قصي الشيخ عسكر : الرباط (رواية مهجرية) (9) و (10)

(9)

أحلم أم ماذا؟
هناك حقائق ألذ من الحلم. حالما التقينا وكان الشارع يغتسل مثل عصفور كناري صغير بحبات مزنة عابرة من غيوم الربيع، سحبتها من كتفها تحت شجرة من أشجار اليوكالبتوس:
– لو كنت أعرف لأحضرت مظلة
– أنا أحب المطر
استفزني صوت رعد من بعيد، أعقبته رشقة عنيفة سرعان ما خفت وتلاشت:
أخاف عليك من البرد والزكام.
– مطر الربيع لايضر.
– طيب مارأيك بالحر في الصيف والبحر!
– هنا لا أحب أن اعوم بالمايوه، أفضل الحسيمة ومدن الشمال.
وتوقف المطر لنواصل السير باتجاه الشقة. لقاء آخر لي مع أنثى فتخطر الدنيا أمامي حقلا من سعادة وفرح. هذه امرأة أخرى .. قلت مع نفسي، لاشيء يغطي على سعادتي حتى لو منحتني جسدك كله وبقيت عذراء .. فيك عرفت سر الوجود ولست بشاعر حتى أكتب لك قصيدة .. في تلك اللحظة لم تستفزني حركة باب يفتح لشقة في الطابق العلوي .. . قد تكون مصادفة .. أم هناك من لمحني معها .. عندما يجيء الصيف يمكن أن نذهب إلى الشمال لكي نسبح في البحر .. أو ليأخذني الخيال أينما شاء سوف أحوز على تأشيرتي إسبانيا وفرنسا فأتفق معك أن نلتقي هناك .. نتعرض للشمس الأليفة فأزداد سمرة وينتعش لونك الخمري بخيوط الشمس .. يدي بيدها ونحن مضطجعان على الرمل:
– هل سخنتِ؟
انتظرْ لحظة!
– هيا لنذهب إلى البحر!!
كنا نقف أمام باب الشقة، فسمعت الصوت لأتبين أنه لم يكن صوت باب من الطابق الثالث بل حشرجة رعد آخر عن بعد، سحبت نفسا قصيرا عند الباب:
– الحمد لله أننا لسنا في الدور الرابع وإلا لكنت تعبت!
كانت ساكنة مطمئنة، فتلاشت – تلك اللحظة – صورة فاتحة واللقاء بامرأة خرى. هذا لقاء من نوع آخر. لي الدنيا كلها ترفّ مثلَ الفراشة فرحا .. دنيا من الرقة والجمال. صغيرة وشهية حذرة بالوقت نفسه، أقرأ في عينيها بعض الحيرة، بقيت صامتا لفترة .. لا أريد ان أعكر خيالها، فامتدت يدها إلى محفظة الكتب، وبحثت فيها، ثم ناولتني بطاقة:
– ماهذا؟
– عنوان بيتنا ورقم الهاتف!مفاجأة؟
– لكنني لاأعرف متى تكونين وحدك؟
أختي الكبرى وصلت من باريس هي وزوجها، سيبقى هو أسبوعا لأنه لا يستطيع أن يترك عمله، وتظل أختي فترة شهر لذلك استغل والدي الزيارة وحصل هو وأمي على تأشيرة عمرة. زيارة مكة، الأسبوع القادم تستطيع أن تتصل بي!
– وماذا لو لم تكوني أنت على الهاتف.
– أختي لا أخفي عنها شيئا. قد يكون بيني وبين الوسطى حاجز، لكننا أنا والكبرى صديقتان وأختان، إذا سألتني سأشرح لها الأمر.
– افرضي رد علي زوج أختك؟
– لا عليك أقول له موظف من أية ملحقية ثقافية عربية وفر لي بعض الكتب عن الأندلس، لا تظنني أكذب ألست أنت على علاقة بالملحقية العراقية.
عبرت عن دهشتي بضحكة:
– يالذكائك الخارق!
– طبعا ستكونين الجمعة في البيت؟
– أجل. حاول أن تتصل خلال الظهيرة.
وغيرتْ الحديث فجأة:
– هل معكَ صور أهلك بابا ماما؟
فاجأني سؤالها، عندي صورة قديمة لي مع أمي وأخواتي،، للذكرى فقط، أمي بثوبها الأسود الطويل وغطاء رأسها، وأقسم أن واحدة من أخواتي كانت حافية، لست أبالغ فقد نويت أن اتحدث لهم عنها وأطلب منهم صورة لائقة:
– الواقع إني خلال السفر فقدت بعض الصور، لكني أعدك أني سوف أكتب لهم غدا ليبعثوا لي صورهم. اطمأني سأبلغهم تحيتك!
– أحب أن أراهم أخبرهم عني.
متخابثا عن عمد:
– ماذا أقول لهم!
بين الحياء والابتسامة:
– أنت تعرف ماتقول هل أعلمك؟
– سأقول لمحمد الذي في الرابع الثانوي، وجميلة التي تدرس في الثالث، وآخر العنقود راجحة، الأول الثانوي!”يا أخي وأختي ويا والدي أحب مليكة المغربية أكدت ضاحكا” احفظي أسماءهم حتى إذا التقيتهم تستطيعين تمييزهم!
وأطرقت إلى الأرض، فحاولت أن أنتشلها من صمت لا بد منه، فقلت:
إنها قلة ذوق مني، سأذهب إلى المطبخ لأعمل لك شايا عراقيا.
في ذهني أمر ما، وأنا أمام الطباخ، ناديت عليها فقدمت، ثم خطوت إلى الثلاجة أستل قنينة أدير بعض مائها في براد الشاي، فلمحت وهي تجتاز باب المطبخ مافي الثلاجة، واعترضت بين الانفعال والدهشة:
– تشرب الخمر؟
– الويسكي. كلا هذا لشريكي في السكن بعض الليالي يشرب كأسا قبل النوم، أو ربع القنينة في ليلة رأس الأسبوع.
بعدم رضا وتحذير:
– هل تشاركه الشرب؟
– أحيانا قليلة، فأنا لا أحب الخمر. ” ازدرت ريقي” من عنده مثل هذا الجمال والروعة لا يريد لعقله أن يغيب قط ..
قلت عبارتي، واقتربت منها. مسكت يدها، تطلعت في عينيها، وهويت بشفتي على شفتيها. لم تقاوم. كانت تغيب معي في قبلة طويلة. ثاني قبلة لي، مع امرأة أخرى تختلف. لكنها انتفضت فجأة، انسحبت قليلا إلى الخلف، وكانت شفتاها ترتجفان، وقد وضعت يدها على جبينها الذي نزّ عرقا، كأنها تتحاشى أن تغيب عن الوعي.
– أرجوك هذا يكفي.
– لقد وعدتني.
– وأنا عند وعدي.
– خائفة؟
– كلا. كلا.
وعادت إلى الصالة، فجلسنا متلاصقين:
– متى يأتي صديقك.
– لا أعرف ربما متأخرا.
ارتشفت جرعة، ففعلت مثلي:
– هذا شاينا. وأظنك ستتعودين عليه في المستقبل.
فضحكت، وكنت أقترب منها، وأقبلها من جديد .. لم تعد خائفة لكنها حذرة .. فأحسست بيدها تطوق عنقي، ثم تدفعني برفق:
– علي أن أنصرف الآن!

(10)

مع نهاية محاضرة الخدمات العامة وفن الاتكيت قصدت الهاتف في الممر، وأدرت رقم البطاقة، فتهادى صوتها الدافىء الرقيق:
– أين أنت؟
– توا أنهيت المحاضرة، وعلي أن أنزل إلى الصالة.
– حسنا تعال الساعة الرابعة ولا تتأخر.
ماذا آتي إليكم؟
– قلت تعال الساعة الرابعة. العنوان موجود عندك.
– وحدك في البيت.
– أنا الآن في الصالة وحدي وأختي مع زوجها في الطابق الأعلى. تعال في الرابعة كماتسمع ولا تتأخر.
تابعت يومي في التدريب العملي .. مهام استقبال الإخصائي .. الحجز والإلغاء .. تدبير إجراء الإقامة .. ودائع النزلاء .. الخطط المستقبلية .. أووه .. ذهني شارد مع المكالمة الغريبة. والدعوة. سبع عشرة مهمة احفظوها عن ظهر قلب .. شيء ما يشغلني عن عالم يحيطني بالبهرجة والنظام. وواجبات موظف الاستقبال .. منذ أتيت إلى هنا أعاشر ابتسامات الزملاء في العمل ومجاملاتهم. شغلي يتطلب ابتساما دائما .. بعض الأحيان أنزل إلى الطابق الأرضي في الجانب الأيسر للمعهد حيث الفندق السياحي الذي يكاد لايخلو من السياح الأجانب. المائدة المفتوحة، والواجهة الزجاجية وثمة تماثيل الكريستال وأطباق الطعام، وعن بعد الموظفون بلباسهم الأنيق، وقبعاتهم الراقية، وربطات العنق الرفيعة ابتسامات مفترضة تعلو وجوههم .. ابتسامات فقط. أحاديث عابرة بيننا. نظام لذيذ، وشعور بالراحة. ما أسهل هذا العمل. تطبخ وتبدو أنيقا، تستقبل أناسا محترمين أثرياء، تراقب الضيوف في صالة الطعام من دون أن يشعروا بنظراتك. فيريحهم منظرك وشكل قبعتك، ربما تلمح من هؤلاء العابرين الذين تلتقيهم مرة واحدة في حياتك بعض الوجوه النهمة التي لا تشبع. لكن مالي وجوع الآخرين أو شبعهم او فتح حساب للزبون .. قالت تعال الرابعة، وماعلي ألا أن أشغل نفسي بأي شيء. أمامي أكثر من ساعة ومليكة تنتظرني، أنت يا سي ” الهبطي” لا تفكر يمكن لأخيك أن يذهب إلى العراق .. في البصرة حرّ لكن هناك شركات هندية ويونانية، اليابان رحلت إلينا .. لدينا من كل العالم بإمكان أخيك العمل في الشركة الهندية .. يمد الأنابيب .. يركب أنبوبا بآخر شغلة سهلة .. ليذهب إلى صديقي ” محمد الشخص” في المدرسة العراقية لديه معارف كثر في العراق وليقل له مبعوث من قبلي أنا. مثلما يذهب إلى الدار البيضاء أوطنجة يسافر إلى بغداد من دون تأشيرة دخول .. لا تفكر يا سي “الهبطي” أضمن لك سفر أخيك .. يا سي ” الخراز” هل يمكن أن أراك في المقهى. سنتحدث حول سفرك .. لكن إذا أخذت رسالة من السيد ” محمود العاني” الملحق الثقافي فكل شيء يسير على ما يرام .. يا سي جمال .. أووه رفيق جمال .. أنت لا تدري أن مليكة صعدت معي إلى الشقة .. قالت: هذا يكفي أرجوك. قبلتها وهاهي تدعوني إلى البيت. أظن أنها حدثت الأخت الكبرى عني وإلا ما معنى الدعوة. وها أنا أخرج من المركز السياحي، وفي جعبتي ساعة كاملة. أتجه نحو سوق الزهور الصغير، أنتقي تشكيلة ذات ألوان متباينة .. أحمر. أصفر .. بنفسجي .. أزرق .. وأستقل سيارة أجرة .. أترجل أمام الفلا الكبيرة .. الحديقة الأمامية، يشطرها ممر عريض، بعض الورود في المنتصف تتسع وتضيق في حلقات وعلى السياج الأمامي تتسلق شجرتا ياسمين ووردة جوري وهناك جنب البوابة مرآب لسيارة. كانت تراقب الشارع من الصالة، وضعت الباقة بين يديها وطبعت قبلتين على خديها. حورية خمرية أنفرد بها، وهذه الجلابية المغربية ذات اللون التركوازي زادتها نضارة، وأظهرت خصرها النحيل، مكياج خفيف على وجهها، وبعض أحمر الشفاه. عروس، تخطر بخفة أمامي:
– شكرا على الورد .. ذوقك رائع.
– لا شكر على واجب.
التقطت أنفاسي، وسرعان ماجرفني البيت الفخم والصالة المزدانة ببعض المسحة الفرنسية، المنضدة الطويلة، الخزانة، جهاز البيانو، وإذ التقطت أنفاسي، ملت بوجهي نحو العارضة التي ضمت مجموعة من الصور .. وعلى الرغم من أن هناك ضوءا خافتا يأتي من مصباح محفور بالحائط المواجه للباب الجانبي إلا أنها ضغطت على زر قرب باب موازٍ للأريكة الطويلة فانبعث ضوء خافت ثم توسع بطيئا في سطوعه حتى بهت شعاعه ووضح أكثر فأكثر ليصبح فيما بعد قريبا من لون الأثاث.
– ياسيدي هذا بيتنا.
– ماشاء الله.
ماذا تحب؟ تشرب شيئا باردا أم أعمل لك أتاي بيدي.
– لا أريد أن أتعبك!
– ليس هناك من تعب.
– قبل كل شيء أخبريني ما القصة كيف حدث هذا؟
– أبي وأمي سافرا قبل يومين، واليوم أختي هي وزوجها مدعوان عند معارف لهما اعتذرت بحجة الدراسة والامتحانات لكني اشترطت عليهما أن يحضرا قبل العاشرة ليلا.
وعلى الرغم من أنني كنت مأخوذا بما رأيته من فخامة في البيت إلا أن هناك هاجسا غير مريح راودني فنهرته. هل يمكن أن آخذ منها أكثر؟ ليست سهلة .. متحررة بحدود .. لكن وازعا غير الخجل استبد بفكري فكدت معه ألوم نفسي وأحتقر الهواجس السوداء التي جرفتني. جرأة منها وفي الوقت نفسه ثقة متناهية بي، فعلي أن ألجم أي شطط، قلت متجاهلا ذلك الخاطر:
– هل أبقى وحدي هنا حتى تفرغي من عمل الأتاي.
– تعال معي أذا أحببت. ووضعت يدها بيدي: سأريك البيت كله!
وقبل أن نخطو إلى المطبخ قالت: هذه الباب التي أمامك تفضي إلى غرفة أبويّ” كان هناك عمود أسود طويل عليه حصان من عاج يقف على قائمتيه الخلفيتين. إنهما يفضلان الطابق الأرضي!
وانكشفت لي كما تشف السحب البيضاء الخفيفة عن قوس قزح:
– صورة أبي وأمي بعد كتب الكتاب ” أشارت إلى صورة أخرى” هذه على الفاترينا صورة لهما التقطاها قبل سنة.
– أمك جميلة جدا.
– أبي يقول لنا دائما بناتي إنكن جميلات أما أمكن فهي الأجمل.
بالمقابل كانت هناك صورة مؤطرة بإطار جميل لغابة من أشجار الحور، وعلى الجانب الأخر صورة أصغر منها لشمس غاربة على بحر يتلاشى فيه قرصها الشفاف فتندمج بمائه الهاديء أشعتها الذهبية كما لو أن الممعن في الصورة يخيل إليه أنه في شروق أو غروب على السواء .. قادتني إلى الدور الثاني ولم يكن على واجهة الدرج عند المنعطف إلى الأعلى سوى سيف طويل يظهر مقبضه من قراب جلدي، أسفله أيقونة أشبه بفتاة ذات خصر دقيق. تحف قد تكون استوردت من الخارج .. إنها بعض أجواء أوروبا تمتزج برائحة الشرق:
– هذه الغرفة لأختي الكبرى وزوجها والتي جنبها للوسطى أما هذه “دفعت برفق بابا جانبيا يقابل الغرفتين” فلي أنا.
وقفت عند العتبة ألملم بصري، ثم خطوت إلى الداخل، وشغلت عن خزانة الملابس وسرير النوم لحظةً بالحديقة الخلفية التي لاحت لي من الشباك المفتوح فوقع بصري على شجرة عنق الدنيا وأخرى شجرة ليمون عند الجدار وفي الوسط نخلة ضخمة من نخيل الزينة.
– مارأيك؟
التفت عن الحديقة إليها وقلت: رائع؟ لكن ماهذا؟
– صور لي في المدرسة مع المعلمات، وزميلاتي هل أعجبتك؟ أكيد أنا الأحلى أو ترى رأيا آخر .. !
قاطعت بشيء من الاهتمام:
– لا أعني صور صديقاتك طبعا أنت الأجمل بل هذا.
– أوه ياسيدي هذا المغني الاسباني خوليو أغراسياس ” صوته جميل. مرّ بمأساة في حياته .. أصبح مشلولا، ورقد في المشفى .. كان يحب أن يصبح لاعب كرة قدم لكن حادث الشلل الذي تعرض له جعله ينصرف إلى الغناء حتى أصبح مغنيا عالميا اسمه في هوليود وباريس وله محبون من جميع العالم.
– طبعا أنت منهم؟
– إنه مطربي الأول. أغانيه إنسانية عالمية .. يغنى لجميع العالم سأعطيك شريطا لتسمعه ستحس بعذوبته وإن لم تكن تعرف الكلمات.
وفي شبه تساؤل أو اعتراض:
– ألا تسمعين الغناء المغربي.
الطرب الأندلسي فقط. لا أدري، هناك شيء ما في موسيقاه. وفي وقت الفراغ أعزف تلك الموسيقى على آلة البيانو.
أخذت يديها وطبعت عليهما قبلتين، هل كنت مخطئا .. ياسلام على ابن حارتنا الذي أوهم الهنغارية فكانت تظن كل عراقي يملك بئرا .. لكن لا أظن مليكة تفكر بالطريقة ذاتها .. تطلعت في عينيها ولما تزل يداها بيدي .. وفي لحظة ما خطفت قبلة سريعة من شفتي وفرت هابطة السلم قائلة:
تعال إلى المطبخ ” وأضافت ” ليس هناك من فرق بيني وبينك لذلك أطلعتك على غرفتي .. سامحني غرف أختيّ ووالديّ ذات خصوصية لأصحابها!
– يكفيني ذلك! يكفيني أنت!
وضعت إبريق الأتاي على النار، فسألتها من دون مقدمات:
– مامعنى أحبك .. حبيبتي بالإسبانية؟
– تي كيور مي آمور
رددت أتابع حركة شفتيها:
– تي كيور مي آمور ..
الآن أراها معي قبل أن نعود إلى العراق نزور إسبانيا، برشلونة .. نذهب إلى الساحل، ترتدي المايوه تغطس .. مدريد .. غرناطة .. نأخذ القطار إلى فرنسا نبقى بضعة أيام ونعود:
– اسبانيا جميلة .. البحر والطبيعة والآثار ..
– كلها حلوة بوينا بوينا ماعدا مصارعة الثيران.
– فعلا رياضة عنيفة. رماح ودم فإما أن يبقر قرن الثور المصارع وإما أن يُسحَل الثور هامدا خارج الحلبة.
الثور المسكين ..
– التور .. لو بيدي لمنعتها ..
– أي رياضة تحبين؟
– كرة الريشة!
عدنا إلى الصالة .. كنت أكتم رغبة حمقاء اجتاحتني تدمر كل شيء، فأخذت جرعة من الأتاي لأقول شيئا ما بعدها لكنها سبقتني:
– في بداية تعارفنا تابعت مسلسل السندباد، بشكل لفت نظر أمي، وقبل أن تذهب إلى مكة قلت لها ادعي لي لأشتغل في العراق، تلك مقدمات طيبة، وأجد أن العمرة تمنحنا بركتها إذ تأتي إلى أهلي بعد عودتهم من مكة!
سرحت قليلا .. . ليست مفاجأة وإن جاءت غير متوقعة:
– هل أنت مقتنعة بالذهاب معي إلى العراق.
– مهما يكن المرأة تتبع زوجها. أختي الكبرى ذهبت إلى باريس مع زوجها.
– مثلما ترغبين.
تأملت لحظة كمن يتردد ثم تساءلت:
– أنت الآن تعرف عن أبي كل شيء وها أنت ترى بيتنا لو سألتني ماما عن أبيك!
ماذا أقول ياترى، الحقائق دائما تختلط ببعض الخيال .. مبالغات .. كما فعلت في قصة الطينة ذات يوم .. حقيقة خلطتها بالخيال .. والدي يعمل حارسا ليليا في فندق المطار .. قريبنا مدير الفندق تدخل في تعيين أبي قبل أن يدس أنفه في بعثتي، مدرسة الفندقة والسياحة سنتان في المغرب والوظيفة خاصة بالرفاق لكن أبي في النهار يعمل بدكانه يبدأ فيه من الصباح .. ويعود عصرا يغفو حتى العاشرة حيث يذهب إلى المطار ليبدأ نوبة حراسته من منتصف الليل إلى السادسة صباحا .. في تلك اللحظة نسيت عمل الحارس. الدكان وحده ترآى لي .. دكان صغير يبيع فيه التوابل .. يعرف خلطة البرياني .. وبهارات السمك، ويبيع الهال وورد لسان الثور .. التور الذي يقتله الإسبانيون فيغني من أجله خوليو، أما أنا فقد تعلمت جيدا خلط البهارات لذلك سأكون رئيس الطباخين في فندق شط العرب والمعني بالسياحة في جزيرة السندباد .. مخابرات بصيغة حضارية رائحة التوابل وخلطة البرياني مازالت في كفي، .. فأحذر أن ألمس الفلفل الحار .. الحد .. الشطة .. أنسى نفسي حين أدس يدي بين فخذي امرأة ..
– تاجر في سوق التوابل!
– طيب هل كتبت لأهلك عن الصور ..
– نعم ياستي تكرم عيناك
– نفسي أتعرف على أختك وأرى أهلك.
عددت لها أسماءهم ثانية .. أمي فتنة جاسم .. أمها فايزة مسعود .. أخواتها .. أخواني .. كانت قبل .. وكان الزمن يمر بنا ونحن مازلنا نكتشف العالم .. انقضى بين باريس والبصرة وتجارة التوابل، وما إن أعلنت الساعة عن الثامنة حتى نهضت وقصدت المطبخ، ثم عادت إليّ بكيس وبعض العلب، وقالت:
– طاجين وبعض الدجاج خذه معك.
– هذا كثير!
– لا فرق بيننا.
ليس هذا كل شيء انتظر. كان هناك على منضدة قرب البيانو شيء ما تبينت فيما بعد أنه شريط، قدمته لي، قائلة:
– المطرب الإسباني .. اسمعه الليلة قبل أن تغفو.
– احتضنتها بقوة. وغبنا في قبلة طويلة، وإذ امتدت يدي إلى صدرها انسلت من بين ذراعي:
– أرجوك هذا يكفي كل شيء بأوانه.
– آسف .. آسف
والتفت إليها قبل أن أغادر وهمست بالإسبانية:
– مي .. مي .. آمور
ذكرتني بما نسيت وردت ببراءة حكتها ابتسامتها:
– مي آمور ..
حين وصلت الشقة لم أجد جمالا، استلقيت، وقد وضعت السماعة في أذني .. كل ليلة أدير المؤشر لعلني ألتقط محطة بغداد، فضول لا أكثر وربما هو بعض الحنين، بدأت أستمع إلى الشريط. لم أفهم منه كلمة .. لكن صوت الموسيقى والمغني جعلا النعاس يدب إلى عيني.
وحين استيقظت في الصباح وجدت جمالا قد استفاق قبلي، وراح يحتسي القهوة في الصالة. كانت الساعة تشير إلى العاشرة، واليوم أحد ومن عادتنا أن نذهب إلى الملحقية الثقافية، قال مجاملا:
– سلمت يداك على الطعام الذي طهوته يوم أمس.
حانت مني التفاتة إلى المطبخ فرأيت أن بعض الرزم التي جلبتها معي قد فتحت، وعقب:
– البارحة سكرت مع أحد الأصدقاء العراقيين. ربما أعرفك به أحد الأيام. لا أخفيك أني أكلت هناك لكن حين وصلت ووجدت طعامك راودتني الرغبة من جديد. وترددت في أن أوقظك طالبا الأذن ثم استسهلت الأمر.
فأطلقت ضحكة قصيرة:
– ألف صحة. هل أعجبك الطعام؟
– لذيذ جدا.
– أنا لم أطبخ.
– الشيف الرئيس كبيركم الذي علمكم الطبخ؟
– ياأخي العزيز، البارحة كنت في منزل صديقتي .. قبل كل شيء لاتظن أن هناك أمرا ما حدث أكثر من القبلات.
– لم افهم بعد.
– وحدها في البيت كنت معها وقبل أن أغادر زودتني بهذه الرزم.
تغيرت ملامحه قليلا. تأمل وارتسمت على جبينه علامة استفهام غريبة حتى كاد يتقيأ .. ساورني بعض الشك، فهز رأسه ثم قال معترضا:
– لدي صديق مغربي. قال لي إنه لا يأكل من يدي أية صديقة له خشية من عمل السحر في الطعام.
– أتعتقد ذلك؟
– المسألة ليست قضية خرافة أو وهم. السحر موجود في القرآن، هناك أشياء يمكن أن تضر بالصحة وهناك أشياء لانجد لها تفسيرا فما علينا إلا أن نبتعد عنها.
– ياصديقي العزيز إذا كان هناك سحر في الطعام فهو معمول لي لا لك فلن يضرك. ثم ما الذي يجبرها على أن تسحرني .. صديقتي البنت الصغرى لأبويها مدللة، تدرس في مدرسة اسبانية .. المرأة إذا أحبت فعلت المستحيل.
– والرجل أيضا، أعرف صديقا في محلتنا ضابط شرطة ملازم أول ذهب لإلقاء القبض على بيت مشبوه للعاهرات، وفي أثناء التحقيق تعلق بواحدة منهن .. فطلق زوجته ابنة عمه، ولم يذعن لتحذير الشرطة بطرده من العمل غير أنه ترك الشغل .. عمل مقاولا وتزوج تلك العاهر. إنه الحب يا صاحبي.
– هذا شريط سينمائي رأيته أم قصة .. ؟
– لا حقيقة .. والله، وهتف منفعلا: أقول لك ابن حارتنا ..
وحدجته بنظرة خبيثة وأنا أردد:
– مي آمور
ثم أروح أخطو إلى غرفتي حيث المسجل الذي تهادى منه صوت خوليو:
– ماهذا؟
– أغاني اسبانية
فأطلق ضحكة مقموعة، وعقب:
– أحلى نكتة، دع المغاربة يرطنون بالفرنسية ولنرطن نحن بالإسبانية!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

يونس علي الحمداني: رحلة بحرية

عِندما نكون في البحرِ السّماءُ أجمل والدُنيا مِرآةٌ عميقةٌ تعكس أسرَار الزرقةِ وزرقة الأسرار.. عِندما …

أصواتٌ … بداخلِ الصَّمت
حسن حصاري / المغرب

كثيرا ما أضِيع … وأنا أفكرُ في الكِتابةِ اليك، وسَط سُطورٍ لمْ أكتُبها بَعد. أدركُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *