الدّكتور علي القاسميّ سيرة ومسيرة مجموعة بحوث ودراسات مهداة إليه بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسّبعين
إعداد د. منتصر أمين عبد الرّحيم (6)

ثانياً ـــ القاسمي مصطلحياً
علم المصطلح الحديث وليد القرن العشرين. وازداد الاهتمام الدولي به وتطورت أساليبه وتقنياته بعد أن أُطلِقت الشابكة الدولية (الإنترنت)، فعقد المركز الدولي للمصطلحية في فينا أول مؤتمر عالمي للتنسيق بين بنوك المصطلحات عام 1979، وكان القاسمي ممثل البلدان العربية في المؤتمر. وسرعان ما أصدر كتابه “مقدمة في علم المصطلح” الذي نشر في بغداد والقاهرة (1985، 1986)، والذي وصفه الدكتور محمد حلمي هليل بأنه الكتاب الوحيد في موضوعه باللغة العربية.
وفي سنة 2008، نشر القاسمي كتابه “علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية” الذي يقع في 821 صفحة من الحجم الكبير، والذي أهداه لولديه، حيدر وعلياء، فسدّ فراغاً في المكتبة العربية، واتخذته كثير من الجامعات العربية كتاباً مقرراً أو مرجعاً أساسياً في الموضوع لطلاب الدراسات العليا، وكتبتُ عنه بعض الأطروحات الجامعية.
وفي سنة 2010 عقدت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بظهر المهراز في فاس يوماً دراسياً قدّم فيه ثمانية من أساتذة (الماستر في علم المصطلح) الذين يدرِّسون الكتاب لطلابهم، دراسات ضافية حول فصول من الكتاب بحضور المؤلِّف. وقد نشرت مجلة “اللسان العربي” هذه الدراسات في ملف خاص في عددها 67سنة 2011. اشتمل على خمسة من هذه الدراسات هي:
1ـــ الدكتور محمد الدحماني، المصطلح العلمي العربي ومشكلاته في كتاب “علم المصطلح”.
2ـــ الدكتور عبد الرحمان يجيوي، من المعجمية إلى المصطلحية: قراءة في بعض فصول كتاب “علم المصطلح”.
3 ــ الدكتور محمد العلوي، التعريب والترجمة من خلال كتاب “علم المصطلح”.
4 ـــ الدكتور عبد العزيز احميد، “اللغة: طبيعتها، وظيفتها، مراتبها”.
5ــــ الدكتور خالد اليعبودي، “مبادئ الصناعة المعجمية وأولوياتها”.

الباحثة العراقية بتول عبد الكاظم في صورة تذكارية مع لجنة مناقشة أطروحتتها “المعجمية العربية في فكر الدكتور علي القاسمي” في كلية الآداب بجامعة بغداد، وهم من اليمين الدكاترة: حسام قدوري عبد (عضواً)، علي خليف حسين (رئيساً)، الباحثة، ميثم محمد علي (عضواً)، لمى فائق جمل العاني، المشرفة على الأطروحة.

ونقدم فيما يلي ثلاثاً من هذه الدراسات القيمة:

1
المصطلح العلمي العربي ومشكلاته
بقلم: الدكتور محمد الدحماني
أستاذ في كلية الآداب، ظهر المهراز ـ فاس

الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه أجمعين وبعد،
فيسعدني أن ألتقي اليوم بثلة من الإخوة الباحثين الأفاضل حول مائدة من موائد العلم الشهية. ويشرفني أن أكون من جلساء باحث كبير وعالم خبير، عبر الأرض طولا وعرضا، وخبر الأحوال العلمية للأمة ومعاناتها، فوضع يده على مكامن دائها، وما داؤها إلا في لسانها وهو الناطق بحالها.
إنه الباحث والأديب الدكتور علي القاسمي، الذي شرفنا بحضوره علميا من خلال كتابه القيم موضوع هذا اليوم الدراسي”علم المصطلح أسسه النظرية وتطبيقاته العملية”، ووجوديا بحضوره الفعلي بيننا،للإفادة من خبرته الواسعة وتجربته الكبيرة في مجال البحث اللغوي عموما والبحث المصطلحي على وجه الخصوص.
إن موضوع هذا العرض المتواضع يتأسس على النظر في جزء من كتاب ضيفنا الكريم الدكتور علي القاسمي المتمثل في الفصل الثاني عشر المعنون بـ “مشكلات المصطلح العلمي العربي”.
إن هذا الكتاب القيم، وكما ورد في التصدير، ينقل إلينا خلاصة دراسات المؤلف في أرقى الجامعات الفرنسية والبريطانية والأمريكية، وكذلك خبرته العلمية التي اكتسبها في صناعة المصطلح وتوحيده أثناء عمله خبيرا في مكتب تنسيق التعريب بالرباط ومشاركته في المؤتمرات الدولية ومطالعاته الواسعة في البحوث العربية حول الموضوع.
ويقتضي بسط هذا الموضوع الارتكاز على النقط التالية:
– تقديم لا بد منه
المحددات السببية
المحددات الموضوعية:
2-1- المشكلات اللغوية
2-2- المشكلات التنظيمية
المحددات العلاجية.
– تقديم لابد منه:
إن الحديث عن علم المصطلح من حيث هو “الدراسة العلمية للمفاهيم وللمصطلحات التي تعبر عنها في اللغات الخاصة” وباعتباره العلم الحديث المنشأ (السبعينيات من القرن العشرين) الذي ما يزال تحت الصنع والآخذ في التطور والنمو باطراد، على حد تغيير الدكتور علي القاسمي، إن الحديث عن ذلك يستلزم الإشارة ولو في عجالة إلى أولياته الموضوعية والغائية المتجذرة في القدم. فهذا العلم كما يرى المؤلف “قديم في غايته وموضوعه، حديث في منهجيته ووسائله”
ومن ثم يسوغ لنا القول بأن القضية المصطلحية عموما، قضية قديمة وجديدة في الآن نفسه. فهي قديمة ممتدة في أعماق تاريخنا وحضارتنا، وهي قضية جديدة جدة المناهج والمعطيات والوسائل التي ظهرت في واقعنا، والتي فرضتها سنة التطور الفكري والعلمي.

القاسمي يتسلم شهادة الدكتوراه في حفل التخرج بجامعة تكساس في أوستن 1972

أما قدم هذه القضية فيتمثل في الجهود التي بذلت منذ زمن بعيد في سبيل ضبط مصطلحات العلوم على اختلافها وتحديد مدلولاتها. فقد بذل علماء الإسلام جهدا كبيرا في وضع المصطلح بعد أن اتسعت العلوم وتنوعت الفنون وتقدمت الحياة، وبعد أن دعت الحاجة إلى ابتكار جهاز مفاهيمي اصطلاحي لكل من النحو والعروض والفقه وأصوله والكلام والبلاغة والنقد الأدبي والتصوف من جهة،وإلى ترجمة أو تعريب اصطلاحات العلوم المنقولة عن الأوائل من طب وتنجيم وكيمياء وفلسفة وطبيعيات ورياضيات … من جهة أخرى .
وأما جدتها فتتجلى في العناية الخاصة التي أضحى يحظى بها المصطلح في عصرنا الحاضر. هذه العناية التي تولدت نتيجة اتساع الحياة وتقدم الحركة الفكرية مما حتم وضع مصطلحات وألفاظ جديدة تساير هذه الحركة، فقد كان للمجامع العلمية في الوطن العربي أثر في الحركة العلمية التي أخذت تمد العرب بما يحيي مجدها ويبني حاضرها. وقد عنيت تلك المجامع أول ما عنيت بالمصطلحات، لأنها مفاتيح العلوم والفنون على حد تعبير صاحب معجم النقد العربي .
وأمام غزو الحضارة الغربية واكتساح منتجاتها لبلداننا، صدم الناس من هول ما وفد ومن هول ما ابتلوا به من مسميات جديدة فرضتها حتمية التطور العلمي والتقني في مجالات الحياة، وفي محاولات لتفسير هذا الواقع وفهم ما يمكن فهمه، اختلف الناس فيما بينهم، فمنهم من سلك أيسر السبل في التفسير فسمح لنفسه باتهام اللغة العربية بالضعف وانعدام القدرة على المسايرة والتطور، فكثرت الادعاءات بضرورة الاستعاضة عن اللغة العربية بلغات أخرى، في كل المجالات العلمية والتقنية الدقيقة،بدعوى أنها ليست لغة علم ولا يمكنها أن تكون كذلك. ومنهم من كان على بينة من الأمر مدركا للأسباب الحقيقية وراء تخلف اللغة العربية عن مسايرة الركب الحضاري، فعزا الأمر كله لا إلى اللغة العربية وإنما إلى مستعمليها، وإلى الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي تخبطت فيها طيلة قرون، والتي فرضت عليها أنواعا من التهميش والإبعاد القسري عن الاستعمال في ميادين الحياة الاجتماعية والإدارية والتعليمية. ولقد كانت هذه الطائفة مؤمنة بقدرة اللغة العربية على النمو والتطور ومسايرة الحركة العلمية والتقنية بكل نجاح وتفوق.

د. منتصر أمين عبد الرّحيم معدّ الكتاب

لقد نظر هؤلاء في ماضي هذه اللغة المشرق فأدركوا أنها كانت عبر قرون، لغة العلم بامتياز، وكانت ألفاظها قادرة على مسايرة كل اللغات، واستيعاب المفاهيم العلمية الجديدة في مجالات الطب، والصيدلة، والكيمياء، والنبات، والحيوان، والجغرافيا، والفلك والحساب … وغير ذلك.
فقد كانت العربية المصدر الذي نهل منه الغرب إبان النهضة الحديثة، هذه النهضة التي أقامت دعائمها على تراثنا العلمي بشتى مجالاته، وإن المتأمل في أسس النهضة الأوربية ليدرك تمام الإدراك أنها قامت على ترجمة جل مصادرنا العلمية إلى لغات أوروبية مختلفة، فكانت الأساس في تشكيل قواعد الانطلاق النهضوي الأوربي ويمكن التمثيل لهذه المصادر المترجمة بما يلي:
– رسائل جابر بن حيان (ت 198 هـ) في الكيمياء التي ترجمت إلى اللاتينية والألمانية والانجليزية.
– كتاب “حساب الجبر والمقابلة” للخوارزمي (ت 236 هـ) الذي نقل إلى اللاتينية في ق 16 م.
– كتاب”الحاوي لصناعة الطب” لأبي بكر الرازي الطبيب (ت 311 هـ) الذي ترجم إلى اللاتينية سنة 1486م.
– كتاب “التصريف” للطبيب الأندلسي أبي القاسم الزهراوي (ت 411 هـ) الذي ترجم إلى اللاتينية سنة 1497 م ثم سنة 1532 ثم 1541م.
– كتاب “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” للشريف الإدريسي (ت 457 هـ) وكان المرجع الجغرافي الأول في عصر النهضة، نشرت أجزاء منه في ليدن سنة (1866م) وترجم إلى الإيطالية عام 1883 م.
– مفردات ابن البيطار (ت 646 هـ) في الأدوية، وترجم إلى اللاتينية والألمانية سنة 1840م والفرنسية سنة 1877م وسنة 1883 .
لقد تناسى المتشائمون من قدرة اللغة العربية على مسايرة العصر، أن اللغة أية لغة إنما هي وعاء لنقل الأفكار والمعاني وترجمتها في الواقع عن طريق الألفاظ، والألفاظ كما نص على ذلك علماؤنا محدودة متناهية، أما المعاني فغير متناهية، ومعنى ذلك أن الأصل المتأصل في كل لغة يقضي بانعدام استيعاب الألفاظ لكل المعاني استيعابا كليا، لذلك دعت الحاجة إلى التفكير في سبل التخلص من هذا النقص، فكان الاهتداء إلى أنماط تعبيرية على سبيل الاشتراك أو الترادف أو التضمين أو غير ذلك، يقول الإمام الدين السيوطي بهذا الخصوص: “وكان الأصل أن يكون بإزاء كل معنى عبارة تدل عليه، غير أنه لا يمكن ذلك، لأن هذه الكلمات متناهية، وكيف لا تكون متناهية ومواردها ومصادرها متناهية؟ فدعت الحاجة إلى وضع الأسماء المشتركة، فجعلوا عبارة واحدة لمسميات عدة، كالعين والجون واللون، ثم وضعوا بإزاء هذا على نقيضه كلمات لمعنى واحد، لأن الحاجة تدعو إلى تأكيد المعنى والتحريض والتقرير” .
فإذا كان هذا هو الأصل الطبيعي لكل اللغات، فما يضير العربية إذن إذا ما نقصت فيها ألفاظ تعبر عن معان ومفاهيم جديدة لا هي من صلبها ولا هي من صلب مستعمليها.
إنه وإن كان هذا هو الأصل الطبيعي الذي لا ينبغي أن يخجلنا أو يوطن في نفوسنا الإحساس بالنقص والدونية، فإن أمة من علمائنا ولغويينا ومعجميينا قد انبروا لسد الثغرات ورتق الخروق، فأسسوا المجامع والمعاهد والمراكز المختصة في قضايا العربية ومصطلحاتها العلمية والتقنية وفق أدق المناهج والنظريات، وانسجاما مع أحدث الوسائل والتقنيات، وظهر اهتمام هؤلاء جميعا بعلم جديد هو “علم المصطلح” باعتباره العلم الذي يبحث في العلاقة بين المفاهيم العلمية والألفاظ اللغوية التي تعبر عنها.
والدكتور علي القاسمي واحد من هؤلاء، فقد كرس حياته ووقته وجهده لخدمة لغة القرآن الكريم، والحرص على تطويرها، والإسهام في تيسير استعمالها وتداول ألفاظها في شتى مجالات الحياة: الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتربوية. وما كتابه الذي نعرضه اليوم إلا دليل على الجهد الكبير الذي بذله الباحث في معالجة العديد من قضايا اللغة العربية، في عصرنا الراهن، وتشخيص مشكلاتها، وحل الإشكالات المتعلقة بها، والاجتهاد في إيجاد الوسائل الكفيلة بتنميتها وتطويرها، سواء على المستوى الاستعمالي العام (لغة التخاطب والتواصل) أو الخاص (في مجال العلوم والتقنيات) .
وبما أن الموضوع يقتضي التركيز على عرض الباب المتعلق بالمصطلح العلمي العربي ومشكلاته، فإننا سنحاول بسط القول في ذلك وفق العناصر الآتية:
1- المحددات السببية:
لقد أفرد المؤلف بابا للحديث عن مشكلات المصطلح العلمي العربي تضمن ثلاثة عشر صفحة حاول فيه وضع اليد على أسباب هذه المشكلات، وقد لخصها فيما يلي:

النقص في المصطلحات العلمية العربية:
وقد أرجع المؤلف ذلك إلى العوامل التالية:
أ- إن الآثار السلبية التي خلفها الاستعمار الأوربي وسيطرة الحكم العثماني على البلاد العربية، انعكست على اللغة العربية إذ همشت وأبعدت عن مجالات التداول الإداري والتعليمي مما أفقدها بريقها واستمرار نموها في هذين المجالين.
ب- إن الجمود الذي سيطر على المجتمعات العربية على مستوى الاختراع والابتكار والأبحاث العلمية، أدى إلى ضعف الإنتاجية الاصطلاحية والعجز عن وضع المصطلحات العلمية والتقنية.
ج- عجز اللغة العربية عن الاستيعاب السريع للمصطلحات العلمية والتقنية الجديدة التي تدفقت عليها بشكل وافر من الدول الصناعية كل يوم.
اضطراب الجهات الواضعة للمصطلحات .
يشير المؤلف بخصوص هذه النقطة إلى تنوع الجهود المهتمة بوضع المصطلحات العلمية وتشتتها، وانعدام التنسيق بينها وتفرقها بين الجماعات (مجامع، جامعات، وزارات) والأفراد (كتاب، مترجمون، معجميون).
اضطراب المنهج المتبع في الوضع
يرى المؤلف أن المنهج المتبع في الوضع يتأرجح بين الاقتراض والتوليد،ومن ثم فالوطن العربي منذ النهضة العربية الحديثة تنازعه تياران من اللغويين: تيار محافظ وتيار متحرر حول المصطلحات العلمية الحديثة وكيفية وضعها. وبذلك اختلف الأمر بين متحرر مؤيد لاستعارة المصطلحات بحرية من لغات أخرى كالإنجليزية والفرنسية وحتى من اللهجات بدعوى أن الاقتراض يسهم في تطور اللغة وتنميتها، وبين محافظ يدعو إلى التقيد باختيار الألفاظ العربية الفصيحة مقابل المصطلحات الأجنبية، لأن اللغة العربية لغة اشتقاقية.
ويضرب الباحث مثالا لذلك بكلمة “راديو” التي لا يتيسر أن نشتق منها كلمات أخرى بخلاف كلمة “مذياع” التي تمكننا من اشتقاق كلمات عديدة أخرى من جذعها هي: أذاع، إذاعة، مذيع، مذيعة، محطة الإذاعة.

غلاف الكتاب من تصميم د. منتصر أمين عبد الرحيم وصدر عن دار الوفاء، الاسكندرية، 2017

المحددات الموضوعية:
وبعد الفراغ من تشخيص الأسباب انتقل المؤلف إلى بسط مشكلات المصطلح العلمي العربي فلخصها في نوعين بارزين:
النوع الأول: المشكلات اللغوية: وتشمل: المشكلات اللغوية الناتجة عن اللغة العربية، والمشكلات الناتجة عن لغة المصدر.
النوع الثاني: المشكلات التنظيمية أو المنهجية.
وقبل التفصيل في هذه المشكلات بأنواعها، نشير إلى أن المؤلف وضع مقياسا علميا ضابطا لقياس جودة المصطلحات العلمية والتقنية. وهذا المقياس يستند إلى قاعدتين هما:
• ضرورة تمثيل كل مفهوم أو شيء علمي بمصطلح مستقل.
• عدم تمثيل المفهوم أو الشيء العلمي الواحد بأكثر من مصطلح واحد.
وبالاحتكام إلى هذا المقياس أكد المؤلف أنه لا توجد مصطلحات مثالية تتحقق فيها هاتان القاعدتان، وأن ما يوجد ويتداول في الوطن العربي من مصطلحات تقنية هو أقرب ما يكون إلى الفوضى والاضطراب.
فما أسباب هذه الفوضى وهذا الاضطراب؟ وما صوره؟ وما السبيل إلى إصلاح هذا الوضع وتصحيحه؟
1.2.المشكلات اللغوية:
وتتفرع إلى نوعين، منها ما ينتج عن اللغة الأم “العربية”، ومنها ما ينتج عن اللغة المصدر التي تستقي منها العربية “اللغة الأجنبية”.
فالمشكلات الناتجة عن اللغة العربية عزاها المؤلف إلى ثلاثة ظواهر هي: ظاهرة الازدواجية، ظاهرة تعدد اللهجات الفصحى، وظاهرة الترادف.
فبخصوص ظاهرة الازدواجية أورد المؤلف نصا للغوي الأمريكي المستعرب جارلس فرغسون يعرف الازدواجية بأنها:
“وضع مستقر نسبيا توجد فيه، بالإضافة إلى اللهجات الرئيسة للغة (التي قد تشتمل على لهجة واحدة أو لهجات إقليمية متعددة) لغة تختلف عنها، وهي مقننة بشكل متقن (إذ غالبا ما تكون قواعدها أكثر تعقيدا من قواعد اللهجات) وهذه اللغة بمثابة نوع راق تستخدم وسيلة للتعبير عن أدب محترم … ويتم تعلم هذه اللغة عن طريق التربية الرسمية، ولكن لا يستخدمها أي قطاع من الجماعة في أحاديثه الاعتيادية”
فمفهوم الازدواجية يعني وجود عدة لهجات اجتماعية واقتصادية وجغرافية بجانب اللغة العربية الفصحى، وهذه اللهجات تتعايش مع الفصحى وفق صور شتى من الانفراد والاشتراك فيما بينها من جهة، وفيما بينها وبين اللغة الفصحى من جهة ثانية.
وتبقى اللغة العربية الفصحى كما يؤكد المؤلف العامل الموحد في الوطن العربي فهي لغة العلم والأدب واللغة الوحيدة التي يدون بها تراث الأمة وتصاغ فيها المصطلحات العلمية والتقنية. غير أن ما يمكن أن ينتج عن هذه الازدواجية هو اضطرار بعض المؤلفين المعجميين إلى استعمال مقابلات لهجية إقليمية (من لهجاتهم) لبعض المصطلحات التي لا يعثر لها على مقابل في العربية الفصحى، مما يؤدي إلى الاضطراب في الفهم وضياع المفهوم، أخذا بعين الاعتبار اختلاف مدلولات الكلمات العامية بحسب الأمكنة والأزمنة المختلفة.
ومن الظواهر التي تعاني منها اللغة العربية كذلك تعدد اللهجات الفصحى ، ومرد ذلك،كما يرى المؤلف، إلى وجود لهجات فصيحة تختلف فيما بينها على جميع المستويات اللغوية: الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية. غير أن الفروق بين هذه اللهجات الفصيحة تكون طفيفة ولا يمكن مقارنتها بالفروق بين اللهجات العامية.
وفي مجال المصطلحات العلمية والتقنية يؤكد المؤلف أن الاهتمام ينصب على الفروق اللفظية بين اللهجات العربية الفصيحة، وهذه الفروق اللفظية تظهر في حال وضع مصطلحات علمية أو تقنية وفق لهجة فصيحة معينة (مصرية أو جزائرية أو ….) وتعكس الاختلاف في وضع المصطلح بحسب المكان واللهجة الموضوع بها، مما يفرز ازدواجية غير مرغوب فيها قد تؤدي إلى صعوبة في فهم المطبوعات العلمية الصادرة في بلد عربي.
ومن المشكلات الخاصة باللغة العربية كذلك ثراؤها بالمترادفات ، فاتساع مجال استعمال اللغة العربية زمانا ومكانا أدى إلى اتساعها معجميا ودلاليا، مما أفرز ظاهرة أغنت هذه اللغة هي ظاهرة الترادف. فاللغة العربية حافلة بالمترادفات لكن هذه المترادفات هي في نظر المؤلف، تعد مزية في مجال الكتابة الأدبية، وهي نعمة ونقمة في آن واحد في مجال المصطلحات العلمية والتقنية. فهي نعمة إذا استعملت للتفريق بين المفاهيم المتقاربة، وهي نقمة إذا وضع عدد منها مقابلا للمفهوم التقني الواحد، إذ ذلك سيؤدي إلى اختلاف الاستعمال وتعدده.
وبخصوص المشكلات الناتجة عن لغة المصدر، يرى المؤلف أن اللغات الأجنبية التي تستقي منها اللغة العربية المصطلحات العلمية التقنية تعد مصدرا لعدة مشاكل تشوش على عملية اقتراض المصطلحات وترجمتها من لغتها الأصلية إلى اللغة العربية. وقد أجمل المؤلف هذه المشاكل في:
1- تعدد مصادر المصطلحات التقنية،فعندما تعطي الانكليزية والفرنسية كلمتين مختلفتين للمفهوم الواحد، وتلجأ العربية إلى اقتراض المصطلح مرتين، مرة من الانكليزية وأخرى من الفرنسية،فإننا الأمر سيؤول إلى ازدواجية في المصطلح أي إلى مصطلحين عربيين يدلان على الشيء ذاته.
ويمثل المؤلف لذلك بلفظ Nitrogen بالإنجليزية التي تعني Azot بالفرنسية وقد استعيرت الكلمات بلفظيهما فانتهتا إلى (آزوت) و(نتروجين) باللغة العربية.
2- ازدواجية المصطلح في لغة المصدر التي قد تؤدي إلى ازدواجيته في اللغة العربية. فقد تجد اختلافا في استعمال المصطلح للدلالة على المفهوم الواحد بين الأمريكيين والبريطانيين مثلا، فالأمريكيون يستعملون مصطلحا، والبريطانيون يستعملون مصطلحا آخر، وكلاهما للتعبير عن مفهوم واحد. فإذا استعمل مترجمان عربيان مصدرين مختلفين للمصطلحات، الواحد أمريكي والآخر بريطاني، فإنهما قد يضعان مقابلين عربيين مختلفين للمصطلح الواحد.
ومثال ذلك:
تعبير (electronic tube) يطلقه الفيزيائيون الأمريكيون على الشيء الذي يسميه البريطانيون (electronic valve) فالكلمتان (tube) و(valve) تختلفان مبنى ومعنى. وعند الترجمة، الذي يعتمد المصدر الأمريكي يأتي بتعبير “صمام إلكتروني valve ” والذي يعتمد المصدر البريطاني سيترجم بتعبير (أنبوبة إلكترونية tube). ومن ثم تتضح الازدواجية الاصطلاحية باللغة العربية.
الترادف والاشتراك اللفظي في لغة المصدر:
يذهب المؤلف إلى أن الازدواجية في المصطلح العربي يكون سببها وجود الترادف في اللغة المصدر مثلا:
المصطلحان الفرنسيان: pompe à main و pompe à bras يدلان على مفهوم واحد، لكن عند ترجمتهما إلى العربية يترجمان ب: pompe à main منفاخ يدوي، وà braspompe منفاخ بالذراع، دون إدراك أن هذين المصطلحين مترادفان في اللغة المصدر، ومن ثم وجب وضع مقابل واحد في العربية.
إضافة إلى ذلك قد تكون ظاهرة الاشتراك اللفظي في اللغة المصدر سببا في الازدواجية، إذ يؤدي الاشتراك إلى ترجمة المصطلح الواحد بمقابلين عربيين مختلفين، ومثال ذلك: مصطلح “حامل الصمام” في سوريا هو ترجمة لـ portevalve الفرنسي ويقابله في مصر مصطلح “ثغر الصمام” وسبب الاختلاف يعود إلى الاشتراك في كلمة porte التي تعني: “حامل” و “فتحة” و “ثغر”.

ولدا القاسمي، حيدر وعلياء، في شرفة منزله على شاطئ الهرهورة قرب الرباط2011

2.2. المشكلات التنظيمية والمنهجية
بعد الحديث عن مشكلات المصطلح العلمي اللغوية، انتقل المؤلف إلى الحديث عن نوع آخر من المشكلات سماه “المشكلات التنظيمية”، وقد قسم هذه المشكلات إلى ثلاثة أنواع هي:
– تعدد الجهات الواضعة للمصطلح.
– إغفال التراث العربي.
– إهمال الجانب التداولي للمصطلح الموضوع.
فبخصوص الجهات الواضعة للمصطلحات العربية أجملها المؤلف في:
أ- المجامع اللغوية والعلمية العربية.
ب- جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة.
ج- منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة مثل: اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية.
د- الاتحادات المهنية العربية مثل: اتحاد الأطباء العرب – واتحاد المهندسين العرب واتحاد الجامعات العربية.
هـ- الجامعات والكليات ومعاهد التعليم العالي.
و- المؤلفون ودور النشر والمعجميون.
ز- الدوريات من صحف ومجلات.
ح- مؤسسات عالمية أخرى.
وإضافة إلى تعدد الجهات الواضعة للمصطلح في الوطن العربي، هناك مشكلة أخرى تكمن في انعدام التواصل بين الأقطار العربية نتيجة العراقيل والصعوبات الجغرافية والسياسية والتقنية التي تحد من رواج الكتب والمؤلفات التي تنتجها هذه الجهات، مما يؤدي إلى فوضى في ترجمة المصطلح العلمي مما يفرز تعددا في المصطلحات الدالة على المفهوم العلمي الواحد، وكل ذلك ينعكس على عملية التوحيد التي لا يمكن أن تتحقق إلا بالاعتماد على المرجع الواحد.
وبخصوص إغفال التراث العربي، يرى المؤلف أن التراث العلمي العربي غني بمصطلحاته وألفاظه العلمية لكن هذه المصطلحات غير معروفة لدى الباحثين لأسباب كثيرة منها:
 القطيعة الحاصلة بين التراث والمعاصرة.
 إهمال المصادر التراثية المخطوطة، وانعدام الاهتمام بتحقيقها ونشرها وإخراجها إلى حيز الوجود ليستفيد منها الباحثون والدارسون.
ومن النتائج السلبية الأخرى لإغفال التراث العلمي العربي يشير المؤلف إلى ظاهرة سماها الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله “الترجمة من العربية إلى العربية” ومقتضى هذه الظاهرة أن اللغات الأوربية استعارت من العربية آلاف المصطلحات ثم جاء المترجمون العرب وعربوا بعض هذه المصطلحات دون الالتفات إلى أصلها العربي فأفرزت هذه العملية كلمات مشوهة .
أما النوع الثالث من المشكلات التنظيمية فهو المتمثل في ضعف القبول الجماهيري للمصطلحات الموضوعة على مستوى الاستعمال والتداول، ومن ثم تبقى هذه المصطلحات رهينة الرفوف وسجينة الكتب والمعاجم، في حين تستعمل كلمات غيرها.
ولقد أرجع المؤلف ذلك إلى أسباب عديدة منها:
– انعدام المسح الشامل من لدن المعجميين والأكاديميين لما هو مستعمل من المصطلحات قبل وضع مصطلحاتهم الجديدة.
– انحصار المصطلحات التي يقترحها المعجميون والعلماء وبقاؤها في بطون الكتب إما بسبب انتشار الأمية وانعدام الوعي لدى أغلبية الجماهير العربية، وإما بسبب انعدام سبل نشر هذه الكتب وتوزيعها على نطاق واسع.
3- المحددات العلاجية: (التوحيد وتنسيق الجهود)
إن الغاية التي يرمي إليها المؤلف، من تشخيص واقع المصطلح العلمي العربي والوقوف على مشكلاته وأسباب هذه المشكلات، هي الوصول إلى ضرورة تنسيق الجهود وتوحيدها في ميدان المصطلحات العلمية والتقنية. وقد أشار المؤلف إلى أن هذه المهمة الخطيرة، مهمة التوحيد، قد أوكلت إلى مكتب تنسيق التعريب بالرباط من أجل وضع خطة متكاملة لجمع المصطلحات العلمية والتقنية الموضوعة في شتى أقطار الوطن العربي وتنسيقها وتقديمها في صيغة مشاريع معجمية إلى مؤتمرات التعريب العربية وذلك لدراستها وتوحيدها وتعميم استعمالها في الأقطار العربية، كما بادرت المجامع اللغوية العربية إلى تكوين اتحاد المجامع بغية تنسيق جهودها في ميدان المصطلحات العلمية والتقنية.
ويختتم المؤلف حديثه عن مشكلات المصطلح العلمي العربي بتفاؤل واضح بمستقبل مشرق للغة العربية وثقة بالغة في قدرتها على مسايرة التطور العلمي والتقني وقدرتها على أن تغدو لغة العلم والتكنولوجيا، يتضح ذلك بجلاء من قوله: “وإننا لواثقون أن العربية ستغدو لغة العلم والتكنولوجيا كما هي لغة الفكر والأدب إنشاء الله”
هذه هي المشكلات التي ركز عليها المؤلف وتلكم أسبابها، ولن أفوت هذه الفرصة دون الإشارة إلى مشكلات أساسية أخرى لم يذكرها المؤلف ويجب أخذها بعين الاعتبار والعمل على تذويبها إن أريد تحقيق المراد، ويمكن تلخيصها فيما يلي:
1- انعدام المتابعة وموت المشاريع، فإذا كان مكتب تنسيق التعريب هو الهيئة العليا التي أوكلت إليها مهمة التنسيق والتوحيد فأين هو من هذا الآن؟
2- غياب الوعي المصطلحي في الجامعات والمعاهد العليا ومدارس التكوين، ولدى معظم الباحثين والطلبة.
3- غياب سياسة تعليمية وتكوينية قوية في هذا الباب.
4- انعدام الوعي بالقضية المصطلحية كقضية هوية وكقضية وجود.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع البحث:
 حفريات في المصطلح التراثي – محمد عابد الجابري، مجلة المناظرة العدد:6.
 علم المصطلح:أسسه النظرية وتطبيقاته العملية، علي القاسمي، مكتبة لبنان ناشرون.
 اللغة العربية وعلوم العصر، عائشة عبد الرحمن، مجلة اللسان العربي م:13سنة 1976.
 المزهر في علو م اللغة وأنواعها، جلال الدين السيوطي، تح: محمد جاد المولى وآخرين.
 معجم النقد العربي القديم، أحمد مطلوب، منشورات دار الشؤون الثقافية العامة بغداد سنة 1989.

هوامش :
1- علم المصطلح. أسسه النظرية وتطبيقاته العملية علي القاسمي ص: 9.
2- نفسه
3- نفسه
4- حفريات في المصطلح التراثي – مجلة المناظرة ص:9.
5- معجم النقد العربي ص 13.
6- اللغة العربية وعلوم العصر – عائشة عبد الرحمان ص: 18
7- المزهر للسيوطي 1/ 37.

8- علم المصطلح ص:200
9- نفسه
10- علم المصطلح ص 194
11- علم المصطلح ص: 196
12- نفسه.
13- علم المصطلح ص:199
14علم المصطلح: 203-
15- نفسه
16- علم المصطلح 203.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *