اختيار التركيب اللغوي المناسب للفكرة وبالتالي يستطيع المؤلف ان يرسم صورة لفظية قريبة الدلالة الى ذهن المتلقي . وهذا لا يتأتى الا من خلال الاهتمام بتركيب الجملة او الفقرة الواحدة ثم ترابطها مع الجمل الاخرى باسلوب متسلسل غير متقاطع ، بحيث تبدو للمتلقي وكأنها جسد واحد يمثل فكرة واحدة واضحة المعالم والاهداف .

2- علم البيان / 

بمفهومه المبسط ، هو كيفية ايصال معنى الالفاظ والمفردات بطرق مختلفة من قبل المؤلف مستخدماً التشبيه كهدف بلاغي لتكييف النص الأدبي بإتجاه المعنى ، والكناية والمجاز والاستعارة . بحيث يطابق الكلام مقتضى حال السامع او الموجه اليه الكلام ، ولايأتي هذا الا برعاية سياقة الكلام ورعاية نظمه ومعانيه .
3- علم البديع /

وفيه تحسين الكلام وتزيينه بالالفاظ الفصيحة من خلال حسن الصياغة ، وحسن التنسيق للجمل والكلمات ، حتى يأتي الكلام وهو يحمل الابداع ، مستخدماً مايأتي :

أ   ـ محسنات معنوية (  طباق وتورية ومبالغة وغيرها ) 

ب – محسنات لفظية (جناس وسجع وترصيع وغيرها)

ــ ولانريد الاسترسال اكثر في هذا الشأن طلباً للتكثيف المفيد ، ولان هذه العلوم فيها مايحتاج الى سلسلة طويلة جداً من الشرح والتوضيح ، ولو اسعَفَنا الوقت والظرف لوضعنا حلقات بكل نوع زيادة للفائدة

.ـــ وقد يأتي النص شعراً كان ام نثراً وهو يحوي الكَم الأوفر من هذه العناوين البلاغية ليصل الى عتبة الجمال والسحر . ولن يكون الكلام بليغا الا إذا استوفى معانياً صحيحة مستودعة في الفاظ فصيحة . بحيث لاتحتاج الى ايضاح أو تفسير ، وتكون غير مُشكِلة ولا مُجمَلة واضحة لاتحتاج الى قاموس او مصدر آخر للتوضيح

.ـــ والمعنى المُجمَل لهذه الأوجه ، هو إذا لم يجد الكاتب (الناظم أو الناثر)، اللفظ واقعاً موقعه الصحيح من المعنى ولا مستقراً في حاله الصحيح ، ويبدو نافرا عن موضعه ، يجب ان لايكرهه على القرار والاستقرار في غير موضعه الصحيح .

ـــ والان نأتي ببعض الامثلة التي تعين الكاتب على استدراك هذه المعاني ، كي يبتعد عن النسج والسبك العشوائي ، والذي يبدو للنقّاد مجرد رصف الفاظ وترتيب عبارات يتصورها صاحبها بأنها اجمل مايكون ، لكنها لاتحمل مايبحث عنه الناقد ولا تسحر القاريء والسامع . فالكاتب دائماً (مفتون بما يكتب) . وكان بودي ان استعرض الكثير من البلاغات القرآنية ، كونه المثل الأعلى للبلاغة ، لكن الكاتب ــ وكما وصلني ــ يحتاج امثلة من الواقع الادبي كي يستدل على المسار الصحيح كونه صناعة بشرية .

ـــ فـفي باحة الشعر والنظم نضع النماذج التالية :

• يقول الشاعر جنادة في حبيبته :

” مِن حُبِّها أتمنّى أن يلاقيني  … مِن نحوِ بلدتها ناعٍ فينعاها 

كَيّما أقول فراقٌ لا لقاء لهُ    … وتضمرَ النفسُ بأساً ثم تسلاها ”

وقد اخذَ عليه الشعراء في قوله هذا حتى قالوا : اذا تمنى الحبيب لحبيبته الموت فما عسى المُبغِض يتمنى لبغيضته ). فالمعاني هنا جاءت غير متكافئة مع فكرة الحب والهيام بالحبيبة ولو طلبَ الوصال ونيل المُنى لكان أصوَب لهُ ، ولا داعي لهذا العيب او الهُجنة .

ولو نظرنا الى قول شاعر آخر في نفس المضمون ، فيقول :

” الا ليتنا عِشنا جميعاً وكان بيَّ  …. من الداءِ ما لا يعرفُ الناسُ مابيا ”

فالفرق بيَّن وجَليّ بين المعنيين لكلا الشاعرين .

• ولو قرأنا قول الشاعر ابي ذؤيب :

”  فلا يهنأ الواشونَ إن قد هجرتُها  ….  وأظلمَ دوني ليلها ونهارها ”

فالمتلقي هنا قد لايلاحظ نقصاً في هذا البيت الشعري ، لكن المتمعن ومن هو من اصحاب الخبرة والحرفة يجد الشاعر قد قلب المعنى وأفسد بلاغة البيت ، فكان من المفروض أن يقول في الشطر الثاني ( وأظلمَ دونها ليلي ونهاري) ليكون المعنى ابلغ واكثر وصولا للفكرة والهدف.

• وامامنا هذا البيت الشعري :”

إذا نحن سِرنا بين شرق ومغرب …. تحرَّكَ يقظان الترابِ ونائمه ”

ــ هنا نجد الالفاظ هي نفسها التي بين أيدينا ، لكن اختيار الالفاظ هو الذي جعله بيتاً يقصده الناقد . فقد احتوى على (طِباق) بين اللفظتين (الشرق والغرب) و(النائم واليقظان) ثم نسبَ النوم واليقظة الى التراب (مجازاً) .

• وعندما نتفحص القول الآتي :” خير المالِ عين ساهرة لعين نائمة “نجد هنا بلاغة تتمثل في (الطباق) بين لفظة (ساهرة) وضدّها لفظة (نائمة) .

• وفي قول المتنبي :

” فلا الجودُ يُفني المالَ والجَدُّ مُقبِلٌ …. ولا البخلُ يُبقي المالَ والجَدُّ مُدبِرُ ”

فلننظر الى البلاغة في هذا البيت المتمثلة في (المقابلة) على الترتيب لثلاثة تقابل ثلاثة الفاظ (الجود ، يفني ، مقبل) و(البخل ، يبقي ، مدبر) 

• والآن للنظر الى مقدرة الشاعر الفحل صفيّ الدين الحِلّي حيث أتى  بـ (المقابلة) خمسة بخمسة ، حيث يقول :

” كان الرضا بدنوّي من خواطرهم … فصار سخطي لبعدي عن جوارهمُ ”

فجاءت المقابلة بين (كان وصار) و(الرضا والسخط) و(الدنوّ والبعد) و (من وعَن) و (خواطرهم و جوارهم ).

وقد رأى علماء البديع إن أَعلى رُتَب (المقابلة) وابلغها إذا كثرت في الكلام عدد (المقابلات) شريطة الابتعاد عن التكلف  والاسراف فيه ، فتضيع بلاغته وتصيب المتلقي بالملل .

• وفي هذا البيت لأمريء القيس :

” ألاَ أَيُّهَا الـلَّـيْـلُ الطَّوِيْــلُ ألاَ انْجَـلِي … بِصُبْـحٍ وَمَـا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَلِ ”

فقد جاء الشاعر بصيغة الامر لـ (الليل) والليل لايؤمر ، لكنه أراد بذلك (التمني) .

• وكقول الشاعر :

” يا ليلُ طـُل يا نومُ زُل …. يا صبحُ قِفْ لا تَطلع ”

كل هذه افعال الامر أراد بها الشاعر (التمنّي) .

• وهنا قول المتنبي :

” وَلَسْتُ أُبالي بَعدَ إدراكيَ العُلَى …. أكانَ تُراثاً ما تَناوَلْتُ أمْ كَسْبَا ”

فالمتنبي هنا جاء بالاستفهام بـ (الهمزة) في (أكانَ) لا لغرض التساؤل عن شيء لايعرفه او الحاجة الى جواب لبيان الافضلية بين أمرين ، إنما أراد التسوية بينهما ، فسيان عنده ادراك العُلى إن كان تراثاً او كسْبا .

• وكقول الفرزدق حين تَعرَّضَ لهشام بن عبدالملك مُشيراً الى غبائه عند تجاهله لعلي بن الحسين بن علي الملقب بـ (زين العابدين) في مكة عند الكعبة وهذه الحادثة معروفة تاريخيا عندما شاهد هشام اهتمام الناس بزين العابدين وتجاهلهم له ،فأشار اليه وقال : مَن هذا ؟؟ أراد بذلك التقليل من شأن (زين العابدين) ، فأنشد الفرزدق امام الحجيج قصيدته المشهورة ، منها  : 

” هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ ….  وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ  

هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلّهِمُ        ….  هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهِرُ العَلَمُ  

هذا ابنُ فاطمَةٍ إنْ كُنْتَ جاهِلَهُ    ….   بِجَدّهِ أنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتِمُوا  ”

فالشاعر هنا جاء بالمسند اليه (هذا) وكررها عدة مرات إشارة الى أن المخاطَب جاهل في الانساب واصول الرجال  لاتكفيه الدلائل والقرائن ولايفهم الا لغة التصريح والكشف ، فعرَّفه بمنزلة ونسب (زين العابدين) ، وهذا من ذكاء الشاعر وقوة بلاغته ، مما ادى الى غضب عبدالملك وسجنه للفرزدق كونه لم يمدحه .

• وكقول السَمَوءَل :

”  وَإِن هُوَ لَم يَحمِل عَلى النَفسِ ضَيمَها … فَلَيسَ إِلى حُسنِ الثَناءِ سَبيلُ  ”

في هذا البيت جاء الشاعر بصفات ومعاني ضمنية مما تضيم النفس من ( صبر وتواضع وشهامة وشجاعة وحلم واحتمال المكاره ) حيث ازدادت المعاني هنا على الالفاظ ويسمى ايجاز البلاغة ، وهذا ما ينشده البلاغيون حتى قالوا : ( القليل الكافي خيرٌ من كثرٍ غير شافي ) .وهذه الامثلة هي على سبيل الدلالة والاشارة والاختصار ، وسنتناول الكثير منها في مواضع اخرى ان شاء الله تعالى

.ـــ وخلاصة القول إن المؤلف عندما يأتي بكلامٍ ما أو يكتب نصّاً ما ، عليه ان يضع نصب عينيه أمرين :

1- الاهتمام بالإتيان بمعاني قوية صحيحة شريفة مهيبة وفصيحة منسجمة مع الفاظها ، بحيث تسحر الخاطر وتسرق السمع بل 
وتجبره على الانقياد ، وهذا يدخل في بابي ( البيان والبديع) .
2- يجب ان يكون ماجاء في الفقرة (1) مناسباً لمقام القول والحديث ، ومناسباً لحال الشخص المُوَجَّه اليه الخطاب ، ومنسجماً مع 
فكرة النص التي اختارها المؤلف وهذا يدخل في باب (المعاني) .
ـــ وفي رحبة النثر لاقول يرجَّح على قول الامام عليّ (كرَّم الله وجهه) في الفصاحة والبلاغة والبيان :

• فلو تأملنا في نثر الإمام  لوجدنا ظاهرة (الجِناس) مشرقة بابهى حِلّة ، والتي عدَّها الثعالبي سِرّاً من أسرارالبلاغة  . فيقول الامام في احدى خطبهِ :
” وإنما الدنيا منتهى بصر الأعمى لا يبصر مِمّا وراءها شيئاً ، والبصير ينفذها بصره ويعلم أن الدار وراءها ، فالبصيرُ منها 
شاخصٌ ، والأعمى إليها شاخص، والبصير ُ منها متزوِّد ، والأعمى لها متزوِّد ”
نجد هنا جمال (الجِناس) المتمثل بلفظة (شاخص) حيث جاءت مكررة في موضعين (فالبصيرُ منها شاخصٌ) و (الأعمى إليها 
شاخص) فاللفظة الاولى تعني الراحل او الشاخص الى السفر وهي مجانسة للثانية التي تعني الشاخص بصره والثابت التحديق اي فاتحهُ نحو الشيء ليراه دون ان يرمش او يرتد بصره . ثم تأتي اللفظة (متزوِّد) مكررة في موضعين (والبصيرُ منها متزوِّد) و 
(الأعمى لها متزوِّد) فالاولى بمعنى الراحل عن الدنيا مجانسة للثانية بمعنى الراحل في سفر . وهذا من جمال البلاغة والبديع 
الذي يضيف للكلام توافق نَغَمي وإنسجام جَرَسي ، لايخفى على المتفهم اللبيب ، وقد عدّه ابن ابي الحديد من مستحسن التجنيس .
ـــ ويذكر الشيخ (محمّد عبده) في مقدمة شرح نهج البلاغة وهو يصف البلاغة في خطب وكلام الامام علي (كرّم الله وجهه) وكيفية تأثيرها في النفوس ، قائلاً: ” تصفّحتُ بعض صفحاته في مواضع مختلفات، فكان يُخيَّل لي في كل مقام أن حروباً شبّت، وغارات شُنّت، وأن للبلاغة دولة، والفصاحة صولة. وأن جحافل الخطابة، وكتائب الذَّرابة في عُقود النظام، وصفوف الانتظام، تُنافح بالصفيح الأبلج، والقويم الأملج، فما أنا إلاّ والحق منتصر، والباطل منكسر… وأن مدبّر تلك الرواية، وباسل تلك الصولة، هو حامل لوائها الغالب، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب. فتارة كنتُ أجدني في عالم تعمره من المعاني أرواح عالية، في حُلل من العبارات الزاهية، تطوف على النفوس الزاكية، وتدنو من القلوب الصافية، توحي إليها رشادَها، وتقوّم منها مُرادها… وطوراً كانت تتكشف لي الجُمل عن وجوه باسرة، وأنياب كاشرة ، قد تحفّزتْ للوثاب، ثمّ انقضّت للاختلاب، فخلبت القلوب عن هواها، وأخذت الخواطر دون مرماها. وأحياناً كنت أشهد أن عقلاً نورانياً لا يشبه خَلْقاً جسدانياً فَصل عن الموكب الإلهي، واتصل بالروح الإنساني، فخلعه عن غاشيات الطبيعة، وسما به إلى الملكوت الأعلى . ”

ـــ وبهذا يكون الكاتب او المؤلف قد استطاع ان يصل الى الهدف المنشود للفكرة ، إن عملَ بما ورد ، وهذا مانعني به البلاغة .  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *