أ. د. نادية هناوي سعدون : اختراق حجب اللغة في خطاب الذات للاخر ؛ قراءة في المجموعة الشعرية (حوار بنصف بوح)

*ناقدة وأكاديمية من العراق

المدخل /
أن اللغة بوصفها صوتا للكينونة” أداة المعرفة الأصلية والتواصل الحقيقي” ،وقد راى الفيلسوف الالماني هايدغر ” ان ليس الانسان هو من يصوغ اللغة من اجل السيطرة على الاشياء بل الاشياء هي التي تتبدى من خلال اللغة. ان اللغة هي صوت الكينونة ”
اما الناقد الايطالي امبرتوايكو فذهب الى ان” الإنسان هو اللغة التي يتكلمها ذلك ان الثقافة ليست شيئا اخر سوى انساق العلامات فحتى عندما يعتقد الانسان انه يتكلم فانه محكوم بالقواعد التي تحكم العلامات المستعملة فمعرفة هذه القواعد تعني معرفة المجتمع ولكنها تعني ايضا معرفة التحديدات السيميائية لما كان يسمى قديما البنيات الذهنية اي التحديدات التي تجعل منها فكرا ”
وفي مجموعة الشاعرة د. ناهضة ستار المعنونة ب( حوار بنصف بوح ) تخترق حجب اللغة مشتملة على ستة وعشرين نصا شعريا تؤطرها هالة رمزية من الثنائيات المتضادة اهمها (السفر / الحل والحضور / الغياب والاسئلة / الحوار والصمت / البوح والانا / الاخر)..
ويعبر الصوت الشعري في كل نص عن كينونة الذات بوصفها اسما مؤنثا ونسقا معرفيا ظل مهمشا في حضرة السائد النسقي الممثل بالابوية بوصفها المؤسسة التقليدية التي طالما اعتدت بتأريخها العريق الضارب في القدم.
وقد أفادت نصوص المجموعة من جماليات المرجعية التراثية رغبة في تأكيد النزوع المتنامي نحو مقاومة الواقع وامتلاك الحرية والمساواة وتأكيد الانتماء.
وقد شكلت بنية العنونة الرئيسة للمجموعة (حوار بنصف بوح) بوابة الولوج إلى المتون الشعرية أكثر من مجرد كونها عتبة للوفاض داخلها .
اولا/ الذات مهادها الاخر
(الحوار) بوصفه اسلوبا للتخاطب الكلامي بين طرفين يتوازيان في انتاج الفعل الكلامي الاول هو الذات التي تحاول ان تتشبه بالاخر كنوع من الثقافة الضدية التي تنتهجها وتلتف في كنفها؛ والطرف الثاني هو الاخر ..
و( البوح ) لا يكون بحوارية خارجية مباشرة بل هي حوارية اتخذت شكلا خطابيا داخليا وصف بانه بوح ناقص ( نصف بوح) كمفارقة حوارية فعلى الرغم من ان الانجاز الخطابي يبقى ناقصا لا يبوح بكل ما عنده الا ان النتيجة التي يحققها هذا البوح الناقص تكون توصيلا كليا وما بعد كلي بمعنى ان الذات قالت وما زالت تقول ولديها ايضا ما سوف تقوله..
ثم تأتي كلمة (شعر) مكملة للعنوان الرئيس( حوار بنصف بوح) لتجعله محيلا على تأسيس اجناسي محدد وفي اطار صياغي مخصوص هو الشعر .
ويشكل الاهداء عتبة نصية متممة لحاشية البنية الافتتاحية فيغدو طرفا الانتاجية الشعرية (الانا / الاخر) ممتزجين في كينونة جنوسية ازدواجية مسائلةً وقلقاً حلماً وحقيقة جزءاً وكلاً وقد جاء الاهداء على النحو الاتي:
انساني المفهور بالاسئلة
حين امطره الكلامُ
بين عباءة حلم يتوالد
ومنصة قلق لا يهدأ
والى
تقى
بضعتي الكل
وقصيدتي الاحلى
ويتضح من افتتاحية العنونة الرئيسة واستهلالية الاهداء، المسرب الشعري الذي ستتقاسمه نصوص المجموعة كلها، ليتوزع فعل القول بين الذات القائلة بمباشرة وصراحة والاخر المتلقي المستمع بفضول وغموض ومخاتلة ..
والسبب ان البنية الشعرية ” هي نسق مكون من تقابلات واختلافات فهناك ما هو ملائم ولكنه لا يعود الى طبيعة العنصر، بل يتعلق .. بنسق الغياب والحضور اللذين ينظر اليهما باعتبارهما قيما ممتلئة او فارغة لا تاخذ بعين الاعتبار الطبيعة المادية للعناصر المسؤولة عن ميلاد هذه القيم ”
وهذا الاخر ليس شخصا او اشخاصا، بل هو في هيأة ذات لها بعد رمزي يترشح من نزوع ” رومانسي لا يرغب في تسجيل مشاعر الاخرين واحاسيسهم فحسب وانما هو درامي في استخدام ذاته الخاصة صفحة حساسة ليمسك كل ما هو حركة جزيئية او روحية للعالم الخارجي ”
ولم يعد كلام الذات سواء أكان حوارا أم أفكارا أم سؤالا، دالة فاعلة بل هو ايضا مثيل الاخر وشبيهه او لعله ايضا نقيضه من منطلق سيميائي يرى ان ” كينونة المرء لا تتحقق الا من خلال القدرة على القول لكن هذه القدرة تعتمد على استخدامك نظاما تمثيليا (اللغة ) يسبق وجودك وهكذا فان عرضك لافكارك ..تتاتى فقط من خلال اللغة التي تسبق دائما وجودك وعليه فانك حال نطقك تكون اصلا منطوقا او مكتوبا مسبقا . وهذا الوضع يجعل الوعي الذاتي نفسه مخترقا من الخارج اي ان الذاتية النقية ليست نقية لان الاخر الغريب قد دخل مسبقا جوهر بنيتها ”
ويطلعنا العنوان (رداؤنا الضوء) مشتملا على حضور طرفي القول كمتكلمين بضمير ال( نا ) أحدهما يكمل صورة الاخر وان الحوار بينهما لم يبدأ من نقطة البداية.. وتؤكد علامة الحذف (…) التي سبقت السؤال المكرر باداة الاستفهام (ماذا) ان هناك كلاما سابقا قد حُذف :
..وماذا بعدُ ؟
أم ماذا يظل ؟
أ كل الكون أسئلة وحل ؟
وفي ذلك الاشتغال السيميائي ما يؤكد ان النص قد اتى ” استجابة لاشكالية الهوية وتعزيزا لدورها وقوة حضورها الذاتية والموضوعية وعلى الصعيدين الابداعي الفني والثقافي الحضاري”
والجواب على الاستفهام يأتي على هيأة سفر وضوء وقدر ونخل ومن ثم تتمادى الذات في تتبع اسئلتها تلك بسؤال اخر (فماذا بعد) ؟ ويتضح ان الجواب يكمن عند الاخر / المسافر الذي لديه مفتاح الحل والعقد فهو البوصلة التي سترشد الذات الى وجهتها ” وبذلك تتمكن الجملة الشعرية ان تسند الى الفاظها وظيفة يعجز معنى الالفاظ عن ادائها ” :
يا سفر المرايا وهو البوصلة
الى عينيكَ ..بوصلتي تدلُّ
والبوصلة دالة مكانية تحيل على تلك المسافة الحيوية بين الرجل والمراة وتنطوي ايضا على حقيقة وجود فاصلة بينية يتمظهر فيها المكان مركزا والذات هامشا
ولان اسئلة الذات لن تجد اجوبتها الا في الاخر لذلك ياتي تكرار الخطاب ( الى عينيك ) محيلا على الانا التي تبوح متوارية خلف بوح الاخر وهذا ما يجعل الانا مستفزة لتعود الى مجرى الحوار كفاعلة تناصف الاخر الفعل الكلامي الذي ينقصه البوح الكلي :
الى عينيكَ ..انهضني فاغدو
سماءك ايها القمر الاجلُّ
مزارك موطني في كل حين
يراودني على قلق فاتلو:
قيامة دجلتي .. ونشيد جرح
يؤثث غربتي ..وهواك نبلُ
واجراس الطفولة رممتني
فنام البحرُ
وتمسي المؤنثات (الغربة واالطفولة ودجلة) وكأنها فواعل مؤثرة في المذكرات (هواك والبحر والنشيد والقلق) وينتج من تلاقيهما الوجود ممثلا ب(حقل وماء) وهذه الكلمات المؤنثة والمذكرة معا “يمكن النظر اليها احيانا باعتبارها مؤشرات واحيانا اخرى باعتبارها ايقونات واحيانا رموزا وذلك وفق الظروف التي تتبدى فيها وكذا الاستعمال الذي تمنحه اياه الدلالة ..”
واذا كانت الذات حاضرة بكليتها فان الاخر موجود بجزئه (اليد) وكليته ( الاهل) ليتحقق الاحساس بالامان :
فينبت في صحارى الروح حقل
وصار الماء خارطة ..حضورا
فتوجدني
كأن يديك اهل
ولاجل ذلك تتقاسم صيغة الذات/الاخر على الصعيد الكتابي هندسية البناء النصي فمثلما ان الذات جسدتها (قصيدة التفعيلة) فان الاخر سيجسده الشكل العمودي ويكون مدار القول الذي تسعى الذات الى استدعاء الاخر اليه هو الرغبة في الامان :
تغازل غربتي يا سكن روح نسجت ملامحي من الف لوح
تهدهدها هوى فالروح طفل كأن مسلتي للناس غزل
والذات عائدة دوما الى طرح الاسئلة الباحثة عن اجوبة او حلول مما لا تتوقع ان تجده الا عند الاخر قلقا وسكنا لعلها تكمل كينونتها :
ففي كل الجهات ارى طريقي واسئلتي لها سفر وحل
كأنك صورتي نبضا فنبضا اكونك دائما قلقا يظل:
يساكنني فابتكر التجلي وابحر هادئا والموج يعلو
لاعتقني مرار كي اكني لذلك كنتني قدرا يجل
والرغبة في الاحساس بالكينونة يجعل الذات تبوح بما هو مستور وخفي لتعلن حبها على الملأ وهي في ذلك غير تابعة ولا راضخة؛ بل هي حاضرة بقوة بوحها وعلو اسئلتها مرة وباستقلاليتها مرة اخرى كونها تعلم ان كينونتها في الوصل هي كينونة الآخر في التيه :
احبك ..واحدا من ألف جرح فهل طعم لحنظلتي سيحلو؟
احبك هكذا صمتا نبيا يؤثث غربة الاسماء فعل
واعلم انني وصل لتيهي فهل تيهي لما تبغيه وصل؟؟؟
وهذه العلامات الاستفاهية الثلاث هي تعبير ضمني عن بوح خافت يراود الطرح العلاني المعروض واذا كانت الذات في مفتتح النص مهيمنة، فإنها في منتصفه ستأخذ بالتراجع لتمنح الاخر موضعا للظهور فاعلا ومساعدا ودليلا :
انني ارتكبت غواياتي
..
القيت احرازها في جمر منعطف
اذ هكذا نطق الانسان في حدقي
..
يا روح اسئلتي
الاولى وما حملت
وفي نص ( روح اسئلتي ) نلمح الهاجس النفسي في النزوع المؤنث نحو حالة التوازي مع الاخر ” ولعل احدى ابرز الظواهر التي لازمت الفكر النسوي في بواكيره الاولى الوهم القائل بالتماثل اي ان تصبح الانثى حرة بمقدار محاكاتها للذكر وهي فكرة سرعان ما واجهت نقدا في الادبيات النسوية حينما تبين ان الهدف لا صلة له بالتماثل انما الاختلاف المانح لهوية الانثى ” ولان البوح الذاتي مرادها والاخر هو توأم روحها لذلك لم يعد هناك سؤال مستحيل الاجابة :
والمستحيل مرايا غادرت نفقي
اياك اسال قلبي والمدى صور
تطالع الغابة السمراء في غسقي
الرؤية الانثوية للعالم “تكون المراة مركزها فيتشكل العالم من منظورها وذلك يقتضي اختيار لغة خاصة تعتمدها في تمثيل نفسها وعالمها ولكن لا يقصد بالهوية الانثوية وبالكتابة الانثوية الاقتصار على ذات المرأة فقط انما زحزحة الهيمنة الذكورية المتغلغلة في الثنائيات المتضادة السائدة الرجل/المراة العقل /العاطفة القوة /الضعف اذ تضفي الثقافة السائدة قيمة اعلى على الطرف الاول من تلك الثنائية وتخفض اهمية الطرف الثاني” والذات غابة ونسق والاخر عصافير وغسق واذا هي النزق فانه هو الغزل واذا هي الوجع فان الاخر هو المدى :
كنتَ العصافير فيها والندى غزل
حتى كأن المدى يمشي على نسقي
وفي قصيدة (مدحة مؤجلة) تراود الذات الاسئلة بوحا لتجد عند الاخر الاجابة واذا هي تاهت في عالم غريب فان الاخر هو المرسى لاجنحتها وهو النبض لاخيلتها :
لا تاريخ يكتبني
ولا حصاة
تلم الريح عن شفتي
لا اغنياتي التي بالامس
تسمعني
والبوح سلاحها الوحيد الذي سيوصل الذات الى حل اسئلتها بعد ان اتى الماضي بلا اجابة فغدا التواري والادمان سمات مؤسلبة لولع الذات وتوقها الى البوح :
كل الذي قد أتى
يأتي بلا قمر
ولا سؤال
توارى خلف اسئلتي
ادمنت اسئلتي أدمنت خيبتها
ادمنتني قلقا
في صمت ازمنتي
وتوالي الادمان يقترن مرارا بتوالي الاستفهام الذي تطرحه الذات كجزء من توقها للبحث عن الحقيقة فتستفز الاخر موقظة فيه الهمة بوصفه بحرا تسافر فيه اشرعتها وحلما سيستيقظ على اسراب اجنحتها :
ماذا على الريح
لو قالت حكايتها؟
ماذا على البحر
لو اسرى بلحظتها
..
ماذا على الحرف
لو اعطى نبوءته؟
هيا اسكب البحر
تيجانا واضرحة
واستنتج الفرق
في اسفار اشرعتي
وهذا الاصرار يدل على” ان هوية الانثى قيد التشكل فقد تمضي المرأة احيانا في ممارسة دور اصلاحي .. ولكنها غالبا تخوض تجارب كثيرة فتواجه بعزوف الرجل عن تقدير ما تقوم به فقوة النسق الثقافي في مجتمعها التقليدي جعلها تعيد تكرار تجارب اسلافها من النساء وبين هذين الاختيارين تندرج الاختيارات الاخرى بين رفض معلن او مضمر ”
وتستكمل قصيدة (ارجوحتي) القصيدة السابقة (مدحة مؤجلة) كونها تحاكي الاخر من المنظور نفسه اي بوصفه مكملا للذات، فاذا كانت هي المبادرة بالبوح اسئلة فانه هو المتصدر للبوح اجوبة في فضاء من السفر والارتحال وفي زمان من الطفولة والقيامة واذا كانت الذات تفاحة وارجوحة ومسبحة فان الاخر هو الحقل والكف والاطمئنان :
فتهزني ارجوحة في كفه
..
وكأن موطننا تغير فجاة
اضحى مسبحا يستفيق وطمأنة
..
تفاحتي قدر
رفضتُ سقوطها
صوب النهار فاورقتني الانسنة
..
اولستني ارجوحة في كفه
تشتاق الهتي غبار الشيطنة؟
ويبقى الضباب مخيما على الرؤية البصرية فيتعطل امام الذات المسرى ولا تعود البوصلة الا اسى وعتمة وفي غيابها غياب المعنى الذي هو الحل لتتوضح المسارت والمعنى كلغة حرف غياب تحاول الذات استحضاره بوحا لحكاية.:
يتجدد المعنى ولكن دوما
لغة تضيء
غيابنا في العصرنة
وهو ايضا قيدٌ تحاول الذات مقاومة أذاه صراعا واذا كان انتصار المعنى هو انتصار الذات، فان ذلك يعني تحقق وجودها. نقرأ في نص (لبغداد لكن بلسانها) :
اقوم احتضارا لا تموت طلاسمه
ولا ترتدي
حرف الغياب عوالمه

ا بوح الذي افضت سماه حكايتي؟
..
لعل الذي ياتي
يكون خرافة
يقول بها معناي قيدا اقاومه
فينتصر المعنى
بنبض ملامحي
جنوبا عراقي الجراح اقاسمه
وتحقق الذات انما تتاتى من ان الشاعر المعاصر ” يتمثل الصورة كاملة فترتبط في رؤياه هذه العناصر ارتباطا عضويا يجعل الصورة كلها تفرض لنفسها وجودا خلال منطق الخيال هو اكثر واقعية من الواقع نفسه شأنها في ذلك شأن الاسطورة القديمة ”
ثانيا / مرآة الذات نرجسيتها
تشير الادبيات النفسانية الى ان الذات تمر بمرحلة عمرية هي مرحلة المرآة وتعني ” ان الانا في تأسسها تنغمس في المتخيل لتتوهم انها كل متكامل ومصدر هذا الوهم ليس سوى تجذر الانحراف المعرفي والتطلع الى هيمنة كاملة على صورة الجسد لكن المفارقة تكمن في ان وحدة الجسد ذاتها تأخذ شكلا مقلوبا ومنفصلا عن الذات فالصورة ليست هي الحقيقة وانما مجرد انعكاس وهنا تبدأ عملية مستمرة من انتاج الذات”
وفي نص (قيثارة سفر) نجد الذات ترى صورتها في الاخر مسافرا والذات تبحث عنه باسئلة تطرحها بلغة تبوح فاتحة اسوارها للانسان المنذور لوطن قصي غير دان فكأنَّ السنبلة غدت قيثارة واللغة حنظلة :
هل جئتُ اذكرني ـ سهواـ لانساني؟
هل جئت اسئلة في بوح شرنقة
..
هل جئتُ اسأل هذا الماء عن لغتي؟
..
تحنظلت لغة في تيه اوطاني
أيـــا فرات الهوى المنذور
سنبلةً
غنّت بمفردها : إن الصدى ثانَ
وتتحول لغة الشعر الى صور صوتية فهي الصدى والقيثارة والشدو والبسملة واذا كان العنوان في دلالته السمعية والمكانية يجمع القيثارة بالسفر فان الذات في حزنها وغربتها تبقى بحاجة الى الانسان البوصلة بالفعل يبوصل وعندذاك ستبدأ رحلتها :
سابدا الان
لكن دونما لغة
تختار معجمها من طين احزاني
او نخل غربتها ..يا حلو هداته
يبوصل الوجهة الاقصى
وينساني
والذات تفتقد طفولتها لانها وحدها القادرة على حل الالغاز وتقديم الاجوبة لاسئلة وجههتها الذات لنفسها مرارا ولكن ما الفائدة؟ وكل شيء آيل الى التحول والتغير وان الخراب حاضر:
سأبدأ الآن
لكن دونما لغة
تختار معجمها من طين أحزاني
..
يا ليتها بقيت تتلو معاجزنا
تلك التي عجزت عن شرح فنجان
او فك طلسمة قامت تؤولنا
وعلى الرغم من ان العنوان يحيل على متخيل وهمي (قيثارة سفر) الا ان المتن يحيل على حقيقة واقعة تصر على البقاء ليغدو ما هو بارد بركانا وما هو حنين حزنا :
نعم سأبقى هنا
قيثارةٌ سفرٌ
تتلو قبائلها اقنوم كثباني
او ربما كبرت شهقات فكرتنا
ضلعا فضلعا
فصرنا جسم بركان
يرمي بابرد من نخل الحنين هوى
حزينة شمسه
لكن… بالوان…..
وتقول في نص قيثارة سفر :
وتؤدي الذات في قصيدة (توأمة) دورا مركزيا يهيمن على ساحة القول لتمسك العصا من طرفها مضحية بالاخر منزويا ومهمشا وما هذا الا بسبب نزقها وقلقها ومشاكستها للاضداد لتتحمل تبعات البوح وعدمه وهي ايضا مالكة لزمام الافعال الكلامية لا تسمح للاخر ان يشاركها عنفوان الحوار متخذة من الفعلية المضارعة مجالا رحبا لابداء شموخها المستمر عطاء والمتدفق إلهاما :
حطت على ورقي ايقونة النزق
اذ ايقنت انها تندى بمحترقي
وتعلم النار
تدريني اشاكسها
اذ انها توقظ الاضداد في ورقي
ويتعالى صوت الذات في البوح الذي هو توأمها ليسافر معها مشاطرا آلام ( الوجع، القلق، الارق، الحنين، الجمر، الغيم ) ومن ثم تلتئم الذات في بوحها ككينونة واحدة باحثة عن ( نبض سنبلة او مطر او صوت او خارطة) لتغدو البوصلة كمعادل موضوعي للاخر الذي سيهدي الذات الى طريقها لتجد الاجوبة لكل اسئلتها :
سكنتَ بينهما ..صوتا وخارطة
تبوصلتْ اثرها تعويذة القلق
ها قد اتيت وتاريخي بلا سفر
وتعاود الذات طرح اسئلة بأدوات استفهام تتوالى انثيالا : من انا ؟ او لستني ارجوحة في كفه؟ الى متى ؟ ولا بد بعد هذه التساؤلات ان تعثر الذات على الاجوبة :
وتعطل المسرى ببوصلة الاسى
فتقضّ اسئلةَ اليسار الميمنةُ
ونشاكس المعنى لنبتكر الصدى
وتشيخ اغنية
لتحبل مئذنة ..
يتجدد المعنى ولكن دوما
لغة تضيء
غيابنا في العصرنة .
ثالثا /الذات سؤال والاخر جواب
اذا كان العنوان يمثل ” عتبة موازية لعتبة العنونة بجناحيها الكلي عنوان الديوان والجزئي عنوان القصيدة بما تحمله من خصب وتكثيف دلالي نوعي ..يفتح مجال التصوير الشعري على حساسية ثقافية حضارية تلتقي فيها الازمنة والامكنة ” ؛ فان في قصيدة (حوار بنصف بوح) تحضر الذات بتمركزها النرجسي والاخر بتعدده ولا هيمنته ليؤكدا هواجس الذات القلقة التي هي دوما تائهة ضياعا.. والقصيدة هي بنية لغوية فيها الكلام دالة لأفكار غير معلنة :
كلامك الضوء
يهديني فاعتنق
هلا أقمت صلاتي .. والمدى قلق
أني على قلق
يفضي إلى قلق
لا يستكين ولا .. اني ساحترق
تاريخ أسئلتي يحتار في شفتي
أنى لها البوح
يا شمسٌ … ويا أفقُ
لا أحسن البوح .. أسمائي تبعثرني
ويعكس تكرار لفظة (القلق) الرغبة في التعبير والبوح كجزء من الصياغة الشعرية الحوارية القائمة بينهما ولولا هذا الاحساس لما اتخذت هذه القصيدة عنوانا رئيسا للمجموعة كلها.
ويصبح لتبادلية السؤال/ البوح حضور واضح ( تاريخ اسئلتي .. انى لها البوح .. لا احسن البوح ..يعطي لاسئلتي ..اعتقتُ اسئلتي.. ) وما ذلك الا لكي تعرف الذات حقيقتها لعلها تجد لقلقها نهاية ولسفرها مرفأ ولأرقها نوما (تأرقت لحظة الاشراق في دمنا ) ودليلها طريق تسير فيه عارفة وجهتها وهي في كل ذلك تبوح بحاجتها الى وطن دستوره الحب :
طفل يهدهدني .. ما زال يقلقني
انى ينام
ونبض الماء يحترق
احتاجك الان ..
اوطانا مسالمة
….
احتاج خارطة ..نبضي يصممها
وتستدعي الذات اسطورة العشق عشتار واسطورة العبق بلقيس التي عرفت طريق الحقيقة.. لتتوسل بهما علها تساعدها على بلوغ الاجوبة الا ان البوح الان يخاتلها ويتوارى منها فتخذلها اللغة :
عشتار اغنية
تتلو مراياي ان اسرى بي النزق

كلامك الضوء
ادري انه ملك
يجتاح مملكة بلقيسها العبق
يعطي لاسئلتي مفتاح بهجتها
..
اعتقت اسئلتي
..
نعم اسيرة حرفي دائما لغتي
تداهن الوقت في سري
وهي تلقي باللائمة على اللغة التي لم تسعفها على البوح فاللغة ليست” الا بديلا مقننا للتجربة نفسها والتواصل اللغوي يفترض عمليتين متقابلتين احداهما الترميز ويسير من الاشياء الى الكلمات والثانية فك الرموز ويسير من الكلمات الى الاشياء” ، والاسر والعتق والسر والعذر والشمع والمحبرة والصحراء والغسق تضادات قولية تعكس احساس الذات بالعجز والاصرار معا والعشق هو العزاء كونه شمسا ومحارة ورياحا ودجلة وطينا :
اذوي انتظارا على شطيك
يا حدق
لكن لي املا لملمت غربتي
..
رياحي سوف تتفق
..
عشقي
محارة طيب اغلقت فمها
كأنها الشمس تهدي وهي تحترق
بلا جسد دوما سيكتبني
وفي القصيدة الممسرحة(اشبه شيء بي) تعاود الذات ممارسة دورها الدرامي لتكون بطلة البوح الذي يتشكل على هيأة اسئلة باحثة عن بوصلة تهديها الى الاجوبة، وتبدأ القصيدة الممسرحة بمشهد يخاطب فيه احدهم الاخر:
ـــ كن صوتها الغافي على صمتها
والمسكن المأهول بالاسئله
والتضادات التي يحملها بوحها الافتتاحي يكشف عن عنف الاسئلة التي تراودها فالصوت والصمت والمسكنة والغيم والغيب تتوالى مع توالي ادوات الاستفهام (هل كان؟) :
مسكونة بالغيب كي تسأله :
هل كان في اسمائه فسحة
للفجر والاسفار والاخيلة؟
هل كان يدري اننا مثله
جهاتنا ضيعت البوصله؟
رابعا / تعادلية الكينونة والشكل الشعري
لما كان النمط الشعري العمودي من تراكمات النسق المعرفي للذاكرة الفحولية فان نصوص المجموعة تميل الى تغليب البنية التفعيلية على حساب البنية العمودية أو دمج الشكلين معا في دلالة على تفاعلية شكل القصيدة المعاصرة وشكل القصيدة المعتادة جنبا إلى جنب قصيدة النثر والقصيدة القصيرة وقد تجمعها الشاعرة في نص واحد كما في قصيدة حضوره في الغياب اذ وظفت الشكل العمودي ثم دمجته بقصيدة التفعيلة ثم قصيدة النثر الممسرحة .
وفي نص (رداؤنا الضوء) تبتدأ بقصيدة النثر ثم تتحول الى الشكل العمودي وكأنما هي تسعى الى منح نصها شكلا معصرنا يقارب قصيدة الشعر ليجمع التراث بالمعاصرة وما ذلك الا لكي تؤكد تكافؤ صوت الذات مع صوت الاخر. والمفارقة أن هذا العمل قد يجعلها أسيرة الكتابة ففي نص (حوار بنصف بوح) :
أعتقت أسئلتي
لكنها وقفت
بيني وبيني .. وهذا التيه مفترق
نعم أسيرة حرفي دائما لغتي
تداهن الوقت في سري
فانعتق ..
والقصيدة ليست اسيرة الحرف حسب بل الذات نفسها اسيرة اللغة ولا غرو أن هذا التوجس من اللغة يدفع الذات إلى تجريب التقانات الاشارية كاستخدام نقاط الحذف والفوارز وطبيعة تقسيم البياض مع السواد أو تزيين الكتابة بتعالقات تناصية بسطر نثري أو عبارة مأثورة أو تحديد أسماء الشخوص الذين تقصدهم بالكتابة لتشكل بنية متوافقة وليست مخالفة لأفق توقع القارئ والغاية هي جعل فضاء الورقة حاملا لمزيد من الدلالات والمعاني وهذا ما نلمسه في نص في رؤيا الكلام :
ـ اسمي
غياب التيه عن افق النخيل
اني بلا خمر ساعتق غيمتي
احبو على قمر الذهول
واصرخ النجم الحزين
و..يا..ويا…
في اينا سكن البديل؟؟؟؟
ولا عجب ان” القصيدة شيء مكتوب وهي تتظاهر بانها منطوقة وهي بهذا تعطل كقاعدة عامة لاستراتيجية الخطاب” ، لذلك نجد ألفاظ البحر والعمر يولدان تيه الذات في عوالم اليقظة في نص (مدحة مؤجلة) :
تسمو مراسيك أن غنت بأجنحتي
وأوقدت نبضها في شمع أخيلتي
طيف على التيه
لا تاريخ يكتبني
ولا حصاة
تلم الريح عن شفتي
ولما كان ” كل نص قابلا لان يحلل الى وحدات دنيا وما يمكن اعتماده مقياسا اولا نميز به بين العديد من البنى النصية انما هو نمط العلاقات التي تقوم بين هذه الوحدات المشتركة الحضور” لذلك يأتي البحر ليسكب موجوداته تيجانا وأضرحة ولتستنتج الذات الفرق في حقيقة أسفارها أما الهدف فهو :
كي يستريح على قيد من الدعة
إيقونتي …
وتر غنيت يقظته
وتبقى الاسطر متداعية في خضم علامات لغوية وصور تخييلية هي عبارة عن مرآة الذات ومصدر الهامها لتندس في تضاعيفها كينونة تلك الذات .
وتختصر دلالتا ( القلق والسفر ) هواجس الإبحار الشعري إذ أنهما تجعلان الذات الشاعرة هائمة بين ارض وبحر الارض بثباتها وانتمائها والبحر بتلونه ولا انتمائه نقرأ في قصيدة ( رداؤنا الضوء) :
ففي كل الجهات ارى طريقي وأسئلتي لها سفر وحل
كأنك صورتي نبضا فنبضا أكونك دائما قلقا يظل :
يساكنني فابتكر التجلي وأبحر هادئا والموج يعلو
وبذلك تتلخص غربة الذات من قلق روحها المكترثة بطرح الأسئلة والتي تدفعها إلى السفر في غياهب المجهول لتبتكر التجلي واجدة طريقها متسائلة: فهل لتيهها وما تبغيه وصل؟
وبالنسبة الى الذات فان السفر على أشكال فهناك (سفر المرايا وسفر الضوء وقيثارة السفر وسفر اللارجوع وتاريخي بلا سفر وتفاحتي سفر وللفجر سفر والأسفار أخيلة وللريح ذاكرة يغتالها السفر وكن هكذا سفرا لأندلس ترى وسفر البلاد مرايا) ..وتبقى الأسئلة سفرا من نوع اخر انه سفر المعرفة اللامكاني، ومن ذلك هذا المقطع من نص ( أرجوحتي) :
تفاحتي سفر وحقلك أزمنة
وطفولة المعنى..
وحفنة أمكنة
وتشغل الطبيعة في بنية كل نص شعري مكانا مميزا فهي توأم الروح وهي العشق الذي يحولها إلى وجود مؤنسن نقرأ في نص (تؤامة) :
كنت العصافير فيها والندى غزل
حتى كان المدى يمشي على نسقي
وهي تحتفي بالماء لانه يتيح لها الانتقال عبر الاشياء تقول في (بسملة المياه) :
الماء عشق صامت.. بك يفضح
قل ما تشاء …
الجرح عنك سيشرح
وتتكرر الثنائيات المتعالقة مع ثيمة الماء من قبيل (الغيوم، خضراء ، تتقرح ، النزف ، الدماء ، يموج ، يسبح ، ضفة ، عطش) أما الندى / النار فيبقى ثيمة تعادلية للانا كنوع من التوأمة الخلاقة :
إذ أيقنت إنها تندى بمحترقي
وتعلم النار
تدريني أشاكسها
إذ أنها توقظ الأضداد في ورقي
وتتحاور الذات في قصيدة الشعر (في رؤيا الكلام) مع نفسها شاكية لها الغياب والحزن والحنين وهي تبدأ منادية اسمها كنكرة في ظل الطبيعة الارضية (النخيل والغيم) والطبيعة السماوية النجم والقمر باحثة عن الاخر البديل الذي فيه الحنين والاكتفاء :
ـ اسمي
غياب التيه عن افق النخيل
اني بلا خمر ساعتق غيمتي
ثم تعود الى الاخر البديل طالبة منه ان يكون شذا لتدمنه عطرا لا لونا فيكونان شكلا واحدا ولذلك يتحول الحوار من لغة المتكلم المفرد الى لغة المتكلمين :
انا سنختصر التراب
من قبل ان تتزاحم الافلاك في ميراثنا
وتعود الذات من توحدها مع البديل الى توحدها مع نفسها وهي ترى الكون مرآة في زمن اتى وهي ستكون ظلا ومئذنة اما البديل فسيكون بحرا بلا نهاية :
لن يدعيني غير مئذنة
تلم البحر عن لغة الافول
اول رؤاك مناسكا
فالحرف خارطة الوصول
والاخر في قصيدة (هوامش تقترح) غيمة تناديها الذات وتتجلى تارة كقمر الغياب وتارة كاغتراب الازمنة واوصافه مؤسلبة فهو(ساكن خارج الذات لذلك تناديه يا خارجي وهو حلم وسر وغياب وقلق واخيلة وغابة وحصار اسئلة)
وتعود الذات الى دوامة الاسئلة لا بصيغة مرمزة ومتوارية بل ببوح ظاهري ومفارقة فنية وهي الان تطارح ذاكرتها مسائلة اياها عن اسئلتها فنقرا في نص (ذاكرة الاسئلة) :
للريح ذاكرة يغتالها السفر ظل من الغيم يلهو بينه المطر
فالمطر يحقق الحضور والسفر يحقق الغياب وبين الحضور والغياب تنثال عناصر الطبيعة مانحة الذاكرة شكلا رمزيا غامضا يحول مؤقتا دون ان تطرح الذات اسئلتها ويمنحها ولوجا في فضاء مديد فسيح ( طريق وقيثارة وطين وعناقيد وشناشيل وصحراء ) وهذه الالفاظ المكانية تؤكد ولع الذات بالمكان ارضا وسماء :
سؤالها الازلي الصحو يختبر
لاي بحر
يصلي وجهه القمر؟
لاي ذاكرة
يرمي بنا المطر؟؟؟
وفي القصيدة العمود (لحظة في التوحد) لا نجد الاخر بديل الذات بل هو الذات عينها وهي تراه انتسابا ومرايا وفيضا ونسيجا وهو لم يعد نسقا يعيش خارجها وطبيعة بعيدة تناديها خيالا ولكنه في الاحوال كلها يبقى متميزا باوصاف الامتلاء فهو غيم يفيض على الايام وندى وبحر ومطر اما هي فتزداد انتسابا وانتماء لتغدو الحياة مكتملة بطرفيها مشكلة امة :
قاموسها امراة
تنساب وحيا
وهذا الاحتمال ابُ
ويعود الاخر في قصيدة العمود (عيونك المرسى) نصا خارجيا وسياقا مجسدا في هيأة مذكر باوصاف تفارق فيها الذات عادتها في التواري والمهادنة لتعلن هذه المرة انها صريحة وواضحة لا تعبأ بالمكاشفة ولا تخشى المواجهة بالحقيقة:
سموت على جفاف الوقت نفسا فاهدتك الحياة رؤى وشمسا
وحاورتَ الفناء بلا شبيه فاورقت النبالة فيك غرسا
وهذا الموصوف بالنبالة والعشق والمهابة تجلت فيه سمات الرجال الاكفاء فغدا مثالا ترسمه الذات وردا وجنانا ورؤى ومرايا :
تجليت الرؤى فاضت بوجد تلم الوعد في عينيك حدسا
سموت بصورتي ولعا نبيا سموت مقدسا جسدا وحسا
سموت وهكذا تسمو المرايا على طول المدى القا ودرسا
والذات لا تنفك تعاود اسئلتها محاورة نفسها والاخر معا في معادلة طرفاها (اليباس/ الارتواء) بين صحارى ورمضاء وسفر وعطش وغسق وترحال مقابل المطر والعيون والغرق وافياء وسحب وزلق وابحار واخضرار وريحانة :
اعذاقنا قرات في بحرهم عطشا ونحن نبتدئ الابحار للافق
وفي القصيدة العمودية (سفر البلاد مرايا) نتلمس الابعاد المكانية التي تتحرك فيها الذات حضورا في البلاد وغيابا في السفر.. وما بين الاثنين تتماهى الذات متوارية كمرايا فيكون العنوان مجسدا هذه الابعاد كعتبة تفضي الى مكابدات اوجاع التيه فيها والسبب انها تحاور المكان العراق بوصفه الاخر الذي ستجد الذات في حضرته نفسها محاولة ان تستفز مكامن الثورة داخله :
ادري بان مرايا جرحك المطر وأفق كل الوصايا فيك يختصر
انت ابتكرت لهذي الارض سرمدها فاصاعدت شعلا خضراء تزدهر
انها تذكره بامجاده التي فاضت على البلاد مطرا وارفا وهذا المسار ظل قائما منذ عهود سحيقة من عهد سومر الى يومنا. ولا بد من انتفاضة تسبر افق التاريخ لتستنهض الهمة الحقيقية في الفرات والهور والشمال والجبال :
هذي البلاد مرايا في اهلتها نبض التراب سماه سفحه العطر
وتتبارى القصيدة الحوارية (طفل الأشرعة) ان تكون سجالا بين الاب وابنه ..وهي مما ينضوي تحت مسمى اجناسي هو ادب الطفل :
ـ اشعل مرايا الموج يا ولدي ضحى
فالليل صلى في ظلام الزوبعة
تعباً يدور مفتتا قشر الهواء
وينثني
عاما لينشد ما معه
كالريح تنهمر الطفولة في انكسار هائل
والصحو يختزل الصدى في
قبعه
ان الفعلية المضارعة (يدور، ينثني، تهمر، يختزل) تمنح النص بعدا دراميا اما الفعل الامري (اشعل) فانه ايقاد لجذوة الضوء مقابل الواقع الذي اجتاحه الظلام..
وان الليل والطفولة والطبيعة ضدان ..اذ لم تعد الطبيعة مسالمة انها زوبعة وريح اما الطفولة فغدت منكسرة مختزلة ويتصاعد الفعل االدرامي في المقطع الثاني عبر خطاب الابن للاب :
ـ ابتي البلاد حمامة لكنهم
بذروا شظايا حقدهم في المزرعة
والصحب يملؤهم اسى
والقبرات رايتها ـ حلماـ
تطوف الى السماء المشرعه
وهنا نجد ان الولد لا يرى العيب في الطبيعة بل في الانسان الذي حول البلاد التي كانت مسالمة كالحمامة الى مزرعة من الشرور فتحولت الحياة من السعادة الى الاسى والحمامات غدت قبرات غادرت الارض متوجهة نحو االسماء.
وتتوالى الافعال الماضية مسترجعة حكاية بلاد غادرها كل شيء برئ ( رقصت وانفلتت وامسى ) ليغدو الموت قابعا بالصمت كي لا يسمع رقصه وهو وان كان قابعا الا انه منفلت ووجوده هو التلاشي ايضا :
رقصت قلاع الموت
وانفلتت تدور كما التلاشي
حين امسى قابعا
متشاغلا
بالصمت كي لا يسمعه
ويستمر الطفل في بث نجواه لوالده مفتقدا احساسه بالطفولة لذلك كانت امنياته تتجسد في عالم يرتحل نحو الطفولة متمثلة بالبحر اتساعا والسماء صوتا والقرى افقا ووجها والارتحال هو السفر للروح نحو البراءة والامان والخضرة.
والالفاظ المكانية وان كانت تستحضر العناصر الطبيعية (السماء، البحر، القمر، القرى، الموج، الصومعة، الرصيف، المطر، قوقعة الاخضرار) جنبا الى جنب العناصر الانسانية (ذواتنا، طفولة، وجهنا، هدبيك الصغار) الا ان العنصر الطبيعي سيطغى على العنصر الانساني :
لرصيف شاعرنا هوى
طفلية ضحكاته
للان لا تدري مفاهيم الهوى
ـــ اي الهموم تساقط المطر
اخضرار هائلا
في المعمة ؟
ان الصغار تساؤل قلق
متى نهواه كي نسمو معه
ولكن الوالد يقرأ المستقبل بعيون متفائلة عائدا الى الفعل الامري (اشعل) تحفيزا نحو اندلاع الثورة والانتفاض على الواقع والرفض للحاضر رغبة في التغيير في ظل صبح يعري الليل :
ـ اشعل مرايا الموج يا ولدي هنا
فالصبح عرى كل ليل الزوبعه
فالصبح عرى كل ليل الزربعه
وما كان لهذا التحميل الرمزي في هذه القصيدة الحوارية ان يكون لولا ما كان قد اصطلح عليه جومسكي بالكفاية اللغوية ” التي تشير الى نظام القواعد التي يجب ان يعرفها المتكلم لكي يستخدم اللغة. وبخلاف ذلك فان الاستخدام الفعلي لذلك النظام من القواعد سواء أكان الاستخدام شفويا ام كتابيا هو انجاز لغوي والانجاز بعبارة اخرى تداولي بطبيعته ومعتمد عادة على السياق الذي يتضمن ابتداء متكلما يخاطب مستمعا في زمان ومكان معينيين”
والرؤية الانقلابية التي تجسدها لغة القصيدة اعتمدت توظيف العلامة لغويا بعد ان غدا ” هذا الغزو الشامل للعلامات لا يتعلق سوى بحضارة صناعية ولن يتجلى سوى داخل مدينة تغطيها الأضواء والمصابيح مدينة مليئة بالألواح التوجيهية مليئة بالأصوات والإشارات من كل الأنواع اننا ننظر الى المسألة وكأنّ وجود العلامات مرتبط بوجود الحضارة ” .
الخاتمة
تناولت هذه الدراسة نصوص المجموعة الشعرية (حوار بنصف بوح) متتبعة ما فيها من اساليب الاختراق الشعري لحجابات اللغة عبر تفاعلية الذات والاخر بوحا وقد توصلت الى النتائج الاتية :
اولا / ان الذات اتخذت من الاخر مهادا لها مشتملة على الثنائيات المتضادة تعبيرا عن كينونتها بوصفها اسما مؤنثا ونسقا معرفيا.
ثانيا/ مرآة الذات هي نرجسيتها الباحثة والمتسائلة بلغة تبوح فاتحة اسوارها للانسان وللوطن لتتخذ دورا مركزيا يهيمن على ساحة القول ويتعالى صوت الذات في البوح الذي هو توأمها ليسافر معها مشاطرا آلامها .
ثالثا / الذات سؤال والاخر جواب اذ تحضر الذات بتمركزها النرجسي والاخر بتعدده ولا هيمنته ليؤكدا هواجس الذات القلقة التي هي دوما تائهة ضياعا.. فهي بنية لغوية فيها الكلام دالة لأفكار غير معلنة وهي تلقي باللائمة على اللغة التي لم تسعفها على البوح.
رابعا /تعادلية الكينونة انعكاس لتعادلية الشكل الشعري عبر التضادات التي يحملها البوح كاشفا عن عنف الاسئلة التي تراودها فمرة تغلب البنية التفعيلية على حساب البنية العمودية ومرة تدمج الشكلين معا القصيدة المعاصرة والقصيدة المعتادة جنبا إلى جنب قصيدة النثر والقصيدة الحوارية.
خامسا / التوجس من اللغة يدفع الذات إلى تجريب التقانات الاشارية فتتداعى النصوص في خضم علامات لغوية وصور تخييلية هي مراة نفسها ومصدر الهامها .
فهرس هوامش البحث /

1-العلامة تحليل المفهوم وتاريخه، امبرتوايكو، ترجمة :سعيد بنكراد ، راجع النص سعيد الغانمي ، المركز الثقافي العربي ط1، بيروت الدار البيضاء ،2007/ 211.
2-م.ن/211.
3-م.ن/ 273ـ274.
4-حوار نصف بوح شعر،ناهضة ستار، دار الينابيع ،سوريا ،طبعة اولى،2010/ 5
5-العلامة تحليل المفهوم وتاريخه / 125.
6-تطور الشعر العربي الحديث في العراق اتجاهات الرؤيا وجمالات النسيج ،الدكتور علي عباس علوان ، وزارة الاعلام ، بغداد،1975 /354
7-دليل الناقد الادبي ،د. ميجان الرويلي ود.سعد البازغي ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء،المغرب ، ط5، 2007/ /24
حوار نصف بوح شعر/ 7.
8-النص والهوية الحضور السرياني في الادب العراقي الحديث ،محمد صابر عبيد ،وزارة الثقافة والشباب اقليم كوردستان ،اربيل ،ط1، 2013/ 7.
9-بنية اللغة الشعرية، جان كوهن، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، المغرب، ط1، 1986 /202
حوار نصف بوح شعر/7و8
10-ينظر: النص والهوية الحضور السرياني في الادب العراقي/ 34.
11–حوار نصف بوح شعر/ 8
12-العلامة تحليل المفهوم وتاريخه / 95.
13-حوار نصف بوح شعر/ 9
14-م.ن/ 9و10
15-م.ن/ 10و11
16-م.ن/ 24
17-السرد النسوي الثقافة الابوية الهوية الانثوية والجسد ،د.عبد الله ابراهيم ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ،الطبعة الاولى،2011/ 77
18-حوار نصف بوح شعر/ 25
19-السرد النسوي الثقافة الابوية الهوية الانثوية والجسد/101
20-حوار نصف بوح شعر/26
21-م.ن/ 32
22-.ن/ 33 ـ34م
23-السرد النسوي الثقافة الابوية الهوية الانثوية والجسد/263
24-حوار بنصف بوح/ 36
25-م.ن/ 37
26-م.ن/ 38ـ39
27-م.ن/ 46ـ47
28-الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية ،د.عز الدين اسماعيل ،طبعة ثالثة مزيدة ومنقحة، دار الفكر العربي ،1966/ 233.
29-دليل الناقد الادبي/232
30-حوار بنصف بوح/ 12ـ13 * في النص (تحنضلت) كتبت بالضاد والصحيح بالظاء
31-م.ن/ 14
32-م.ن/ 14
33-م.ن/15
34-م.ن/ 16
35-م.ن/ 22
36-م.ن/ 23
37-م.ن/ 38و39
38-النص والهوية الحضور السرياني في الادب العراقي/41
39-حوار بنصف بوح/40ـ 41
40-م.ن/ 41ـ42
41-م.ن/42ـ 43
42-بنية اللغة الشعرية،جان كوهن/ 33
43-حوار بنصف بوح /43ـ44
44-م.ن/ 48
45-م.ن/ 48 و49
46-ينظر: م.ن/ 27ـ30.
47-ينظر: م.ن/ 7ـ 11.
48-م.ن/ 43
49-م./ 70
50-بنية اللغة الشعرية ،جان كوهن/152
51-حوار بنصف حوار/31
52-الشعرية ،تزفيطان طودروف، ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة ، دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط1 ، 1987 /58
53-حوار بنصف حوار/34
54-حوار بنصف بوح/ 9ـ 10
55-ينظر: م.ن/ 11
56-م.ن/ 35
57-م.ن/ 26
58-م.ن/ 17ـ
59-م.ن/ 22
60-م.ن/ 70
61-م.ن/ 71
62-م.ن/ 72
63-ينظر: 74و75
64-م.ن/ 76.
65-م.ن/ 78و79
66-م.ن/ 82
67-م.ن/ 83
68-84و85
69-م.ن/ 96
70-م.ن/ 95
71-م.ن/ 101
72-م.ن/ 102و103
73-م.ن/ 103
74-م.ن/ 103ـ104
75-م.ن/ 105
76-م.ن/ 106
77-التداولية والسرد ،جون-ك ادمز ترجمة د.خالد سهر،دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1 ، 2009/29.
78-ادوات التص دراسة ، محمد تحريشي ، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق /33.

فهرس المصادر والمراجع /
1. ادوات النص دراسة ، محمد تحريشي ، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق،2001.
2. بنية اللغة الشعرية، جان كوهن، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، المغرب، ط1، 1986.
3. التداولية والسرد ،جون-ك ادمز ترجمة د.خالد سهر،دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1 ، 2009
4. تطور الشعر العربي الحديث في العراق اتجاهات الرؤيا وجمالات النسيج ،الدكتور علي عباس علوان ، وزارة الاعلام ، بغداد،1975
5. حوار نصف بوح شعر،ناهضة ستار، دار الينابيع ،سوريا ،طبعة اولى،2010.
6. دليل الناقد الادبي ،د. ميجان الرويلي ود.سعد البازغي ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء،المغرب ، ط5، 2007
7. السرد النسوي الثقافة الابوية الهوية الانثوية والجسد ،د.عبد الله ابراهيم ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ،الطبعة الاولى،2011
8. الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية ،د.عز الدين اسماعيل ،طبعة ثالثة مزيدة ومنقحة، دار الفكر العربي ،1966.
9. الشعرية ،تزفيطان طودروف، ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة ، دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط1 ، 1987.
10. العلامة تحليل المفهوم وتاريخه، امبرتوايكو، ترجمة :سعيد بنكراد ، راجع النص سعيد الغانمي ، المركز الثقافي العربي ط1، بيروت الدار البيضاء ،2007.
11. النص والهوية الحضور السرياني في الادب العراقي الحديث ،محمد صابر عبيد ،وزارة الثقافة والشباب اقليم كوردستان ،اربيل ،ط1، 2013.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : دوامة “منّ السَما”.

“منّ السَما” هي الرواية الثانية للكاتبة غصون رحال التي يتاح لي قراءتها بعد روايتها “في …

| احمد عواد الخزاعي : الاسطورة والدين والتراث .. في رواية (فقيه الطين) .

لغة سردية هجينة، غريبة على طبيعة السرد الروائي، تتأرجح بين الشعر والنثر، تنتج عن سارد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *