قصي الشيخ عسكر : الرِباط (رواية مهجرية) (11) و (12)

(11)

وجهه يتطلع إليّ مستفسرا، ويعرض عن السؤل إلى حين، كنا نكاد لانلتقي في الصباح أو وقت العطل، وفي بعض الأحيان يبيت خارج الشقة، فتكون لقآتنا دائما عند العصر والمساء، ولم أخبره عن موعد اليوم لكنه أبدى ذوقا رفيعا حين همس في أذني عند الباب:

– سأعود بعد ساعتين أو أكثر.

– تستطيع أن تجلس في غرفتك!

– لا .. خذ راحتك!

عدت إلى الصالة حيث تركتها، وأطللت على المطبخ أتابع أعواد الريحان التي وضعتها في وعاء مليء بالماء، وقلت، أزيح الحرج عنها:

– أظن صديقي ذهب الى السينما.

– ظريف هو!

– ابن حلال

– من مدينتك؟

– لا من بغداد

وغيرت الموضوع:

– كان علينا أن نطفيء الأنوار فأنوارك تكفي.

– ياسلام أنت صاحب ذوق.

إني أقول الحق .. هذا الجمال وخفة الروح .. ” اغتنمتها فرصة حين وضعت وعاء الشاي على النار، فخطفت قبلة من خدها وإذ وجدتها تبتسم واصلت “لئلا يزعل الخد الثاني!

– هاهو الأتاي حاضر.

قرأت عيناي قوامها بلمحة عابرة، وراودتني رغبة عارمة. لم أكن لأتردد. هناك شيء ما خفي يضيع بيني وبين مليكة أجده يلجم رغبتي .. لا أعرف كنهه .. لست متأكدا منه أو من نفسي .. أهو الحب داهمني من دون مقدمات أم تصوري عنها. رغبتي في ألا أعبث بالبراءة .. لست دائما نقيا .. خليط من بهارات حارة وباردة .. ذات طعم ومن دونه أو بلون فقط .. ربما إحساس خفي يراودني من حيث لا أعلم كونها مازالت طالبة .. تأنيب ضمير يردعني .. هناك شيء ما في جسدي يشتعل فأمتنع .. أقف عند حد ما كأني في ساحة خضراء .. مرج مفتوح .. ونسمة خفيفة عذبة تنعشني فتزيدني رغبة إليها، انتظرت الرشفة الأولى، فقلت:

– يمكن أن يكون السكر قليلا.

– أبدا تسلم يداك. ” وأضافت” النعناع أفضل من القهوة التي تزيد من الضغط والشاي الذي تسمونه عراقي فإنه يسبب الأرق، النعناع إن لم ينفع فهو لايضر.

تحدثني عن الشاي والقوة والأرق .. أول يوم وطئت قدماي أرض المغرب سألت عن الشاي .. الشاي الفلّة الأصلي .. شاي سيلان .. خلت أن أكياسا توضع في الماء المغلي لا تروي ظمأي:

– لكن له رائحة طيبة مثل رائحة فمك!

– شكرا “ردت بخفر وعيناها تهبطان إلى الأرض”ومرّت دقائق، تأملت وجهها، وقلت:

أعجبتك الشقة؟

حلوة. والأهم أنها تقع في مركز المدينة على شارع فرعيّ هادىء تكاد لاتحس أثرا فيه لصخب المارة وضجّة السيارات.

– لاتؤاخذيني فهي شقة عازب .. سأريك غرفتي.

ودخلنا ..

سريري البسيط. خزانة الملابس. النافذة. لابد من أن أقضي بعض الوقت بالحديث. لأساير رغبتي .. الدفء يجتاح جسدي والحمى .. عضلاتي وأعصابي تنصهران تحت ثقلٍ للذةٍ محمومة مجهولةٍ. منذ أن هاتفتها وهي في المحل رحت أرتب الأثاث .. الساعة السادسة أكون عندك. أضفت بعض اللمسات على غرفتي وأثاثها البسيط. منذ البداية تعلمت الترتيب الذي يخفي جوانب الفقر في بيتنا. لا نملك مكواة ملابس فأروح أضع سروالي والقميص تحت الفراش .. يبدوان في الصباح مكويين .. أعدل سريري. أطوي ملابسي بشكل ما أجعل الحقيبة الصغيرة تسعها كلها، وفي فترة العسكرية أتجنب، من خلال ترتيب الشرشف، وتنظيف بسطالي لوم العريف وسخطه .. وها أنا أتحدث عن أثاث غرفتي الآن لأجمح ثورة هائجة .. أتغافل .. ألجم بعض الوقت حصانا جمح .. مع ذلك فالرغبة تدفعني لأول امرأة أنفرد بها .. ولا أتردد .. أكاد أنسى مليكة .. أتقدم منها فأرفع بأناملي حنكها، أتطلع في عينيها.

دعيني أنظر في عينيك!

لحظات وهوت شفتاي على شفتيها. الرغبة المجنونة .. دقات قلبي .. حمى تتكسر في أعماقي .. أنفاسها تلهث، راحت يدي، ونحن واقفان متعانقين، تمسحان على ردفيها .. تدبان إلى أزرار قميصها، فتتسلل أناملي من فتحته إلى صدرها، تلامسان نعومة أشفّ من الماء .. ثم تتسللان إلى فخذيها .. يدان مغسولتان .. لم أخلط بهما بهارا ولا فلفلا حارا .. رفعت رأسها، وقالت بصوت متهدج:

– أنا مطلقة ..

هكذا إذن ..

إشارة أم ماذا ..

مطلقة .. لا تكن غبيا .. داخلك غول يثور .. كائن غريب ألقي في قارورة أحكم سدادها ثم جاءت فاتحة فأزاحت الغطاء المتين .. صدِّق نفسك .. أنت في شقة مع امرأة .. وحدكما مثلما يفعل جمال. مثلما يمارس الآخرون .. قال لك منذ اليوم الأول لا تنزعج إذا ما دعوت صديقة .. بإمكانك أن تفعل مثلي .. كانت أعماقي تغلي حين اسمع لهاثهما .. أحس أن العالم كله يتجاهلي .. يعيش سعادته في أي مكان أما أنا فقد انزويت وحيدا في غرفتي .. إشارة منها تقول خذني ولا تتردد .. التقطت أنفاسي، وهويت ثانية على شفتيها، ازددت جرأة وكانت يدي تعبث بملابسها ..

ثم .. ..

رحنا بعد دقائق نسترخي عاريين على الفراش!

أول امرأة أكتشف معها رجولتي ..

فحولتي .. أخذت ثأري من الوحدة ونزق الآخرين ..

كنا ننظر إلى السقف كما لو أنه فضاء مفتوح أو مرآة نقرؤ عليها جسدينا .. رأسها على ذراعي، قلت وفي رغبة وفضول يستحثانها على الكلام:

– حرام مثل هذا الجمال والروح الطيبة، حرام أن يتعامل معه شخص بأبغض الحلال.

– تسمح لي أدخن!

– آسف .. لو كنت أعرف .. صديقي جمال يدخن أحيانا لعلني أجد في غرفته ..

– معي وانحنت على حقيبتها فأشعلت سجارة، سحبت منها نفسا عميقا .. عادت وقد ألقت برأسها على زندي:

-لم أرك في السيارة أو حديقة بوقناديل تدخنين لو عرفت ..

– صعيبة بالزاف تدخن امرأة هنا خارج البيت!

– لكنّي آسف قد أكون سببت لك إحراجا أو أثرت ذكرى ما.

– لا تلك قصة انتهت .. هل تصدق إنه قريبنا ابن عمي ” بحماس ممتزجٍ مرارة ” عمي أخو أبي!

.. أرثي لك أم لجدتي التي كانت تدخن ” المزبن” وقت العصر عند باب غرفتها وتقول الدخان يضر الصدر لكنه يزيل الصداع .. لا أدري لأي سبب كانت تدخن تدّعي أنّه يفرّج الهم ولا أعرف أيّ هم حملته .. ماذا أجدها تقول عن الهموم لو دخنت ” الكنت” و ” المالبورو”:

– دائما الطعنة تأتي من القريب قبل الغريب.

– والدي نفسه وجد له شغلا يدر عليه ربحا ممتازا .. مرشد سياحي .. دليل يخرج مع السائحين .. كل هذا بفضل أبي.

– زواجك منه عن حب؟

– علاقة عادية كان كأي قريب يعجب بقريبته أمه تعلقت بي وقالت له هذه من لحمنا ودمنا، فتم الزواج ودام سنة ونصفا .. وإذا بسائحة نصرانية فرنسية أجلك الله نصرانية زنت مع عشرات النصارى والكفار قبله تعلقت به فباعني مقابل وعد بجنسية وعمل وإقامة في باريس ..

سحبت نفسا من الدخان، وأعادت: سنة ونصف ..

قلت أواسيها:

– شخص غدار لا يستحق أيّ اهتمام أو اعتبار.

– هذه مشكلة الشباب المغاربة .. يحلمون بأوروبا. فرنسا، والشقراوات والعمل ..

حديثها غريب .. فيه رائحة الصدق ونكهة من حزن. كانت فرنسا في شمال إفريقيا فلم لم ترغبوا فيها .. الآن تهاجرون إلى هناك نحن ندعوكم للشرق .. أخوك سي يوسف سيكون في بغداد .. لكن لمَ يقطع الحزن علينا اللذة؟ ذلك الحزن الذي لم تطرده جدتي بسيجارة مالبورو أي وقت كان بل عند العصر بدخان رديء .. ولم أجدها تدخن أيّ وقت آخر .. أحسست برغبة أخرى تتلملم في جسدي .. موجة ثانية .. ما أجمل تلك الذكرى .. أول امرأة بين يدي وتأبى مجريات الحياة إلا أن تنغصها علينا. شعور بالضيق، وذكرى عابرة لوجه مليكة. أين أنا؟والرغبة الأخرى تتلملم ثانية في عروقي، لتكن أنفاس تلك المرأة تعبق بالدخان والنار .. ذلك الغبي .. الأفعى .. الثعلب تركها .. ولم تشفع قرابتها .. في حضن أية نصرانية عاهر هو الآن .. فرنسية زنى بها العشرات قبله .. أما نحن فمهما نفعل نظل طاهرين لأننا نقترف الحرام ونعرف أنه حرام .. نشرب الخمرة .. ندري أنها حرام .. نأمل أن يأتي يوم نتوب فيه .. الشهادة تطهرنا .. نعود أنقياء .. نسبق طهرنا .. .. مادمت تفكرين أن تعيشي نقية في المستقبل فأنت نقية .. براءة أخرى معي في السرير. ليست مليكة الطاهرة البريئة الوحيدة في هذا العالم .. لكن هذه الأفكار التي تطاردني لا تطرد الرغبة عن جسدي .. بل تشعشعها مثلما نتفنن بمزج الماء بالعرق، والبهار الحار بالبارد، فأرفع رأسي نحوها وأقول:

– ماعليك هو الخاسر لا أنت ستكونين من نصيب من هو أفضل منه!

ثم أهوي بشفتي على جسدها، وأروح التهمها من جديد.

(12)

أطلق جمال صفرة طويلة، وقال معقبا:

– صديقتك هذه جميلة جدا!

فهززت رأسي غيرمبال وقلت:

– هذه ليست صديقتي، هذه بيضاء وصديقتي سمراء بشقرة كانت هنا الاسبوع الماضي ولم تكن موجودا وسوف تأتي معي يوما آخر إلى الملحقية لنشاهد محاضرة أو شريطا .. هل فهمت؟

ازدادت دهشته:

– نعم نعم ماذا؟

– صديقتي التي أفكر بها إن شاء الله أصحبها إلى العراق مازالت في البكلوريا في مدرسة إسبانية!

هنا، تغيرت ملامحه دهشة وجحظت عيناه، بدت على وجهه الطولي الوسيم ابتسامة، فانتقل من الصالة إلى المطبخ، أخرج زجاجة الويسكي من الثلاجة، ورجع قائلا:

– هل تشرب؟

– لا سأكتفي بالشاي.

– كم كنت مغفلا حين ظننتك زبيريا حقا فخفت على نفسي منك “وضحك ضحكة قصيرة”تعال عندنا قارص .. كنت أسأل نفسي لماذا لم تجلب لنا أيها السفاح دجاجا أو طيرا آخر من دون عظام أو معها، أجدك مشغولا بالنساء ” وتوقف، ليرشف من الكأس” قلتَ ليست صديقتك. اليس كذلك؟ أو تراني سمعتُ خطأ؟

– إن كنت تعني الحب والزواج فقد قلت لك صديقتي طالبة في مدرسة إسبانية.

– الشهادة في هذا البلد لاتعني شيئا إلا الرزق .. قد تجد طبيبة تتزوج من أي كان المهم أن يكون قادرا على فتح بيت ثم لاتنس عندما تتزوج المرأة يكون هناك أولاد وبيت علينا ألا نسبق الزمن.

– يعني هذا ماتراه.

– طبعا فكر بمقاييس البلد الذي أنت فيه، أهلها أغنياء ماذا يعمل أبوها؟

– مدير جمارك!

– الله أكبر يعني حرامي!

– لا عليك من أبيها بل هي التي تعنيني!

بعد صمت قصير:

– طيب أنا لم أسكر بعد، وما زلت أحتفظ ببصري وسمعي، من تكون هذه التي خرجت قبل قليل؟

– ياسيدي فاتحة بنت الشيف محمد الوهبي، الرجل أشرف علينا أسبوعين وغادر، وهي فتاة مطلقة يعني الطريق سالك ليس هناك من عائق هل فهمت أم سكرت!

– خذ حذرك، قد يكون هناك حمل بالتالي تضع نفسك في موضع حرج. لم تأت على نفقتك الخاصة أو سائحا بإمكانك إذا حدث أمر ما أن تغادر، أنت جئت باتفاقيات دولية، وهنا سفارة وشكاوى لا قدر الله، أووه ..

– لاتخف. بالتأكيد تستخدم الحبوب!

– المهم آمل أن تصحب .. ما اسمها زوجة المستقبل؟

– مليكة!

آمل أن تصحب معك إلى الزبير مليكة لا فاتحة وإلا فستنفق على الزواج في العراق الكثير!

– إن شاء الله!

– أين تعرفت عليها؟

خلت أنه يستنطقني بحكم موقعه الحزبي فغيرت الموضوع:

– هل أقول لك إني عرضت على الشيف الوهبي أن يسافر ابنه إلى العراق غرض أن يكمل دراسته، ونوهت له إن الأمر مؤكد وليجرب سي يوسف عندئذ تستطيع أخته السفر بعده!

– رائع جدا ماتقوله هل كتبت تقريرا بذلك!

– تقرير؟

– نعم .. تقرير أفضل .. عن زيارتك بالتفصيل وعن يوسف الراغب في السفر وأخته، وعملها ثم سلمه لي لكي أرفعه غدا إلى الملحق الثقافي ” وبعد أن ارتشف جرعة أخرى” نحن الآن نعمل من دون أن نثير ريبة بل نساعد المغاربة على السفر والعمل أنا بعثت صديقة لي إلى بغداد، وهناك اثنان دعوتهما للملحقية لدينا الآن مجموعة من الكتب الأدبية والتاريخية التي وصلت من بغداد يمكننا عن طريقها كسب المغاربة .. وأنت في جعبتك اثنان أخ وأخته .. في صحتك.

فرفعت كأس الشاي، وقلت:

– لكن أخبرني عن السر، لِمَ أجدك هذه الأيام اعتزلت النساء!

– لا ياعم أنا تركت المهمة لك. كنت أظنك زبيريا حقا لكنك زبيري فالصو! ماعندنا قارص يبا!

– كيف أشرح لك يا من تتحدّث عن زبيريّ أصلي .. كان عم أبي يعني جدي بالنيابة يقول نحن جئنا من ألوية أخرى في الوسط إلى الزبير زمن عبد السلام عارف، يقول والعهدة عليه: حين رأى المشير أهل الزبير البدو يميلون إلى السعودية والكويت في الملابس والأكل والعادات واللهجة حتى إنهم في مباريات كرة القدم يشجعون الفريق الخصم ويودون غلبته فظن أنه يأتي يوم يطالب فيه آل سعود بالزبير عندذاك اقترح على عشائرنا أن نهاجر إلى هذا المكان فنقتطع أراضي ويكون لنا ثقل.

– عم أبيك هذا أكبر مؤرخ في صحته!

– مهما يكن ياجمال لاتخف والله لو جئت إلى الزبير لوجدت كل بائع محل يترك محلّه مفتوحا وقت الظهر حين تحين الصلاة ليؤديها في وقتها فلا تنقص دقيقة ولا تزيد!

فقال وهو ينهض إلى غرفته:

– ذلك الشيء القارص يفعلونه بعد صلاة العشاء، وأطلق ضحكة هستيرية “وأكد” لاتنس أن تكتب الآن تصبح على خير “وعاد ضاحكا” اسمع سواء أكانت المرأة عذراء أم لا فعليك أن تلبس كفا إذ قد تلمس يدك فلفا حارا وعندما تداعب مابين فخذيها بأصابعك تحرقها. هذا ماحدث لشخص ما قد أكونه أنا أو غيري ..

-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. تصبح على خير!

 

 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

يونس علي الحمداني: رحلة بحرية

عِندما نكون في البحرِ السّماءُ أجمل والدُنيا مِرآةٌ عميقةٌ تعكس أسرَار الزرقةِ وزرقة الأسرار.. عِندما …

أصواتٌ … بداخلِ الصَّمت
حسن حصاري / المغرب

كثيرا ما أضِيع … وأنا أفكرُ في الكِتابةِ اليك، وسَط سُطورٍ لمْ أكتُبها بَعد. أدركُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *