الرئيسية » نقد » سينما » د. باسم الياسري : فيلم “إنه زمن الفراشات” حين يمنح الدكتاتور الحياة ويصادرها

د. باسم الياسري : فيلم “إنه زمن الفراشات” حين يمنح الدكتاتور الحياة ويصادرها

هل الدكتاتورية وصفة أجنبية لشعوب العالم الثالث؟ أم هي نتاج اجتماعي لهذه الشعوب التي تأبى أن تصل الى سن الرشد؟ والدكتاتور هل هو مريض نفسي بلا قلب، أم هو رجل شجاع واثق من نفسه خاض غمار درب لم يتمكن غيره من سلوكه؟ ويتصرف بقناعة تامة بما يقوم به؟ لكن لماذا يتشابهون في أساليبهم واحيانا حتى بملامحهم؟
هذه التساؤلات تحركت عندي وأنا اشاهد فلم (In the time of the butterflies) (إنه زمن الفراشات) الذي انتجته شركة متروغولدين ماير الامريكية العملاقة عام 2001 من إخراج ماريانو باروسو، وبطولة الفنانة الجميلة سلمى حايك، وهو مقتبس من كتاب جوليا ألفايز يحمل نفس الإسم الصادرة عام 1994
يتحدث الفلم عن أحداث حقيقية في الدومنيكان حين كان يحكم قبضته عليها الجنرال رافائيل تروخيلو الذي وصل الى السلطة عام 1930 وظل يحكمها ثلاثة عقود.
وتروخيلو على غرار باقي الجنرالات الحلمين بالسلطة قفز من رتبة ملازم الى جنرال بتسع سنوات وهو بذلك افضل من آخرين اختزلوا الطريق باسرع من هذا الوقت، حيث قاد تمردا وسيطرة على السلطة، وقد كان مدعوما من امريكا كحال معظم الجنرالات في العالم.
لقد شكل تروخيلو شبكة من العلاقات بمن يشبهونه في تلك الفترة، مع فرانكو دكتاتور اسبانيا، وبيرون في الأرجنتين، وسوموزا في نيكاراغوا، تدهورت علاقته بامريكا في اخر ايامه، فهؤلاء الجنرالات يقعون بنفس الأخطاء حين يصدقون كذبة أنهم دون سواهم قادرون على ادارة شؤون البلاد، الأمر الذي يدفع امريكا باسقاطهم كما نصبتهم.
لقد فقدت الدومنيكان وهي ذلك البلد الصغير أكثر من 50 ألف من ابنائها على يديه، لقد منع قيام احزاب غير حزبه الذي صار الحزب الوحيد ومارس لعبة انتخابات كاذبة كان حين يخرج لفترة يأتي بمن يأتمر بأمره كما لو تنه هو الحاكم.
اغتيل تروخيلو عام 1961 بسيارته.
تتشكل شخصية الدكتاتور بشعوره بالعظمة في كل شيء فهو لا يمرض ولا احد يقف بوجهه وهو الاقدر من غيره حتى في الجنس احيانا، وموضوع الفلم يدور حول اعجاب الرئيس (الدكتاتور) بابنة المزارع (ميرابال) وهي (سلمى حايك)، هي واحدة من اربعة بنات لهذا المزارع، فيقوم بدعوتها مع عائلتها الى حفلة في القصر الجمهورين ويطلب مراقصتها لكنه يتحرش بها فتصفعه امام الجميع، وتعود العائلة الى بيتها حزينة خائفة من انتقام الدكتاتور الذي لابد انه سيثأر لكرامته.
يحاول الأب الاعتذار دون فائدة، فيعتقل ويعذب بقسوة، تذهب عارضة نفسها على الدكتاتور لكنه يرفض ان تاتي الامور اليه بسهولة، فيتفق معها على لعبة الزهر اذا فازت اطلق سراح ابيها، وحقق رغبتها بدخول كلية الحقوق، وفعلا تعود وابيها معها لكنه يموت بعد فترة ، وتأتيها دعوة قبولها بالجامعة ، تقبل على مضض في محاولة لدراسة القانون والانتقام لابيها، فتلتحق بالعاصمة وهناك تتعرف على مجموعة من الطلبة اليساريين التي تنضم إليهم، ويسمونها (الفراشة) وتتزوج احدهم ويتخرجان معا من كلية الحقوق عام 1954، في حفل التوزيع يحجب الرئيس الشهادة عنها قائلا انه وعدها بالدراسة لكنه لم يعدها بالعمل محامية، ويهمس لها انت متزوجة بقاؤك في البيت افضل. وهو ما يحركها اكثر للعمل ضده.
حين يزور الرئيس (منيرفا) في بيتها يقول لها ملمحا بعبارة موجزة الى نضالها والى حياته كدكتاتور”أنت تناضلين بشراسة من أجل صفقة خاسرة، و ربما أنا ايضا”. فهو متمسك بحكمه لا يريد أن يشاركه غيره بالحكم، بالمقابل يدرك تماما أن نهايته ستكون على ايدي شعبه الذي قهره لعدة عقود.
يقدم الفلم مشاهد كثيرة واحداث عن حركة الذين تخرجوا وصاروا فاعلين بحركة التحرر، ومطاردة السلطة لهم ومحاولة تصفيتهم. وفي حملة مداهمات يعتقل زوج منيرفا (سلمى حايك) وزوج اختها التي انضمت معها في حركة النضال ايضا، وتعتقل الاختان ايضا وتذوقان الوان العذاب في السجن، وفي حوار ذو مغزى وهي تتذكر اولادها : أنا اناضل من أجلهم فلا اريدهم ان يحيوا مثلنا بجو من الرعب.
ولأن الدكتاتور يريد ايصال رسالة الى المواطن مفادها ان حياتهم هي ملكه وهو القادر على انهائها متى شاء ذلك، ولأن نضال هذه الجماعة اتعبته، يرتب زيارة للاخوات اللواتي صرن ثلاثة لزيارة ازواجهن في السجن، وبعد الخروج من السجن يسوقوهم مجموعة من المجرمين الى حقل زراعي ويقتلوهن جميعا بطريقة بشعة ضربا بالهراوات. وكل ذلك يتم بتنسيق وعلى مرأى من الشرطة ومديرها. في اسوء تعاون بين السلطة والشرطة التي هي المفروض بها ان تحمي المواطن. وهكذا يتم قتل الفراشات وهو اسم الفلم.
كانت أجواء الفلم مقنعة تماما من حيث تصوير حياة الناس في الدومنيكان، وهي تشبه الى حد ما ضروف شعوب اخرى في عدد من بلدان العالم، من الفلم نلمس الاصرار الذي يحمله المناضلون رغم الرعب الذي يزرعه الدكتاتور في نفوسهم زحملات التصفية لهم. شعور هؤلاء أن تضحياتهم لن تذهب سدى بل انها ستؤسس لحياة جديدة. ومساهمة الكنيسة مع المواطنين لأسقاطه.
ما لم يعرضه الفلم وجرى في الواقع، أنه بعد ستة أشهر من مقتل بنات ميرابال قادت اختهم الرابعة النضال لتنتقم لأبيها واخواتها وفعلا تم قتل الديكتاتور داخل سيارته في 25/11 وهو اليوم الذي اعتبرته الأمم المتحدة يوما عالميا لمحاربة العنف ضد المرأة. بنهاية الدكتاتور عاد الشعب يحكم نفسع وتبوء اولاد بنات ميرابال مواقع مهمة بالدولة.
لا شك أن للسينما بلاغتها التي تثير فينا اكثر مما تفعلة اية وسيلة أخرى على الاطلاق حين يكون الفن راقيا لا مباشرا .
السؤال الذي برز مرة أخرى بعد الفلم، هو هل أن سقوط الدكتاتوريات يأتي دائما بأفضل منها؟ أم أن شعوب العالم الثالث لا يليق بها إلا التسلط؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *