كريم القاسم : سعدي يوسف عاقّـاً

( سعدي يوسف عاقّـاً )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لاتوجد خطوط حمراء في الادب ، انما هنالك خط احمر هو كرامة الوطن لاغير .
وقفتُ بين ضمير المخاطب وبين القلم ، والمداد في حيرة من أمرهِ ، هل نبحر في قصيدةِ رثاء لسعدي يوسف ، أم نكتفي بمقال ينقش على شاهد قبره ــ ان كان له قبر ــ وأخيرا كان الخيار على المقال لانه أوفى استحقاقا ، واكثر انسياقا . ولم يدُر في خلدنا يوما ما ، ان يضع سعدي يوسف نفسه بموضع لايحسد عليه .
كنتُ ارصد حروفه وتأليفه في الفترة الاخيرة ، وأجد فيها التذبذب في الرؤيا ، وتشوش النيّة ، وفساد الذوق . ويومها كان يتنكر لبلاده ، ويعتز بانتسابه لغيره . وكم كنتُ أنوي ان انشر مقالات نقدية بشأن هذه المفارقة (الغربة) بين (السياب) و(سعدي يوسف) لولا حواجز الاصدقاء وخوفهم من تجاوز المسموح به لأنه الشاعر سعدي يوسف ــ وهذا ما لا أؤمن به ــ لان العملية النقدية كائن حي يتفاعل بقوة مع الحرف والكلمة ، لتحديد اتجاه البوصلة للمؤلف والكاتب. والمتمعن لنتاجات سعدي الاخيرة في الغربة ، يجدها لاتتعدى الوصف الجغرافي ومعاني وصفية سهلة الانقياد هزيلة السبك ، لكنها مرصوفة بعناية معتمداً على تراثه الاكاديمي . لكننا للاسف نعجبُ بكل ماينتجهُ مَنْ تَنصَّبَ يوماً ما على عرشٍ من عروش الدنيا ، وهذا بسبب لياقتنا القبلية الموروثة . وقد يبدو إنه اراد أن يغازل الدولار واصحابه ، من اجل الرقص على جراح الوطن ، وهذا هو النزق والخبال الذي ساقه الى ما آلَ اليه .
والآن وبعد ان جاء العِرْقُ بما دسَّ ونسَّ ، قال القائلون ، وهتف الهاتفون ، وأسف الآسفون ، لما قيل بحق قلم ، كنا ننتظر منه رُعاف كَرَمٍ ، ونبع حياةٍ ، ليُبنى له في كل قلب عرشاً ومسكنا ، لكنه للاسف الكبير كان سفيراً جانحاً وضميرً مشوشاً غير واضحا .
قالوا :
سعدي يوسف ينكرُ ثرى العراقِ
وبكلِّ شريفٍ يَقدحُ .
قلت : وما العجب ؟
دعوهُ يعوي
” وكُلُّ إِناءٍ بالذي فِيهِ يَنضَحُ ” *
اٌقول لسعدي يوسف :
يذكرني هذا الموقف الخَرِف بقول الشاعر :
” أرى الإحسان عند الحرّ ديناً … وعند النّذل منقصةً وذمّا
كقطر الماء في الأصداف درّا … وفي جوف الأفاعي صار سُمّا ”
ــ الذي جعلني اختار هذه المقارنة لقطرة الماء ، هو موقف قلمين قد شربا من نبع واحد ، ونطفتان علقتا في رحمٍ تَدثَّرَ بذات التراب وتضللتا بذات النخل ، وأكلتا من ذات التمر، فكانتا (بدر شاكرالسياب) و( سعدي يوسف) .
كلاهما ولدَ ونشأَ وترعرعَ في قضاء (ابي الخصيب) وكان شَغَفُـنا بما ينتج ضميرهما القصيدي والتأليفي ليس له حد . لكن لكل نطفة عِرْق ، فكان السياب عربون وفاء ، وصار سعدي يوسف عربون خيانة .

الشاعر العراقي العظيم السيّاب يلقي قصيدته وسط تظاهرة أمام سجن بغداد في وثبة كانون 1948

الكل يعرف معاناة السياب وشظف العيش الذي ألمَّ به حتى احتضنته إجدى مستشفيات الكويت حتى وفاته ، والتي لاتبعد عن ابي الخصيب سوى فاصلة زمنية لاتتعدى الساعتين او الثلاث ، فكانت عند السياب مسافات غربة قد قَطَّعتْ مهجتهُ وأحالتهُ الى بركانٍ ثائرٍ من القصيد ، فنزفَ مدادَ الوفاء لرَحِمِ العراق ، وقد عنوَنَ قصيدته بـ (غريب على الخليج) فسطَّر مفرداتاً تصرخ بالبرِ والوفاء ، حتى باتَت الطبيعة تغذي مَلَكَـتهُ الشعرية ، ويجتاز عنوان المرض ، وشدة العَوَز ، وفارق كل الآلآم ليستمع الى نداء الريح وموج البحر ، فهو يستثني بـ (سوى) كل وطن غير العراق :
” الريح تصرخ بي عراق
و الموج يعول بي عراق ، عراق ، ليس سوى عراق ‍‍ ”
ــ ولنقرأ في غربة (سعدي) وهو يحتضن الصحة وجمال الطبيعة والخاطر الصافي الغير مشوش بالمرض والجوع والحرمان فيعوي من لندن ليقول :
” نورسُ بَحرٍ من عَـدَنٍ
ضَــلَّ …
وها هو ذا يهبطُ مرتبكاً
بين البجــعِ الأبيضِ
والأشــرعةِ البِيض … ”
ــ ثم يخاطب الشمس من دارِ غربتهِ المزركش بما لذَّ وطاب :
” الشمسُ تُسَـخِّنُ في الـمَرْجِ مراياها
والأشجارَ ،
كأنّ ضُحى الـجَـنّــةِ يفتحُ بَـوّابتَــهُ .
هل أدخلُ ؟ ”
ــ ومرة أخرى يقول :
” والشمسُ دانيةٌ ،
ورَقٌ أحمرٌ في الـمَـمـاشــي
وفي مُـتَـعَـرِّشِ زهرِ العســلْ ! ”
ــ هذا الخطاب هو الذي كنتُ أرصدهُ في نسجِ (سعدي يوسف) لأحيلهُ الى عرصةِ النقد كي يتروَّض حرفه الهائج ، او يُلجَم فَمه ، فما في الوطنية من قياس متدرج ، فأما سُموّ وأما وضاعة وانحطاط .
ولنقارنه الآن بسبكِ ونسجِ ( السياب ) مع الفارق الكبير بين الخاطرين والحال المعيشي للقلمين ، فيأتي السياب بقُماشةٍ زاهيةٍ رائعةِ النسجِ ودقيقةِ الإيحاء ، يفوحُ منها عطر الوفاء . فهل صادف القاريء شاعراً يتغزَّلُ بظلام بلاده .. ؟؟ :
” الشمس أجمل في بلادي من سواها ، و الظلام
حتى الظلام ـ هناك أجمل ، فهو يحتضن العراق “
ــ وبَعدَ هذا الكلام ، هل يتقول من يتقول كي لايزن المقارنة بين النسجين والنَولَين ..؟؟؟
ومن لايرى الفرق او يحكم بغير ذلك ، أما أن يكون جاهلاً بالفصاحة والبلاغة ، او عاقاً لايعرف طعم الإنتماء ، لان الفيض واضح جليّ ظاهرٌ للعيان ، لايحتاج الى تمحيص وتفحيص .
ثم يخاطب السياب ذاته ليأتي بتعجّبٍ واستفهامات ، وكأنه يدخرهُ لسعدي يوسف ، متنبئاً بما سيلد الزمان من عقوقِ حرفٍ وتقصيرِ ضميرٍ، فيقول :
” إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
أيخون إنسان بلاده؟
إن خانَ معنى أن يكون ، فكيف يمكن أن يكون ؟ ”
ــ لكن سعدي ينسج النزوع الى الخوف والضعف والضياع ، حتى بان واضحا ذلك في انتقاء مفرداته والتصاقها بمفردة الموت والهلاك ، وهذا من علامات الانهزام والهزيمة للذات ، ولنلاحظ الفرق بيت التساؤلين ، فيقول سعدي :
” نولد في الغربة أم نموت ؟
أتعرف الاشجار والبيوت وجوهنا ؟
وأننا … نولد كل ساعة
نموت كل ساعة
وحولنا تولد أو تموت …
الناس والاشجار والبيوت ؟ ”
ــ لا اعتقد بأن بعد هذا الرصف شكوك في نوعية المَلَكة لكلا الشاعرين ، ونوعية طهر الحرف ووفاءه .

شباب بصراويون نجباء يقومون بتنظيف وترميم تمثال السياب الكبير

ــ كان اساتذتنا الكبار يبذرون في حروفنا بديهيات ثابتة ، أولَهنَّ حب الوطن ، وهذا ليس من دواعي الصنعة والتصنع ، إنما هو من دواعي حسن الاشارة والتنبيه ، فالمواطنة اصل وأس وتجذّر وإنتماء ، فكل حرف يولَد مِن رَحِمِ الحقيقة ، يأتي بارّاً ، ناصعاً مشرقاً زاهياً ، يعيش حالة الخلود والثبات الى ماشاء الله ، وكل حرف يولد مِن رَحِمِ الحمق والخرَف يأتي عاقّاً ، مُتملقاً مُداهِناً ، اجوفاً ، خاسئاً ، مُنهَكاً ، كالهباء المنثور .
وسعدي يوسف ، لم يستحِ عندما باع وطنه في اكثر من حَيّز مكاني وزماني ، وعَلَناً على الهواء وفي اكثر من تصريح ، لذلك تأتي (مَلَكَته) الفطرية بشعرٍ يحوطه الخجل والهزال والخوف من القادم ، فيقول متسائلاُ :
” مَن قالَ لي :
لا ســماءَ لِـيَـخْفُقَ فيها جناحاكَ …
مَنْ ؟ ”
ـــ نقول له : إطمئن ، ها نحن نقولها لك ، لاسماء سيخفق فيها جناحاك ايها العاق . ثم يستدرك في قطعة أخرى ، وكأنه عارف بما سيؤول اليه الحال عندما يقول :
” لكني لم أدركْ إلاّ الساعةَ
حين مررتُ بمقبرةِ القريةِ
أني ، المسكينَ ، بلا بلَــد ِ! ”
ــ وهل يشكُّ شاك في الانفلات الانتمائي في هذا الخطاب …؟؟؟
هي هي النفس البشرية ، تعكس ما يختزنه الضمير . فأين هو من كلام السياب حين تمنى أن يَتوَسّدَ تربة العراق ، فينسج قصيده في اجملِ نَولٍ وابلغ قول ، عندما يبدأ بــ (واحسرتاه ) :
” واحسرتاه ، متى أنام
فأحسّ أن على الوسادة ”
ــ أقول : ياسعدي يوسف ، أما قرأت وتحسستَ هذا النزف ايها الغيور ، وانت الاقرب منه ….؟؟؟
وانت الذي عشت في رَيّعِ وربيعِ العراق ، حتى نما لحمك ، واختفى عظمك ، ورقَّ جلدك ، فكنتَ في يومٍ ما ترفل في بحبوحة من ترف العيش ، حتى تنكرتَ لزادك ، وفارقتَ مِهادك ، وبصقتَ في ماءك ، فكنتَ كالذئب الذي رضعَ من شاةٍ ، ولما اشتد عوده ، افترسها ونكَرَ حليبها وعقَّ ثديها :
بَقَرتَ شُوَيهَتِي وَفَجَعتَ قلبي …. وأنتَ لشاتِنا ابنٌ ربيـب ُ
غُـذِّيـتَ بِـدَرِّها ورُبـيـت َ فينا …. فمن أنباكَ أن أباك ذيب ُ
إذا كان الطـبـاع ُ طـبـاعَ سـوء ٍ …. فلا أدبٌ يُفيدُ ولا طبيبُ
ــ وبعد كل التي واللتيا … اقول :
هي قطرة حياء لاغيرها
قد سَقَطتْ ،
لانك لاتحمل الحياء .
الناس في بلدي رُطَبٌ ،
رغيفُ خبزٍ ، نخلةٌ شامخة ٌ ،
عقالُ أبي ، قطرةُ ماء .
وانتَ …
إن كنتَ لاتستحي ..
إفعل كما تشاء .
ــ مَن مِنّا لم يعجّ صدره بالألم والحسرة عبر السنين الخوالي ، ومن منّا لم ينزوي بقلمه خوفا من مقص الرقيب ، ومن منّا من لم يصبح سجين حرفه ذات يوم إكراما لشهامة القلم والتزامه بالمُثل والادب الرفيع ، ومَن … ومَن … ومَنْ … والحديث يطول ، والاسماء كثر ليس لها عدّ ولاحَصر . الكثير من اصحاب الاقلام الراقية الملتزمة قد عاشتْ الغربةِ ومازالتْ ، لكنها حَمَلتْ معها هموم الوطن وتتحسس جراحه كل يوم ، وكأنهم في أتون المعركة ، يئنّون إذا أنَّ الوطن ، ويغفون إذا غفا ، حتى اصبحوا مغردين بكل ما هوجميل ، وتغزَّلوا بكل شاردة وواردة من ذرات ترابه ، رغم ما أصابهم من حيفٍ وإجحاف وضَيم ، حتى نزفتْ اقلامهم بما يرفع الرأس ــ لأن الوطن هو العنوان وهو الحضن والسقف ــ فهم مادة الوطن وسفيره وبيرقهُ المُعَلّى ، ومن تنكَّر للوطن مشكوك في شرعية ولادته .
وانت ياسعدي جئتَ بها خرقاء عنقاء ، قدَحتها ليعمّ شرّها وشرورها ، فكانت الاقلام الشريفة لك بالمرصاد ، وأطفأها الله ليتم نوره على ربوع الوطن الحبيب .
ــ فشتان بين التاج والوطن . التاج زائل والوطن خالد لن يزول .
وشتان بين مَن غنّى للتاج وبين مَن غنَّى للوطن .
وشتان بين من نغني بأحرفه كل يوم وبين من سيُلعَن كل ساعة .
وشتان بين قلم مات وهو حيَّ ، وبين قلم حيّ وهو مفارق الحياة ، فهذا هو طعم الخلود .
وشتان ين السياب وسعدي .
فعِش ايها السياب بين حنايانا ، لانك حرفٌ بار لأمتك ، تستحق الخلود .
…………………………………………
*عجزٌ مِن بيتٍ شعري لأبن الصيفي .

شاهد أيضاً

من السّيرَة الذاتَيّة للشاعر والكاتب المسرحي، العراقي الراحل: مصطفى عبدالله (1947-1989)
خالد عبد الله العلي

• ولد مصطفى عبدالله حسين العلي، في قضاء أبي الخصيب، محلة “باب ميدان” بتاريخ العاشر …

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *