قصي عسكر : الرباط (رواية مهجرية)

(7)
عند التقاطع نحو اليسار ملت عن شارع محمد الخامس، وانعطعفت باتجاه مبنى الإذاعة وحين تجاوزته ببضعة أمتار لاح ضوء يومض بين الأخضر والأصفر .. ينبض بهدوء كما لو أنه يشرق ويأفل مع وقع المارة القليلي العدد وسكينة السيارات العابرة، تبينت حين اقتربت أكثر أن ذلك الضوء يوحي بوجه سيدةٍ ذاتِ تسريحةٍ لشعر ينتشر كالأقواس ببريق الضوء، صالون “السيدة الجميلة”، وأسفل اللوحة عنوان آخر باللغتين العربية والفرنسية ” مساج” عبرت الرصيف نحو المدخل الرئيس الذي يتفرع للداخل باتجاهين، صالة استقبال تقود الى ممر وعن الشمال صالون الحلاقة، ولم يكن من اللائق أن أعبر إلى محل خاص بالسيدات غير أن خطواتي لفتت انتباه شخص ما وسرعان ما أطلت من غرفة الاستقبال سيدة ترتدي مريلة بيضاء في الأربعين من عمرها:
– السيد يروم مساج؟
– إني أسأل عن الآنسة فاتحة.
يبدو أن كلامي لفت نظر من في داخل الصالون، فانسحبت السيدة حين أطلت فاتحة بمريلة زرقاء تغطي تنورتها الرمانية القطيفة التي تكشف عن ساقين لامعتين. كانت أروع مما رأيتها عليه أول مرة بالجلابية في البيت .. مدت يدها مرحبة .. قالت:
– آسفة عندي ثلاث زبونات ينتظرن!
كان بإمكاني أن ألجأ إلى الهاتف مباشرة بعد أن أنهي ساعات التطبيق لكني فجأة تتبعت العنوان في البطاقة من دون مقدمات:
– معذرة يبدو زيارة في غير وقتها .. ماشاء الله!
– مرحبا بك.
– المهم إني عرفت المكان ..
فاتسعت ابتسامتها لتشفّ عن اعتذار:
– هي عطلتنا غدا، مارأيك أن تأتي لأقص شعرك؟
– عليَّ إذاً أن أتصل بالمشرف في العمل لأعتذر عن الذهاب إلى التطبيق.
– المشكلة إني لا أستطيع أن أترك المحل عدا يوم العطلة.
– طيب سنلتقي هنا ثم نذهب إلى مكان ترتأينه.
– نفكر وقتها حيّاك ربّي.
في اليوم التالي كنت الساعة العاشرة أمام المحل. كل شيء يوحي بحركة مرور خفية فيما لو أن الشارع نفسه يعيش أيام الأسبوع كلها برتابة واحدة لا تتغير. شعرت بضيق قليل حين خطرت بذهني مليكة ولقاؤنا السابق. ها هو ثاني لقاء لي بفتاة أخرى فلِمَ أحزن؟ لا أشعر بالوقت طويلا يمر، ولا يخفق قلبي إذ تطل علي بابتسامتها الساحرة الواسعة:
– ياسيدي ها نحن وحدنا، هذه البناية فيها جناح حلاقة أنا أديره، وهناك على اليمين قسم للمساج.
قلت وأنا أرتقي الكرسي:
– أين نذهب بعد الحلاقة؟
– قد تعرف عن الآثار السياحية هنا في الرباط بحكم دراستك، فأفضل أن نذهب الى حديقة جميلة في أطراف الرباط لعلك لم تسمع بحديقة بوقناديل. سآخذك بسيارتي.
إذاً لأبتاع بعض الطعام من هنا.
– لا تخف حسبت حسابي. حضّرت في الصباح بعض السندويشات.
أسألها بمكر خفيّ:
– لِمَ لم ْيأت سي يوسف معنا في هذه النزهة.
– اليوم هو في شغل.
تطلعت في المرآة إلى وجهها الذي زاده تألقا مكياج آخر غير مبالغ فيه لكنه يختلف في بعض اللمسات عن يوم أمس بخاصة أسفل العينين. قلت باهتمام مفرط:
– سأكلم الملحق الثقافي بخصوصه وليعتبر المسألة مضمونة.
شكرا لك على الخدمة!
– وبعده مباشرة نسفرك أنت!
– هل ترى ذلك؟
– إذا شئتِ.
– حين يسافر يوسف بإمكانه أن يجد لي عملا في الحلاقة أو غيرها لأضمنه أولا والأفضل عن طريق عقد وإلا أكون خسرت محلي!
– نعم يسافر سي يوسف يطلع على الوضع فيعرف الطرق عندئذٍ يستطيع أن يدبر أمرك.
ومشت أناملها بالمقص، والمشط، والماكنة على شعري، شعور دافيء وسط صقيع أو نفحة ناعمة من نسيم البحر خلال سورة قيظ، غابت نظراتي في المرآة تتألق بين صورتها ووجهي وما على الحائط من زينة ونقوش. أهتم أحيانا بنماذج راقية على الجدران لتسريحات مثيرة. وجوه نساء رأيتهن في إعلانات ما أو في السينما وربما على صفحات المجلات والجرائد .. هؤلاء نساء أعرفهن ولا أعرفهن .. أليفات لي وبعيدات .. في كلّ مكان ألتقيهنّ بتسريحات وفي أماكن متباينة .. يقع بصري عليهن في الصحراء وقرب نخلات على البحر الكاريبي وفوق ثلوج القطب .. تسريحات وأماكن ملونة بوجوه ثابته كما التقيتها في الشوارع وإعلانات التلفاز والآن في هذه اللحظة ولا أعرف أسماءها .. أيضا تغيب نظراتي مع صفوف العطور الممتدة على الرف، وعلب أصباغ الشعر، وتداعب أنفي روائح أراها تعبق من فاتحة أو قنانٍ رُتِّبَتْ على معارض زجاجية صغيرة، ولم تكد تنتهي حتى تسللت يدي إلى يدها فجذبتها برفق من فوق كتفي لأطبع عليها قبلة. ابتسمت وهي تسحب يدها، وتراجعت:
– نعيما. أعجبتك؟
أحقاً كسرت مليكة خوفي وترددي مع ذلك مازال هناك عطش يحوم بين شفتيّ:
– رائعة أنت!
كان داخلي يلهث .. جمال وأنوثة تتفجر في كل ماحولي. العطور التي تفوح من القناني المتباينة الأشكال والألوان المتناثرة على الرف وأسفل المرايا، نماذج التسريحات، وجوه النساء اللائي مررت بهن عبر الجدران والمجلات ولا أعرف أسماءهن .. ابتسامة فاتحة، كل ماحولي يدفعني في جرأة غريبة، مع ذلك أكبح نفسي.
أصبر، وأنتظر.
ثم، بعد دقائق، كانت المشاهد تكبر، والأفق ينبسط .. راحت السيارة تنهب بنا الطرق الزراعية المفتوحة على الحقول بسرعة تلفت النظر .. لا أظن انها تقود سيارتها مستهترة او مسترجلة. كانت حقا جريئة غير مبالية إذ حالما تلاشت شوارع المدينة تراءت لي مثل سيل محصور انطلق من خزان ضخم عال .. طريقتها في القيادة تجعل من يجلس جنبها يشعر انها تحلق بجناح حلم رقيق مترامي الأطراف، ومع استدارة بين طريق زراعي مفتوح بآخر فرعي تمايلت نحو النافذة فلمحتني بنظرة سريعة قائلة:
ألا تحب السرعة؟ دون أن تنتظر جوابي “ياسيدي أنا صحيح في داخل المدينة ألتزم بالقوانين .. إنها أرواح ناس، ولا أنسى الغرامة .. مخالفة السير .. هذا حق لكن في الطرق المفتوحة لا أتقيد بالسرعة صحيح سيارتي الرينو موديل 74 لكنها قوية وأنا أول ماقدت السيارة قبل ثلاث سنوات دفعة واحدة رجعت إلى الخلف. اصطدمت بسيارة خلفي مازلت أذكر .. مارسيدس سوداء .. مشيت إلى الأمام فصدمت الرصيف المسكين ممتلكات الدولة .. المهم قيادة السيارة تتطلب جرأة أما الآن فتستطيع أن تطمئن إلى قيادتي.
– يبدو إني مع سائقة ماهرة!
– أو متهورة؟حقيقة غير منزعج؟.
– لا بالعكس أشعر بالأمان معك.
قلت نصف الحقيقة فقط إذ كنت آمن وأخاف في الوقت نفسه:
– الله يجعلك دائما تشعر بالسلامة وترجع إلى أهلك.
مرت فترة صمت قصيرة ثم راحت تدندن بأغنية خيل إليّ أني سمعتها من الإذاعة أكثر من مرة غير أن نطق فاتحة كان أكثر وضوحا:
ياك اجرحي جريت وجاريت ..
حتى شيء ما عزيت فيك
انا جريت وجاريت
راحت تهزّ رأسها في نشوة غامرة وتنقر بأنامل كفها اليسرى على المقود فجأة توقفت عن الغناء، وخففت السرعة، كأنها انتبهت إلى شيء ما، أنا نفسي وددت لو ظلت تغني طول الطريق سوى أنها انتبهت فجأة عن غير قصد إلى حزن ما ينبع من الأغنية. قالت:
– آسفة جدا، لاتؤاخذني، ربما تذكرت أهلك فسببت لك حزنا ليس قصدي.
– لا أبدا .. أبدا، لحن الأغنية جميل على الرغم من مسحة الحزن فيها ولا تنسي أن معظم أغانينا في العراق حزينة جدا.
– وجدتك سرحت قلت تضايقت.
– بالعكس كنت أسرح مع هذه الأغنية لأني أسمعها دائما من الإذاعة وأتبين بصعوبة كلماتها وها أنت تغنينها بوضوح فأدرك الكلمات.
– سوف تعتاد اذنك اللهجة المغربية
– طيب لنعقد اتفاقا أعلمك اللهجة العراقية وتعلمينني المغربية.
– وخا دابة عجبك صوتي
– عسل وسكر “ومضيت مجاملا” كوافيرة ومطربة وسائقة ماهرة أليس كذلك؟
– انت تقدر أما غيرك فلا ..
الحقيقة صوتك حلو عذب، كيف لا وأنت فعلا جميلة، وثاني فتاة أخرج معها، مليكة لم تأخذني إلى مكان بعيد لكنك .. فهاهي الأرض مفتوحة أمامنا .. معك لا أشعر بضيق وإن راودني بسبب سرعتك في الطريق قلق .. قبل ساعات جلست في محلك المغلق الصغير فرأيت فيه باريس ونقلتني الروائح والوجوه إلى أمكنة بعيدة وأحضرت لي وجوها أراها في الشوارع والصحف أو منتجات التجميل والزينة ومثلما يأخذني حلم إلى مكان بعيد تجعلينني أطوف في مكان آخر ليس بقريب أوبعيد.
ومع أن الحديقة لم يكن بها شيء يمنحها امتيازا عن أي منتزه آخر حيث التلة الصغيرة، ومجرى الماء وأقفاص كبيرة واسعة تضم قرودا متباينة الأحجام، وبعض الطيور، وكانت الاشجار الفريدة ذات الطابع الإفريقي تضفي على المكان مسحة من الجمال إلا أن الأرض بدت أمامي من غيرحدود، امتداد لا متناهٍ يجعل فاتحة أكثر سعادة، وأخفّ نشوة حتى من قيادتها السيارة. هذه المرة كانت تغني أي شيء في العيد، قالت وهي تداري ضحكة:
– هذه أغنية عراقية من بلدكم.
– رائعة جدا ..
– ليلة العيد السنة الماضية سمعت هذه الأغنية من إذاعة الرباط رائعة!
هززت رأسي، وتحاشيت أن أذكر لها أن المغني مات منذ عام 1963 .. أكدت لها أني أحب هذه الأغنية وبلباقة غيّرت الموضوع فقلت ممازحا:
– هذا شخص أقصد كاتب الكلمات بخيل لا يريد أن يقدم لحبيبته أي شيء غير أني أعدك عندما يأتي العيد سوف أقدم لك هدية ..
– أووه باللاتي يمكن يكون مفلس!
اتخذنا مكانا عند تلة تشرف على ساقية تنحدر باتجاه شجرة ضخمة، ورحنا نقضم سندويشات من لحم دجاج عملتها في البيت.، أكلت وهي سارحة في المنظر خلف الشجرة التي توارت عندها الساقية. تجاهلت أي كلام خشية من أن أعكر مزاجها، ثم اتجهنا بعد أن فرغنا من الطعام إلى الأقفاص. كنت مشغولا مع النمر الأسير وحده في قفص حين فلتت من جنبي دون أن أشعر. هل أخذني النمر بعيدا عنها وعن العالم .. التقت عيناه بعينيّ ظلّ يحملق فيّ .. أملت في أن ينقلهما بعيدا عني .. كيف اختفت، وبأية طريقة انسلّت من جنبي. أنا وحدي وفاتحة تذوب بالطبيعة وتنصهر. أعرف أني مع امرأة لها أكثر من صورة .. صورة البيت، وهي تتحدث بهدوء ودعة مع أخيها الملتحي ذي الجلابية القصيرة، وصورة الفنانة المحترفة في محل عملها وهي تصنع تسريحات تتماوج بالجمال والعطور، والسائقة المغامرة والمغنية ذات الصوت الشجيّ ثم الغائبة .. الحاضرة الغائبة غادرت قفص النمر، من دون أن أعير اهتماما لقرد ينط على غصن جاف تاركا القرود الأخرى تتسلى مع الزوار الذين انشغل عدد منهم بتقديم فستق العبيد إلى بعضها .. هرولت إلى التلة وأنا أنادي:
– فاتحة .. فاتحة ..
كررت:
أين أنت؟ أين؟ فاتحة ..
كان الزوار القليلو العدد المتناثرون في الممرات مشغولين إما بمراقبة الأقفاص، أو اللعب مع أطفالهم، فلم يلتفت إليّ أحد وإذ وصلت إلى تلة الساقية التي تناولنا عندها طعامنا القيت نظرة من زاوية بين المنحدر عند الساقية وشجرة إفريقية ضخمة تدلت أغصانها فلاحت مثل هيكل ضخم تعلوه قبعة عريضة، فكما لو أني أبصرت خيالا لشخص ما، فحثثت الخطى فوجدتها تتلصص إليّ وشفتاها تتألقان بابتسامة ذات معنى:
– قلقت عليّ؟
فدنوت منها وطبعت قبلة سريعة على خدها:
– بالتأكيد!هل تشكين في ذلك؟
صمتت ثم رفعت رأسها إليّ:
– هل نذهب الآن؟
– كما ترغبين.
وراحت السيارة تنهب بنا الطريق إلى الرباط من جديد، فانتبهت إلى أنها لم تقد هذه المرة سيارتها بتلك السرعة التي جئنا بها في بداية اليوم .. كانت لما تزل تبحر في سكينة الريف وامتداد الخضرة كأنها تخشى أن تعكر تلك الراحة العذبة التي هبطت علينا قبل ساعات .. وددت أن ترجع إلى الغناء إلى الأغنية ذاتها فأعرضت وحين وصلنا إلى الشقة حيث أسكن، قلت:
– ليس من المعقول ألا تصعدي لنشرب شيئا ما.
– دعها لمرة قادمة.
يمكنك أن تطلّي عليّ بعد العمل.
– أعدك خلال هذا الأسبوع.
– حسنا سأتصل بك عبر الهاتف.
وانطلقت، ورحت أتأمل سيارتها حتى غابت في المنعطف.

(8)

الوجوه التي تراها جديدة والسحنات، والجلابيات المغريبة ذات القبعات، أما اللهجة التي لم تتعودها أذناك فقد أصبحتَ تألفها مادامت مليكة معك هذا اليوم. كأنما الشارع كله يعرفك، وكان البصر يحيد بك إلى الرصيف. كنت تظن أن هناك من يعرفك غريبا .. من خلال مشيتك وصورتك .. وتلفتك يدرك عابرو الطريق أنك لست من أهل البلد، وهذه الساعة أو الساعتان معها تطرحان الغربة والضجر عنك. لا أخفي أن هناك إحساسا شبيها بما أنا عليه الآن حين خرجت مع ” فاتحة” إذ شعرت بالألفة غير أني أحس أني مع مليكة أعيش حلما انا اخترته من صنع يدي .. تعمدت الوصول إليه، وغدا أقول لأمي وأبي وعمي لن آتيَ وحدي بل معي شريكة عمر تتقن العربية والفرنسية والإسبانية .. أنا خريج المتوسطة. لا أشعر بالصغار، مهما يعجب الآخرون من ذلك .. أما ” فاتحة” فأنا لم أتعمد الوصول إليها .. لأقل ماشئت لكني أدرك إن مليكة نمط آخر، ظهر في طريقي .. من دون مقدمات اخترتها. إنها حلم يستعصي على ذاكرة أخرى غير ذاكرتي. كانت تسند محفظتها إلى صدرها مثلما رأيتها أول يوم وتسألك:
– كيف قضيت عطلة نهاية الأسبوع “من دون أن تنتظر جوابك تواصل” أنا قضيت عطلة نهاية الأسبوع مع المنهج المقرر .. هذه السنة مصيرية. المستقبل .. لا بد أن أنجح عندئذ أستطيع أن أخصص لك وقتا أطول.
– فعلا مرحلة البكلوريا مرحلة مميزة إذ ننسى كل نشوتنا بالنجاح في السنين التي قبلها أو بعدها لأنها هي الأساس في حياتنا.
– يعني غير متضايق؟
– بصراحة تعودت على أن أراك من دونك أشعر بفراغ؟
– وأنت كيف قضيت وقت عطلة الأسبوع؟
تعرفت على صديق جديد مغربي يروم السفر إلى العراق لإكمال دراسته فدعاني إلى منزلهم.
اكذب قليلا مادمت تريد أن تحافظ عليها، والدك وعمك والجيران، معظم من عرفت يقولون الكذب على النساء في بعض الحالات حلال. إنك لاتريد أن تفقدها، قد يخزك ضميرك لكنه لحد هذه اللحظة يتململ:
– ياستي هو وأبوه وأخ له وله أخت متزوجة.
– كيف تعرفت عليه؟
– مصادفة في الملحقية الثقافية في السفارة.
– مادامت أخته متزوجة فلا بأس لأنها لو تكن لكانت والله أعلم الدعوة لغرض ما.
فقاطعت ضاحكا ملاطفا:
– الزواج من الأخت؟ اليس كذلك؟
ونظرت إليّ بعينين ثاقبتين حريصتين:
– ربما تدس لك سحرا في الطعام. لا تأكل أي شيء من أي أحد فالسحر منتشر في هذه البلاد.
كلهن بعقلية واحدة، كما يقول أبي العبد الفقير أستاذة الجامعة وأمي الأمية، ولو صحبت إليهم حلاقة إلى العراق لاستهجنوا، وربما شعروا بالعار، لاتقبل أستاذة الأدب الإنكليزي في البصرة أن تتزوجني أنا خريج المتوسطة، ولن أشعر بالنقص إذ تكونين معي، لكنك لاتختلفين عن منطق أمي، ربما نساء أوروبا مثلك، رأيت دكاكين السحرة في البصرة ثم لم أرها .. اختفت .. خاف السحرة بعد الثورة وظاهرة مطاردة الجواسيس، فتواروا عن العيون، وحالما خطوت من شارع محمد الخامس إلى السويقة وانحرفت باتجاه شارع فرعي على اليسار تفضي مقدمته إلى سوق يبيع لحم الخيول، هناك عبرت زنقة السحرة، مرة أخرى، هنا يجلسون في دكاكينهم الصغيرة على البسط، ولحية كل واحد منهم تكاد تصل إلى كتاب قديم أصفر مغبر فاتح شدقيه. وعندما حكيت المشهد إلى جمال وصحبته كي ينظر إليهم عن كثب، قال والله العظيم ستكون الحرب العالمية في المستقبل بين الهند والمغرب القوتين العظميين في السحر .. لعله، يؤمن، ولعلني أؤمن بذلك لكني أعاند:
– ماذا أنت مثقفة؟
– السحر موجود في القرآن” ثم أضافت” سافرت إلى إسبانيا ورأيت في فرنسا مدارس خاصة تعلم السحر والشعوذة.
– إنسي ذلك سواء كان السحر حقيقة أم لا فأنت أول من عرفتها وأول من خفق لها قلبي ثم من هي التي تضوع جمالا مثلك.
فابتسمت وهزت رأسها:
– حين قابلتني أول مرة ظننتك من مصر. أما الآن فأنا أتابع برنامج التلفزيون سندباد من بغداد حتى إن أمي تمازحني فتقول أنت ماعدت صغيرة.
– تذكري أني من البصرة الجنوب، نهار كامل بالسيارة إلى بغداد يعني ستزورين بغداد زيارة فقط.
– قسمة ونصيب حين يأتي النصيب ليكن في أي مكان ..
– مع ذلك اطمئني السندباد له جزيرة باسمه في البصرة مقابل الفندق الذي أمارس به عملي .. يعني اعتبري الجزيرة ملكك!
إذاً البحر والسندباد في البصرة!
قلت أعود إلى بداية حديثها:
– يبدو أن الوالدة متعلقة بك لأنك الوحيدة الباقية معها.
– لا تنس أنا صغرى أخواتي.
أخذت يدها وقلت:
– هل نظل نمشي؟
أين تريدنا نذهب؟
– ما رأيك أن تري مكان سكني، إني أدعوك إلى كأس شاي.
فتمنعت لحظة قبل أن ترد:
لا صعيبة بالزاف!.
– تخافين؟ثقي أني شخص أليف ولن أسبب مايزعجك.
ترددت بعض الوقت ثم هزت رأسها:
– دع ذلك للقاء آخر، فأنا أخشى أن أتأخر عن العودة إلى المنزل.
– هو وعد؟
كما تحب.
تنفست الصعداء إذ وجدتها لانت لطلبي، هززت رأسي وقلت بنشوة عامرة بالأمل:
– مثلما ترغبين.
واقترحت أن نقضي في منتزه قريب بعض الوقت قبل أن تغادر إلى البيت، وقالت وهي تلف محفظة الكتب على صدرها بيد وتشد بأخرى على يدي:
– سمعت عن بغداد من الإذاعة والصحف والكتب وليس لدي أية معلومات عن البصرة أتحدثني عن مدينتك؟
ما عسى أن أقول .. ميناء .. نهر شط العرب .. الكورنيش .. صحراء الزبير .. منارة مسجد البصرة .. غابة الأثل في البر التي يقصدها طلاب المدارس في سفراتهم .. جبل سنام البعيد القريب الأجرد .. أم محلتي التي ترقد فوق الرمال .. بساتين النخيل في شط العرب .. حر تموز .. شعلة النفط .. الشعيبة .. جارنا البيت الرابع على اليمين فلاح بن صابر الغانم أقبل بزوجة هنغارية .. كانت تظن أن والده يملك بئر بترول. لقد أهداها قبل الزواج خاتما ذا فص كبير تزهو به وهي تكنس باحة البيت مع أخواته فتكاد تذوب من الحر .. تتأفف وتكنس أو تطبخ .. وأنت ياصديقتي لم تسأليني عن النفط .. ولا عن النخيل .. فما أقوله كلام كثير وحفنة الأيام القادمة تجعلك تلتصقين بي أكثر، سوف أخلط لك الواقع بالخيال وكلما مر يوم أنقصت من الخيال حتى تجدي نفسك مع الواقع لكنك عندئذ لا تستطيعين أن تستغني عني:
– سأحكي لك وإن لم يكن الوقت يكفي
رحت أتحدّثُ وهي تتطلع بعينيّ وفي عينيها رغبة ألا اتوقف عن الكلام!!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

يونس علي الحمداني: رحلة بحرية

عِندما نكون في البحرِ السّماءُ أجمل والدُنيا مِرآةٌ عميقةٌ تعكس أسرَار الزرقةِ وزرقة الأسرار.. عِندما …

أصواتٌ … بداخلِ الصَّمت
حسن حصاري / المغرب

كثيرا ما أضِيع … وأنا أفكرُ في الكِتابةِ اليك، وسَط سُطورٍ لمْ أكتُبها بَعد. أدركُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *