عدنان أبو أندلس: الأمواج الحمر .. أنساق التدرج الحكائي

ما يمتد مع النهر إلا ساحله الذي خاضت في سطحه منذ جريانه أجناسا من مشارب شتى وبقيت حكاياتهم صدى عابرا يتلوى متحديا النسيان والأفول، ورائحة ذكريات يحفها الموج ويغمرها تقادم السنين، هذا النهر الخالد حمل مرآته الساطعة منذ أن أبصرته العيون كي يتراءى لهم من الصورة الصقيلة يجري على امتداد البصر حتى تلاشي النظر.
بهذا أستجمع القاص يونس علي الحمداني ذاكرته الخصبة المتوثبة لمواكبة الحدث عبر روايته الأولى (الأمواج الحمر) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة- 2010- والتي تقع في 312 صفحة وتحتوي على (34) فصلا سرديا، هذا المنجز الزاخر بالموروث والذي يسطر تاريخ نهر
وحياة قرية تحتضنه لحقبة زمنية، هذا العمل له قصب السبق في مؤانسة المكان وملائمة الحدث- أي استشعار الماضي بلسان اللحظة واستحضار المأساة بعين الأحفاد وتخليد ذاكرة من الشجن والفرح، أي انعكاس بأثر رجعي- انعكاسات ذاتية لفترة مشحونة ومخيمة على مشاعر الجموع بالحزن (الأسى الموحد الشامل).
استخدم الراوي تقنياته في أسلوبه الأمثل بوصف طبوغرافية- يتخللها سرديات من الميثولوجيا وأساطير وأمثال من طابع يوميات المكان ومشاهد متكررة على لسان راوي عاصر الأحداث منذ بدايات فترة السبعينات حيث ولج في مفصل الجزئيات الشخصية والخصوصيات المروية عن ضحايا الألم المفاجئ.
لاشك أن الراوي يعتمد على النسيج العضوي الذي يجسد الحدث بأركانه والمماثل لشخصيات الرواية ذاتها، وقد ناور بتصرف تجسيد العمل والأمكنة الملائمة لها، هذا السرد الحكائي بضخامته أخذ منه جهدا جهيدا للوصول إلى ذروة القصة التي يبتغيها وهي تخليد حياة نهر وموت مجاني لبشر من الذين عاصروا المصيبة بأيامها الثقال. ولقد أعطى للفصول سرديات حكائية منوعة من فرح ومكابدة وحب وعالم صيد..الخ. كان بإمكانه أن يجسد الرواية بنصف هذه الفصول ويكثفها دون أن يجهد نفسه أكثر وتكون للمتلقي استراحة بعد ظهيرة شاقة كون القراءة والتركيز في هذا الزمن قد خف أكثر مما كان سابقا.. وهذا تساؤل مشروع يحق لنا أن نطرحه؟ ويبدو لي أن الاستقراء والاستبصار من وعي وهو أبن البيئة والتي تتميز بخصوصيتها من مستويات ألحكي التلقائي والتي تستلهمه الكتابة من خلال استذكار الموروث حيث يختلط فيها القديم التراث بالجديد المكتسب.
من خلال هذا الموروث المتجانس وهذا ما أقصده بالاستطالة حسب الإحداث المروية، ربما أخذته السر ديات باغرائاتها رويدا رويدا وبلهفة استرجاع كل ما يمكن أن يسطر ويدبج بالرواية حيث عالم ذكريات الآباء والخلان والمعارف فضلا عن الربط بين الحاضر والماضي جسر الكشف الدلالي لتلك المأساة التي ما انفكت تطالهم بالمادي والمعنوي.
قد يتوهم المتلقي حينما يقرأ العنوان الظاهر(الأمواج الحمر) دون أن يستهل التقديم يبادر إلى ذهنه أولا بأن شفق المغيب قد سطع على وجه النهر فأزداد النهر حمرة تتوهج أو ما يحمله النهر من طمي وغرين أيام فيضاناته المهولة..الخ. ولكن حين يستغرق في القراءة أكثر يتبين مغزى ذلك جليا، غير أن لسان حاله يقول: هذا النهر الهادر في أيامه الخوالي لا يبدل لونه في خلال أيام نحسه ويستدل من ذلك أن(الأمواج الحمر) بمعناه اللفظي معروف، لكن دلالته مختبئة خلف تكتمها ويريد استنتاجات القارئ لحاجة ابتكرها بتصرف قاص يستقرا أراء جديدة واستنطاق صمت لاذ بالنسيان تنحت أوحال عقود من الزمن.
لقد وفق القاص يونس على إلى حد بعيد بزج شخصية الجدة سوده في الرواية كونها تمثل حياة بكاملها: عنفوان، احتشام، واجهة، اعتبار، حتى الاسم المختار لها يدل على الموائمة والمؤانسة في خضم حياة قاحلة تضج بالفقر والتهميش والكدح، إضافة إلى عبدالله البطل الفتى الذي واكب الأحداث حتى نهايتها وهو عنصر التواصل المستديم رغم كل الهفوات التي طالته والعثرات التي اعترضت طريق صباه، لقد صبر وصابر واجتاز حاجز النكبة ليقف أخيرا على أطلال الحدث، وكذلك الملة عمر ومزنه وفرحة وعاشور والشيخ فتحي وخلف الجربوع ذلك الصياد المستوحد الذي أعطى للرواية سحرها المنثور..شخصيات سايرت الأحداث لتكمل أدوارا أرادها الكاتب من خلال الاستطالة التي عبر بها عن جزئيات المكان المخفية حتى غدت وثيقة تاريخية وتقويم جميل للمنطقة، أنها أرشيف مكاني وزماني لتلك البيئة المغلقة والمطلسمة إلى حد ما.
توضح جليا بان الكاتب خاض بتفاصيل الحياة الريفية المريرة درجة درجة دون أن يمس بنسقيه الأحداث المروية بالتدرج، أنها تدون ما يتراءى أمام العين من حدث ماثل كونه قد خزن أدواته منذ زمن وكل الاحتياطات اللازمة للخوض في غمار ذلك العالم المتحرك قرب الأمواج التي كثيرا ما صارت حمراء. هو يمتلك خزينا لا بأس به فالرواية بالحقيقة مكشوفة ولا تستدعي من المتلقي إلا أن يصبر لا كمالها كونها من المدرسة الواقعية التقليدية رغم السحرية الباذخة، هي عمل إبداعي خلد المكان وثبت الزمان في لوحة المستقبل بتلك الأضاءات التي شعت في إرجاء أمكنة يسودها الظلام وخصوصية قرية(الخازر) التي لها صداها بين القرى المتناثرة على حواف النهر الصغير، إلا أن المؤلف وكتجربة جديدة في الكتابة النثرية ربما استهوته متعة الوصف وشدته العاطفة نحو مرتع الصبا جعلته يدخل في شروح زائدة ولعله قد ذكر شخصيات جانبية بالنسبة لأهمية الأحداث، واستخدامه لأنواع من النباتات الحقلية والطيور ولجوءه إلى الواقعية المفرطة في طرح الأسباب والمسببات وخوضه في مواريث سالفة، لأنه لو قدر لهذه الرواية أن تدخل في عمل روائي في الدراما العراقية فمن يا ترى يملأ هذا السرد الهائل دون حوار وتبادل أدوار، معنى هذا أن الممثل سيقف على حافة النهر يبث لواعجه على مسامع الأمواج السائرة.
أن النظر إلى الماضي بعين الذكرى يتدفق لاستعطاف الوجداني من صور متوالية: طفولة، فتوة، شباب، كهولة، شيخوخة ولعل الطرح الروائي بهذا الكم قد يسحر المتلقي وكأنه ينظر إلى مفازة شاسعة عبر الورقة الواحدة من الرواية السحرية، أنما يحمل في داخله إشكاليات الواقع الملموس والمحسوس في آن واحد. القرية وجوها ومما تحمله من انبعاثات خاصة هي المكان الأثيري للتفاعل الاجتماعي ونوازع الخير والشر كون القرية ترمز لكل قرية في العراق وتشبه إلى حد ما كل قرية في أرض العرب.
الجرأة الصارخة التي بدا عليها المؤلف تكاد تكون نادرة بين أدباء المنطقة من خلال تجسيد حي ونابض لكل مظاهر المسكوت عنه روائيا، حيث باح لأول مرة وصرّح ومثل وصوّر بريشة رسام متمكن، ولقد أحسن في وصف غرام الأرياف بكل إسراره التي تغطيها أحيانا حشمة مصطنعة، غارقة في ضوابط مقيدة كحركة الهوى التي تنوء بتقاليد متشنجة.
من خلال ما ورد في استرسال الأحداث استفاد الكاتب من اللغة الدارجة في أماكن حددها دون تزويق تماشيا مع موجات التغيير، أراد أن يتركها كما هي على فطرة نطقها من فم الإنسان الريفي لتعبر بصورة أصدق، ألفاظ متداولة بين متحدثيها فقط، كي يعطي للمتلقي انطباع خصوصية الرواية وخصوصية المكان، حيث استخدم صراحة هذه المفردات الخشنة والمجلجلة بالصوت لملائمة مناخ الديار مثل: طش، أعجار، بحروثة، كران، الكر، تتهدرس، الأباعر، طرابيش، الحويان، هاركا، وغيرها. ولو أعدنا هذه الكلمات إلى جذرها اللغوي ربما نستخرج أصلا أخر لها من لغة أشورية أو أرامية أو عربية فصحى، لأنها أي المنطقة تاريخية وأثرية تعاقبت على سكنها أقوام شتى.
ختاما أود توضيح أمرا من خلال استقراءي المتأني وهو أن الرواية كتبت بلغة رجولية مستمدة من القوة انبهارا و دهشة ورغم شفافية الكاتب وليونته وشيئا من صقل المدينة له ولكونه- وكما أعرفه- شاعرا حساسا شغوفا مرهفا إلا أن الخشونة راحت تلقي بظلالها على الواقع السائد المفعم بالرجولة، ولقد أطلق على نهر الزاب لفظ (الفحل) وحسبما اعتقد أن هذه التسمية أطلقتها أنثى ويأبى الرجل من إطلاقها خشية المساس به وهو الكامل القوي والمرتبط بالأرض الأم وما يحيط بها من صراعات يكتنفها قلق ذاك المجتمع المشبع بالانتقام والثأر بعد أن غلف الجهل والفقر عقله وتواصل معه إلى تجاهل الجهل وهذا ما وقع لضحايا مردها الجهل أو التجاهل أو العناد رغم الوصايا والإرشادات والتحذيرات المعلنة عبر وسائل الأعلام حتى ادر كتهم المصيبة والتي تتشضى أوجاعها إلى الآن.

شاهد أيضاً

في ذكري رحيل الأديب والمحاضر الجامعي د. حبيب بولس
“قرويات” حبيب بولس بين الحنين والجذور
حتى لا تضيع ذاكرة شعبنا الجماعية
نبيل عودة

مدخل: تحل هذه الايام ذكرى رحيل الشخصية الثقافية الفلسطينية، الناقد الدكتور حبيب بولس الذي رحل …

رواية تذكار الجنرال مود
قراءة في ضوء التحليل النقدي للخطاب
علي كاظم داود

كيف يتشكل العالم الاجتماعي في الخطاب الروائي؟ وهل يمكن الإجابة عن ذلك إجرائياً من خلال …

شوقي كريم حسن: شكر حاجم الصالحي… الشاعر مجسداً!!

*منذ نعومة الايام، وعبثها الدافع الى الفطنة ، وغرابة الاسئلة المطروحة امام الروح، تبدو ثمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *