طلال حسن : بدر البدور (رواية للفتيان)

” 1 “
ـــــــــــــــــــ

بعد يوم طويل متعب ، قضّاه الملك في إدارة شؤون المملكة ، مع الوزير وقائد الجند وقاضي القضاة ، عاد متعباً إلى القصر .
وعلى غير العادة ، لم يرَ الملكة تسرع لاستقباله خارج جناحهما ، وخفق قلبه خشية أن تكون متعبة أو مريضة ، فهي منذ بضعة أيام ليست على ما يرام ، وكلما سألها : ما الأمر ، يا عزيزتي ؟
تقول مُحاولة أن تطمئنه : لا شيء ، يا مولاي .
وأقبلت عليه وصيفة الملكة ، عند باب الجناح ، وانحنت له ، وقالت : مولاي ..
وتوقف الملك متسائلاً : أين الملكة ؟
فردت الوصيفة بصوت خافت : جلالة الملكة في جناحها ، يا مولاي .
وحدق الملك فيها ملياً ، ثم قال : أنتِ وصيفتها ، وعادة تكونين معها.
فقالت الوصيفة بصوتها الخافت : جلالة الملكة صرفتني منذ قليل ، يا مولاي ، وطلبت مني أن أبقى خارج الجناح ، فقد أرادت أن تكون وحدها .
وقبل أن تنتهي الوصيفة من كلامها ، مضى الملك عنها مسرعاً ، ودخل إلى الجناح ، واتجه مباشرة إلى غرفة الملكة .
وفوجىء الملك بالملكة تقف جامدة قرب النافذة ، تتطلع إلى حديقة القصر ، فأسرع إليها ، وهو يقول : لن أسألك ما الأمر ؟ لأني أعرف الردّ .
والتفتت الملكة إليه متنهدة ، دون أن تتفوه بكلم ، فقال الملك : من عادتك أن تستقبليني بباب القصر ، فتزيلي بحفاوتك وابتسامتك تعبي وهمومي .
وبدل أن تعتذر مازحة ، وتبتسم على عادتها ، قالت بصوت تخنقه الدموع : مولاي .
وسكتت مغالبة دموعها ، فأخذها بين ذراعيه ، وقال : حبيبتي ، أنت وحدك كلّ حياتي .
وانسلت برفق من بين ذراعيه ، وقالت : لن يكون لك مني .. ولياّ للعهد .
ومال الملك عليها ، وقال : ولمَ العجلة ..؟
وقاطعته الملكة بصوت باكٍ : لقد مرّ على زواجنا حوالي خمس سنوات .
وقال الملك بصوت هادىء : لننتظر ، نحن مازلنا في مقتبل العمر .
وهزت الملكة رأسها ، وقالت : لقد حاولت كثيراً ، لكن لا فائدة ، مولاي ، لا خيار ..
وقاطعها الملك قائلاً : هذا مستحيل .
وقالت الملكة من بين دموعها : لا ، يجب أن يكون لك ولي عهد ، ومادمت قد عجزت عن ..
ومرة أخرى ، أخذها الملك بين ذراعيه مربّتاً على ظهرها ، فقالت الملكة بصوت تبلله الدموع : يجب أن .. تتزوج .

” 2 ”
ــــــــــــــــــــ

في صباح اليوم التالي ، وبعد انصراف الملك إلى شؤون المملكة ، أرسلت الملكة الوصيفة إلى أختها ، لتذهبا معاً إلى الساحرة العجوز ، التي تعيش وحيدة ، في كوخ منعزل ، وسط الغابة .
وعادت الوصيفة وحدها بعد قليل ، وقبل أن تنطق بكلمة ، قالت الملكة متضايقة : يبدو أن أختي لا تريد أن تأتي معنا إلى الساحرة العجوز .
فقالت الوصيفة : مولاتي نور الزمان تعتذر ، وتقول إنها متعبة جداً .
واتجهت الملكة إلى الخارج ، وهي تقول : هذا شأنها ، تعالي نذهب أنا وأنت ، هيا .
وسارت الوصيفة في أثر الملكة ، وقالت : لقد أعدّ السائس لنا حصانين قويين ، وهو يقف الآن بانتظارنا بباب القصر .
وما إن رأى السائس الملكة مقبلة ، ومن ورائها الوصيفة ، تقدم بالحصانين ، وقال مخاطباً الملكة : مولاتي ، سأرافقكما إذا أردت .
وامتطت الملكة الحصان ، وقالت : لا ، أشكرك ، سترافقني وصيفتي .
وانطلقت الملكة على حصانها ، والوصيفة على حصانها تنطلق في أثرها ، حتى عبرتا بوابة المدينة ، ومضتا بشيء من السرعة نحو الغابة .
وتباطأتا على حصانيها ، حين دخلتا الغابة ، وتوغلتا بين الأشجار المتكاثفة ، وأخيراً لاح كوخ الساحرة العجوز ، يربض وسط أجمة كثيفة الأشجار .
وتوقفت الملكة أمام باب الكوخ ، وترجلت عن الحصان ، وقالت لوصيفتها : أطرقي الباب .
وترجلت الوصيفة عن حصانها مسرعة ، وهي تقول : أمر مولاتي .
وتقدمت من الكوخ ، وطرقت الباب ، و وقفت جانبا ، وهي تنصت ، ثم قالت : إنها قادمة .
وفتح باب الكوخ بهدوء ، وأطلت الساحرة العجوز ، أشبه بهيكل عظمي ، محنية الظهر ، تتوكأ على عكاز غريب الشكل ، فمالت عليها الوصيفة ، وقالت : أيتها الجدة ..
وأشارت لها الساحرة العجوز أن تسكت ، دون أن تنظر إليها ، فسكتت على الفور ، وتطلعت الساحرة العجوز إلى الملكة ، وقالت : عرفت أنك ستأتين .
وتنحت قليلاً ، وقالت : تفضلي ، يا جلالة الملكة .
ودخلت الملكة الكوخ متخوفة ، وهي تقول : أردتُ أن تأتيَ أختي معي ، لكنها ..
وقاطعتها الساحرة العجوز : أختك مثلك ، لكنها ليست مثلك ..
ونظرت الملكة إليها ، فقالت : إنها لا تؤمن بقدراتي ، ولا تصدق ما أتنبأ به .
ودخلت الوصيفة في أثر الملكة ، فأغلقت الساحرة العجوز الباب ، وقالت : الكوخ مظلم ، وهذا لا يهمني كثيراً ، فأنا لا أكاد أرى .
ونظرت الملكة إلى الساحرة العجوز ، وقالت : أيتها الجدة ، جئتك لأمر هام ، وأتمنى ..
وقاطعتها الساحرة العجوز ، وهي تغمض عينيها الكليلتين ، وقالت : أعرف لماذا جئتِ ..
ورفعت رأسها ، دون أن تفتح عينيها ، وأضافت بصوت مرتعش : أختك .. التي لم تأتِ ..
وقالت الملكة : إنها مثلي .
وتابعت الساحرة العجوز قائلة بنفس الصوت المرتعش : سيكون لها طفل .
وقالت الملكة بصوت مضطرب : وأنا ؟
وأطرقت الساحرة العجوز رأسها ، وقالت : صبراً .. أيتها الملكة .. صبراً .. صبراً .. لن تبقي محرومة من الطفل .
وصاحت الملكة بنفاد صبر : متى .. متى ؟
وارتعشت الساحرة العجوز ، كأنه شجرة شائخة ، تضربها عاصفة ثلجية عنيفة ، ثم تراجعت ، وارتمت فوق سريرها ، كأنها جثة هامدة .
وانحت الملكة عليها ، وقالت : أيتها الجدة .
وردت الساحرة العجوز بصوت شبه ميت ، دون أن تتحرك : أيتها الملكة .. قلتُ ما عندي ..
وتنهدت بصوت كالأنين ، ثم أضافت قائلة : إنني متعبة .. اذهبي .. أريد أن أنام .

” 3 “
ـــــــــــــــــــ

في أعماقها ، شعرت الملكة ببذرة صغيرة تتخلق ، لكن في أعمق أعماقها ، التي جففها اليأس ، لم تشعر بتلك البذرة بتاتاً .
أما أختها ، الأميرة نور الزمان ، ورغم فتور مشاعرها تجاه الساحرة العجوز ، وما تتنبأ به ، شعرت بفرحة تدغدغ قلبها ، وتمنت من كلّ قلبها ، أن تتحقق نبوءة الساحرة العجوز .
ومرت أيام وأسابيع وشهور ، وكاد اليأس يغلب الملكة وأختها نور الزمان ، وإذا بالأمل ينبثق فجأة ، فقد أفاقت الأميرة نور الزمان مبكرة ، ذات صباح ، وقالت لزوجها الأمير : إنني حامل .
وقهقه الأمير ضاحكاً من لهجتها ، وقال : يبدو أنك رأيتِ هذا في المنام .
فقالت الأميرة نور الزمان : نعم ، لقد جاءتني في المنام .. الساحرة العجوز .
وكفّ الأمير عن الضحك ، وقال : أنتِ لم تري هذه الساحرة من قبل .
وردت الأميرة نور الزمان قائلة : هذا صحيح ، لكن حين جاءتني في المنام عرفتها على الفور .
ثم نظرت إلى الأمير ، وقالت : إنني حامل ، يا عزيزي ، وسترى .
وقد رأى الأمير ذلك ، وتأكد منه ، خلال أيام قلائل ، بعد أن زارت نساء خبيرات بالحمل والولادة ، الأميرة نور الزمان وأكدن لها ، بأنها حامل فعلاً .
وبقدر ما فرحت الأميرة نور الزمان وزوجها الأمير بهذا الأمر ، فرح الملك والملكة ، فقد راود الملكة الأمل في أن تتحقق نبوءة الساحرة العجوز ، وتحمل هي أيضاً ، كما حملت أختها نور الزمان .
ومرت الأيام والأسابيع والأشهر ، رخاء هذه المرة ، والنفوس مفعمة بالأمل ، وفي الموعد المحدد ، عمت الفرحة الجميع ، وفي مقدمتهم الملك والملكة ، فقد وضعت الأميرة نور الزمان طفلاً جميلاً ، أسموه .. مهران .
ولم تدم الفرحة طويلاً ، فقد ذهب الأمير ، على رأس جيش من الفرسان الشجعان ، لصد عدوان قام به الأعداء على أحد الثغور ، ودحرهم وألحق بهم شرّ هزيمة ، لكن يد الغدر والانتقام طالته بسهم مسموم ، لم يمهله طويلاً ، فرحل دون أن يهنأ بطفله الصغير .. مهران .
وعمّ الحزن المملكة هذه المرة ، رغم ما تحقق من انتصار ساحق على الأعداء ، فقد كان ثمن هذا الانتصار غالياً جداً .
وانكب الملك والملكة على الأميرة نور الزمان وابنها الأمير الصغير .. مهران ، وراحا يرعيانه كما لو كان ابنهما فعلاً ، مما خفف من هموم وأحزان الأميرة نور الزمان .
” 4 “
ـــــــــــــــــــ

لم يكد عُمر الأمير الصغير مهران ، يقترب من السنوات الثلاث بشهر أو شهرين ، حتى شعرت الملكة بحياة جديدة تتخلق في أعماقها .
ورغم فرحها الغامر ، لم تخبر الملك بشعورها ذاك ، حتى أرسلت سراً ، إلى العديد من النساء الخبيرات المجربات ، فأكدن لها جميعاً أن شعورها له ما يبرره ، وأن طفلها المنتظر لن يتأخر طويلاً .
وغمر الفرح الجميع ، وفي مقدمتهم الملك ، وكذلك أختها الأميرة نور الزمان ، وطالما همست لأختها الملكة : أريد ابن عم لابني الأمير مهران .
فكانت الملكة تجيبها فرحة : هذا ما أريده أنا أيضاً .
لكن بدل ابن العم ، جاء للأمير مهران ، بعد أشهر تسعة ، ابنة عم ، ففي ليلة ربيع دافئة ، القمر فيها سطع بدراً وسط السماء ، ولدت الملكة طفلة جميلة ، وما إن رأتها الأميرة نور الزمان ، حتى هتفت فرحة : يا لله ، إنها كالبدر .
وأقبل الملك فرحاً ، وأخذ الطفلة بين يديه ، وراح يتأملها ، وقال : آه إنها كالبدر .
فقالت الملكة : لنسمها إذن .. بدر البدور .
وضحك الملك فرحاً وقال : بدر البدور ، اسم جميل يليق بها ، ليكن اسمها إذن بدر البدور .
وبمجيء بدر البدور ، راحت الأيام والأسابيع والأشهر تمر رخاء ، لا يكاد أحد يشعر بمرورها ، وكما الزهرة ، أخذت بدر البدور تنمو ، وتتفتح ، وتنشر عطرها وجمالها على من حولها .
وبقدر تعلقها بأمها الملكة ، وأبيها الملك ، تعلقت بخالتها الأميرة نور الزمان ، وكذلك بابن عمها ، الأمير مهران ، الذي غدت مع الأيام لا تكاد تفارقه .
وكبر الأمير مهران ، وإلى جانبه كبرت الأميرة بدر البدور ، وبدل أن تنصرف الأميرة إلى اللعب مع الفتيات اللواتي في عمرها ، راحت تلعب مع ابن عمها وحده ، الأمير مهران .
وحين كان الأمير مهران ، يتدرب وحده ، أو تحت إشراف مدرب متمرس ، على ركوب الخيل ، أو استعمال السيف أو القوس والسهام ، كانت الأميرة بدر البدور ترافقه ، بل وأحياناً تتدرب معه ، حتى تعلمت بعض ما كان يتدرب عليه .
بل ، وعلى سبيل المزاح ، كانت تتحداه ، فيبارزها ضاحكاً ، أو يسابقها باستخدام القوس والسهم ، أو ركوب الخيل ، داخل المدينة ، وأحياناً قليلة ، كانا يتجاوزان الأسوار ، عبر إحدى البوابات ، لكنهما كانا دائماً يتوقفان عند حد معين ، ولا يمضيان بعيداً عن أسوار المدينة .
وذات يوم ، خرجا بحصانيهما بعيداً عن أسوار المدينة ، حتى لاحت الغابة من بعيد ، وبدت للأمير مهران ، عالماً غامضاً مخيفاً ، وخاصة لأن الأميرة بدر البدور كانت معه ، فتوقف بحصانه ، وقال : بدر البدور .
وتوقفت بدر البدور ، وعيناها متعلقتان بالغابة ، وقالت : مهران ، لنذهب إلى الغابة .
وردّ الأمير مهران قائلاً : لا يا بدر البدور ، لقد تأخر الوقت ، لنعد إلى المدينة .
ونظرت الأميرة بدر البدور إلى الأمير مهران ، وقالت : عدني أن تأخذني مرة إلى الغابة .
ولاذ الأمير مهران بالصمت ، فقالت الأميرة بدر البدور : لم نعد صغيرين ، يا مهران .
واستدار الأمير مهران بحصان ، وسار به نحو المدينة ، وهو يقول : أنا لم أعد صغيراً .
واستدارت الأميرة بحصانها أيضاً ، ولحقت بالأمير مهران ، وقالت : أنا أيضاً لم أعد صغيرة ، لقد تجاوزت الرابعة عشرة من عمري .

” 5 ”
ـــــــــــــــــــ

تحير الأمير مهران ..
ما العمل ؟
الأميرة بدر البدور تريده أن يأخذها إلى الغابة ، ويتجول بها في شتى أرجائها ، لكنه يخاف عليها من مجاهل تلك الغابة ووحوشها الخطرة .
ولم يمر عليهما يوم ، خرجا يلعبان فيه ، أو يمتطيان حصانيهما ، وينطلقان بهما متضاحكين ، داخل المدينة أو خارجها ، إلا وذكرته برغبتها في الذهاب إلى الغابة ، والتجول فيها ، والتعرف على مجاهلها .
وذات يوم ، اجتازا بوابة المدينة بحصانيهما ، وانطلقت الأميرة بدر البدور بحصانها ، وكأنها تريد أن تصل إلى الغابة ، فانطلق الأمير مهران في أثرها ، حتى أدركها ، وقال لها ، وهو يحاول أن يعترض حصانها بحصانه : كفى ، يا بدر البدور ، توقفي .
وتوقفت الأميرة بدر البدور بحصانها ، وعيناها المسحورتان مازالتا متعلقتين بالغابة البعيدة ، وقالت : مهران ، خذني إلى الغابة .
فتوقف الأمير مهران بحصانه قرب حصانها ، وقال : لم أجنّ بعد .
فقالت الأميرة بدر البدور بنبرة تهديد مازحة : مهران .
واستدار الأمير مهران بحصانه ، وقال : هيا نعد من حيث أتينا .
واستدارت الأميرة بدر البدور بحصانها ، وسارت به إلى جانب حصانه ، وقالت : عِدني .
وانطلق الأمير مهران خبباً ، وهو يقول : سأجن ، ولكن ليس اليوم .
ولحقت الأميرة بدر البدور به ، وقالت : مهران ، لا تنسَ ، هذا وعد .
ويبدو أن الأمير مهران ، لم ” يجن ” بالسرعة التي تمنتها الأميرة بدر البدور ، فقالت له بعد أيام عديدة ، وهي تقف معه خارج المدينة ، وعيناها مسمرتان بالغابة البعيدة : مهران ، لقد وعدتني .
ونظر إليها الأمير مهران صامتاً ، فقالت : إذا لم تأخذني إلى الغابة ، سأذهب إليها وحدي .
وفكر الأمير مهران ، أن بدر البدور هذه قد تقدِم على ما تصرّ عليه ، وتمضي وحدها فعلاً إلى الغابة ، وقد يحدث ما لا تحمد عقباه ، فقرر أن يذهب هو أولاً إلى الغابة ، ويتجول فيها ، ويطمئن إلى خلوها من أي خطر ، قبل أن يأخذ بدر البدور ، ويحقق رغبتها في دخول الغابة ، والتجول فيها .
وذات أمسية ، وكانت الأميرة بدر البدور تتمشى كالعادة مع الأمير مهران ، في حديقة القصر ، توقفت في مواجهته فجأة ، وقالت : إنذار أخير .
وتوقف الأمير مهران ، دون أن يتفوه بكلمة ، فقالت الأميرة بدر البدور : حسن ، سأذهب وحدي .
ونظر إليها الأمير مهران ، وقال : حذار ، يا بدر البدور ، ستراك الدامية أو الديو أو ..
فقاطعته الأميرة بدر البدور قائلة : ليكن ..
وقال الأمير مهران : بدر البدور ..
وقالت بدر البدور : لن يخسرني أحد غيرك .
وصمت الأمير مهران ، فأضافت الأميرة بدر البدور : وهذا ما لن تتحمله .
فقال الأمير مهران : أمهليني يوماً واحداً فقط .
ونظرت الأميرة بدر البدور إليه مفكرة ، دون أن ترد عليه بكلمة واحدة .
” 6 ”
ـــــــــــــــــــ

قبل شروق شمس اليوم التالي ، تسلل الأمير مهران من غرفته ، ثم اجتاز ممرات القصر ، على رؤوس أصابعه ، ومضى مسرعاً إلى الإسطبل .
وبهدوء هيأ حصانه ، وقاده إلى خارج الإسطبل ، وهو يربت برفق على عنقه ، ويداعب معرفته الجميلة ، ثم امتطاه ، وانطلق به نحو بوابة المدينة ، دون أن ينتبه ، إلى أن السائس العجوز ، كان يراقبه خفية .
واجتاز الأمير مهران شوارع المدينة ، شبه الخالية على حصانه ، ثم عبر بوابة المدينة ، وانطلق مسرعاً نحو الغابة ، وقد بدأت الشمس تطل بأشعتها الذهبية الدافئة ، من فوق أشجار الغابة .
وتوقف الأمير مهران بحصانه ، عند مشارف الغابة ، وتلفت حوله متيقظاً ، وكأنما يتوقع فعلاً أن يرى الدامية أو الديو أو الغول ، أو أي وحش آخر ، يمكن أن يشكل خطراً على بدر البدور .
وتقدم الأمير مهران بحذر شديد ، متوغلاً شيئاً فشيئاً في أعماق الغابة ، وتوقف بين الأشجار الكثيفة الأغصان ، فقد خيل إليه أنه سمع ما يشبه وقع أقدام حصان ، أم أنه غزال أو .. من يدري .
وتلفت حوله منصتاً ، لا شيء ، لعل حواسه خدعته ، نعم ، فهو متوتر الأعصاب بعض الشيء ، أم أنه خائف ؟ وهزّ رأسه ، إنه حذر ، وهذا أمر طبيعي ، لكنه ليس خائفاً ، فهو .. الأمير مهران .
وفكر الأمير مهران أن يعود من حيث أتى ، لكنه بدل أن يستدير بحصانه ، مضى به قدماً ، وراح يسير ببطء وحذر ، وعيناه اليقظتان تركضان أمامه ، مستطلعة الطريق ، متهيئة لكل طارىء .
وتوقف بحصانه فجأة ، حين وقعت عيناه على كوخ صغير ، بدا وكأنه مختبىء ، بين أجمة كثيفة من الأشجار ، وقبل أن يقرر ما ينبغي أن يفعله ، فتح باب الكوخ ببطء ، وأطلت منه الساحرة العجوز .
لم تبدر حركة من الأمير مهران ، فتطلعت الساحرة العجوز إليه ، ثم قالت : أهلاً بالأمير مهران .
وردّ الأمير مهران ، دون أن يتحرك بحصانه خطوة واحدة : أنت على ما يبدو تعرفينني .
فقالت الساحرة العجوز : وأعرف أمك نور الزمان ، وخالتك الملكة .
وصمتت لحظة ، ثم قالت : وأنا من تنبأ بمولدك ومولد ابنة عمك بدر البدور ..
وهزت رأسها ، وقالت بصوت متعب متشنج : آه من .. بدر البدور .
ومن بعيد ، من أعماق الغابة ، ارتفع صت مختنق ، خائف ، مستغيث ، يصيح : مهران .
واشتعلت أعماق الأمير مهران ، وتدفقت نيراناً كحمم البركان ، وقال : إنها بدر البدور .
واستدار بحصانه ، وانطلق بأقصى سرعته ، صوب مصدر الصوت ، وهو يصيح بأعلى صوته : بدر البدور .. بدر البدور .
لكن لا من مجيب ، وتوقف منهكاً منهاراً ، وسط أشجار الغابة ، أهي بدر البدور من صاحت باسمه ؟ عجباً ، وما الذي يمكن أن يأتي بها إلى الغابة ؟
وعند غروب الشمس ، عاد الأمير مهران إلى القصر في المدينة ، وكله أمل أن يكون ما سمعه في الغابة مجرد وهم ، أضلته به تلك المرأة العجوز .
” 7 ”
ـــــــــــــــــــ

عرف الأمير مهران ، حين عاد إلى القصر ، بعد غروب الشمس ، بأن الأميرة بدر البدور ، ليست في القصر ، وهذا ما أفقده رشده .
وسرعان ما عرف ، من أمه هذه المرة ، أن السائس العجوز ، اعترف للملك بأن الأميرة بدر البدور ، قد امتطت حصانها ، قبل شروق الشمس بقليل ، وانطلقت خارج القصر .
وعلى الفور ، انطلق الأمير مهران ، نحو الإسطبل ، وأمه تركض في أثره قائلة : بنيّ محمد ، إلى أين ؟ تمهل ، وأخبرني بما تريد أن تفعله .
لم يتمهل الأمير مهران ، ولم يخبرها عما يريد أن يفعله ، ودخل الإسطبل ، وأمه الأميرة نور الزمان وراءه ، وصاح : أيها السائس .
وأقبل السائس العجوز لاهثاً ، وانحنى للأمير مهران ، وقال : مولاي .
وقال الأمير مهران للسائس العجوز : علمت أن الأميرة خرجت ممتطية حصانها .
فقال السائس العجوز : نعم ، يا مولاي ..
وسكت لحظة ، وقال بصوت مرتعش مذنب : بعد خروجك ، يا مولاي ، بنصف ساعة تقريباً .
وحدق الأمير مهران فيه مفكراً منفعلاً ، لكنه قبل أن يقول له أي شيء ، أقبل الملك والملكة مسرعين ، وقد استبد بهما الخوف والقلق .
والتفتت الأميرة نور الزمان ، وقالت : بنيّ ، جاء الملك والملكة .
وقال الملك منفعلاً : أين بدر البدور ؟
ونظر الأمير مهران إليه متحيراً ، وقال : مولاي ، لم أرَ الأميرة اليوم ، ولا أعرف أين هي .
وقال الملك : لكنك ذهبت إلى الغابة .
وقال الأمير مهران : ذهبت وحدي ، يا مولاي .
وقالت الملكة بصوت تبلله الدموع : إنها معك دائماً ، طوال الوقت .
ونظر الأمير مهران إليها ، وقال : لم تأتِ معي إلى الغابة ، والسائس يشهد بذلك .
ونظرت الملكة إلى السائس العجوز ، فتململ الأخير محرجاً ، ثم قال : نعم ، مولاتي بدر البدور لم تذهب مع الأمير مهران ، لكنها على ما يبدو لحقت به ، بعد خروجه بحوالي نصف ساعة .
ونظرت الملكة والملك إلى الأمير مهران ، فلاذ بالصمت برهة ، ورمق أمه نور الزمان بنظرة سريعة ، ثم قال : لم أرَ بدر البدور في الغابة ، لكن ..
وصمت الأمير مهران ، فقال الملك : لكن .. لكن ماذا ؟
فقال الأمير مهران ، وهو يقلب النظر بين الملك والملكة وأمه : عندما كنت أقف مع الساحرة العجوز ، بباب كوخها ، تناهى إليّ صوت من أعمق الغابة ، كأنه صوت الأميرة بدر البدور ..
وصمت لحظة ، وعيون الجميع متعلقة به ، فقال بصوت مرتعش : تصيح .. كأنها تستغيث .. مهران .
وعلى الفور ، استدار الملك ، ومضى خارج الإسطبل ، والجميع يسرعون وراءه ، وصاح : ادعوا قائد الحرس ، وجميع الحرس ، لنذهب إلى الغابة ، ونبحث عن بدر البدور .. الآن .

” 8 “
ــــــــــــــــــ

حلّ الليل في الغابة ككل يوم ، وككل يوم خيم السكون عليها ، وعلى كلّ ما فيها من نباتات وحيوانات وهوام ، حتى الساحرة العجوز ، أوت إلى كوخها الصغير ككل يوم ، وأغلقت بابه ، وتمددت في فراشها ، انتظاراً لزائر قلما كان يأتيها في هذا العمر ، ألا وهو .. النوم .
لكن سرعان ما راحت تخترق هذا الليل ، صفوف طويلة من المشاعل ، قادمة من المدينة ، مهددة الظلام والسكون ، في سابقة غريبة ، لم تحدث من قبل .
وعند مدخل الغابة ، توقفت المشاعل الأولى ، يتقدمها الملك ، وإلى جانبه الأمير مهران على حصانه ، وأسرع قائد الحرس إلى الملك ، وقال : مولاي .
والتفت الملك إلى الأمير مهران ، وقال : دلهم على المكان الذي صدر منه الصوت .
وردّ الأمير مهران : مولاي ، الصوت صدر من عمق الغابة ، هذا ما خيل إليّ .
والتفت الملك إلى قائد الحرس ، وقال : مهما يكن ، ابحثوا في كلّ مكان من الغابة .
وانحنى قائد الحرس للملك ، وقال : أمر مولاي .
واستدار قائد الحرس بحصانه ، وانطلق به متوغلاً في أعماق الغابة ، وأشار لحملة المشاعل من الحرس ، هاتفاً : أيها الحرس اتبعوني .
وعلى الفور ، انطلقت المشاعل صفاً بعد صفٍ ، وقد سارت في أثر القائد مسافة ، ثم بدأت تنتشر تباعاً ، تنقب بضيائها عن بدر البدور .
وتململ الأمير مهران فوق حصانه ، وقد نفد صبره ، ثم قال للملك : مولاي ، أريد أن أمضي أنا أيضاً ، وأبحث عن الأميرة بدر البدور .
لم يلتفت الملك إليه ، بل ولم ينبس بكلمة واحدة ، فهمز الأمير مهران حصانه بشيء من الانفعال ، وانطلق به يسابق الريح ، متوغلاً في أعماق الغابة .
وطوال الليل ، ظلت المشاعل تبحث في أرجاء الغابة ، عن أثر للأميرة بدر البدور ، مهما كان بسيطاً ، لكن لا جدوى ، وكأنها كما يقال ” فص ملح وذابت ” .
وعند الفجر تقريباً ، قفل قائد الحرس عائداً إلى الملك ، الذي ظل طوال الليل ينتظر على حصانه ، عسى أن يأتيه أحدهم بخبر عن الأميرة .. بدر البدور .
وتقدم من الملك مطأطىء الرأس ، وهزّ رأسه آسفاً ، وتمتم بصوت مختنق : مولاي .
ونظر الملك إليه ، وقال : لا أثر لبدر البدور .
ثم أطرق رأسه ، وقال بصوت باك وكأنما يحدث نفسه : ضاعت ابنتي .. ضاعت بدر البدور .
ونظر القائد إليه ، وقال : مولاي ، أنت متعب للغاية الآن ، ولم تنم طوال الليل ، وهاهي الشمس تكاد تشرق ، لنرافقك إلى القصر ، ثم ننطلق للبحث عن الأميرة ، في كلّ مكان ، منذ الغد .
” 9 ”
ــــــــــــــــــــ

لم يزر النوم ، طوال تلك الليلة ، ولو لحظة واحدة ، عيني الساحرة العجوز ، ورغم مشاعرها ، التي حجّرتها العزلة والسنين ، شعرت بشيء من التعاطف مع الملك والملكة .
وقبيل شروق الشمس بقليل ، وبعد أن عاد الجميع إلى المدينة ، دون أن يقعوا على أثر للأميرة بدر البدور ، سمعت طرقاً على الباب ، وفتحت عينيها ، ثم تنهدت قائلة : آه ..
وطرق الباب ثانية ، فاعتدلت الساحرة العجوز قليلاً في فراشها ، ثم هتفت : مهران ، تعال ، ادخل .
وفتح الباب بهدوء ، وبدا الأمير مهران عند المدخل ، متعباً ، شاحب الوجه ، وتقدم بضع خطوات ، وقال : عفواً ، أيتها الجدة ، أخشى أن يكون الوقت غير مناسب ، فأنت تبدين متعبة .
وقالت الساحرة العجوز : أنت متعب أكثر مني ، رغم أنك في مقتبل العمر .
واقترب الأمير مهران منها ، وقال : أيتها الجدة ، أنت تعرفين لماذا جئتُ إليك .
وهزت الساحرة رأسها ، فقال الأمير مهران : نعم إنها بدر البدور .
وقالت الساحرة العجوز : لا ذنب لك ، يا مهران ، بما حدث لها .
وقال الأمير مهران : إنها ابنة عمي .
وهزت الساحرة العجوز رأسها ثانية ، وقالت : ليس هذا فقط ، إنها .. إنها بدر البدور .
واقترب الأمير مهران منها ، وقال : لقد أختطِفت ، وأنت تعرفين من اختطفها .
ورفعت الساحرة العجوز رأسها ، ونظرت إلى الأمير مهران ، وقالت : وأعرف أيضاً أين هي .
وبحماس قال الأمير مهران : هذا ما جئت أعرفه منك ، أرجوك أيتها الجدة ، أخبريني أين هي .
وقالت الساحرة العجوز : ليس الأمر سهلاً ، كما قد تتصور ، يا مهران .
وقال الأمير مهران : مهما يكن ، وحيثما تكون ، سأذهب إليها ، وأنقذها .
وصمتت الساحرة العجوز لحظة ، ثم نظرت إلى الأمير مهران ، وقالت : الذي اختطف بدر البدور ، من وسط الغابة ، هو .. الغول .
وقال الأمير مهران مذهولاً : الغول !
وتابعت الساحرة العجوز قائلة : وأخذها بعيداً .. بعيداً .. إلى قصره .
وتساءل الأمير مهران : وأين يكون هذا القصر ؟
وردت الساحرة العجوز قائلة : أنا لا أعرف ، لكني أعرف من يعرف ذلك .
وتساءل الأمير مهران ثانية : من ؟ أخبريني .
وقالت الساحرة العجوز : الدامية .
واتسعت عينا الأمير مهران قلقاً وذهولاً ، لكنه لم ينبس بكلمة ، فقالت الساحرة العجوز : نعم الدامية ، وبيتها عند مدخل الجبل الأجرد ، وأنصحك يا مهران ، أن لا تحاول الاقتراب منها .
ومن غير أن يتفوه الأمير محمد بكلمة ، استدار ، وغادر الكوخ ، فهزت الساحرة العجوز رأسها ، وقالت : أعرف هذا .. أعرفه .
” 10 “
ــــــــــــــــــــــ

على حصانه الفتيّ ، انطلق الأمير مهران ، عبر الغابة الكثيفة الأشجار ، التي تمتد لمسافات بعيدة ، متجهاً نحو الجبل الأجرد .
ومرت الساعات بعد الساعات ، وهو يسابق الريح ، دون أن يتساءل ، حتى بينه وبين نفسه ، عن ماهية هذه الدامية ، وكيف يمكن أن يتعامل معها .
لم يكن في ذهنه إلا الأميرة بدر البدور ، وكل همه أن يصل إليها ، بأي ثمن ، ويسعى من أجل إنقاذها من براثن الغول ، مهما كلفه الأمر .
وتراءت له الأميرة بدر البدور ، وهي تحدثه عن رغبتها في رؤية الغابة ، والتجول في أرجائها ، لكنه لم يفهم كيف حضرت إلى الغابة ، أثناء وجوده عند الساحرة العجوز ، وأين كانت متواجدة ، حين اختطفها ذلك الغول اللعين .
وقبيل الغروب ، لاح الجبل الأجرد من بعيد ، فراح الأمير مهران يتباطأ بحصانه كلما اقترب من البوابة ، حتى توقف تماماً .
وتلفت حوله بحذر ، أين الدامية ؟ وهل هي حقاً ـ كما وصفتها أمه الأميرة نور الزمان ـ تشبه الغوريلا ، ولكن بهيئة امرأة ضخمة الجثة .
ومن وراء الباب ، برزت الدامية ، إنها حقاً كما وصفتها أمه الأميرة نور الزمان ، وكأنها فعلاً رأتها عن كثب ، أكثر من مرة .
وجفل الحصان ، وراح يتقهقر محمحماً ، لكن الأمير مهران ، تماسك فوقه ، وشد أعنته بقوة وحزم ، حتى سيطر عليه ، وأوقفه .
ونظرت الدامية إليه ، وقالت : آه آدمي .
وخاطبها الأمير مهران قائلاً : عمتِ مساء ، يا سيدتي .
وابتسمت الدامية ، وقالت : جئت في وقتك ، فأنا لم أتعشَ بآدميّ منذ فترة طويلة .
لم يتراجع الأمير مهران ، وقال : أيتها الدامية ، قصدتك من مكان بعيد لأمر هام .
وتقدمت الدامية منه خطوة ، وقالت : إنني جائعة الآن ، لنرجىء ذلك بعد أن أشبع .
وعلى عجل ، استل الأمير مهران سهماً من جعبته ، وثبته في وتر القوس ، فتوقفت الدامية غاضبة ، وقالت : لن يفيدك هذا في شيء ، قد تجرحني بهذا السهم ، لكني سأمزقك في النهاية ، وألتهمك .
وسحب الأمير مهران السهم ، فصاحت به الدامية : حذار ، سأقتلك ، وأقتل حصانك أيضاً .
وأطلق الأمير مهران السهم ، فتوقفت الدامية لحظة ، ثم قالت : آه .. أنت حتى لم تصبني .
فقال الأمير مهران : أنظري عن يمينك .
وتوقفت الدامية مترددة ، ثم نظرت إلى يمينها ، وإذا السهم الذي أطلقه الأمير مهران ، قد اخترق عنق أفعوان ضخم ، وأرداه قتيلاً .
والتفتت الدامية إلى الأمير مهران ، وقالت : لن أوذيك ، لقد أنقذتني ، أيها الآدمي ، انزل ، فأنت ضيفي الليلة ، وسأقدم لك ما تريده .
” 12 “
ــــــــــــــــــــ

منذ الفجر ، ركب الأمير مهران حصانه ، وعبر بوابة الجبل الأجرد ، ووقفت الدامية عند البوابة ، ولوحت له ، وقالت : مهران ، كن حذراً ، واعمل ما قلته لك ، ولن تخيب .
وابتعد الأمير مهران بحصانه ، حتى غاب وراء صخور الجبل ، فقفلت الدامية عائدة إلى كهفها ، وهي تقول : ليت لي ولداً مثل مهران هذا .
وكما قالت له الدامية ، انطلق مهران على حصانه ، في طريق متعرج ، محاذ للجبل الأجرد ، متفادياً الوديان العميقة ، وملتفاً حول الصخور الهائلة .
نعم سيعمل بما أوصته به الدامية ، التي أحبته ، وقدرت إنقاذه لها من الأفعوان ، الذي كاد يلدغها ، ويفتك بها بسمه الزعاف القاتل .
وأطلت الشمس من فوق قمم الجبل الأجرد ، والأمير مهران على حصانه ، وعيناه تركضان أمامه ، لعلهما تسبقانه إلى قصر الغول ، الذي قالت عنه الدامية : إنه قصر كبير ، عال ، موحش ، لا باب له ، ولا نوافذ ، وهي لا تعرف ، ولا أحد غيرها يعرف ، كيف يدخل الغول إليه ، وكيف يخرج منه .
وعند منتصف النهار ، توقف الأمير مهران ، عند نبع ينبثق ماؤه عذباً صافياً من بين الصخور ، وترجل عن حصانه ، وانحنى على النبع ، وشرب من مائه حتى ارتوى ، وكذلك فعل حصانه .
واستأنف الأمير مهران مسيرته على حصانه ، بعد أن ارتاح هو وحصانه بعض الشيء ، وبين فترة وأخرى ، يتوقف عند نبع أو جدول ، فيرتاح قليلاً ، ويشرب هو وحصانه ، حتى يرتويان .
وعند المغرب تقريباً ، لاح من بعيد قصر الغول ، تحيط به أجمات كثيفة الأشجار ، إنه حقاً كما وصفته الدامية ، ضخم ، عال ، ويبدو وكأنه بلا باب أو نوافذ ، لكن هذا مستحيل ، وإلا فكيف يدخل الغول ويخرج ؟
وحث الأمير مهران حصانه ، فانطلق رغم تعبه ، يسابق الريح صوب القصر ، واجتاز أجمات عديدة متقاربة وكأنها أجمة واحدة ، وقبل أن يصل سور القصر ، ترجل عن حصانه ، وتركه في إحدى الأجمات ، وتسلل بحذر شديد نحو القصر .
وتوقف عند أجمة ، قريبة من القصر ، وتلفت حوله منصتاً ، لا شيء ، السكون الموحش يلف المكان كله ، وتسلل من بين الأشجار ، وراح يدور حول القصر الضخم ، العالي الجدران ، لعله يرى نافذة ، أو ما يوحي بوجود باب ، أو منفذ يقود إلى الداخل ، ولكن دون جدوى .
وتوقف الأمير مهران ، بعد غروب الشمس ، وحلول عتمة الليل شيئاً فشيئاً ، وهمّ أن يعود إلى حصانه ، ليقضّي الليل في تلك الأجمة ، حين تناهى إليه وقع أقدام ثقيلة على الطريق ، فأسرع متسللاً إلى أقرب شجرة ، واختبأ وراءها .
وأطل الأمير مهران بحذر من وراء الشجرة ، وإذا كائن ضخم ، بشع ، لا هو إنسان ، ولا هو ديو ، أهذا هو الغول إذن ؟ وفارت دماء الأمير مهران ، لكنه تمالك نفسه ، وراح يراقب الغول .
وتوقف الغول عند جدار القصر ، وصاح بصوت أجش : افتح ، أنا الغول .
وفجأة ظهر باب صغير في أسفل الجدار ، فدخل الغول منه ، وسرعان ما انغلق الباب ، ثم اختفى ، وعاد الجدار كما كان ، لا باب فيه ولا منفذ .
لم يترك الأمير مهران مكانه ، وظلّ يترقب وراء الشجرة ، ينتظر ما قد يجري خلال الليل ، ورغم شعوره بالتعب الشديد ، لم يغفّ إلا سويعات قليلة ، زارته فيها مرات ، وبشكل خاطف ، ابنة عمه ، الأميرة بدر البدور .

” 13 “
ـــــــــــــــــــــ

انقبض قلب الأميرة بدر البدور ، ككل يوم منذ أن أسكنها الغول هذا القصر ـ السجن ، وحلت العتمة فيه ، حتى قبل أن تغرب الشمس ، وراء القمم العالية السوداء للجبل الأجرد .
وتراءى لها ، مرة أخرى ، كيف أرادت أن تلحق بالأمير مهران ، وتتجول معه في أطراف الغابة ، وتتعرف على أجوائها وكائناتها المختلفة ، لكنها ضلت الطريق ، وحين أرادت أن تعود من حيث أتت ، فاجأها الغول مزمجراً ، وحملها بين ذراعيه الوحشيتين ، فصاحت بأعلى صوتها : مهران .
لم تسمع مهران يردّ عليها ، وأخذها الغول ، ووضعها في هذا القصر ـ السجن ، الذي بدا لها أنه خال من أي مخلوق ، مهما كان نوعه .
وحلّ ليلها الرهيب بعد غروب الشمس ، فقد تناهى إليها صوت الغول الأجش ، يصيح من خارج السور : افتح ، أنا الغول .
وسرعان ما ارتفع وقع خطواته الثقيلة ، في ممرات القصر ـ السجن الموحش ، وفتح باب جناحها ، وأطل الغول بهيئته الضخمة البشعة ، وبدل أن يحييها ككل يوم ، توقف وسط الجناح ، وقال : لا أدري ، ربما هناك أمر غريب في مكان ما .
ونظرت الأميرة بدر البدور إليه ، وتساءلت مندهشة : هنا !
وحدق الغول فيها ، ثم قال : لا ، ليس هنا ، ربما خارج سور القصر .
وأشاحت بدر البدور عنه ، وقالت : لا أظن أن مجنوناً ما يمكن أن يغامر ، ويأتي إلى هذا المكان .
وقال الغول من بين أسنانه : وحتى لو أتى كائن ، إلى محيط القصر ، وليس إلى داخله ، فلن ينجو مني ، سأفتك به ، وآكله .
ونظرت إليه الأميرة بدر البدور ، وقالت : لا أدري لماذا وفرتني حتى الآن .
وانفرجت أسارير الغول قليلاً ، وقال : أنت بدر البدور ، وقد وفرتك لأمر أهم .
وردت الأميرة بدر البدور : أفضّلُ أن تأكلني .
وتعكرت ملامح الغول ، وقال : سآكلك إذا أصررتِ على موقفك ، ولم ترضخي لرغبتي .
ولاذت الأميرة بدر البدور بالصمت ، فقال الغول : سأمهلك ، ولآخر مرة ، حتى بعد غد .
وأطرقت الأميرة بدر البدور ، وراحت دموعها تتطافر من عينيها ، منسابة بصمت على خديها ، لكنها لم تنبس بكلمة واحدة .
واستدار الغول ، واتجه إلى خارج الجناح ، بخطواته الثقيلة الكريهة ، وهو يقول بصوته الأجش : سأنام الليلة أيضاً في جناحي .
وصمت لحظة ، وقال وهو يخرج : فكري ملياً ، بعد غد هو اليوم الفصل .
ورقدت الأميرة بدر البدور في فراشها ، وحاولت أن تغمض عينيها ، لعلها تغفو ، وظلت خطوات الغول الثقيلة ، تتناهى إليها من إحدى جنبات القصر ، وتساءلت في سرها : ترى ماذا رأي هذا الوحش خارج القصر ؟ وعمّ يبحث هنا في الداخل ؟
” 14 ”
ــــــــــــــــــــــ

فزّ الأمير مهران من إغفاءته ، حين سمع باب القصر يُفتح ، فهبّ من مكانه ، وأطلّ بحذر من وراء الشجرة ، وإذا الغول يخرج من القصر ، ويقف أمام الباب المفتوح ، ثم يصيح : أغلق ، أنا الغول .
وعلى الفور ، انغلق الباب ، وعاد الجدار كما كان ، لا منفذ فيه ولا باب ، وتلفت الغول حوله ، ثم انحدر نحو الطريق ، ومضى مبتعداً بخطواته الثقيلة .
وخرج الأمير مهران من وراء الشجرة ، التي قضّى الليل كله وراءها ، واقترب من جدار القصر ، وهو يتلفت حوله بحذر شديد .
وتوقف أمام الجدار ، وبحث دون جدوى عن أثر يدل على وجود الباب ، الذي دخل الغول منه مساء البارحة ، وخرج منه قبل قليل .
ورفع الأمير مهران رأسه ، وقال بصوت متردد : أيها الباب ، افتح .
وانتظر أن يبرز الباب من الجدار ، وينفتح له كما انفتح للغول ، لكن دون جدوى ، وفكر ملياً ، ثم قال بصوت أجش ، محاكياً صوت الغول : افتح ، أنا الغول .
وتراجع الأمير مهران مذهولاً ، عندما رأى الجدار ينشق فجأة ، ويبرز الباب الصغير في أسفله ، ثم ينفتح ، كما انفتح من قبل للغول .
وعلى الفور ، أسرع الأمير مهران بعبور الباب ، وكأنه يخشى أن يُغلق مرة ثانية ، وما إن صار في الداخل ، حتى سمع الباب من ورائه ينغلق ببطء .
واعتدلت الأميرة بدر البدور في فراشها ، فقد خيل إليها أنها سمعت الباب الخارجي يُفتح ، وأنصتت ملياً ، ثم هزت رأسها ، لقد ذهب الغول قبل قليل ، وليس من عادته أن يعود بهذه السرعة .
وسرعان ما خفق قلبها بشدة ، بعد أن سمعت وقع أقدام في ممر من ممرات القصر ، أهو الغول ؟ لكنها تعرف وقع أقدام الغول الثقيلة ، وهذه ليست وقع أقدامه ، ترى وقع أقدام من إذن ؟
وتوقف الأمير مهران ، وسط ممر قريب من جناح الأميرة بدر البدور ، وهتف قائلاً : بدر البدور .
وانتفض قلب بدر البدور ، هذا ليس صوت الغول ، بل صوت .. وارتفع الصوت ثانية من مكان أكثر قرباً : بدر البدور .. بدر البدور .
وانطلقت بدر البدور إلى خارج الجناح ، وهي تهتف : مهران .. مهران .
وإذا هي وجهاً لوجه مع الأمير مهران ، وقبل أن يتفوه الأمير مهران بكلمة ، ارتمت الأميرة بدر البدور بين ذراعيه ، وهي تقول : مهران ..
وتوقف الأمير مهران مذهولاً ، لا يدري ماذا يقول أو يفعل ، وشدت الأميرة بدر البدور يديها حوله ، وهي تقول بلهفة : أيها المجنون ، عانقني ، عانقني .
وشدها الأمير مهران بقوة بين ذراعيه ، ثم قال : لنهرب من هذا القصر ، ونعد بسرعة إلى المملكة ، فالجميع ينتظرون قدومك على أحرّ من الجمر .
وأخذت الأميرة بدر البدور يده ، وقالت : تعال ننتظر بعض الوقت في جناحي ، حتى يبتعد الغول ، لنخرج من هنا ، ونهرب بسلام .
” 15 “
ــــــــــــــــــــــ

لم تكد الأميرة بدر البدور ، تأخذ الأمير مهران ، إلى جناحها الخاص ، حتى سمعت الباب الخارجي يفتح ، وسرعان ما ارتفع وقع أقدام ثقيلة وسريعة ، في ممرات القصر .
وتلفت الأمير مهران حوله قلقاً ، وقال : ما الأمر ؟
وتشبثت الأميرة بدر البدور به ، وقالت : يا ويلي ، عاد الغول .
ثم دفعته نحو خزانة كبيرة في طرف الجناح ، وهي تقول : تعال ، اختبىء هنا .
وفتحت باب الخزانة ، ودفعت الأمير مهران إلى داخلها ، وقالت : ابقَ هنا ، حتى يذهب الغول .
وما إن أغلقت الأميرة باب الخزانة ، حتى فُتح باب الجناح ، ودخل الغول مسرعا ً ، وتوقف متلفتاً حوله ، ثم همهم : هم م م م .
وابتعدت الأميرة بدر البدور عن الخزانة ، وقالت : ليس من عادتك أن تعود سريعاً هكذا .
ونظر الغول إليها ، وقال : لاحظت آثار أقدام غريبة خارج القصر .
وأشاحت الأميرة بدر البدور عنه ، وقالت : لعلك واهم ، فلا يمكن أن يقترب أحد من هذا القصر .
واقترب الغول منها ، وقال : ما لا يمكن هذا ، يبدو أنه قد حدث ، ربما البارحة أو اليوم .
وسكت لحظة ، ثم قال : من جرؤ على هذا لن يفلت مني ، وسأنزل به أشد العقاب .
وتراجع خطوات ، متلفتاً حوله ، وتشمم ملياً ، ثم قال : يا للعجب ، أشم رائحة آدمي في جناحي .
ولاذت الأميرة بدر البدور بالصمت ، فاقترب الغول منها ، وهو يقول : أنت تعرفين الحقيقة ، وستخبرينني بها ، وإلا .. الويل لكِ .
وتراجعت الأميرة بدر البدور قليلاً ، وهي تقول : لا أعرف أي شيء .
وانقض الغول عليها ، وأطبق على عنقها بكفيه الغاضبتين المتوحشتين ، وقال من بين أسنانه : قولي الحقيقة ، وإلا فتكت بك ، وافترستكِ .
وصاحت بدر البدور بصوت متوجع مختنق : مهران ..
وعلى الفور ، صفق باب الخزانة ، وبرز منها الأمير محمد ، وسيفه يبرق في يده ، وصاح بأعلى صوته : أيها الوحش القذر ، دع بدر البدور .
وألقى الغول الأميرة بدر البدور جانباً ، واستدار إلى الأمير مهران ، وقال : آه ، أنت الأمير مهران إذن ؟ جئت إلى نهايتك بقدميك ، تعال .
وتقدم الأمير مهران منه على حذر ، وسيفه البتار يبرق في يده ، وجنّ جنون الغول ، فانقض عليه مكشراً عن أنيابه القاتلة ، لكن الأمير مهران ، رفع السيف ، وأهوى به بسرعة البرق على هامة الغول ، الذي وقف مصعوقا ، كما لو أن البرق قد ضربه ، ثمّ تهاوى على الأرض ، وهو يقول بصوت متحشرج : ثني .. يا مهران .
ورفع الأمير مهران سيفه ، وهمّ أن يضرب الغول ثانية ، لكن الأميرة بدر البدور ، أسرعت إليه ، وأمسكت يده قائلة : لا ، لا تضربه ثانية .
وقال الغول ، وهو يحتضر مضرجاً بدمائه على الأرض : هيا ، يا مهران ، اضربني ثانية .
فقالت الأميرة بدر البدور : دعه يمت ، فلو ضربته ثانية ، لعاد إلى الحياة ، وربما قتلنا كلانا .
وتنهد الغول محبطاً ، ثم أغمض عينيه ، وسرعان ما غدا جثة هامدة ، فالتفتت الأميرة بدر البدور إلى الأمير مهران ، وقالت : الآن نستطيع ، يا محمد ، أن نعود إلى المملكة .
” 16 “
ـــــــــــــــــــــ

خرجت الأميرة بدر البدور من الجناح ، يرافقها الأمير مهران ، وتوقفت في الممر حائرة ، لا تعرف من أين تمضي ، وأي الممرات يقود إلى الخارج ، فهذه هي المرة الأولى ، التي تخرج فيها من جناحها ، منذ أن جاء يها الغول إلى هذا القصر ـ السجن .
وتوقف الأمير مهران إلى جانبها ، وقال : هيا يا بدر البدور ، أمامنا طريق طويل .
فقالت بدر البدور : هذا القصر واسع ، ومتاهاته كثيرة ومعقدة ، وأنا لا أعرف الطريق إلى الخارج .
وعلى الفور ، أمسك الأمير مهران يدها ، وسار بها مسرعاً ، وهو يقول : تعالي ، فأنا دخلت القصر منذ ساعة تقريباً ، وأظن أنني أعرف الطريق .
وقادها صامتاً من ممرّ إلى ممر ، حتى وجدا نفسيهما أخيراً ، أمام باب القصر الداخلي ، وما إن عبراه بسرعة ، حتى وجدا الجدار الأصمّ مواجهاً لهما .
وتوقفا أمام الجدار ، وتلفتت الأميرة بدر البدور حولها حائرة ، وقالت بصوت مضطرب : لا باب هنا ، كيف سنخرج ، يا مهران ؟
وأجاب الأمير مهران قائلاً : لا عليك ، أعرف السرّ ، لقد تعلمته من الغول ، دون أن يدري .
وصمت لحظة ، ثم رفع رأسه قليلاً ، وهتف بصوت أجش ، محاكياً صوت الغول : أنا الغول ، افتح .
وأمام عيني الأميرة بدر البدور المذهولتين ، برز باب صغير أسفل الجدار ، سرعان ما انفتح ، وبدت الأجمات زاهية متمايلة ، تحت أشعة الشمس .
وهتفت الأميرة بدر البدور بصوت مفعم بالفرح : مهران ، هيا ، نحن أحرار الآن .
وأمسك الأمير مهران يدها ، وهتف فرحاً لفرحها وهو ينطلق بها خارج الأسوار : نعم ، نحن أحرار ، هيا لابد أنهم ينتظروننا الآن .
وتوقفت الأميرة بدر البدور ، بعد أن ركضت إلى جابه على الطرق الوعر الخشن ، وقالت : مهران .
وتوقف مهران إلى جانبها ، وقال : نعم .
ونظرت الأميرة بدر البدور إليه ، وقالت : الطريق طويل ، يا مهران ، وأنا لا أستطيع أن أمشيه .
فقال الأمير مهران : لن تمشيه .
ونظرت الأميرة بدر البدور إليه متسائلة ، فقال : سأحملكِ .
وتساءلت بدر البدور : أنت !
فردّ قائلاً : نعم ، أنا ..
وسارت الأميرة بدر البدور ، دون أن تتفوه بكلمة ، فلحق الأمير مهران بها ، وهو يقول : هذا إن لم يحملك حصاني .
وتوقفت الأميرة بدر البدور ، وقالت : حصانك !
وأشار الأمير مهران إلى حصانه ، الذي لا يكاد يظهر بين أشجار الأجمة ، حيث تركه مساء البارحة ، وقال : أنظري .
ونظرت الأميرة بدر البدور إلى حيث أشار الأمير مهران ، وقبل أن يقع نظرها على الحصان ، وجدت نفسها بين ذراعي الأمير مهران الشابتين القويتين ، فصاحت ضاحكة : ماذا تفعل أيها المجنون ؟ أنزلني .
فقال الأمير مهران ، وهو يسير بها نحو الأجمة : قلتُ لك سأحملك ، وها إني أحملك ، ولن أنزلك إلا فوق حصاني العزيز .

” 18 ”
ــــــــــــــــــــــ

بعد يوم طويل متعب وممل ، قضاه الملك في إدارة شؤون المملكة ، مع الوزير وقائد الجند وقاضي القضاة ، عاد متعباً متجهماً إلى القصر .
وهذه المرة ، ككل المرات ، منذ أن اختفت الأميرة بدر البدور ، لم يتوقع الملك ، أن يرى الملكة ، تسرع إلى استقباله خارج جناحهما .
لكنه ما إن دخل حديقة القصر ، حتى فوجىء بالملكة ، تقف في الممر ، وكأنها تنتظره ، ووصيفتها تقف قلقة محرجة ، على مسافة منها .
وحين رأته الملكة يدخل الحديقة ، أسرعت إليه بادية الانفعال ، فبادرها قائلاً بلوم رفيق : أنت متعبة ، وليس لك أن تغادري فراشك .
وقالت الملكة بصوت دامع يشي بقلقها وفرحها : ستعود ابنتنا .. ستعود بدر البدور .
وأمسك الملك بيدها ، واتجه بها برفق نحو الداخل ، وهو يقول : طبعاً يا عزيزتي ، ستعود ابنتنا ، ستعود حتماً ، ما علينا إلا أن نصبر قليلاً .
وتوقفت الملكة ، وقالت : لم أرَ هذا في المنام ككل مرة ، لم أره في المنام ، بل ..
وشدّ الملك بيده على يدها برفق ، وسار بها ثانية ، حتى عبرا البوابة الداخلية للقصر ، وهو يقول : تعالي إلى الداخل ، يا عزيزتي ، تعالي وحدثيني ..
وتوقفت الملكة ثانية ، وقالت بصوت متحشرج : الساحرة العجوز .. قالت ذلك ..
ومرة أخرى ، سار الملك بها بنفس الصبر والرفق ، حتى دخلا جناحهما ، وعندئذ سحبت الملكة يدها من يده ، وقالت : أنت لا تصدقني .
ونظر الملك إليها صامتاً ، فقالت الملكة من بين دموعها : أختي نور الزمان ، وهي كما تعرف ، لا تعتقد بما يقوله السحرة ، ذهبت بنفسها ، ودون علمي ، إلى الساحرة العجوز ..
ومن بعيد تناهت أصوت أناس كثيرون ، راحت ترتفع شيئاً فشيئاً ، فرفع الملك رأسه ، وراح ينصت ، ويبدو أن الملكة لم تنتبه إلى ذلك ، فواصلت كلامها قائلة : وقالت لها .. الساحرة العجوز .. قالت لنور الزمان .. أبشري .. سيعود مهران.. ومعه بدر البدور ..
اقتربت الأصوات ، حتى بدا أنها في الشارع المؤدي إلى القصر ، فقال الملك : أنصتي .
وأنصتت الملكة ، أنصتت ملياً ، وعيناها غارقتان بالدموع ، ثم قالت بصوت مرتعش ، لا يكاد يُفهم : الساحرة العجوز .. الساحرة العجوز .
وهنا أقبلت الوصيفة راكضة تطير من الفرح ، وهي تصيح بأعلى صوتها : مولاتي .. تعالي .. جاءت الأميرة بدر البدور ومعها الأمير مهران .
وعلى الفور ، أسرعت الملكة والملك ، ومن مدخل القصر ، شاهدوا جموعاً غفيرة من الناس ، رجالاً ونساء وأطفالاً ، يتقدمهم الأمير مهران والأميرة بدر البدور والأميرة نور الزمان .
18 / 12 / 2012

شاهد أيضاً

ابتسام ابراهيم الاسدي: كَمَن في ذاتهِ يسهو

كَمَن في ذاتهِ يسهو ….. ويشكو جورَ ايّامِه وَيَحْشـو كَـفّهِ خـَجِلاً ….. تـَعاويذاً لأحلامِه يـُناجي …

إنه الوطن يا شاعري..
بدل رفو
النمسا\ غراتس

لم تعد في المآقي دموع لتذرف! ولم تبقى في الفؤاد من الآهات والمكابدات للتأوّه!! ملّ …

من التراجيديا العراقية – اللبنانية
شعر/ ليث الصندوق

من بعدِ إطفاءِ الحرائقِ واقتيادِ دخانِها للأسرِ يرسفُ في قيودْ ما عادَ طبّاخو الجِمارِ يُتاجرون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *