قصي الشيخ عسكر : الرباط (رواية مهجرية) (1) و (2)

(1)

لا فرق إن جاءتني المدن أم جئت إليها أسعى فمازالت قدمي في الرباط وهناك مدينة أخرى تكاد على الرغم مني تنغرز في خطواتي، أية من تلك المدن تكون يا ترى؟نيويورك .. لندن .. باريس .. ستوكهولم .. مدن مبهمة الملامح .. أظنها بين أناملي، وفي هذه اللحظة تسيل السويقة المزدحمة بمحلاتها القديمة وشوارعها الضيقة من عينيّ إلى سفر بعيد ..
شارع محمد الخامس يختفي عن نظري إلى مكان مجهول.
إنه الشارع الذي شهد أول لقاء لي .. تفتح فيه قلبي، وهاهو الرصيف ذاته يقول لي ارحل فقد رحلتَ منذ هذه اللحظة .. أنت هنا لكنك تبدو في مكان آخر .. غدا لاترى هذه المدينة الناعمة الملمس الهادئة الدافئة. إنك سمعت عن مدن جميلة ناعمة باردة، تعانق الشمال، أرضها يغطيها الثلج، مدن هذه المرة، دعتك واحدة منها، أو دعوت نفسك أنت إليها.
وكان هذا قراري الأخير.
لعلني أتوارى عن مجهول ما استقر في قناعتي من قبل، راح مثل الورم يكبر كلما قرب موعد عودتي إلى بلدي. قد ألوم نفسي على أني لم أر في الرباط سوى الجمال وحده، عيناي منذ اليوم الأول عانقتا الزهور والورود، جالتا في الطبيعة ثمّ سرحتا مع البحر حيث الساحل والحب الذي لم أذقه قبل الآن. هذه أول مدينة تفتح إليّ ذراعيها بعد البصرة بل لأقلْ محلة العرب الصغيرة الهائمة في رمال الزبير والمنقلبة نحو الصحراء .. يالهذه الشوارع والعمارات، والبيوت القديمة التي سحرتني. مادمت أرى الجمال .. أعيش حالة حب فأنا لا أبصر أي شيء آخر ينغِّص الحياة .. يشغل فكري .. إني بعد ذلك اللقاء سأعود إلى البلد ومعي فتاة رائعة .. أقدمها لأسرتي يمكنني أن آتي معها إلى هنا كل سنة أو سنتين .. حلم أطل عليّ يسابق الشهور فانتظرته، وكم وددت لو عاش معي طويلا.
بعد كل هذا أقول إنه لمن حسن حظي أن يكون السيد ” ميقات الزياني” رفض طلبي. قال إنه لا يطيق لمليكة رحيلا ولايقدر على فراقها. العراق بلد خير .. يبدو البعد هيّنا أمام الزمن الذي لا تؤتمن لدغته. قاطعته بشيء من الزهو. قلت إن العراق أصبح قبلة العالم. هنود، فلبينيون، كوريون .. فرنسيون .. وهاهم المغاربة يقصدونه للدراسة والعمل. عوائل هاجرت وهي تعيش اليوم بأمان .. ثلاثة ملايين مصري. كلامي لم يرق لسي ” زياني” الذي أصبح يخاف البعد .. مابين الرباط وبغداد أكبر من بحر يفصلنا عن أمريكا .. المؤمن لايلدغ من جحر مرتين .. يكفيه أنه اعتبر من الجزائر ..
350 ألف مغربي .. فعل هذا “بومدين” الذي نسي أن تجار الناظور في المغرب دعموه زمن الثورة .. ياسيدي بعض هؤلاء جزائريون من أصول مغربية .. بعض النساء أخرجوهن من بيوتهن بملابس النوم إلى حافلات التسفير ..
350 ألف دولة بحجم قطر .. رقم لا ينساه السيد زياني، وربما يظل محفورا بذاكرته إلى ما شاء الله .. هؤلاء ذنبهم برقبة “بو مدين” و”بوتفليقة” .. أقول الحق ياسي حسن أنت اسمك حسن ومليكنا حسن حلت البركة ياسيدي. اسمع يا سي حسن رئيسكم وقف معنا في مشكلة الصحراء، هو وملكنا مثل الأخوين .. لكن من يضمن المستقبل .. افرض مات .. تبدّل .. الأنظمة الجمهوريّة لاتؤتمن .. اخترتم آخر غيره .. حدث انقلاب لاقدّر الله ..
لا أدري مليكة تحولت إلى قضية بين الجزائر والمغرب، والعراق، وثمة بو مدين وبو تفليقة، ومن المحتمل أن يتغير رئيس دولتنا الامر الذي لا أجرؤ على مجرد تخيله، أو التفكير بحدوث انقلاب .. وسألني كأنه يفرغ آخر ما في جعبته أو يمنحني فرصة أخيرة:
– هل بإمكانك أن تقيم هنا؟ يعني تؤسس مشروعا تفتح مطعما .. مثلا .. “أضاف بحماس مفرط” المطاعم شغلها مربح .. بركة
– كيف؟ محال .. أنا متدرب وأمامي فترة محددة!
حتى هذه الفرصة التي بدت وقتها أقرب إليّ تلاشت الآن بعد اندلاع الحرب.، وقد قرأت مليكة الحيرة بعيني، فقالت بانفعال:
– أنا مستعدة أن أذهب معك دون رضا أهلي إلى أي مكان!
– وماذا عن الفضيحة وكلام الناس؟
– ستحدث فضيحة ويتكلم الناس وتنتشر أقاويل، أما الزمن فهو وحده الذي يجعل الآخرين ينسون!
فهصرت يدها وبقينا صامتين لحظات:
بعض الفتيات فعلن ذلك، قد تعود الهاربة بعد شهور أو سنوات تصطلح مع أهلها، وانا إذا فعلتها فيمكن أن آتي بعد سنة أو أكثر وربما معي طفل كل ذلك المشهد يجعل أبي ينسى. إنه طيب القلب!
– دعينا نفكر فما زال الوقت أمامنا ويمكن أن نجد حلا.
فسحبت يدها لترتشف من كأس العصير، وتتنفس كأنها قادمة من واحة وعادت تلمس يدي ثانية:
– كنت أظن أن والدي يوافق. لامشكلة عندنا في الزواج من غير المغاربة حتى النصراني إذا أعلن إسلامه يتزوّج من أية عائلة غير أن ماحدث بيننا والجزائر غيّر من نظرة أهل المغرب في الزواج من العرب.
وسبقني سؤال ساذج:
– هل هناك من قريباتك من طُرِدتْ من الجزائر؟
– يمكن أن ترى الحق مع أبي حين تعرف أن ابنة عمته وزوجها كانا من المطرودين.
– مع ذلك من الخطأ التعميم.
– أنا معك لكن تعرف إنه حرص الوالدين!
– من يضمن نفسه في المستقبل!
فلمحتني بعينين تفوحان رغبة وقلقا:
– أنت متمسك بي؟
أنا أخشى عليك من كل شيء .. أشعر حين أحببتك أن العالم أصبح ملكي إذ تخطرين ببالي وأنت بعيدة عني أجد جسدي يصبح خفيفا .. ينقلب إلى جناح. نشوة تحلّق بي إلى عنان السماء .. أنت أول حب خفق له قلبي وأظن أنني أول شخص في حياتك .. لا أشك .. مثلك لا يحب أحدا غيري ولا أظنّ أن من يتعاطى الحب يشعر بالنشوة مثلي:
– أتشكين في الأمر؟
بقيت صامتة، وخيّل إليّ أنّها تقضم طرف إبهامها، وتطلعت إليّ بنظرة وادعة:
– أبدا، لايساورني الشكّ فيك!
فأضفت ولعلني هممت أن أقنع نفسي قبلها:
– هناك أشياء قد ننساها .. لا أريد ان أفكر بمصلحتي فقط ماذا عن مدرستك؟
– مالها المدرسة؟ “راحت تهز كتفيها فتتحدث عن أمر محسوم سلفا” سأكمل البكالوريا هذا العام، وأنت تنهي تدريبك هنا، وأعتقد عندكم في الجامعات العراقية فرع للغة الاسبانية .. هناك ممكن أن أواصل الدراسة، ولا تنس أن المرأة أولا وأخيرا لبيتها وأولادها.
كانت تتحدث بطيبة متناهية، تلك اللهجة، ذلك الصوت الناعم الهاديء منذ التقيتها تتحدث وهي ممسكة بذراعي .. تصمت تنظر في عينيّ وتواصل كلامها كأنها خائفة أن أضيع منها أو تستسلم أناملها ليدي عندما نتخذ لنا مكانا في كافتريا .. ألمح القلق في جبينها .. واحدة من ثلاث فتيات .. الكبرى تعيش مع زوجها المغربي في فرنسا باريس أم الدنيا ..، والوسطى زوجة مدرس بالحسيمة .. فَلِمَ يتعثر حظها هي التي لم يردّ لها أبوها أيّ طلب من طلباتها .. خيّل إليّ أنّي كنت الأكثر أمانا وألفة من غيري في أذهان هؤلاء .. باريس جميلة .. مدريد .. لكنّها بغداد وتلك مكة .. مدينة النبي .. هيبة أينما التفت .. عمود من نور .. الشرق .. مكة .. العراق الشيخ عبد القادر الكيلاني .. الحجّ كلمات تنطلق بها شفاه المغاربة حالما يرونني كأنني خارج من عهد الأمان وقادم إليهم بالبركات، فأين هي الطمأنينة بعد أن تسرب الشك إلى قلب أبيك؟
– أتظنين أن والدك يلين؟!
– أنا أكثر قربا لأبي ومعرفة به من أي شخص آخر .. في صغري كنت ألح عليه .. وأظل ألح .. عندما يرفض لي طلبا أعاود الكرة مرّة .. مرتين لأجده يوافق فيما بعد .. حاول أن تعيد الزيارة!
– ماذا لو رفض أيضا.
ردت بنظرة ذات مغزى:
– حينئذ يكون لي موقف ثان.
– سأفعل ذلك.
– تفاءل بالخير!
فأومأت برأسي لنوغل في الصمت من جديد، وفي عيوننا أحلام دانية القطاف.

(2)

يبدو أن الحظ ابتسم في وجهك ولم تدرك أنه ابتسم وعبس في وقت واحد.
سعدك يبدأ بحلم السفر، ها أنت تذهب في دورة تدريبية في الفندقة والسياحة إلى أقصى الأرض، بين البصرة والمغرب بحر، وجبال، وصحارى ومدن كثيرة .. تصل هناك، وحين ترجع تجد نفسك المسؤول عن شؤون السياحة والطباخ الأول في فندق المطار. سوف يتذوق طبخك مسؤولون، وضيوف كبار .. أجانب، أصحاب شركات، أغنياء، لكن لا عليك أيها الرفيق، لا تنخدع حين تحط بك الطائرة في بلد ثان، ستجد طبيعة أجمل، وشوارع حديثة، وعمارات أرقى، نحن هنا الأساس، نسعى لمهام كبرى، أما هؤلاء فأناس خام، لاهم لهم مثلنا .. فرنسا مسختهم، وأفريقيا تهبط عليهم بسحنتها ولسانها من الجنوب .. هذه الرباط الناعمة يا حسن تكاد تنسى نفسها بين الخليط .. وأنت وآخرون تسعون ليعودوا إلينا، وجودكم هناك يجعلهم يدركون أصولهم، ادعوا من يبحث عن عمل للشغل، وتلاميذ المدارس للدراسة عندنا تذكروا هل يملك المنشقون عنا في دمشق أن يدعوا الناس للعمل والدراسة، أما أنتم فإمكاناتكم هائلة .. أمامكم شمال إفريقيا .. لاتخدعكم العمارات والشوارع والأشجار .. تركيا قبضت علينا خمسة قرون لم ننس خلالها لغتنا والجزائر .. مائة عام جعلتها فرنسا تتكلم لغتها. ثلاثة ملايين مصري يعيشون في العراق .. اذكروا هذا الرقم لكل من تدعونه وذَكِّرْوا المغاربة ان العراق بنى مدرسة في الرباط حالما زار محمد الخامس بغداد عام ١٩٥٨. اما الان فقد اقبل من بغداد شاعر العرب الأكبر ليحيي جلالة الملك .. ولتفرحوا معهم بعودة الصحراء .. فهل اقتنعتَ أيها الرفيق؟. وسواء اقتنعت أم لا فها أنا أنسى السياسة والبعثة فأدور وألفّ .. قطرات ماء ونسمة هواء عليل في شهر تموز .. هاجس ذو لفحةِ بردٍ يغشى كتفي في صباحٍ من صباحات تموز في الرباط .. مدينة تروّض آلهة النار بنسيمها العذب ياترى هل أنظر هذه الساعة إلى حرّ البصرة الذي يذيب إسمنت الشارع تحت حذائي! .. كنت أظن أن هناك امرأة تمسك ذراعي تعود معي إلى الشرق فأطل معها بين حين وآخر على شواطىء الأطلسي كلما هاج بها أو بي الحنين.
سبحان الله العظيم. أنتِ من أقصى الغرب، وانا من أقصى الشرق، أقصى الجنوب، كيف التقينا، وكيف عبرت الرصيف إليك ذلك اليوم.
هاجس ما يدفعني إليك .. نغمات موسيقى هادئة تهز بدني، لحن دافيء فجر صباح قارس البرودة .. سرب من الحوريات يحيط بك .. هيئتكِ ووداعة الرباط .. أنتِ أم هي التي تتهادى مثل حمامة؟
وأنا أود المغامرةّ ..
أنا أيضا ذلك اليوم بدلا من أن أذهب إلى البيت مباشرة كما أفعل شأني كل يوم حالما أخرج من معهد الفندقة سرت حتى وجدت نفسي في شارع محمد الخامس أقف عند واجهة محل” أناقة السيدات” إنها إرادة الله!
لا تنسي ها أنا أقول لك قبل أن أذهب غدا، لأطلب يدك، البلد حار، البصرة حارة، عندنا تموز لا يطاق!صدقيني لايطاق!
– أنا معك .. أين تذهب .. ومهما يكن ” وبابتسامة رضا” بعض المغاربة يشتغلون في السعودية ودول الخليج .. الحر ليس غريبا عليّ ..
أما صديقك جمال القادم من بغداد الذي يشاركك السكن في الشقة لتعرف فيما بعد أنه مسؤولك المباشر، فقد رأى الحيرة مرتسمة على وجهك، لكنه استدرك:
– ها نقول مبروك!
قلتُ بتأفف:
– لا تتعجل!
– حمامة غراب؟
– أمس قال لها دعي السيد العراقي يأتي فلي حديث معه لابدّ أن يطمئن إليّ وتلك علامة فأل كادت تطوِّح بي من الفرح .. ذهني خال من مفاجآت غير متوقعة وإذا به يسألني إن كنت سوف أبقى هنا!
قال، وهو يضع أمامي كأس شاي، بعد أن أنصت لي:
– اشرب الآن ودعنا نفكر على مهل.
– أنا أديت الواجب المطلوب مني!
– ألم تخبر أباها أنك من العراق وأنها سوف ترافقك؟
– بلى أخبرته .. المغاربة منفتحون فأحب أن يتعرف بشخصي ثم لا تنس أنه ربما كان يراهن على أن أبقى هنا .. أؤسس مشروعا ما.
وبعد فترة صمت:
– معقول؟المجتمع المغربي أكثر انفتاحا منا، جسر بين إفريقيا وأوروبا، ولم يُعهَد أن عائلة ما رفضت خاطبا وإن لم يكن عربيا.
– الموضوع اختلف بعد عام 1975 بدأت بعض العوائل ترفض بسبب الجزائر.
-هذا أمر هين لابدّ أن نجد له حلا يوما ما.
– متى بعد عقد من الزمن!
– لا أبدا، ثق أن والدها سيوافق قبل نهاية مدة البعثة!
بسخرية أقرب للقنوط منها للمزاح:
– والله لو سمع بقصة تهجير العراقيين من أصول إيرانية لازداد عنادا ألا ترى ذلك؟
أشبه بالمستنكر:
– لا أبدا، المهجرون ليس عربا أصولهم فارسية أما من هجرتهم الجزائر فهم مغاربة!
أبدو مشتت الذهن .. نحن .. الرئيس يطرد ناسا يتكلمون العربية يقول عنهم غير عرب .. والجزائر ترغب في مغاربة يتبرؤون من الصحراء .. المغرب كله أخضر .. بشكله القديم واحة خضراء .. قبل أن آتي انبسطت لي خارطة قديمة فلمحت نقاط المدن عليها .. سهول وجبال، مزهرية ورد جميلة لكن المغرب -وقد لصق نفسه بالرمال – بدا لي شكله مثل حرباء كبيرة تنوء بذيلها الطويل فَلِمَ يبحث عن صحراء .. الرباط روضت إله الحرب قبل أن تهاجر نحو الصحراء .. هل يهاجر النعناع .. الشاي الأخضر إلى الرمل حيث الموت. أنا من مدينة الرمل الزبير أهرب من البر فأجد ضفدعة خضراء تنفخ نفسها لتصبح أكبر .. ولا أصبر بل لا يعنيني في هذه اللحظة رأي المسؤول جمال:
– الذنب ذنبهم لو أيدوا البوليساريو ..
لا رفيق ” حسن” نحن لا نغلّب العواطف على المبادىء” وبدا جادا ومتزمتا” العراق وقف مع المغرب في ضم الصحراء إليه لأننا لانؤمن بالتجزأة، تصور لو غدا الأكراد .. أما إذا كان للصحراويين حقوق فليأخذوها بطرق أخرى.
– لكن مع ذلك أبو مدين أدى دورا في معاهدة الصلح بيننا والشاه، وفي الجزائر نظام ثوري تقدمي مثل نظامنا ..
– عبد الكريم قاسم ثوري نفذنا به حكم الإعدام .. الشيوعيون ثوريون اصطدمنا معهم عام 1963 مسألة مبدأ.
– يا رفيق المغرب ليس بحاجة إلى أرض والله قطعة خضراء جنة على الأرض ما لهم وللرمل والحر والغبار.
قلت لك مسألة مبدأ المال العِرْض الوطن!
لا تلعب أو تعبث .. السياسة ليست مجرد عواطف .. ماجئنا من أجل مليكة حتى تقول لهم الصحراء ليست لكم .. جلالة الملك أخو رئيسنا بل أكثر من أخوين .. الصحراء لكم .. مسيرتكم رائعة .. حتى إذا اطمأنوا إلينا عافوا باريس وأوروبا فاتجهوا نحو بغداد لِمَ يتسكعون في عواصم الغرب عندئذ يتحولون إلى رفاق .. أما إذا كنت تحب وكانت مليكة مفتونة بك فضع يدها بيدك واخطفها تسافر معك .. القضية تصبح فردية ذات طابع شخصي .. لا أحد يلومك قط.
وبعد فترة صمت:
– بماذا تشير عليّ؟
– المهم حاول مرة أخرى عسى ولعل، ثم لا تجعل من عواطفنا تنسينا واجبنا. كان يمكن أن نذهب إلى الأردن أو أي بلد قريب. المجتمع المغربي مازال خاما لديه خلط في كثير من المفاهيم .. يظنون كل العرب مسلمين وكل المسلمين عرب.
أجدني لا ألوم جمال الذي انضمت عائلته إلى حزب البعث أيام النضال السلبي إذا اتجه بأية قضية منحى سياسيا حتى الحب والعواطف. لا يخفي أنه كان خجولا مثلي لكنه بعد أن ذهب على نفقة الحزب للعلاج في رومانيا من إصابة لحقت به خلال تمرين للجيش الشعبي هناك تحرر من الخجل. لم يأت طالبا بل موظفا لفترة محدودة في الملحقية الثقافية .. ينظم المكتبة. ويضرب على الآلة الطابعة .. ذات يوم قبل أن أعرف مليكة وجدت فتاة ما في الشقة، زارته مرة أو مرتين، ثم حدثني أنها سافرت بتشجيع منه إلى العراق غرض العمل .. هناك مكتب القيادة القومية يتولى أمرها .. لدينا مكتب شؤون العرب يتبنى أي عربي يصل العراق. على الأقل نتحرك على مجتمع الطلاب الراغبين في الدراسة خارج المغرب.
– أعدك أني سأفعل .. هنا شباب كثر لكن يبقى موضوع واحد.
– من حقك أن تبدي رأيك. لدينا في المغرب المدرسة العراقية التي يذهب بعض خريجيها إلى العراق فيعود بعضهم بعثيا، والملحقية الثقافية وأنتم الموفدين.
– تذكر أنه نظام ملكي رجعي يختلف عن نظامنا الثوري مائة وثمانين درجة وقد يستشرس عندما يجد مصالحه تتضرر.
– ياصديقي ياعزيزي نحن لا نعرض على المغاربة الانضمام للحزب .. بل ندعو أيا كان للسفر غرض الدراسة والعمل، الأجواء الآن مثالية إذ الصحف وأجواء الإعلام تصور الملك ورئيسنا كالأخوين جو مثالي لعملنا .. هناك يجد المغربي والمغربية نفسيهما أمام قناعات جديدة بالضبط مثل الأردن نظام رجعي لكن دخول المئات من الطلاب في كل الكليات العراقية سيثمر حتما.
اعترضت:
– هل تضمنهم كلهم؟
– أنا معك سيتسرب بعضهم لكن هناك من يحافظ على التزامه الحزبي ” ثم غير الموضوع فجأة” كذلك أن تكون لك صديقة لم لا.
– والحب؟ والزواج أنت بصفتك الشخصية هل تقبل بالزواج من فتاة بلد آخر؟
“هزّ كتفيه ” الزواج قسمة ونصيب ” استدرك ” إذا كانت عربية لم لا؟!
– كثير من الأحيان أخجل أتردد لكن لا أخاف.
أمامك طريقان، نصيحة أقدمها لك لوجه الله، إما أن تتزوج مادام قانون البعثات يسمح لنا بالزواج من عربية أو أن تصادق لكن بحدود .. لا .. هنا الفتاة يمكن أن تمنحك كل شيء، تحبك تنسجم معك، تهبك جسدها، مايهمها فقط هو عذريتها، هذا كل ما أقوله أخطب تزوج .. صادق إن استطعت فإن لم تقدر اجلس في غرفتك واسمع شهقاتي حين أكون مع إحدى صديقاتي عندئذ ليس أمامك إلا أن تلجأ إلى يدك!

شاهد أيضاً

مسدس كاتم للوقت
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

من بؤبؤ عين سحرية أترصد الوقت الجاثم على الباب كان يرتدي بِزَّةً عَسْكَرِيَّةً يبدو طويلا …

اقتباسات من أعمال الروائية “حنان الشيخ”

# يرعبني الشعور بأن علينا نسيان الشخص الأهم لدينا. الأوكسجين الذي كنا نتنفسه، بتره من …

مريم لطفي: الطبيعة تقرع الاجراس..هايكو

1 الطبيعة تقرع الاجراس مطر..مطر 2 بين الاشجارالعالية برشاقة يتراقص ضوء الشمس 3 الوان متلالئة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *