قصي الشيخ عسكر : الرباط (رواية مهجرية) (3) و (4)

(3)

الجو يعبق بروائح الطبخ، في الطابق الثالث من بناية الفندق السياحي، وتتسلل إلى أنفي البهارات، وثمة تجذب نظري خضروات تكدست في السلة على المسطبة الدائرية التي أقف خلفها .. الكس كسي طبخة جديدة سيكون معي في طريق العودة على متن الطائرة قدر خاص بالكس كسي .. وعاء معدني طويل وغطاء ذو ثقوب .. ربما تجلس جنبي فتاة ما لابد ان تكون جميلة.. عاد ابن الشرق ومعه زوجة من أقصى الغرب .. حلم لست متأكدا منه يراود خيالي مثلما أعرف جيدا أن قدر طبخ الكس كسي سيكون معي!
– ماذا؟
– كس كسي!!
– ماهذا؟
– أكلة مغربية فرنسية مشهورة نحن في وادٍ والدنيا في وادٍ آخر.
– عيب .. عيب تخيّل لو هناك أكلة اسمها الزب زب!!عيب قل مغربية ولا تقل كس كسي ألف رحمة على روحك يامصطفى جواد!!
ابتسم في سري .. طبخة الكس كسي تعلمتها منذ الأسبوع الأول .. أقف بعد شهر وتحت يدي سكاكين .. ملاعق .. ملاقط، وعن بعد في مطبخ التأهيل تقف أمام دكات متباعدة فتاتان من إفريقيا ومتدرب آخر بمحاذاة مسطبتي، وكان كل منا مشغولا، بإعداد طبخة فرنسية خاصة على كل طباخ أن ينجزها بخمس عشرة دقيقة، لتكون أطباقنا بعدئذ أمام محكمين يتذوقون من كل طبق، وبين فترة وأخرى يقف الشيف الطباخ “محمد الوهبي “الذي جاء يشرف على مجموعتنا مدة اسبوعين، كان يتحدث بالفرنسية مع الإفريقيتين والمتدرب المغربي، ثم يأتي إلى حيث أقف يتأمل ما أفعله فأرى علامات الرضا بادية على وجهه وخلال فترة الاستراحة في الصالة اتخذت مكاني – شأني كل يوم- جنب النافذة .. رحت أتامل الشارع العام بسياراته ومعارضه والعابرين. منظر يشدني إليه فيشيع في نفسي الراحة:
– هل تسمح لي بالجلوس؟!
قال السيد محمد الوهبي عبارته، ووضع كأس شاي النعناع على المنضدة.
– تفضل!
– مرحبا بك ايها السيد العراقي!
– شكرا لك لكن ياللخسارة لو بقيت معنا فترة أطول!
– ياسي “حسن ” الطباخ هنا مثل الدبلوماسي لايبقى طويلا في مكان واحد أنا هنا أدربكم على الأكل الفرنساوي والاوروبي. الفرنسيون هم أهل الاتكيت. سوف يأتي شيف أخر بعد أسبوعين خبير في مطبخ أمريكا اللاتينية ومن بعد آخر على أكلات شرق آسيا أنت تعرف الطبخ الشرقي وإن شاء الله تختم المغربي والفرنساوي.
– الحق وجدت أكلاتكم مميزة بخاصة الكس كسي والطاجين ” وأضفت” قد يختلف العالم على كل شيء لكنه يتفق على الأكل. الطعام وحده يوحد الدنيا المتباينة المختلفة..
– أية طبخة شعبية عندكم؟
– طعامنا مثلكم منوع الفسنجون، والباميا، والفاصولياء، والجلفراي ولا تنس الكباب وأظنه من الأكلات الشرقية المعروفة عندكم إذ رأيت مطاعم السويقة تعتمد عليه.
– نعم ” وغير السؤال” أين تسكن!
-هنا في شارع ” السلطان” ليس بعيدا عن مكان التدريب ولا عن السويقة.
– وحدك؟
لا مع صديق آخر يعمل موظف في الملحقية الثقافية ..
مرت فترة صمت:
– والعائلة في البلد بخير. الزوجة الولاد.
– الحمد لله، أنا أعزب. وأنت؟
– عندي ولدان وبنتان.
– ربنا يحرسهم. طلاب؟
الكبيرة كوافيرة. اكتفت العام الماضي بالبكلوريا، والأصغر منها يوسف أنهى الثانوية هذا العام فرع العلوم. يطمح لإكمال دراسته في الخارج، فاشترك في منافسة على بعثة أعلنتها الملحقية الفرنسية.
وجدتها .. هاهو وقت الاستراحة يكاد ينفد وهي فرصة:
– لم لا يدرس في العراق.
– على نفقتي؟ ذلك يكلف كثيرا.
– لا سي محمد .. فقط بطاقة طائرة، لن يتكلف كثيرا، البلد فيه فرص كثيرة، شغل أو دراسة.
– كيف لم أفهم؟
– مجرد أن يقدم طلبا للجامعة .. هناك نسبة من المقاعد للعرب ثم يحصل على منحة، أنا في خدمتك وأنت رجل طيب على الأقل علمتني أشياء أستفيد منها.
رد متفائلا:
– بارك الله فيك يا سي حسن، علاش لا لكن هل أنت متأكد؟
– يا سي محمد أنا لا أخدعك.
استغفر الله ليس هذا قصدي. ” وهز رأسه بين الشك واليقين” هناك أكثر من عشرين متسابقا على -المقعد الفرنسي!
وأكدت له كأني استعرض نقاشاتي مع جمال:
-عندنا في البلد روس وبلغار .. فلبينيون .. وهنود. ومصريون ثلاثة ملايين، ومن عندكم هاجرت عوائل للفلاحة .. حتى ابنتك الكوافيرة يمكن أن تحصد ذهبا، أما سي يوسف فيمكن أن يحصل على توصية من الملحق الثقافي إلى دائرة البعثات في بغداد.
فتهللت عيناه أكثر إشراقا:
– سي ” حسن ” مارأيك أن تأتي فتتغدى معنا عطلة نهاية الأسبوع لنتحدث بالموضوع؟
وأعلن الجرس عن نهاية الفرصة فنهضنا وقال بابتسامة:
– هل أنت مستعد للدجاجة؟
مثل سيارة تفككها إلى قطع .. دراجة هوائية محشورة الأوصال في صندوق تركبها بيديك أو لعبة يفصلها طفل إلى اجزاء أما أنا .. بعد نهاية الاستراحة أزيل اللحم عن العظم .. أرفع عظما فلا أشوه الجسد .. يوم أمس تابعت شريطا عن الدجاج. كيف ألقط العظام؟ أمامك دجاجة تستل عظامها لكن عليك أن تبقي الجسد كما هو .. دجاجة كاملة من دون عظام .. الساق .. لف الساق بالملقط. ابرم اللفة واستله. مزيان .. مليح .. العمل يتطلب لكل دجاجة ساعة .. الملقط والسكين، احذروا أن تهشموا اللحم. ليبق الجلد سليما. يدي باتجاه الصدر .. ينتقل سي محمد إلى متدربة .. يتطلع في عملها ويبدي ملاحظاته. أمسك الدجاجة من فتحتها السفلى .. نعم أستطيع ذلك. أستل عظام دجاجة .. ساعة واحدة فقط .. حتى انتهى الشيف من الآخرين فجاء دوري:
– مزيان
– تلميذك
فهز رأسه، وقال:
– أنت الآن معلم، وسوف تصبح في بلدك كبير الطباخين، في أي مركز سياحي أنت؟
– في البصرة فندق شط العرب، وجزيرة السندباد!
– عال مزيان .. سي حسن يمكنك أن تأخذ الدجاجة معك الى الدار.

(4)

أما أنا ذلك اليوم فقد خرجت من مركز التدريب الساعة الثالثة .. كنت أهم بالذهاب إلى دائرة البريد .. أختصر المسافة بين الرباط والزبير بمظروف صغير .. عبارات عادية .. كيف أنتم .. بعد تقبيل اليدين .. الوالدة الحنون .. فجأة لمحت مجموعة طالبات يعبرن الرصيف الذي أقف عنده باتجاه السويقة، وعلى الرصيف الآخر لفتت نظري .. كانت تسير وحدها ثم تقف فتتطلع في واجهة محل ذي مرايا عاكسة. ازدادت نبضاتي، وارتفع الدم إلى وجنتي. خلت أن العالم كله يراني. أين هو جمال الذي صحب أكثر من فتاة إلى الشقة .. على الرغم من ذلك تحاملت .. كل الخجل .. بعض الخجل .. عبرت إلى الرصيف الآخر. تلفّتُّ مرارا كأني أظن كل المارة يتابعون خطواتي. تلاحقني نظراتهم .. يعرفون أني أهم بالحديث مع فتاة .. الذي ساعدني على أن ألتقط أنفاسي وأستعيد بعض هدوئي أنها وقفت أمام واجهة تعكس عطورا نسائية يغلب على أغلفتها اللون البنفسجي. في الثامنة عشرة إن لم تكن أصغر بقليل، ممتلئة الجسد يتلألأ جمالها بين سمرة إفريقية خفيفة وبياض متورد، كانت تتأمل في الواجهة كما لو أن بسمة ما اتسعت على نظرتها. ازدادت دقات قلبي، وتسارعت نبضاتي، من المألوف أن تسلم على فتاة في الشارع .. مجتمع منفتح .. جمال ليس معك فتزداد جرأة لكن لاتسيء الأدب انسحب بهدوء حين تراها لاتستجيب .. لا تقف كالصنم .. ألتفتُ حولي آخر التفاتة. وقلبي يهبط .. خلتني أتلعثم لكن لساني كان في لحظة التوهج تلك طليقا .. ثلاث كلمات:
– مساء الخير آنسه.
– نعم!
– مساء الخير .. الحقيقة أنا لست من البلد.
– مرحبا بك.
– كيف الحال.
انتشلتها لهجتي الغريبة عن نظراتها إلى داخل الواجهة، فاستدارت إليّ واتسعت ابتسامتها، الامر الذي أشاع الهدوء في نفسي، فتسلل ذلك الجبل الثقيل عن صدري:
– أهلا بك.
– كيفك لا باس؟
– لا باس الحمد لله.
تلاشى الشارع من أمام عيني حتى خلت أني لا أسمع شيئا مما يجري حولي .. انعزل العالم عني .. وأدركت إذ زال الخجل والخوف أنها تبدو أجمل مما رأيتها قبل أن أتجه إليها من الرصيف الآخر .. إنس أنك من محلة العرب .. انس الزبير .. والحر تمتع بجمال المحيط والنسيم وخلف الحرّ وراءك .. فما أرق جو بلد يعانق المتوسط والمحيط .. أنت تدرس في قسم الفندقة والسياحة .. فندق شط العرب وجزيرة السندباد السياحية ينتظرانك .. مؤهلاتك .. حديثك مع الآخرين .. عليك أن تكون دبلوماسيا .. تعرف كيف تصادق .. تكسب الناس ..
– أنا حسن، الاسم لو سمحت.
– مليكة.
– عاشت الأسماء!
من أي بلد أنت؟
– من العراق.
– أنت سائح؟
– بل طالب أتابع دراستي في الفندقة والسياحة.
– صار لك زمان هنا؟
– تقريبا شهرين أو أكثر بقليل.
وضمت حقيبة كتبها إلى صدرها كأنها ارتاحت لحديثي:
– كم تطول دراستك؟
– سنتين” وأضفت” إنها فرصة سعيدة أن نتعارف ما رأيك أن نجلس في مكان هاديء .. في مقهى ما لنتناول أي شيء ترغبين؟
هزت رأسها، وقالت:
– لكن لبعض الوقت فأنا لم أخبر أهلي أني أتأخر.
رجعنا ثانية باتجاه مبنى البرلمان .. ثم انعطفنا إلى شارع فرعي .. كما لو أنها تبتعد بي عن الزحام والمقاهي المعروفة في شارع محمد الخامس .. . كنت أتطلع في وجهها بين حين وآخر .. سفر غريب عجيب .. من أقصى الشرق .. إلى أقصى المغرب .. من يصدق .. هذا أشبه بحلم جميل لذيذ تذوب على حافاته المسافات، ولاحت لنا مقهى هادئة عند تقاطع الشارع بدروب فرعية:
– هنا هذا المقهى هاديء وبعيد عن الضوضاء الآنسة مدرستنا تصحبنا بعض الأحيان إلى هنا.
– أنت تعرفين الرباط أفضل مني.
وصعدنا السلم إلى الطابق العلوي حيث اتخذنا مكانا جنب حوض زجاجيّ صغير مثبت في الحائط تتراقص داخله أسماك زينة فيتماوج مع حركتها نبات أخضر في القعر:
– في أية سنة أنت؟
رفعت كأس الكابوجينو، الى شفتيها وقالت:
– بكالوريا.
أية مدرسة؟ تعليم حكومي أم خاص؟
– أنا في المدرسة الاسبانية.
ياسلام .. هنا لايفكرون بالشهادات .. أستاذة جامعية تتزوج معلما .. مدرسة عاملا .. لا شيء في هذه البلاد يعيقك .. قبل السنة الخامسة تركت الدراسة .. شهادة متوسطة؟ ثم خدمة سنتين في العسكرية .. لم تكن مخطئا يا أبي حين قلت لي بعد خدمة الجيش إن لك ضلعا قويا في فندق شط العرب من آل الخيبري .. ذلك المسؤول الكبير الذي تحدث مع بغداد .. الفندقة والسياحة لاتتطلب إلا شهادة المتوسطة .. لكن اقبل بها. أنت بعثي منذ أن حدثت ثورة 17 تموز سجلت في الاتحاد الوطني .. سجلك يؤهلك .. فلامانع من أن تذهب في دورات خارج العراق .. مدرسة الفندقة والسياحة تكتفي بشهادتك فرصة .. فعلا فرصة .. دراسة في المغرب سنتين ..
– تحبين الاسبانية أكثر من الفرنسية؟
– لأني ولدت في الحسيمة أمي من هناك .. درست المرحلة الابتدائية في مدرسة إسبانية .. وأضافت بعد رشفة خفيفة:
– في الأصل الحسيمة كانت تحت حكم الاسبان.
– يعني أنتم من الشمال؟
– والدي من الرباط من عائلة عريقة هنا عائلة “الزياني “لعلك سمعت بها، انتسب في بداية عمله موظفا في دائرة الضرائب بالحسيمة، وهناك التقى والدتي. فكانت القسمة والنصيب. ثم رجعت العائلة إلى العاصمة بعد أن أكملت الدراسة الابتدائية في مدرسة اسبانية هناك.
مرت فترة صمت، التقت عيوننا بلمحات، فكان كلّ منا يغض بصره نحو الطاولة:
– أنت من بغداد؟
لا من الجنوب. من البصرة .. الميناء الوحيد .. مدينة صغيرة تاريخية تدعى الزبير.
أول محاولة، أول حب .. تحررت من الخجل .. أمي تحذرني .. ها أنت تسافر حاول أن تجد بنت الحلال .. أما إذا رجعت وحدك، فلا تبالِ بنات عمك كثر، وإني لأعجب من جمال كيف يبدل الفتيات كل أسبوع .. أكاد أملك الدنيا .. محلة العرب والذكرى القريبة تنبسط أمامي، وهاهي الرباط تمنحني هدوءها وجمالها .. فاشتم عطرها الذي يخفق إلي من مليكة، فينقلني بعيدا الى عالم جديد.
وتطلعت في ساعتها:
– هل أراك وقتا آخر؟
– دع ذلك ليوم السبت؟
فنهضنا على أمل لقاء آخر. كانت النشوة تجرفني فتمحو من ذاكرتي كل شيء حتى كدت أنسى بل تناسيت الرسالة التي كنت سأبعثها إلى البصرة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

يونس علي الحمداني: رحلة بحرية

عِندما نكون في البحرِ السّماءُ أجمل والدُنيا مِرآةٌ عميقةٌ تعكس أسرَار الزرقةِ وزرقة الأسرار.. عِندما …

أصواتٌ … بداخلِ الصَّمت
حسن حصاري / المغرب

كثيرا ما أضِيع … وأنا أفكرُ في الكِتابةِ اليك، وسَط سُطورٍ لمْ أكتُبها بَعد. أدركُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *