( توقيع الأثر – استحضار أثر المنطقة المقدسة وتفكيكه) كتاب جديد للناقد محمد علي النصراوي

صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر كتاب ( توقيع الأثر ) / استحضار أثر (المنطقة المقدسة) وتفكيكه للكاتب محمد علي النصراوي في بيروت / عمان في 5/7 / 2017 July ، وقد جاء فيه أنَّ كتابة المقدمات تنطوي على شـيء ذي أهمية كبيرة في الجدل الفلسفي ، هو كتابـة نص مواز إلى نص الأب الغائـب .إن هذا الشيء يسـحبنا إلى كتاب (ظاهراتية العقل) للفيلسـوف هيجل عندما قام بنفسه بكتابة ( مقدمة ) كتابه كمشرع فلسـفي ، بعد كتابته النص / الأصـل ، إلاّ أنه ينوه في بداية مقدمته : (لا تتعاملوا معي بجدية في المقدمة ؛ فالعمل الفلسفي الحقيقي والفعلي هو نص (ظاهراتية العقل ) فقط، وإذا كتبت خارج نطاق هذا النص فتلك تعليقات هامشية ليست في قيمة النص نفسه … لا تتعاملوا مع المقدمة بجدية فالمقدمة تُعلن عن خطاطـة ، والخطــاطة لا شيء حتى تتحقق)(1) صور دريدا ، ثلاث مقالات عن التفكيك / جايتريا اسبيفاك ، كريستوفر نوريس ، ص/ 22 .
إنَّ المقدمات الافتتاحية تنطوي على ابداعي خيالي ، ولكننا لا نتعامل مع المقدمات كأعمال خيالية بقدر ما هي ممارسة نقدية ، على الرغم من أنها تقحم الخيال بالحقيقة ، مـن هذا المنطلق يدين هيجل (المقدمة) في اللحظة نفسها التي يكتب فيها مقدمته، وإذا ما أخذنا المسألة من وجهة النظر التفكيكية ، نلاحظ أن دريدا يعدّ هذا النوع من الكتابات / المقدمات الجزء الدال والخطر جداً .
وعندما رجع إلى آراء هيجل تبيّن إن رفضه للمقدمات يعكس البنية التالية : المقدمة / النص = تعميم مجرد / نشاط التعرف ذاتي الحـركة . وقبوله للمقدمات يعكس بنية أخرى: المقدمة / النص = الدال /المدلول ، وأسم هذه الـ( = ) في هذه الصـيغة يدعى (النفي الهيجلي ) .
ولو تفحصنا هذا المفهوم عند هيجل نلاحظ أنه : علاقة بين طرفين يلغي الثاني منهما الأول ويرفعه في آن واحد إلى مجال وجود أعلى ، إن مفهوم (النفي) عند هيجل يوضح غرضنا في مجالنا هذا ، حيث نلاحظ إن المقدمة الناجحة تلغي الاختلاف والتناقض في النص الذي تسبقه وفي الوقت نفسه تحتفظ بهما ، مثل أي مفردة تلغي اختلافها وتحتفظ به في آن داخل معناها ، وهكـذا يمكننا مـن وجهـة النظر التفكيكيـة ، فيما إذا تتبعنا مجازات دريدا البنيويـة فـإن (المقدمة) تصبح هي (الأبن Son) أو (المني Seed) . فالأب يكون هنا هو الفاعل الذي يتسـبب في وجود الابن ، أو يمكن أن نقول أن الابن يقوم بقذفه الأب / النص فُيخرجه إلى الحياة ، بهذا الوصف يبرر الأب وجود الابن .
إذنْ كيف يمكننا تحقيق الأثر ..ثم نقوم باستحضاره وتفكيكه في آن معاً ..؟
وبمواجهة هذا التراكم الهائل من المفاهيم الآمنة والسـاكنة في كنف نظام التمركز العقلي للميتافيزيقيا ، يقـترح دريدا (استراتيجية) خاصة في قراءة النص التي تقوم على تفكيكه ، أي إن هذه القراءة تضع نُصبَ عينيها تلك المفاهيم الميتافيزيقية الآمنة مثـل : (الأصـل) و (الهـوية) و (الكلية) لتقـوم بتحريفـها وخلخلتـها نحـو (الاختلاف) .وهـذه إحدى مناورات التفكيك في حركته الأساسية ، وهو أن يقوم بالضد من هذه المفاهيم المزدوجة التي يتمحور حولها الفكر الميتافيزيـقي ، فهـذا الأخـير يجـعل من هـذه المفاهـيم المزدوجة على شـكل (طوابق) وعلاقات متراتبة محكومة بالتـوزع الآتي : (أعلى / أسـفل ، واقعي / خيالي ، الخـير / الشر ، الباطن / البرانية ، الكلام / الكتابة ، الشرق / الغرب ، المذكر / المؤنث ، المدلول / الدال … ألخ ) . وهنا وفي هذه المرحلة من القراءة التفكيكية يقترح (دريدا) ، ويدفع إلى العمل سلسلة من الكلمات مزدوجة المعاني، بحيث أن هذه الكلمات تحمل في داخلها قوة انفجارية تعمل على خلخلة وتفكيك المفاهيم الميتافيزيقية الآمنة التي قامت بفلسفتها العقلانية المركزية بطغيان أحد معانيها والرفع من شأنه ليأخذ المعنى المتعالي والذي أصبح فيما بعد مألوفاً وشائعاً لدى المجتمع، والحط من المعنى الآخر دائماً.
ومـن هـذه الكلمات أو المفاهيم المزدوجة المعاني التي أقترحها دريـدا: مفردة (الأثر) وهو من أهم المفاهيم التفكيكية الذي يشير في الأوان ذاته إلى إمحاء الشيء وبقائه محفوظاً في الباقي من علاماته، بوصفه آصرة أرتباط تربط النص بالنصوص السابقة عليه أو تقوم بربط العلامات بعلامات أخرى تقع خارج سياق النص بحيث تقوم هذه الآصرة بانحراف المعنى الشائع وأعطائه طاقة تعبيرية انفجارية للمعنى المنحط من العلامة، في نشاط معمم للغرس والبعثرة والتوليف الطباقي .
ثم هناك مفردة ( hymen ) التي تدل في الفرنسية على (غشاء البكارة )، في الوقت الـذي تـدل فيه على (الاقتران ) اثناء الزيجة . الأمر الذي جعل الشـاعر (مالارمه ) أن يكتـب ضـد نظرية المحاكاة الأفلاطونية (إن أحداً يكتب دائماً انطلاقاً من ورقة بيضاء).
وهناك أيضاً مفهوم ( pharmakon ) : وهي مفردة أفلاطونية ليشير بها إلى الكتابة بوصفها سُماً وترياقاً في آن معاً ، أو (الملحق) أو (الزيادة) وهو يشـير إلى ما نضيفه ، فهو يأتي ليلتصق بالشيء ويتطفل عليه ، أو ليسد نقصــاً. إن هـذه العملية تقوم على بعث طـاقة التعـبير الحيـة لــذاك (المعنى المنحط) أو(المهمش) لكل من مفهومات الميتافيزيقية وتأكيده بقوة.
إن ما يرنو أليه دريدا هنا هو مفهوم ( التشتيت ) ، أي إنَّ (المني) الذي يمتلكه الأب لايقوم هنا بتخصيبه وإنما يقـوم ببعثرته في كل اتجاه ، وهذه إحدى إيمـاءات دريـدا الاســتهلالية في تشـتيت وبعـثرة المفاهيم التي تؤكــد أنَّ ( المقدمة ) هي إيماءة تابعة لـ ، وقاتلة (للأب) .عندئذ يدعي الكتاب / الأب بأنه هو المـرجع أو الأصـل ، وكلاهما يمكن أن يكون حقيقية أو زائفة . إذا أخذنا المسـألة تقليدياً ، أي من داخل السـياج الميتافيزيقي نلاحظ أن الإنسـان يرغب دائماً في أنْ تكون في الأشـياء المحيطة من حوله ثمة مركز ما ، مركز ثابت ، وفكرة المركز الثابت تؤكد سيطرة الإنسان عبر المعرفة أو التملك .
وهذا القول يؤكد إن هناك قراءتين للكتاب نفسه ، وبهاتين القراءتين تتحدد هوية الكتاب بوصفه اختلافاً . وإذا ما أُريد الدقة أكثر يمكن أن يقال كل قراءة للكتاب تُنْتِجُ نسخةً مزيفة ، نسخة هي نفـسها سـمة ذات متغيرة وغير ثابتة ، وأيضـاً إن هذه الذات مستخدمة لغة هي بدورها متغيرة وغير ثابتة . وكتابة (مقدمة) تثير هذا الاختلاف في هويتها وذلك بإقحام نفسها فيما بين قراءتين . قراءتي أنا وقراءة جايتريا سبيفاك وإعادة تنظيم نصينا وأيضاً قراءتك أيها القارئ الكريم ، مع الأخذ بالحسبان إن لغة كل منا متغـيرة وغير مستقرة ، عند هذا الحد تُعدّ المقدمات مشاركة في الهوية عِبرَ الاختلاف. وهي تلك اللحظة التي يرتد فيها الكتاب على نفسـه، ويكرر فيها نفسه ، اللحظة التي تنطوي فيها الهوية الذاتية للكتاب على اختـلاف غـير مُدرَك ، تسـمح ( للمقدمة ) أن تخطـو وبفاعلية وبحذر خارج انغلاق الكتاب. إن هذا الانغلاق يمكننا تهريبه وبشكل سري وماكر عندما نبدأ بكتابة المقدمـة .

شاهد أيضاً

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني: التعريف بمؤلفاتي المنشورة ورقيا والكترونيا
الكتــــاب الرابع والثلاثون: الشعر العربي بين الحداثة والمعاصرة

إشارة : أمام هذا النشاط الدؤوب والعطاء الإبداعي الغزير والثر للمبدع الشاعر والناقد والباحث العراقي …

“قيثارة السرد” مجموعة قصصية للكاتب “جابر خمدن”

صدرت عن دار الفراشة في الكويت، المجموعة القصصية الأولى ، للكاتب جابر خمدن بعنوان قيثارة …

“مواربات النص” كتاب جديد للمفكر ماجد الغرباوي.. إصدار جديد عن مؤسسة المثقف

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تهنىء الأخ المفكر “ماجد الغرباوي” على هذا الإصدار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *