حسين سرمك حسن: ليلى العثمان ؛ قطة اللاشعور المميتة ..

( لا يمكن أن يكون بسبيل الصدفة أن ثلاثة من روائع الأعمال الأدبية في كلّ العصور – أعني ” أوديب الملك ” لسوفوكليس ، و ” هملت ” لشكسبير ، و” الإخوة كارامازوف ” لدستويفسكي – قد تناولت موضوعا واحدا هو قتل الأب . وأكثر من هذا فإن الدافع إلى العمل ، متمثلا في التنافس الجنسي على امرأة واضح في الأعمال الثلاثة )                                                                                      
                                                ( سجموند فرويد )                                                        

في روايتها القصيرة : ( المرأة والقطة ) * تلعب الكاتبة ” ليلى العثمان ” بمهارة على مكبوتات لاشعور أبطالها – خصوصا الفتى سالم – لتقدم لنا حبكة ملغزة مستعينة بتقنية الرواية البوليسية ، وهي تقنية تعود أصلا إلى عطايا سيدة الحكايات : ألف ليلة وليلة حيث تعطل شهرزاد ، مع انبلاج كل فجر ، كشف مفتاح فك عقدة حكايتها ليبقى شهريار مشدودا مترقبا . وفي ختام كل حكاية تقول شهرزاد : وجاء هادم اللذات ومفرق الجماعات ، وتقصد به الموت ، ليضع مسك الختام الأسود لصراع شخصياتها مع أقدارها المتعسفة . وهنا ، في رواية ” المرأة والقطة ” ، يتسيّد المثكل بشبحه المرهوب على الوقائع ، هو وما يشتق منه من خراب ودمار تؤسسه النفوس المعصوبة المخربة التي تحاصر سالم وحصّة زوجته وحبيبته الصغيرة ، فلا تدع لهما منفذا إلا بسلوك الطريق الذي لا عودة منه كما كان السومريون يصفون الموت . ومنذ استهلال الرواية نفهم أن سالم في السجن لأنه متهم بقتل زوجته حصّة ، في حين أنه ينكر ذلك ، وحين يذكره المحامي بضرورة أن يثبت أنه لم يقتل حصة ينهار نفسيا ويبدأ بضرب الحائط . وهو لا يكتفي بالإنكار فقط ، بل يطلب من المحامي أن يجلب عمّته ليقتلها ، فهي التي قتلت حصة مثلما قتلت قطته الجميلة دانه من قبل :                                                               

( كمن مسّته صاعقة .. ارتعد .. هبّ من الفراش . فاحت رائحة عرقه المخزون حامضة . أخذ يصارع الهواء بذراعيه . يلعلع بالصراخ . دلف الشرطي . وقف قريبا تحسبا لأي ردّ فعل مفاجيء . كان سالم قد اتجه إلى الجدار . يضرب عليه بكفه ضربات عنيفة تتماوج مع صوته المتألم :                                                   – لم أقتلها . ولم أقتل القطة دانة . عمتي هي التي فعلت . هي القاتلة – ص 8 ) . ومع انهيار سالم الفاجع نفهم أن العمة قد ألقت قطته الأثيرة إلى نفسه في المرحاض الذي لم يمتنع عن دخوله حسب بل يرفض تناول الطعام لكي لا تجبره محتويات أمعائه على التبرز على وجهها . والروائية تضعنا في قلب جحيم الحوادث بلا مقدمات سردية أو وصفية ، فتحكم الإمساك بخيوط روايتها التي جاءت رشيقة بلا استطالات أو ترهلات . لكن الكلام الاتهامي الخطير الذي ذكرناه جاء من شخص مفكك المنطق ، ومضطرب البصيرة ، يقترح الطبيب نقله من السجن إلى مشفى الأمراض العقلية للراحة والعلاج . وهناك ، في المشفى يبدأ سالم باستدعاء الوقائع التي عصفت بحياته على يد عمّته الشريرة . يتساءل أولا :                                                                           ( لماذا يلاحقونني ؟ يريدونني آكل لأعيش . لمن أعيش ؟ حياتي كانت مرّة منذ فقدت وجه دانة . والآن ستكون أكثر مرارة بعد أن غاب وجه حصّة . لم يبق إلا وجه عمتي يطاردني كلما أغمضت عيني . أراها تشرع مخالبها وكأنني فأر تريد تمزيقه – 15 ) .                                                                                ومن المفروغ منه أن فردا مضطربا نفسيا ليس أهلا لتقديم الحوادث متسلسلة ومتماسكة برباط منطقي ، لكن هذا الفرد مهما كان حجم دوره في الرواية ، ومهما كان مشوش الحواس ومتصدع العقل ، فإنه قادر على التذكّر السردي المحكم لأنه تمظهر صمّمه المبدع كي يعبر به عن مكبوتات لاشعوره ، وما أطروحة ” موت المؤلف ” إلا أخدوعة مجافية لقواعد عملية الخلق التي تنبثق من أعماق المبدع مهما كان المؤثر الخارجي قويأ ومزحوما بدلالاته . والكاتبة تقوم بعملية نبش ذاكرة سالم رغم أنه يرفض ذلك ظاهرا لأن كل ما تحتويه مليء بالمرارة ولا يستثير سوى آلام الخيبة الباهضة . فهو يتذكر أولا وجه أمه الغالية التي خرّبت عمته حياتها وتسببت في طلاقها وفصلتها عن ابنها سالم وهو صغير وفي أشد مراحل نموه النفسجنسي حاجة لحضور الأم الحانية . ومن البدائل التي قد يتوقعها القاريء هو أن سالم وقد انهار أحد أضلاع المثلث الأوديبي سيتماهى مع أبيه فتتعزز خصال الذكورة في شخصيته النامية . لكن هذا لم يحصل فقد أسهمت العمة في ” خصاء ” الأب أيضا فصار لعبة سلبية بيدها تشكله كيف تشاء ، حتى أنها لم تكتف بإقحامه في ثلاث زيجات انتهت بالفشل والطلاق بسبب تدخلها السافر في حياته الزوجية ، ولكنها كانت تتحكم في دقائق سلوكياته وترسم أبسط تفصيلات حياته اليومية . حتى الحنان الذي يريد أن يمنحه لابنه كتعويض عن عطف الأم الغائبة كانت تمنعه منه . يصف سالم حال أبيه المشلول الإرادة :                                                                                                              ( دوما كان مشلول اللسان . فاقدا لإرادته . كنت محروما منه ومحروما حتى من زيارة أمي التي لم يغب طعم حنانها . لم يجرؤ أبي أن يأخذني لزيارتها – ص 20 ) .                                                                                                  والمرة الوحيدة التي جاءت فيها أمه لرؤيته بعد أن التهب في أعماقها الشوق إليه ، قوبلت فيها بالطرد القاسي من قبل العمة . واكتفى الأب بالعتاب المهادن ثم السكوت المستخذي ، في حين انزوى الإبن الصغير مكتفيا ببث لواعجه لقطته دانة التي هي الأثر المادي الوحيد الذي تبقى من أمه التعيسة الغائبة ، مع الذكريات المفعمة بالشوق والأسى . كانت العمة تعلن للأب أنها ستربّي سالم مثلما ربته . وهي في الواقع قد تكفلت بتخريب حياة الصغير ؛ منعت عنه مواصلة الدوام في المدرسة بعد أن كان متفوقا فيها ، وأمرته بأن يلازم أباه في عمله في الدكان رغم عدم حاجة الأخير لهذا العون . لم يجد سالم ملاذا للتفريج عن غضبه المكتوم ومعاناته سوى التماهي مع عوالم أبطال الروايات والقصص التي بدأ يقرأها بشغف : ( عرف كم تعذب أبطالها وهم أطفال مثله . وعانوا من الظلم والغدر والقهر . وكيف استطاعوا أن يتغلبوا على آلامهم ويصبحوا عظماء – ص 59 ) . ولعل هذا الحرمان المبكر من الأم ، والقهر الذي يسلط على الطفل من أم بديلة خاصية والتهامية ( الميدوزا ) ، والحرمان الفعلي أو الرمزي من الأب والذي يتواتر كثيرا في حياة المبدعين هو من العوامل الفاعلة في تنمية بذرة الإبداع في أعماق الطفل المحروم ، وليس شرطا أن تكون ليلى العثمان قد عاشت حياة مماثلة مثلهم ، لأن الروائي يقوم ، وبفعل ضغوط احباطاته الأوديبية المؤرقة المختزنة ، بكتابة ” روايته العائلية ” وفق مفاهيم التحليل النفسي . وقد تكون ليلى قد خطت روايتها العائلية المتخيلة من خلال محنة سالم الذي أنضجت هذه القراءات الروائية إرادته وصار يهدّد ببوادر القوة التي ظهرت عليه مخططات عمّته اللاشعورية كأنثى خاصية للذكور . وينبغي أن لا يغيب عن بالنا أن العمّة هي بدورها ، ومن ورائها الروائية المبدعة ، تقوم أيضا بكتابة روايتها العائلية سلوكيا على أرض الواقع . فقد عاشت في طفولتها كارثة فاجعة تمثلت في موت أمها وأبيها حرقا بفعل امرأة أحبت أباها ولاحقته ليتزوجها فرفض . فما كان منها ، وبعد أن تأجج الحقد الأسود في صدرها إلا أن تتسلل ليلا وتسكب الجاز حول غرفة الأبوين وتشعل النار حتى تفحم الجسدان . وقد نجت العمة وأخوها ؛ أبو سالم ، من الموت لأنهما كانا يبيتان في بيت عمتهما . لقد اختزن لاشعور العمة التي مرّت الروائية على قصتها بسرعة ذاك الفعل التآمري لـ ” المرأة ” التي قتلت أباها وأمها ، والأهم في المعاني النفسجنسية للبنت هو البعد العلاقاتي بالأب . وقد رفضت العمة الزواج طوال حياتها مثلما أجهضت الزيجات الثلاث لأخيها الذي تعهدت بتربيته بعد يتمهما الأليم . إن العمة في الواقع قد تثبتت على علاقة محارمية شديدة الإيهام على بديل الأب – الأخ الذي لعبت معه ، في دور مركب دور الأم للإبن اليتيم . فكانت تعيد رسم خطوط القصة المدمرة التي هزّت أركان حياتها ، فتقوم بتزويج أخيها بإلحاح من إحدى النساء ، ثم تحرق ” جثة ” الزوجة رمزيا ، من خلال تقويض أركان الزيجة ، والخروج بالأب / الإبن سالما معافى وفق تقرير مشيئتها ، في فعل دفاعي معقّد . إن التعبير الرمزي لأفعال العمّة بليغ لكنه مموّه ، فهي تثأر بتخطيط مبادر من الرمز الأنثوي الذي خطف موضوع حبها الأول : الأب بوحشية بالغة ، من خلال توريط المرأة المفترض عداؤها بصورة قبلية بعلاقة مع بديل الأب ؛ علاقة تتحكم هي بمساراتها وسبل تطوراتها ، ونقطة ختامها التي لا تتيح لها أن تحرق البديل . إن سلوكها هذا ينطوي على إحساس بامتلاك قوة سحرية في رسم مخطط هو مقلوب سيناريو الحدث الكارثي الذي صاغته تلك المرأة القاتلة . فهي التي توقّت إشادة العلاقة الزوجية وهي التي تحدد ساعة صفر إهارتها قبل أن تكون الأنثى المنافسة ، الميدوزية بدورها ، قادرة على تنفيذ مخططها الإلتهامي . ولعملة الدور الإلتهامي وجه آخر شديد المراوغة ، ويتمثل في ابتلاع موضوع الحب البديل من خلال الإحتواء في علاقة حب آمنة ، أو من خلال ” انفصال ” الإبن وتعزيز استقلاليته . وهذا ما تكرّر أيضا مع الفتى سالم ، ابن أخيها الذي ما أن أحست ببوادر تململ قدرته على الانعتاق من أسرها الخانق ، حتى ارتدت إلى مخطط روايتها العائلية الأصلي ، أن توقع الإبن – الذكر المهدّد بانفصاله ، في مصيدة علاقة زوجية ، تقوّضها بالتسلط والطغيان بصورة تشعرها بالقوة السحرية على إجهاض النوايا المبيتة المسقطة من صراعات لاشعورها المكبوتة . ولهذا اقترحت على الأب / أخيها تزويج سالم الفتى من الصبية حصة لأنه كبر ويجب حمايته بالزواج من إفساد الصبيان الذين يعاشرهم !! . ولكنها تضع شرطا أساسيا لنجاح هذا الزواج الذي تحسّب الأب من أنه سيفشل مثلما أفشلت أخته زيجاته الثلاث ، الشرط هو أن تكون الفتاة خدوما وطيبة ، ولا تطيل أظافرها .. وحكاية الأظافر الطويلة ، بمعنى الاستقلالية الشخصية والجنسية ، تحيلنا إلى الدور القاتل الذي قامت به العمة مع قطة سالم : دانة .. وإلى ذكاء الروائية الحاد حين وضعت لروايتها عنوانا هو : ” المرأة والقطة ” . فبالنسبة للعمة – وحتى في جانب كبير من التأويلات الرمزية اللاشعورية خصوصا في الحلم – تكون في سلوك القطة الكثير من معاني السلوك ” الكلبي ” المغوي للأنثى المعادية ، المتمثل في تعبير إطالة الأظافر . فأكثر ما يثير في سلوك القطة الجنسي هو أنه سلوك كلبي ، والأخير حسب معلم فيينا ، سلوك شمّي فاضح أولا ولا يستحي من علنية فعله الجنسي ثانيا . لقد انهالت العمة على القطة بالعصا ضربا موجعا وداميا كاد يقضي على الحيوانة المسكينة ، والسبب هو أنها ، أي القطة ، صعدت على سور البيت . فالصعود على سور البيت معناه زيارة أسطح الجيران ، وهذه الزيارة كفيلة بأن تملأ البيت بباقي القطط وقذاراتها . لكن السبب المستتر يتمثل في القلق الكامن من السلوك الجنسي للقطة عبر مماهاتها بأنموذج المرأة الفاجرة التي يمكن أن تحرق كل شيء وتسحق أية حدود من أجل رغباتها الجنسية الفاضحة . وبدون هذا البعد الرمزي اللاشعوري المرتبط بالتجربة المميتة الأولى – موت الأبوين حرقا بفعل امرأة أعمى بصيرتها الحب والرغبة العاصفة – لا يمكن تفسير موقف العمة الصاعق من العملية الجنسية بين الهر والقطة ” البريئة ” دانة . لقد كان ردّ فعل العمة مميتا وهي تشاهد القطة مسترخية بمتعة فاضحة تحت الهر . لقد بطشت بهما ، ففصلت الهر عن القطة حتى تطاير شيء له رائحة الطلع في وجه سالم الذي وقف مستمتعا وعاجزا أمام المشهد ، هذا جانب من ألعاب اللاشعور الماكرة . وقد انزرع هذا ” المشهد الأولي ” الخطير في تربة ذاكرة سالم البيضاء . بعد مدة ، عادت دانة منتفخة البطن ، فأخفاها سالم في خزانته خوفا من عمته الشريرة التي سرعان ما كشفت وجودها ، فحملتها بكل قسوة ، ورمتها في ظلمة بيت الخلاء :                     ( وصلت عمتي بيت الخلاء . بلا رحمة هوت بدانة إلى الفتحة الصغيرة . انحشرت المسكينة في عرضها . حاولت القفز . صعقني المنظر . ألقيت بنفسي إلى الأرض تحت أقدام عمتي . مددت ساعدي لأنتشل دانة . لكن قدم عمتي داست على يدي ثم على رأس دانة لتزجها داخل الفتحة . فماءت المسكينة مستغيثة وعيناها تقدحان برعب عجيب – ص 39 ) .                                                                                                                 وقد لا تكون من مسؤولية المبدع المباشرة أن يبحث في سايكولوجية الجلّاد ، وكيف تتركب تلك المعادلة السادية – التي يجب أن لا ننسى أنها تنطوي في أحشائها على مكونات مازوخية أيضا – المحيّرة التي تجعل إنسانا بسيطا في الظاهر يتلذذ بتعذيب إنسان آخر حتى الموت . لكن المبدعين كما يقول معلم فيينا هم أساتذة علماء النفس وهم الذين وضعوا أصابعهم التشخيصية الحاذقة على عقد النفس البشرية قبل أن يبلور علماء النفس كشوفاتهم في هيئة فرضيات ونظريات وقواعد وقوانين . والمقترب الذي اختارته ليلى العثمان يعبر عن رهاوة حقيقية وأستاذية في الغوص في مجاهيل لاشعور النفس البشرية المظلمة والمخيفة التي لا يتوغل في مطاويها المخيفة سوى مبدع جسور غير هيّاب ( هل يمكن تصوّر مبدع غير جسور ؟؟ ) . إن اللوحة المقززة والباهرة نفسيا في الوقت نفسه التي رسمتها ليلى للعمّة الجلّادة تصلح لأن تكون أنموذجا يُدرس في الآليات التي ينشأ عليها الجلاد وتترعرع في دواخله نبتة العدوان السوداء . وبالمناسبة فقد ثبت علميا وإحصائيا أن الغالبية العظمى من الجلّادين هم – في حياتهم العامة – أناس طيبون وأصحاب عوائل متآلفة ، يحبون أطفالهم ، ويتمتعون بعلاقات دافئة مع جيرانهم وأصدقائهم . لكن الذي يحوّلهم إلى جلّادين دمويّين هو القوة المفرطة والسلطة التي لا رادع لها من ناحية – لم يكن أحد يقول للعمة : لا ، كما يقول سالم الذي قلّم أظافرها بعد محنة زواجه بمجرد كلمات رافضة بسيطة ، والمكبوتات اللاشعورية التي لم تجد لها حلا وخصوصا تلك التي تختزن منذ أيام الطفولة المبكرة من الناحية الثانية . ولكن الأهم هو المعنى الرمزي الذي تمثله الضحية . فما هو وجه التهديد ” الواعي ” الذي تمثله ممارسة جنسية عادية بين هرّ وقطة تشاهد مثلها العمة الجلادة عشرات المرات ؟؟ إنه التهديد الإستباقي نفسه الذي اختزن في لاشعورها سنوات طويلة . والقطة التي تقفز بمرح على السور ترتكب جريمة كبرى بالنسبة للاشعور العمة الآثم ، هنا تتجلى قيمة التأويل وفق محددات اللاشعور المختزنة المخالفة لافتراضات البنيوية التي تجعل العقل سجينا في قفص اللغة ( جعل هيدجر العقل البشري سجينا في قفص اللغة لكن فوكو تطرّف فجعل العقل سجينا في قفص المفردة !! ) . أي قاريء يستطيع تبرير فعلة العمة النكراء ، ولا يقف حائرا مثل سالم الممزق الوجدان ، الذي يشعر من طرف خفي أن طبخة زواجه التي أعدتها عمته هي مؤامرة ” لاشعورية ” تبغي العمة منها التخفف من التهديد الذي احتقنت نذره في روحها منذ زمان طويل . لكن ، وهذا ما لا ننتبه إليه من خطورة ” مصائد اللاشعور الماكرة ” التي تخلط سمّ رغبات اللاشعور بعسل تنظيرات الشعور الكسير المتنفج ، فرغم تحذيرات وعي سالم المرتكزة على تجاربه الصادمة السابقة مع عمته ، إلا أن دغدغة مشاعر الرجولة لديه ، وخيالات الرعشة اللذية التي زرعها في نفسه ” المشهد الأولي ” للمواقعة الذي يراه الطفل عادة بين أبويه ويلمح فيه معنى افتراسيا في كثير من الأحيان ، والذي رآه من خلال مشهد الإلتحام بين الهر وقطته دانة التي هي بقية أمومية ، وهذا ما جعل إرادته تلين بل تستخذي انتظارا لعطايا الرغبة اللائبة رغم معرفته بشراسة عمته ونواياها المبيتة التي خربت حياة أمه وأبيه من قبل . لقد رققت صحوة الغريزة الجنسية المكبوتة والتي ارتبطت بصورة المواقعة بين الهر ودانة ، تلك الصورة الملتهبة التي توافقت مع نهضة عنقاء غريزته الجنسية من تحت رماد القمع والمهانة والإنخذال الذي كان نموذجه الأكمل يتمثل في انخصاء الأب ، رقّقت صلابة حواجزه الدفاعية النقدية الواعية ، في محاولة لاستعادة الدور الأبوي في ” رواية عائلية ” مبتكرة تطفيء نيران آماله المجهضة في أن يكون أبا مقتدرا وراعيا يحفظ زوجته ” حصة ” ويؤمن مستقبلا آمنا لها ولذريته ، وهي الصورة المخالفة تماما للحال الذي وضع فيه أبوه .. منخذلا .. مهانا .. مذلا حتى وهو ينبري يائسا للدفاع عنه والوقوف في وجه عمته :                                                                 ( لأول مرة يدخل أبوه في عراك مع عمته . كان بداخله ينتصر لأبيه ويتمنى أن ينتصر على عمته ( ولاحظ انفعالية ليلى بموضوعها التي جعلتها تكرر ، وهي صاحبة اللغة العالية ، الفعل ينتصر مرتين على مسافة سطر وحد !! ) … لكن الشجار انتهى بخذلان أبيه وخذلانه . حاول يشتمها في سره لكنه تصور أنها سوف تسمع شتيمته وتنقض عليه . نظر إلى أبيه . شعر أنه يكرهه في تلك اللحظة كما يكره عمته . وحين اقترب منه وربت على كتفه متصورا أنه يواسيه ، شعر وكأنه يدقه نحو الأرض . فتهاوت روحه قبل أن يصرخ أو يتوسل – ص 56) .                                                                                                                                            ومن الأمور التي مهدت السبيل – بفعل تخطيط الكاتبة – لسالم لـ ” تخيّل ” روايته العائلية هو أن تعلقه بقراءة القصص والروايات قد وفّر لديه قدرة متميزة من أقرانه في كتابة الحكايات :                                                                           ( كان أهم ما كتبته حكايتي مع دانة التي أبكت بعض زملائي ونقلوا لي إعجاب المدرسين بها . احتفظت بالقصة . ورسمت عليها صورة دانة ونقشت اسمها بخط كبير . وكنت أخفي الورقات في مكان أمين خشية أن تذبحها عمتي كما ذبحت دانة – ص 58 ) . وحين نلاحظ فعل الذبح الذي استخدمه سالم لوصف الفعل المتوقع الذي ستقوم به العمة مع أوراق قصّته ، فسنمسك برأس خيط القلق الرهيب الذي استولى على روحه الصغيرة ، وجعله يؤنسن الوريقات الجامدة ، في إسقاط لهواجسه الممضة المتجذرة في تربة مخاوفه من الإنخصاء على يد العمة التي بإمكانها أن ” تذبح ” رجولته مثلما ” ذبحت ” ذكورة أبيه . ولأن لحظة التحام الهر بدانة كانت هي المشهد الأولي للفعل الجنسي في حياة سالم فقد جعله شاهدا مرجعيا يقيس عليه الإحالات الجنسية الجديدة التي تلقيها الحياة اليومية عليه أو التي تنبثق من جهود عمته في ترتيب عملية زواجه . فحين تطرح الأخيرة عليه فكرة الزواج من حصة تعتريه لهفة لمعانقة حصة رغم أنه لا يعرفها ، وتتراءى له صورة لقاء دانة بالهر ، وتصدمه استعادة صورة فصل الهر عنها . وحينما تقول له عمته أن عليه أن يأكل جيدا كي يقوي نفسه للزواج ، يجد نفسه تتساءل عن هل كان الهر يقوي نفسه قبل أن يواقع دانة ؟! :                                                           ( لم تكن لحظة التقاء الهر بدانة تفارقه . كانت بذكراها تثير قشعريرة عجيبة في أوصاله . مزيج من الدهشة واللذة ، لا تلبث أن تفر حين تداهمه اللحظة الأخرى المرعبة . اللحظة التي فصلت يد عمته دانة عن الهر – ص 66 ) . لم يكن سالم متماهيا بالهرّ في فعله الإيجابي الاختراقي ، كان في الحقيقة ، وبفعل القهر المزمن من جلّادته ، متماهيا مع دانة ، القطة البيضاء الصغيرة التي أهدتها إياها أمه ، وصارت خليلته وصاحبته . لقد كان في تعامله مع عمته أشبه بالقطة المرعوبة ، مثلما كان سلوك أبيه أيضا . لقد ” دجنتهما ” العمة الشرسة الكارهة لنفسها ولمن حولها . وقد دهمته اللحظة الأخرى المرعبة بمعاني العجز والانخذال في ليلة زفافه ، رغم حماسته الحارقة لمواقعة قطته الجديدة حصة ، فقد كانت قمرا بشريا .. تسدل أجفانها فتنسدل رموشها لتصل خدين كالفضة .. ثغر مستدير مثل حبة العنب يخشى أن ينعصر ويتألم .. لقد فاحت منها ، وهو يقترب بوجهه لملامسة المرآة الصافية ، رائحة ذكرته برائحة أمه التي حرمته منها العمة ، ورائحة دانة التي قتلتها العمة ايضا ، وكلتاهما موضوع للتثبيت ، الأولى فعليا ونفسيا ، والثانية رمزيا ، ولكن يكون مجموع الرائحتين ، مثيرا يستدعي بالتضاد حضور الشبح الخاصي المهدّد . وحضور هذا الشبح جعله ” ينربط ” ، ويفشل في محاولة فتح ” الباب العذري ” :      ( صرخ من حوله كل شيء . أحس يدا قوية تشده تعطله تفصله . وجهها يبتعد عن وجهه ينتصب وجه عمته . يشرع أنيابه . يرى مخالبها تتجه إليه تنغرز في لحمه تنهار قواه . تدور به الأرض … ينظر لوجه حصة ، مبللا ، حائرا . مسته بكفها أحس ارتعاشتها تنفضه وتعذبه . من عينيها أطل التوسل والنداء . لكن نداء لا يمنحه القوة ولا يحرك ساكنه – 70 ) .                                                         وبخلاف أغلب الروائيات والقاصات العربيات اللائي لم يستطعن الفصل بين كتابة الرواية وكتابة الجسد ، وصرن لا يستطعن كتابة روايتهن العائلية مثلا دون أن تمر أساسا على معبر شهوات وتفصيلات أجسادهن ، حتى جعلن القاريء ، وللأسف قبله الناقد ، لا يستطيع الفصل بين سرد حكاية الروائية وسرد حكاية جسدها حتى لو كان ذلك بصورة غير واعية . إننا نواجه هنا سردا حسّيا حييّا إذا جاز التعبير ، وهذا النوع من السرد هو الأفضل حتى بمعاني الإستثارة الجنسية متذكرين زر قميص أرملة كازنتزاكي الأخير في ” التقرير ” ، فرغبات اللاشعور تبحث أبدا عن الإشباع السريع المباشر محكومة بمبدأ اللذة ، وبذلك فإن التعطيل واللامباشرة تشعلها وتضاعف سعيرها :                                                                                                      ( – لا تستعجل ..                                                                                                                 استسلم لدعوتها وارتاح . كانت كل ليلة تطيح برأسها على صدره . فتتفرع في قلبه الأغصان . ترتمي على جسده زهرة . ترتوي من لهفه . وحبّه . ترتضي به غيمة تهطل خيرها عند نافذة القلعة فينتعش الربيع . تصير الليالي مبهجة . وحصة دانته التي يحتويها بين ذراعيه . يدفئها بثيابه . يسليها بالأحاديث والحكايات ويسمعها الشعر الذي حفظه . كان جسده يتوق . ويهتاج وجسد حصة يبوح بعطر الترقب . والفأس الذي لا يقوى اختراق الأرض الصلبة يكتفي برش الماء عند الباب – ص 71و72 ) . بخلاف الكاتبات اللائي وقعن في مصيدة عرض الجسد الأنثوي الذكورية التسليعية ، تكتب ليلى العثمان – مراجعين وملاحقين منجزها الإبداعي في صمت الفراشات وغيره – مدركة بخلاقية عالية أن جسد المرأة / الكاتبة ينبغي أن لا ” يُسرد ” على صفحات النص لأنه سيعبر عن انسكاب الذات الذي فرضته تقاليد مجتمع الذكورة وليس ثأرا سرديا من سطوة السرد الرجولي المخترِق ( وعقدة المرأة عموما تتمثل في محنة الإختراق ؛ فهي تُخترق ليلة الزفاف ، وفي الدورة الشهرية ، وفي الحمل وفي الولادة .. بألم وبلا رحمة .. الآلام ضرورة للأنثى .. والأنثى ضرورية للحياة أكثر من الذكر .. الذكر استطالة حياتية يمكن الاستغناء عنها .. والأنثى لازمة بقاء وخلق .. لذلك يحسدها الذكر على قدرتها الخالقة .. وليس عبثا أن أول إله عبد على وجه الخليقة – في سومر – كان أنثى  .. ) . لكن هذا ما لم تدركه العمة .. ولن تدركه .. فهناك حتمية لاشعورية أمسكت بمخالبها بكل منافذ إدراكها ، أغلقتها وجعلت سبلها خانقة معتمة . هي طرف المتصل المتطرف الذي تحارب فيه الأنثى جسدها الباهر وتلفظ حاجاته المشروعة . لقد أجهضت زيجة أخيها الثانية لأنها اعتقدت أن الزوجة المقبلة سوف توقعها – بالمقابل – في أحضان زوج مقبل ، وكأن هذا الزواج ” إخصاء ” وجودي مقابل لها كأنثى .. كأنه تكرار لواقعة الحرق الأولى التي أصابتها بالخذلان المزدوج : من الأنثى القاتلة ، ومن الأب الذي ” غدرها ” أيضا . ثم يأتي دور الضغوط الإجتماعية المرتبطة بليلة الزفاف في أغلب المجتمعات العربية والتي تعزّز العجز ، لأنها تشعل القلق وفق طقوس تجعل الإعتبار الذاتي والكرامة الشخصية مهدّدين ، من خلال ارتباطهما باقتحام الباب العذري في ليلة محددة يجب أن يقدم الذكر في صباحها ” الدليل ” القاطع على ” الفتح ” الذي حققه . هذه الضغوط تجعل جسد الشاب قرب زوجته على السرير وعقله الهادر بالتحسبات والشكوك في الخارج .. بين ” الشهود ” الذين لا همّ لهم في الواقع سوى أن يصدروا قرار الإدانة . وليس كل شاب يعيش في مثل هذه المجتمعات يصاب بالعجز في ليلة زفافه . لابدّ من وجود عوامل ممهدة ترتبط بالبنية النفسية للعريس . والعريس الذي عاش النمو النفسجنسي المشوّه لسالم سيقع حتما في مصيدة العجز . فشهود سالم أب مخصي لا يصلح كأنموذج للإنجاز ، وعمّة يطل وجهها عليه في خيالاته حتى وهو في غرفة زفافه ، وجه يشرع أنيابه ، ويغرز مخالبه في لحمه . ومع تكرار العجز وحضور مصدر التهديد ، يحضر وجه دانة باكيا وقد فصلت عن الهر . وهناك عامل مضاف شديد الأهمية ويتمثل في أن عملية الافتراع التي ينظر إليها العريس ” الطبيعي ” كواجب زوجي ومصدر للمتعة ، تشكل ، وهي ملطخة بالدم ، مصدر إثم هائل بالنسبة للعريس المعصوب الذي يكون لاشعوره هشا ، يلتحم فيه ، في الكثير من الأحوال موضوع الحب الجديد بموضوع الحب الأصلي المختزن في طيات اللاوعي ، خصوصا حين يكون مرتبطا بالحرمان المبكر . وهشاشة اللاشعور الآثم تجعل الفرد يتراجع إلى مراحل التفكير الطفلي الذي يوسّع رمزية الدم ومعانيه ليوحي بدم موضوع الحب ، ومعاني الإختراق كخرق لمحددات الخصاء التي زرعتها العمة في وجدانه فيما لو تجاسر على لعب الدور الأبوي . وهذه الهشاشة تعيد إلى أذهاننا سلوك الكثير من الشعوب البدائية التي كانت تتعامل مع افتراع العروس كنوع من التابوات ، فتخصص شخصا يسكن خارج القرية عادة يقوم بمهمة الافتراع بدلا من العريس !! . إنها عملية مثيرة للقلق بطبيعتها ، ولا طبيعة حرمية لفعل ” عادي ” من دون أن يرتبط ببدائية ” اللاشعور العاري ” الذي يتمتع به الإنسان البدائي والطفل والمعصوب والذي يدرك معنى أوليا لسفح الدم أولا ، وارتباط العمل المثير للإحساس بالذنب بصورة محرمة مرجعية ثانيا . لكن المشكلة الإجرائية تتمثل في أن الفرد الذي يعجز في المحاولة الأولى ، ويشعر أن المطلوب منه أن يحقق ما هو متوقع منه ، تشتعل مخاوفه من الخزي المنتظر ، فيقلق بدرجة أكبر ويستميت في محاولة جديدة دون أن يعلم أن القلق هو الذي يثبط فاعلية الجهاز العصبي اللاإرادي بقسمه العطوف ( السمبثاوي ) المسؤول عن الإنتصاب لدى الذكر . وهذا العجز بدوره يشعل القلق بدرجة أكبر ويدفع الفرد نحو تكرار المحاولة .. وهكذا يدخل في حلقة مفرغة من تكرار الخيبة والعذاب :                                                                               ( كرّر المحاولة . كانت رغبات جسده تجرّه كل ليلة إلى موت جديد . كفّ عن المحاولة آملا أن تقوى حبائل شوقه ليتسلقها بجدارة تليق بسور القلعة . يدخلها آمنا . لكن الريح تعاود عصفها وتطوّحه . فيرتمي وحصة لابدة بانتظار المطر ، والمطر لا يأتي … وحين يعدها بغيث جديد . تصدق الوعد . وتلهمه الأمل . فتدب إليه القوة . يقبل على أرضها . يتمرغ على أعشابها . يخوض بطين التربة الندي . يرفع الفأس . لكنه يهوي قبل أن يصل القرار الذي يريد – ص 71 ) . لكن حلقة سالم المفرغة مزدوجة في الواقع . فسالم الذي تسلطت عليه العمة طوال سني حياته ، واعتقد بأنه قد ظفر بفرصة ” تاريخية ” لا تعوض يثبت من خلالها لنفسه أولا ولعمته ثانيا أنه ” رجل ” متكامل وقادر على تحقيق ذاته في أخطر امتحان يواجهه في حياته لأن فشله مع حصة يقدم الدليل القاطع على صحة رأي عمته غير المعلن في قصوره وعجزه ، صار يخشى أن تعيره عمته بخيبته . صار يخاف أن تقوم العمة بفصل حصة عنه مثلما فصلت دانة عن هرّها . ومن أجل أن يتفادى ذلك ، صار عليه أن يقدّم تنازلات أكثر كي يضمن صمت العمة . أن يسكت عن الإذلال والإرهاق الذي تمارسه العمة على زوجته ” حصة ” . ففي الوقت الذي كان عليه أن يكون زوجها الحامي الذي يدفع عنها الأذى ، ويوفر لها أسباب الراحة ، صار يسكت وهو يرى العمة قد سخّرت حصة للخدمة في البيت بلا رحمة : ( كان يدرك مدى تعبها . وكأن عمته التي تستعبدها تقصد أن تقدمها له آخر النهار ثمرة ذابلة حتى لا يهنأ بها ولا تهنأ به – ص 73 ) . ولم تكتف بذلك بل كانت تسيء معاملة أم حصة حدّ أن الأخيرة قررت عدم زيارة ابنتها  ؛ لقد حرمت حصة من رؤية أمها كما حرمت سالم من أمه . وحتى أبوه صار عبءا يضاف إلى أعباء حصة المسكينة . فكان يدعوها لتهمّز له ساقيه ، وتقضي له طلباته ؛ تنظف غرفته وتغسل ثيابه . حتى هذا الأب المخصي ، صار مصدر تهديد مضاف يمعن في إحكام حلقة الخراب المفرغة . فسالم لم يعد قادرا حتى على النظر في عيني أبيه ، فهو يعتقد أنه سيلمح فيهما ما سيجرحه : ” أنت مو رجّال ” . هكذا من عجز إلى عجز تتنامى حلقات سلسلة العذاب والإحباط . وكانت حصة طوال شهور خير عون له ؛ تغذّيه بالأمل ، وترفض يأسه ، وتشجعه على المحاولة . وكانا متفاهمان حول محنته رغم مشاعر العار التي تستعر في داخله . لكن أمرا غريبا حصل صاغته الكاتبة المقتدرة بصورة مسمومة أربكت بها كل توقعاتنا الإدراكية التي أسسناها على ما بين أيدينا من معطيات ” متسلسلة ” حتى الآن . فذات ليلة تحسس سالم مكان حصة في الفراش فلم يجدها بجواره . فانتفض . كانت في بيت الخلاء كما قالت له . وحين عادت رأى وجهها متوردا ، وحين لمسه كان دافئا . وعند هذه اللحظة جاءت الشرارة ” المناسبة ” لتشعل حطب المحنة المكتومة التي جمعها لاشعور سالم طويلا حتى اختنق بها . بدأ يسائل نفسه : ( هل صارت حصة مثل دانة تبحث عن دفء غير دفئه ؟؟ عن هرّ يسرّب إليها النشوة ؟؟ – ص 81 ) . إن خلخلة المسار الهاديء لبناء قناعاتنا كان مقصودا بدرجة عالية . فمن ناحية تكرر الكاتبة ولأكثر من مرة أن فأس سالم وإن كان لا يقوى على اختراق باب قلعة العذرية إلا أنه كان يكتفي بـ “رش” الماء عند الباب ، لتوقعنا في إيهام متداول من أن الفتاة العذراء قد ” تلقف ” حبوب اللقاح الذكرية حتى لو لم ” تشمّها ” فعليا بعمق . عزّز ذلك موقف الأم – أم سالم – المساند للتبرير ذاته بعد أن أخبرها ابنها أنه قد اخترق دهليز الأنوثة المحصن متأخرا ، ففرحت رغم حيرته :                                                                                                     ( – الحمد لله الذي بلغني فيك                                                                                                  ابتعد عن صدرها .. نظر إليها والحيرة تملأ عينيه :                                                                            – بس يا يمّة . شلون حملت حصة ؟                                                                                         ضحكت .. بانت أسنانها ، ولثتها المصبوغة ” بالديرم ” :                                                                            – حسبي الله عليك ولد .. كل شي يصير . قدرة الله .                                                                               – ليش قالت طلقني .. أو اقتلني وارتاح ؟                                                                                            – خافت . ما تدري شالسالفة . وايد بنات يحملون قبل ما ..                                                                          دفعته وهي تداعبه :                                                                                                               – ” بسّك عاد ” لا تصير غشيم . – ص 116و117 ) .                                                                   لكننا ميّالون دوما إلى تلك الربكة التي لعبت الروائية على أوتارها ببراعة ، وهي لعبة المحارم ، التي تمور أصلا حفزاتها في أعماقنا بلا هوادة ، ولهذا تُشرع القوانين ، وتُؤسس القيم الجمعية لردعها ، حسب التوصيف الذي لا غبار عليه ، رغم مظهره الاستفزازي ، لجيمس فريزر ، صاحب ” الغصن الذهبي ”  : ( إننا لا نرى جيدا ما الذي يحيج غريزة متأصلة إلى أن تعزز بقانون. إذ ليس هناك من قانون يأمر الإنسان بالطعام والشراب أو ينهاه عن وضع يديه في النار . والناس يأكلون ويشربون ويبعدون أيديهم عن النار بصورة غريزية خوفا من العقوبات الطبيعية. وهذا الذي تحرمه الطبيعة وتعاقب عليه ليس بحاجة إلى أن يُعاقب بقانون. ولهذا فنحن نستطيع أن نقبل بلا تردد أن الجرائم الممنوعة بقانون هي حقا جرائم يرتكبها بسهولة كثير من الناس بحكم الميل الطبيعي . ولولا وجود الميول السيئة لما وجدت الجرائم ، ولولا وجود الجرائم لما كانت هناك جدوى في منعها . وهكذا فأننا بدلا من أن نخلص من التحريم الشرعي لإتيان المحارم إلى وجود كراهية طبيعية يجب علينا بالعكس ، أن نخلص إلى الاعتراف بوجود غريزة طبيعية تدفع إلى إتيان المحارم . ولئن كان القانون يحرم هذه الغريزة ككثير من الغرائز الطبيعية الأخرى ، فذلك لأن الناس المتمدنين شعروا بأن إرواء  هذه الغرائز الطبيعية أمر موذٍ من وجهة النظر الاجتماعية ..” .
… وثانيا فإن استدراج القاريء نحو سفح الاستدلال المحارمي قد تيسّر بعد أن تم التمهيد له باستغلال الأب لحصة في العناية به ، وتهميز ساقيه ، وغسل ملابسه ، وتنظيف غرفته ، لتصل الذروة في تلك الليلة الليلاء التي غابت فيها عن فراشها ثم عادت موردة الخدّين ، دافئة الجسم ، متسارعة النبضات ، كناية عن الإمتلاء بالمتعة الجسدية التي حرمت منها طويلا . ومن القرائن التي تعمق هذا الاستنتاج ، الذي داورته الروائية بمكر ، حتى لو كان مغلوطا ، هي أنها جعلت حصة ، ولأول مرّة ، ترد ، بعد عودتها من الغيبة الليلية ، بقسوة وجفاء على سالم الذي كان يسألها مخلصا وبعطف عن سبب خروجها لوحدها ليلا حتى لو كان خروجها إلى بيت الخلاء : ( – وضروري كل مرّة تروح معاي ؟ .. أنا مو ” قطوة ” تخاف علي – ص 82 ) .  وخوفه عليها عندما تخرج لوحدها حتى وهي في البيت يعبر عن قلقه المكين والمستفحل الذي انزرع في روحه ، لأنه يرزح تحت مطارق التهديد الفعلي .. حصة مثل دانة .. هدف سهل قد لا تتورع العمة عن رميه في بيت الخلاء ، فالوجدان المعصوب لا يقيم وزنا للحسابات المادية – الفيزيائية . إنه يضع الإعتبار فقط لحسابات كتلة لحم الغريزة وحجم القلق المرتبط بجسد الرغبة المكبوتة ، وكلها لا صلة لها بالحسابات العقلية الواعية . لكن الوقائع الإجرائية لا تكفي وحدها لخلط وتشويش القناعات المفروضة من الخارج مهما كانت قوتها ، في حين أن أوهى المؤشرات تحصل على أسانيد اللاشعور المحصنة ودعمها إذا وائمت رغباتها المكبوتة حتى لو كانت تلك المؤشرات زائفة . كلّ مجسات مواقفنا وأفكارنا تتشمم القرائن من الداخل ، ومن أعمق أعماق الداخل المظلم ، وكلما كانت المواقف والأفكار متطرفة ومفرطة في غرابتها ، كلما كانت جذور دوافعها العميقة تغور بعيدا في تربة اللاشعور الذي لا يعرف للمنطق منطقا . ولأن هناك ” هرّين ” في البيت ، أحدهما ثبت عجزه فعليا هو سالم الإبن في أول تجربة له ، والآخر وهو الأب ، ذو الزيجات الثلاث التي أسفر آخرها عن ميلاد سالم نفسه ، وهذا هرّ ذو سوابق .. لكن سابقة هذا الهرّ الأكبر لا تكمن في دلالات سلوكه ” الخارجية ” أبدا ، فهو قد استبشر خيرا وضج ّ فرحا حين أخبره ابنه أن زوجته حصة حامل . ثم هجم عليه ممسكا بتلابيبه حتى كاد يخنقه حين فجر في وجهه مفاجأة عجزه ، وأنه لم يدخل حصة من ليلة الزواج حتى لحظة إخبار أبيه بأمر حملها ” العذري ” . ورغم اندهاش أبيه ، فإن سالم لا يتورع عن القول بأن لا يوجد في البيت سوى رجلين : هو وأبوه . وبذلك لا يدع مجالا للشك ، مادام عجزه قد تأكد بأن شريكه في الجنين الذي بدأ يترعرع في رحم حصة زوجته هو  أبوه . هنا لابد أن نعود إلى أصول مناورة – أمسكت خيوطها الروائية بإحكام وكأنها جزء من روايتها العائلية المتخيلة الفعلية المسرودة على الوريقات التي تخشى أن تُذبح – مكمنها عصي عن التقرّب في حالات وضوح الرؤية ، لكنه يسير الإنبثاق حدّ التضبيب الخطير لمجال رؤية الوعي في حالات الإمتحان الوجودي – ليس على طريقة سارتر الأعور طبعا – المرتبط بالكفاءة النفسية اليومية ، لعب دور الإبن – الدور الأوديبي – ولو حتى على مستوى التخييل والإشباع الفنطازي . ولأن كل هذا المسار أغلقت العمة الخاصية والأب المخصي منافذه بصورة نهائية ، فلم يبق أمام سالم من سبيل سوى مرجعية لاشعوره حيث تتشكل ، في أوقات العجز الجنسي والإختبارات الحبية الانفصالية الحقيقية ، صورة الخائن – وأغلب ملامحها مسقطة من سمات وجه الخائن الداخلي الذي ارتسم دوره على لوح اللاشعور الأبيض من دون حاجة لممهدات علاقاتية ناجزة – التي هي في وجدان الإبن صورة وحيدة تشتق منها حتى صورة إبليس صاحب القرون المدببة والقضيب الضخم والذيل المشطور ، وهي صورة الأب . وهذا استنتاج ” علمي ” لاشعوري ، له قواعده وقوانينه التي أصيبت البشرية بسبب غفلتها عنها ، بل احتقارها لها ، بخسائر مرعبة . وحسب توصيف ” إريك فروم ” فإن من يعتقد أن للشيطان قرونا لن يرى سوى الملائكة وهو في طريقه إلى السماء . وقد يندهش القاريء لهذه التحويلة التي سنتركها لأن هذه الفسحة النقدية ليست مجال معالجتها . فالإشارات الخيانية التي صدرت عن الأب لم تكن كافية أبدا ، إن لم تكن بريئة تماما ، لتبرير تصوّر الإبن الذي لا عودة عنه ، والذي يعبر عنه سالم المخذول وبحرارة . هنا ينبغي أن نسجل سمة أسلوبية مهمة لليلى وتتمثل في اللعب على الضمائر : ضمير المتكلم ، وضمير المخاطب ، وضمير الغائب . فروايتها هذه من الروايات القليلة التي حُسب فيها الإنتقال من ضمير إلى آخر بمهارة ، تعبيرا عن الدقة في استخدام المفردات عددا ودلالات . لن تجد تحولا عشوائيا في استعمال الضمير الأول لصالح الضمير الثاني .. كلّ شيء محسوب ، تفرك المبدعة الضمير والمفردة بحرص يهودي يودع العملة اللغوية المعدنية في كيسه : ( لم ترحمه عمته . لم يرحمه أبوه . من أين تأتي الرحمة ؟ وتحريضه على قتل حصّة يطارده ؟ :                                                                       – الّلي في بطنها ولد شيطان                                                                                                                أصرّ يعاود لأبيه الإتهام :                                                                                                                – الشيطان في بيتنا .. – ص 90 ) .                                                                                                     و ( إن لم يكن أبي فمن يكون ؟ لا أحد يدخل بيتنا . وحصة لا تغادره إلا لبيت أمها . آخذها بنفسي .. كيف حطت البذرة في أحشائها ؟ كيف لا أشك بأبي الذي كان ينتزعها من يدي في كثير من الليالي لتهمّزه ، وتلبي طلباته … – ص 90و91 ) .
وهكذا نتقلب مع دوائر المواجهات الخطابية بضمائر مراوغة في كل موقف ، يتم تداول الصوت الخطابي حسب الحاجة النفسية بلا زيادة أو نقصان ، وهذا عامل مضاف جعل الرواية رشيقة ومبناها مفصّل على معناها بحرفية عالية . ويمكن تقديم العديد من الأمثلة المعبرة عن هذه المهارة ، منها – على سبيل المثال لا الحصر – النقلة التي تحققها الكاتبة من سالم – ضمير المتكلم – ، إلى سالم بضمير الغائب : ( لم أكرهها . لم أحقد عليها . أبتعد عنها . ثم أعود إليها .أشتهيها . أتجاهل مرتفعها الذي يحتوي الثمرة .. أحضنها .. أجرب الدخول .. وفي لحظة تتقافز إلي الظنون والصور فأتهاوى مبتلعا عذابي ونقمتي على الكون كل .. على عمتي . أبي . على نفسي وعلى حصة . مصدر الحب . ومصدر العذاب الذي غير حياتي ) ..و ( تغيّرت الحياة في البيت . نشط العداء بينه وبين أبيه . تباعدا .. – ص 91و92 ) .
إن هذه النقلات المنسابة بيسر حافظت على وحدة المسار السردي لتجعله بلا انقطاعات محسوسة رغم تبدل مقتربات ومواقع السارد وتحولاتهما الحادة أحيانا . وتحقق الكاتبة الأنموذج الأكمل في المشهد الأخير المركب الذي هو مقلوب المشهد الإستهلالي الواسع ، وذلك حين ترتد الكاتبة بذاكرة سالم الجريحة من اللحظة التي يفاجئه الطبيب فيها بأنه كان يحكي كل شيء عن حراسته لحصة كل الوقت ، وعزمه على حمايتها ، ومنع موتها على أيدي أبيه أو عمته مهما كلفه ذلك . كان يتحدث ” مونولوجا ” مسموعا دون أن يدري . وفي الوقت الذي ينسى فيه بعض الكتاب كيف بدأوا أو كيف صمّموا بعض المشاهد المركزية في رواياتهم كما حصل لماركيز مثلا في روايته ” ليس لدى الكولونيل من يكاتبه ” ، فإن ليلى تمسك بحلقات روايتها – حتى البسيطة منها – بحرفية عالية ، وكنت ومازلت أقول أن القصة القصيرة فن ، أما الرواية فهي ” علم ” .. وعلى الروائي أن يكون ” صاحيا ” وشديد الإنتباه وهو يشتغل على تجارب روايته في مختبره السردي . فأقل غفلة – أو اندماج في مشهد يغازل مكبوتات لاشعوره – يجعله يضيع ويفرط ويطيل كما ضاع ” بروست ” مع رقبة ” ألبرتين ” في ” البحث عن الزمن الضائع – في ظلال ربيع الفتيات المزدهرات ” . في المشهد الإستهلالي الممتد ، وبعد أن يحقن سالم الهائج بعقار مخدر للسيطرة عليه .. يهدأ ويبدأ بالتساؤل : ( لمن أعيش ؟ حياتي كانت مرّة منذ فقدت وجه دانة – والآن . ستكون أكثر مرارة بعد أن غاب وجه حصة … لماذا يريدون نبش ذاكرتي ؟ – ص 15 ) . وفي المشهد الختامي وبعد أن يصدمه الطبيب بحقيقة أن ” أمه ” – أعتقد أن المقصود هو أبوه وليس أمه – وعمته دخلا البيت ووجداه قرب حصة والحبل في عنقها ، وينفجر في نوبة عنف ماحقة هو الذي كان يصر دائما على أن عمته هي التي خنقت حصة بالحبل ، يحقن بالمخدر ويتداعى : ( يسري إليه المخدر .. يغيب . لا يحس بأي خيوط تشده إلى الحياة . إلى كل من حوله إلى الذين يريدون أن ينبشوا ذاكرته وكأنها – قبر حصة – أو – قبر دانة – ص 107و108 ) . إننا نقف أمام فعل مخرج يسيطر على أحداث مشاهد شريط فيلمه ليعيد المتفرج من خلال إعادة قرائن ذاكرته إلى العمل ، والمراهنة على اشتغال وعيه الثاقب في الإمساك بأسرار الصنعة الروائية التي تتركب من مكونات بسيطة جدا ، حالها حال محرك الطائرة الذي نندهش حين نراه يتركب من عتلات ومكابس بسيطة نشاهدها في حياتنا اليومية . وعلى القاريء أن يتصرف كـ ” محقق ” يركّب وقائع الجريمة من أبسط الأدلة . فمثلما كان المشهد الختامي هو مقلوب المشهد الاستهلالي من حيث تسلسل الوقائع واتجاه منحاها الدرامي ، فإنه مقلوبه أيضا في تعميق تلغيز حبكة الرواية ، وفي محاولة فك لغزها من خلال خلق المزيد من النقاط المعتمة على أرضيته عبر التساؤلات الإيهامية . فإذا كان سالم قد فجع برمي دانة في بيت الخلاء من قبل عمته ، وحاول مستميتا أن يدلي حبله / الأنشوطة إليها كي تتعلق به وينقذها ، وفشل في ذلك ، فإن الحبل / الأنشوطة / أداة الإنقاذ هو – رمزيا – الأداة المعاقبة للعمة ، والذي يصعد في حالة حصة ، وفي الواقع  النفسي ( والواقع النفسي هو واقع مادي رغم اعتقادنا الفج بهلاميته ، ولا محسوسيته !! ) ، وفعليا من الأسفل ، من أسفل قاع الروح المهانة إلى ” فوق ” ليعلق برقبة – وليس بيدي الفعل المبادر للضحية – حصّة ، ويشتد في تحقيق المزيد من الحصانة والإنقاذ – وهذا يفسر الكثير من سلوكات القتل الرحيم ، والانتحار وتدمير الذات في الوقت نفسه . وفي الليلة التي لعب فيها حبل الأنشوطة دوره الناجز ، حقق ” حبل ” ذكورة سالم دوره بأعجوبة بعد أن تعطل طويلا . لقد استطاع سالم افتراع حبيبته الصابرة المغدورة والمتهمة ، في لحظة فريدة ، تخفّف فيها ، وللمرة الأولى في حياته كما تقول الكاتبة من ضغط الشبحين المهددين الخاصيين ؛ عمّته وأبيه ، فقد غادر الشبحان البيت وقتيا ، وانطلق العاشقان المهضومان الصغيران في ساحة البيت ليمارسا الجنس في ساحته تحت القمر الحاني والنجوم الأنيسة الموادعة ، ومع صفاء الخلوة اشتعلت قدرات سالم الجنسية ، إشتعالا غريبا لم يعهده من قبل :
( .. هي دانته .. هو الهر .. القوي المشتاق . كل عذابات الماضي تغادره في لحظة .. طبول عرس تدق .. زغاريد أمه والنساء . ووجه حصة في يوم عرسها يتألق . يلتوي بالجسد محموما .. يعتلي أسوار القلعة فارسا .. و .. يخترق الدهليز المحصن . فتسيل الغدران بلون الورد . وحصة تكتم صرختها .. عصفوران حلّقا في سموات النشوة .. وانسدلا إلى الأرض .. الجنة التي فتحت لهما الأبواب – ص 110 ) . 
ففي كل مرة كانت موجات جموحه العاتية تلجم بفعل حضور وجه عمته الميدوزا ، وتتصاعد درجات انخصائه وشكوكه الرهيبة كلما مد كفه الصغيرة لتلمس انتفاخ بطن حصة تحت سرتها . لكنه الآن تتصاعد شهوته الحارقة ، مع تصاعد ضغط أصابعه على  الانتفاخ المشبوه الذي يحنو عليه بطن حصة بما كان يعتبره ” ابن الشريك ” ،ابن الشريك هذا شعر بأنه يحبه الآن . وانظر إلى روعة الموقف العشتاري لحصة التي تستفز وتنبري لتدافع عن محتويات رحمها رغم أن سالم قد أوغل في أذيتها والتشكيك في جنينها . لقد اخترق سالم ، بل حطم باب ” قلعة العذرية ” بقدرة فائقة وغير منتظرة .. لقد تفوق على الغريم المتخيل .. الغريم الشبحي المعيق حتى من دون حيثيات الفعل الحقيقي .. تراكيب وهمية و ” سردية ” ذات بناء محكم ، وبالمناسبة فإن البناء الحكائي للمصابين بالهذاء يكون شديد التماسك ، ومن الصعب جدا أن تصيب أي عقدة من عقده بأي قدر من التشكيك . وفي عملي العيادي وجدت عمليا أن الهذائين الإضطهاديين تحديدا هم ساردون مقتدرون ، وهو حال سالم الذي صار يشك في كل من حوله : في أبيه ، وفي عمته .. وهذه شكوك قد يكون لها أساس مبرر عبر معاناة حياتية مديدة ، لكن أن يمتد الشك إلى حصة حبيبته المحبة والصابرة على محنته وعجزه ، فهو أمر يخلط توقعاتنا بصورة شديدة الإرباك . لكن القرائن المادية شديدة القسر على تلقي المتلقي الشرقي المحكوم بأطار مفاهيمي يرسم مسارات إدراكه . والكاتبة لا توفر أية فسحة ، مهما كانت بسيطة ، إلا واستثمرتها للإلتحام بـ ” بطلها ” سالم الصغير ، وفي تأصيل البراعة في تصوير ” روايته العائلية ” التي اتخذت منحى خطيرا حين بدأت مهاراته الحكائية تنمو مع اقتراب مقتل حصة .. الضحية العشتارية التي جمعت عند مرتفع رحمها الناعم – تحت السرّة – الذي أقلق سالم ودمر حياته ، معقد الوجود حين حاول الشكّاك المقهور أن يؤذي الوليد المقبل : ( لم يشر إلى بطنها . وجد كفه تتكوّر وتحط على المرتفع بلا حذر . دفعت بيده حرست ثمرتها . فاح غضبها ممزوجا بدموعها :
– أنت مجنون مو صاحي . أبوك ما لمسني – ص 95 و 96 ) .
من الذي فض بكارة حصة التي تنادي سالم من اغوار نفسه المهشمة : – لماذا تركتني الليلة يا سالم ؟؟
هو نفسه لا يريد أن يصدق أنه تركها : كيف غزاه أمان كاذب أسلمها للموت ؟؟ .
لكنه تركها .. تركها في لحظة لن تتكرر في حياته مهما استطالت .. أن يحقق ظفرا مزدوجا .. أن يؤكد رجولته الناجزة في افتراع الحبيبة الصغيرة العصية .. وأن يتآلف مع ” ابن شريكه ” الذي كان يرفضه رفضا باتا من قبل . وللإحتفاء بليلة الزفاف المتأخرة والغريبة التي لا تحصل إلا في الحكايات الخرافية ؛ أن تُفض بكارة فتاة بعد حملها ، يقرّر سالم أن يكون عشاؤهما من السوق : كباب وبصل وخبز تنور حار رغم توسلات حصة بأنها لا تريد هذا العشاء وأن لا يتركها وحدها . ولو ذهب سالم ليجلب العشاء فقط ، لعاد بسرعة  ، لكن الإنجاز الإختراقي الباهر الذي حققه لن تكون له قيمة من دون مباركة الأنثى المرجعية : الأم . لذلك انطلق أولا إلى الأنثى الأصل المعنية الأولى والأخيرة – كما اختزن في وجدانه – بأن يصبح أوديب الفتى ” رجلا ” : ( أنا الآن يا أمي . ولدك الذي اختطفوه من حضنك صغيرا . أتذكرك الآن وقد صرت – رجلا – هل أحرمك أن تفرحي بي مثل فرحي بنفسي ؟ – ص 114 ) .
لقد غيّر اتجاهه .. حصل على المباركة ولكنه أضاع وقتا طويلا يبث أمه هموم محنته التي جاءها الفرج أخيرا ، إلى أن نبهته أمه إلى ضرورة العودة سريعا إلى حصة الوحيدة ( لأن الشر يسكن شقوق بيتكم ) . ومع ذلك فقد أصر على أن يجلب العشاء المقصود . لقد وفّر الوقت المناسب ضمن سلوك تدمير الذات . كثيرا ما تعين الضحية جلادها . يدخل البيت متلهفا ليطعم حبيبته حصة بيديه .. فيجدها ميتة .. وقد خُنقت بحبل مثل ذاك الذي طوّح به إلى المرحاض لينقذ دانة . ووسط تشابك زعيق عمته بصيحات أبيه : – قتلتها يا سالم ؟؟ ، وهما اللذان كانا يحرّضانه على قتلها ، وصيحاته المنكرة اليائسة : لا لم أقتلها .. تضعنا الكاتبة وسط دوامة سوداء من التساؤلات ، بعد أن تغلق دائرة حكايتها تماما على سرّها الملغز في الخارج والراتع في مركز لاشعورنا : ( لا .. لم أقتلها .. عمتي قتلت دانة .. هذا ليس حبلي .. أهربي يا حصة .. أنا .. لا .. ملأ صراخه الغرفة .. الطبيب .. الممرضة .. وانغرزت إبرة في ذراعه – ص 121 ) .                                                                           يقع بعض الكتاب في مأزق اختيار اللغة المناسبة : الفصحى أم العامية ، للتعبير عن هموم وانشغالات شخصياتهم ، خصوصا عندما تكون مستوياتهم العقلية وخلفياتهم الثقافية بسيطة . هنا يكمن المأزق الأكبر عند استعارة لغة الشعر للكتابة السردية . ليلى العثمان تدرك أن القصة يجب أن تكون لها لغتها ، مثلما للشعر لغته . وقد جسدت حوادث روايتها بلغة متقنة بعيدة عن ألعاب الشعر ، مثلما وفّر لها استخدام اللغة العامية أو المحكية المصداقية التعبيرية حيث جاءت الحوارات متناسبة مع شخصيات روايتها البسيطة وطابعها الشعبي . خذ نموذجا :
( صوت حصة الدافيء يتماوج في الهواء يسري في سمعه : – سالم .. – يا عيون سالم .. – أنا جوعانة .. هي لحظة الحب . التي تمتص فيها عروق الجسد كل مخزون الجوف . حين تشبع الروح ويمتليء القلب . تلهف المعدة لقطرة عصير . لقمة خبز . بعدها . تتخدر العين ، تغفو في بحار الأحلام . التفت إليها . قرص وجنتها الموردة : – الليلة . ليلة عرسنا . ما لازم ناكل من سم هالبيت . – وشنو ناكل ؟  – أروح أجيب من السوق . ها . قولي . ماذا تشتهين ؟ كباب ؟ بصل وخبز تنور حار .   انتفضت : – لا . لا تخليني بروحي .  – ما أتأخر .. لازم تشبعين الليلة – ص 111و112 ) . كما أن من الامتيازات الأسلوبية المهمة في هذه الرواية هي قصر الجملة التي استخدمتها الكاتبة . فقد جاءت الجمل أشبه بضربات سريعة تناسب الإيقاع اللاهث لوقائع النص ، وعزّزت رشاقة مبناها .
ملاحظة ختامية : من المؤسف أن رواية جميلة ومهمة مثل هذه قد أفسدتها كثرة الأخطاء الإملائية والنحوية والطباعية وكلها تعود إلى سوء التنضيد وقصور الخبير اللغوي إن وجد . وسيلاحظ القاريء أنني – في الإقتباسات التي استشهدت بها من الرواية – تعمدت أن أنقلها بأخطائها الحرفية . لا توجد صفحة واحدة تقريبا لا توجد فيها مثل تلك الأخطاء . هل يعقل أن الروائية تكتب الفعل : ذبحت ، هكذا : ذبحة ؟ أو أنها تنصب الأسماء الخمسة بالواو وترفعها بالياء ؟ . ثم هناك سوء علامات الترقيم الذي أثّر كثيرا على معاني الجمل وتوقفاتها وعلى انسيابية القراءة .                                                                                                                             
* المرأة والقطة – رواية – ليلى العثمان – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – الطبعة العربية الثانية – 1998 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حميد الحريزي : البعد الفكري في رواية (التصريف الثـالث) للدكتور جليل إبراهيم الزهيري .

                   ((بين الحرية والأمر عداء مستحكم ))                 …

| شكيب كاظم : هل كان للعرب نثر فني في أيام الجاهلية؟.

قرأت منذ سنوات (٢٠١٦) كتاب ( النثر الفني في القرن الرابع) لمؤلفه الباحث المصري الدكتور …

تعليق واحد

  1. شريفة جهينة

    هذا هو المر الهستيري برايي انا و هذا مرض نفسي ك قتل الم بنتها وزوجها . ومنافسى النت امها في ابيها و غيرها من الامراض البنفسية وعلى العموم هذا موضوع جد مهم لكل انسان ذو  شعور و قابلية  … وشكرااااااا 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *