قصي الشيخ عسكر : الرباط (رواية مهجريّة) (5) و (6)

(5)

ترجلت من سيارة الأجرة في سلا أمام زنقة قديمة، واتجهت نحو درب بن شعبان. كان بيت الشيف “محمد الوهبي” قطعة من تراث مغربي ترك أثره في الأرائك وقطع الأثاث الخشبية المحفورة بشكل أنيق، أما المدخل الضيق المفضي إلى غرفة الضيافة فقد تلألأ بفسيفساء تركوازية براقة، و وعارضة تحف بين أريكتين واسعتين .. قدم لي صاحب الدار زوجته التي أطلت بعد دقائق .. سيدة ممتلئة الجسد طويلة تبدو أصغر من عمرها .. قال السيد محمد وهو يضع يده على كتفها معلقا بشيء من المرح:
– أنا في الفندق كبير الطباخين شيف محمد الوهبي صحيح لكن في البيت أم الأولاد مدام حفيظة هي التي تقوم بالطبخ.
ردت بابتسامة واسعة لاح منها بريقٌ لسنٍّ ذهبيٍّ جانب فمها:
– يبدو أن المثل باب النجار مخلوع ينطبق عليك!
فقال وهو يهز كتفيه:
– طيب ياستي سيتناول سي حسن الغداء هنيئا مريئا ثم يحكم بيننا.
– ياسي محمد أنا صحيح أتدرب تحت يدك لكني لم أذق طبخك.
فتهلل وجهها عن امتنان، واعتذرت وهي تغادر الصالون في هذه الأثناء دخل شاب أنيق المظهر منشرح القسمات تتبعه فتاتان الأولى أكبر منه تحمل صينية الضيافة، أقرب إلى أمها في الهيئة والجمال والشقرة والأخرى سمراء كسحنة أبيها أصغر منها، فهتف الشيف:
– الأولاد يوسف، فاتحة، وكريمة.
– ما شاء الله.
وضعت فاتحة الصينية، في حين جلست كريمة على مسافة، وواصل الرجل:
– فاتحة شاطرة، ذكية لكنها بعد أن أكملت المدرسة أصبحت كوافيرة لديها محل للحلاقة ياسيدي تقول الدراسة تضيع العمر.
– محلها هنا في سلا؟
لا في الرباط ..
انحنت على درج أسفل العارضة، واستلت بطاقة وضعتها في يدي:
– قريب من الإذاعة، على الرصيف المقابل.
– الكوافيرة شغلة مربحة في العراق من يعقل الدينار عشرين درهما والأدهى أجرة الطبيب بنصف دينار وحلاقة النساء خمسة دنانير!
زاغت عيناها دهشةً لكن سي محمد استطرد:
– ياسيدي المهم عندنا الآن أمر سي يوسف.
– هذا الأمر محسوم “وأضفت متسائلا” ماذا عن الآنسة كريمة؟
– مازلت في التوجيهي.
فقال الأب مداعبا ابنته:
إنها مغرمة بالجغرافية. تعرف معظم عواصم العالم، وتحب السفر.
فلمحها يوسف بنظرة ذات دلالة وقال:
لا تنس أن فاتحة كانت تحب الجغرافيا قبلها.
كانت كريمة ترمق فاتحة أيضا بنظرة ذات دلالة، وتغادر بحجة مساعدة الأم، أما الأب فقد التفت إلى يوسف متسائلا:
– أين ميلاد؟
قال كأنه غير راض لأمر ما:
– إنه على أهبة الاستعداد للذهاب إلى الجامع أنت تعرف وقته.
فتذمر الأب وبدا كما لو تمتم بكلمات مبهمة:
– المسجد المسجد على راسي لكن ليس كل يوم” واضاف” على راسي .. المساجد لها حقوقها والدرس له حقه أيضا.
فنفثت فاتحة الهواء وقالت:
– كل أصدقائه الذين يمشون معه هكذا.
تساءل يوسف بابتسامة:
– يعني مامعنى هكذا
فوضعت إصبعها على صدغها:
– يعني العقل جامد .. حمقى والله العظيم حمقى.
فزعق الأب باتجاه الباب:
ميلا .. ميلاد. تعال .. . مضت دقائق رحت خلالها أتطلع بين يوسف وفاتحة ثم زينة الغرفة والسقف حتى استقر بصري عند باب الصالة على شاب بجلابية قصيرة. عريض الوجه ذي لحية خفيفة. كان مثل أخته الصغرى كريمة أقرب في الصورة إلى أبيه لكنه أهمل أناقته وغفل عن تصفيف شعره:
– سلم على السيد .. ابني ميلاد .. ” وأضاف” ياسيدي هذا أصغر من يوسف وأكبر من كريمة.
الله يخليهم.
تطلع فيّ الشاب بنظرة ذات معنى .. نظرة مبهة لم أدرك فحواها، وصافحني على عجل:
– ألا تتغدى معنا؟
رد ونظراته مازالت في الأرض:
– لم يبق كثير من الوقت للصلاة.
اعترضت فاتحة:
– صل هنا في البيت يعني الصلاة لاتقبل إلا في الجامع.
فلمحها بنظرة هجينة تنم عن تذمر وغضب، وغادر، وهو يبتسم ابتسامة تنبيء عن برمه وعدم رضاه:
– أخوك يايوسف يمشي مع جماعة من الحمقى.
– يا أبي لا أظنهم يصلون هنا بل في مسجد بالرباط.
هؤلاء مهبولون.
– في أية مرحلة هو؟
– السنة الثالثة في التعليم الأصيل، لايهمه أن ينجح أو يترك الدراسة. ” وأضاف وهو يتطلع عن دون عمد بولديه، ثمّ يلتفت إليّ متذمرا” تعرف سي ” حسن” بدأ يزعج أمه وأخواته كأنه رب البيت ملابسكن غير شرعية .. فتحة الجلابية الجانبية تكشف الساق .. الشعر مكشوف .. هذه عورة .. حرام .. الحجاب واجب .. هذا أسلوب غريب على بيتنا وعلى المغاربة، وكأنه هو المسلم الوحيد في البيت!
اندفعت فاتحة تفصح عن اعتراضها:
– طول عمرها الجلابية المغربية مفتوحة من جانب الساق زي مغربي ورثناه عن أمهاتنا وجداتنا.
– هذه موجة دينية طارئة ولا يصح إلا الصحيح ” وأضفت جادا” يمكن تأثر بأحداث إيران.
يوسف مندفعا:
– بالعكس مولود يكره إيران يقول الخميني ليس مسلما .. كافر يعبد الحجر.
رد الأب قائلا بين السخرية من ابنه والاستغراب:
– أي شيء يعرف هذا الأحمق عن الدين ” والتفت إلى فاتحة “أخبريني عن أي تطاول منه عليك أو على أختك والله لأسقيه كأس السم.
محاولا أن أغِّير الموضوع:
– المهم الآن لنتحدث عن سي يوسف، هل تؤيد فكرة ذهابه إلى العراق؟
– ياسيدي الله يبارك فيك.
قال الأب عبارته، وهم أن يسترسل لكن كريمة قطعت عليه كلامه إذ دخلت وهي تبلغ عن لسان أمها أن الغداء جاهز!

(6)

وقفت نهايةَ الشارع أرقب، وأنتظر، ربما بدا الوقت ثقيلا، عقربا الساعة في معصمي يتعانقان وعينيّ اللتين كانتا تتسمران على البوابة العريضة للمدرسة الإسبانية، ثم تحومان إلى نهاية الطريق، بعض الدقائق أقطع الشارع الواسع نحو منتزه صغير .. كأني أتحاشى أية نظرة فضولية. هل يظن العابرون أنِّي أنتظر طالبة ما. اللهفة .. الرغبة .. خدر لطيف دفعني إلى المجيء مبكرا بنصف ساعة. كأن الدنيا أقبلت عليّ حين لمحتني من بعدٍ والتفتت ثم حثّت الخطى، ملنا إلى أحد الدروب الفرعية، ابتسامة ما تعلو وجهينا، بضع خطوات فتجرأت ان أضع يدي بيدها. نظرت في عينيها، لاحت لي أجمل من اللقاء الأول. لكني أنا أيضا تأنقت كثيرا. قلت:
– أنت اليوم أكثر جمالا.
لا أبالغ .. كنت صريحا مع نفسي إلى أبعد حدّ .. أول من عشقت .. رأيتها فاتنة حيث لا نساء من قبل في حياتي خلت أن الدنيا لا تسعني حتى لكأني منذ أول لقاء إلى هذه اللحظة كنت أخشى أن تضيع أو لن تأتي:
– صحيح؟
– إني أقول الحق!” ممازحا”والله أقول الحق!
ضحكت ولاذت نظرتها بأشجار ليمون امتدت في صف على الرصيف:
– أمي تقول أنا أجمل أخواتي لكني أظنها تقول ذلك لأنني صغراهن.
– يبدو أن عائلتكم كلها جميلة.
– أنت تبالغ قليلا.
– أين تحبين أن نذهب؟
– ما رأيك الجامعة قريبة نجلس في المقصف بعض الوقت ثم نقصد السينما؟
– يمكن تتأخرين عن موعد البيت.
– لقد أخبرت أهلي أني سأذهب الساعة الثالثة إلى السينما.
إشارة تزيل بعض قلقي .. فلأجعلها تتعلق بي إلى الأبد .. أصبحت أجد الحياة مرة من دون حب أتعاطاه .. عبرنا بوابة الجامعة إلى حيث الكافتريا:وعدت حاملا قنينتي عصير:
– العام القادم إن شاء الله تكونين مع هؤلاء.
– الله يقدر الذي فيه الخير.
أذهب بعيدا حين تجرفنا لحظة صمت إلى إسبانيا، أعود إلى العراق، أحط في المغرب، فأين تجري الأيام القادمة، يا أم حسن كنتك تتحدث ثلاث لغات .. لا أسخر من قول أمي، تؤكد أني إذا لم أصحب عروسا من الخارج ستزوجني إحدى بنات عمي. عمي الذي تنفر منه لكن للضرورة أحكام، فهل ستكونين عروسا أصحبها معي أنا الذي أنهيت المتوسطة ووجدت نفسي بعد حين في المغرب، ياحسن الخيبري .. هذه وظيفة حساسة من الأفضل أن يشغلها الحزبيون. وأنا لولا معرفتي بك وقرابتي لوالدك الطيب لما رشحتك لهذه الدراسة. سنتين تقضيها خارج العراق. المغرب جنة الله على الأرض .. سفر ودورات، من يدري لعل هناك سفرات أخرى إلى جنات لا أعرفها:
– كل يوم جمعة ينتهي دوامنا في المدرسة الساعة الواحدة.
– أنا أنهي شغلي قبل ساعة.
– حسنا سأنتظرك الساعة الواحدة في المكان نفسه.
فتطلعت إلي بنظرة ذكية:
– ماذا عن أيام العطلة الصيفية؟
– سأنتظرك كل وقت “عقبت مستدركا”:قد ننسى موعد السينما.
– سينما رويال هذا الأسبوع تعرض فلما عن حياة طه حسين.
أنا منذ خلقني الله أحب أفلام الكابوي، سينما أطلس، سينما الرشيد، الوطني، البطل بقبعته وحزامه العريض أجده يعلق المسدس عند جنبه الأيمن، ويمتطي حصانا .. في كركوك شعرت بالحنين لأفلام الكابوي. الجندي يختلس فرصة ما، يوم جمعة، أو إجازة قصيرة، أسبوع شاق من التدريب مع العريف، والصمون القاسي الصلب، فأحوم حول السينمات بحثا عن فلم كابوي، لم أقابل أيّ وجه من وجوه ممثلين ألفتهم، سمعت لغطا أو عرفت عن طريق الفطرة أن دور السينما في الشمال لا تعرض أشرطة العنف .. فقضيت وقتا جميلا مع فاتن حمامة وشامي كابور .. ممتا. حنان الأم .. أثارتني قبلات شكري سرحان لسعاد حسني، أما طه حسين فقد عرفته في كتب المدرسة، قال الفتى لأستاذه الشيخ. فهل يعنيني صبيّ لايبصر، ولا معلِّمُهُ في الكتاتيب، والرقع التي يكتب عليها بل الذي استأثر باهتمامي تلك الفاتنة الشقراء التي تعلقت به، فبعثت في نفسي عباراتها عن الشرق وإخلاصه ورومانسيته زهوا وراحة وجدتهما في زفرة أطلقتها من دون وعي، فتسللت يدي إلى كفّها:
– من؟ شريط عن من؟
– عميد الأدب العربي. شريط قاهر الظلام لا بد أن أراه.
– أين هي السينما؟
قالت وقد ازدادت ابتسامتها:
– لا بد أن تعرف الرباط إنها مدينة هادئة صغيرة.
– لا شك في ذلك وأفضلها على الدار البيضاء وصخبها لكني بدأت أحب الرباط أكثر لأنك فيها.
فضحكت وقالت بدلال:
– غدا تجد أحلى مني!
كأني غيرت الموضوع:
– أتعرفين ماهو أحلى مشهد في الرباط؟
– مناطق كثيرة .. الساحل .. صومعة حسان .. باب ..
– لا .. كل ماذكرته جميل والأحلى هو أنت.
نظرت إلي بزهو طفولي، وقالت:
نحن الآن في شارع “مشلفن”، عن بعد منا المدرسة الأرثودكسية الروسية التي تبعد قليلا عن مدرستي، الآن الساعة الثانية و الثلث، ممكن أن نصل بالتاكسي خلال عشر دقائق. هل نغادر؟
– كما تحبين.
ربما أخذني الوقت إلى نهاية غير متباينة، حلم قريب بعيد وددت ألا ينتهي .. فلم أعد بعد انصرافنا من صالة رويال مباشرة إلى الشقة، حسبت ألف حساب لأية كلمة أقولها، لقاء يوم من كل أسبوع يكفي الآن، لا تريد أن تختلق أعذارا أمام أهلها، وأنا إذا كنت أحبها حقا عليّ أن أكون حريصا على مدرستها، قلت قبل أن تتركني:
– أتحبين أن تري مكان سكني في اللقاء القادم؟
– أنت ترى ذلك؟
قالت عبارتها بتردد، فهمست في أذنها حالما دخلنا عتمة رسمتها على الرصيف شجرة كثيفة متشابكة الأغصان كادت أغصانها المورقة تغطي مصباح الشارع:
– ألا تثقين بي؟
– لا أقصد ذلك.
– طيب كما ترين.
رحت أراقبها، وهي تبتعد: قالت هذا يكفي اليوم، فوقفت أتابع خطواتها حتى أوقفت إحدى سيارات الأجرة، فعدت أدراجي إلى شارع محمد الخامس. لم أشعر بالتعب قط من طول المشي، تناولت بعض الكباب في السويقة، وسرت باتجاه الساحل، عدت إلى مقهى الفصول الأربعة، رحت أتلاشى في الشارع، والشارع الخدِر يذوب بمصابيحه في اللانهاية حينذاك انتبهت إلى أن الساعة تجاوزت التاسعة، فدخلت الشقة كأنني قادم من سفر بعيد. كنت حقا في رحلة طويلة، امتدت من المدرسة الاسبانية إلى الجامعة فمصر بعدئذ باريس وإذ وصلت خلت أن جمالا مازال صاحيا أو يسهر في غرفته مع صديقة ما لكني لمحت، أثناء مروري في المطبخ، كأسا وبقايا طعام وإذ فتحت باب الثلاجة وقع بصري على زجاجة ويسكي اختفى أكثر من ربعها. فكنت آوي إلى السرير، وظلت عيناي معلقتين بسقف الغرفة وزخارف مبهمة، وأنا سارح مشدود إلى لقاء ذي طعم عشته قبل قليل.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

يونس علي الحمداني: رحلة بحرية

عِندما نكون في البحرِ السّماءُ أجمل والدُنيا مِرآةٌ عميقةٌ تعكس أسرَار الزرقةِ وزرقة الأسرار.. عِندما …

أصواتٌ … بداخلِ الصَّمت
حسن حصاري / المغرب

كثيرا ما أضِيع … وأنا أفكرُ في الكِتابةِ اليك، وسَط سُطورٍ لمْ أكتُبها بَعد. أدركُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *