علي لفتة سعيد : الصورة الثالثة (23/الحلقة الأخيرة)

-23-
كانت ممدّدة على السرير،متشحة بالبياض.لم يكن الباب مغلقاً؟كان زوجها يبكي،يضع يداً على عينه المفتوحة ..وكانت سلوى مغمضة العينين كأنها نائمة في سباتٍ عميق.رأيت علاماته.أثقلقتني،لم ينهض زوجها،لم يعترض على وجودي،ولم يصرخ حين اقتربت منها،هالني صوت نشيجه المبحوح.بدأت أهزّ سلوى، أريد إيقاظها..ما الذي فعلته في زيارتها الأخيرة إلى الحضرة؟سلوى..سلوى..إنظري إلينا..إنظري الى زوجك. كم يحبك..لم أكن افعل لك شيئا..أنه حلمٌ،مجرد رغبة لكتابة رواية عنك..لكن القلم إنساق إلى إلحاحي. رأيت طيوراً بيضاً تخرج من تحت ثيابها. أخذت ترفرف في الغرفة..فزعة كأنها سمعت صوت طائرات فخرجت من النافذة ..
أخرجت قلمي وكتبت.
-هل تكتمل الرواية بهذا البياض؟
لم أسمع صوتها،كان وجهها ينز دماً،ينزل على الوسادة،يحفر ميسماً فوق السرير..ينزل إلى الأرض. وصل الدم إلى قدمي زوجها..نظرت إليه، بدأ الدم ينزّ من جرح عينه وأسفل بطنه،ساحباً معه ذرات الإسمنت العالقة في ثيابه..بدأ الدمان يشكّلان دائرة ثم حوضاً في منتصف الغرفة. وجه سلوى صامت. أبيض..ووجه الرجل الذي عاد إلى رأسه بنضارة جديدة.رأيته يفتح عينه الملتئمة لتخرج منه كلمات ترن في أذني..لترتجّ لها الجدران وترجع صداعا الحرب.كنت مبهوراً من منظر الدم الذي تسلّق الجدران ومنضدة الملابس والأريكة..أختلطت الصور وتداخلت الشخصيات وسلوى لم تفتح عينيها..بدأت أهزّها.
– سلوى..ارجوك أفتحي عينيكِ لتكملي الحكاية..كل شيء معلق،لا أريد للمعاني ان تندسّ بين الأقدام..وتنسل إلى الشوارع؟.
لم يزل صوتي يتردد بلا صدى بغتة خرج زوجها من حوض الإسمنت.
-أتركها..اغتسلت وذهبت إلى الضريح.. واستجاب الله لدعائها.
رحت أهذي..قدماي تجوسان في الدم..لا شيء في راسي غير كلمات..أهذا هو الحل يا سلوى.؟ سمع صوت طائرات عن بعد..بعدٍ متناهٍ..لكنني أسمعه..نظرت من النافذة….كانت السماء داخنة في أفقها الغربي..سمعت أصواتاً غريبةً..تعوي..وتنبح وتزأر وتفح وتنهق وتزعق..اختلطت الأصوات .. والكلمات ..لن يكون الموت بانتظارنا..لابد من وجود حلٍ سينقلب السحر على الساحر..كنت أصرخ اصرخ لكن صوتاُ سمعته يناديني بإسمي.
-محسن.. محسن..إستيقظ..لقد انتهت الساعة العاشرة الآن وعليك ان تبدأ بتشغيل المولدة.
رفعت حافة البطانية،كان أمامي صاحب الفندق وابنه يضرب ساقه بجريدة مطوية..أحسست أنني كنت أحلم بسلوى.
-لا بأس يا محسن.
وجدته يبتسم..جلس على حافة السرير.
-من هي سلوى؟.
أشرت إلى الأوراق.
-إنها هنا في أوراقي..
أخرج علبة سكائره وقدم لي واحدة.لم أعرف ما يقصده بابتسامته وجلوسه قربي..قطع تفكيري
-أنك إنسان مثقف..ولا أريدك ان تعمل مشغل مولدة.
لم أفق بعد مما حلّ بسلوى..صورتها لم تزل في ذهني وهي تتوجه الى الضريح
-إنك مبلّل جدا هل تحب المطر إلى هذه الدرجة؟
وقبل أن اتحدث قال:
-أريدك ان تعمل في الإستقبال.,أنت مثقف والفندق بحاجة الى رجلٍ مثلك.
فتح الجريدة وقال:
-قرأت أسمك اليوم في الجريدة.
أخذت الجريدة منه ..قلبتها على الصفحة الثقافية.كانت لي قصة منشورة..شعرت بفرحٍ طاغٍ ورغبة لإكمال الرواية..الجزء الذي رأيته في أول حلم لي على سطح فندق.
في اللحظة المتداخلة بين صورة سلوى وصورة حالي وإنا بملابس جديدة في صالة الإستقبال وعيني على القصة المنشورة وتهيئتي لشكره وتقديره العالي ..سقط نظري على خبرٍ منشور في الصحيفة بالخط العريض..لم يكن أمامي إلّا الإسراع للملمة الأوراق..وتنضيد البطانية ؟ ظل صاحب الفندق فاغراً فمه..وحين سأل أجبته.
-لا مكان لي في استقبال الفندق،يبدو أن هذه عدتي معي دوما..فراشي وبطانياتي.
تساءل مرة أخرى:
-ما بك يا محسن؟.
أجبت ببرود:
-الحرب لم تنتهِ بعد ولم تغلق فمها.
نزلت ببطء أعد درجات لسلم..وصاحب الفندق ينظر لي بتعجب كبير وكأنه لم ير شاباً يطوي (يطغه) دوماً

خارج المتن

حين نزلت الشارع كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة وكان بائع الصحف ينادي:
-استدعاء مواليد جديدة لخدمة الإحتياط..

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| كريم الأسدي : انَّهُ حسين سرمك !! .

تنويـــــه : لايزال موقع الناقد العراقي بين الحين والاخر يجني من ثمار وفاء الشاعر والاديب …

| كريم عبدالله : ( تيامت )* .

(تيامت)* يا آلهة المياه المالحة , سكبتي المرضَ في قلبي بكأسكِ المشؤوم , أصبحتُ عليلاً لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *