الرئيسية » ملفات » د. فاروق أوهان : الراوية الزرقاء ، بنات يعقوب لمحمود سعيد (ملف/2)

د. فاروق أوهان : الراوية الزرقاء ، بنات يعقوب لمحمود سعيد (ملف/2)

إشارة :
منذ مجموعته القصصية الأولى “بورسعيد وقصص أخرى” عام 1957، وروايته الأولى “ضجة في سوق راكد” (1959)، أخلص الروائي الكبير محمود سعيد لهموم الإنسان العراقي والعربي. ولولا إصدار الراحل الكبير غائب طعمة فرمان لروايته النخلة والجيران عام 1967 لاستطعما القول إن وراية “زنقة بن بركة” (1970) لمحمود هي التي دشّنت العهد الفني الناضج للرواية العراقية. عام 2008 اعتبرت روايته “أنا الذي رأى” إحدى أفضل إثنتين وخمسين رواية في العالم. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الكتّاب والقرّأء إلى إثراء ملفها عنه بالمقالات والصور والوثائق.
المقالة :
د. فاروق أوهان : الراوية الزرقاء ، بنات يعقوب لمحمود سعيد
توطئة
كثير ما يتحاور النّقاد العرب، حول ماهيّة النّقد، وأصوله، وما الطّرق النّاجعة في تناول الأعمال الإبداعيّة، بعضهم يتّخذ أسلوبه في التّرفع والتّقوقع على مسطرة نقديّة، سادت في الغرب لفترة، وجاءت غيرها لتحتلّ مكانها حسب الحتميّة التاريخيّة، فأصبحت من الطّرق البائدة لأن الجديد احتلّ مكانها بالتّقادم، بينما بقي من تبعها من النّقاد العرب يمارسها، وكأنّها ميثاق عهد أزلي، بعض هؤلاء النّقاد ما إن يتعرفون على مسطرة يلتصقون بها مثل البُزاق، ويتبنونها وكأنهم ورثوها لوحدهم، وهم مثل الكثير ممن انساقوا قبلهم بنقل، تجارب لغير بيئتهم، وصاروا ينفرون من كل ما له علاقة بما حمله أسلافهم، وطوروه في نظريات، لو نظر هؤلاء إلى تلك التجارب العربية الباهرة بعين ثاقبة لوجودها معاصرة من جهة، وأن ما نقله النّاقد عن الغرب لا يعدو عن نسخ مشوهة من تراثنا العتيد، ومع هذا فليس كلامنا إنقاصاً من أصحاب النّظريات الغربية المعروفة في النّقد، ولكن لمن أتخذوها كمسطرة جامدة، وتحنطوا حولها، فهذا يحكي التفكيكيّة، وذلك عن البناء والتركيب، وغيره هذه وتلك، وكأنه مبتدعها، ونحن هنا لا ندعي التجرد، أو عدم التأثر، أو العمل على إحداها ومعها، ولكن لفترة وجيزة، بل إننا في كل مرّة نطرق أبواباً جديدة، من خلال إيماننا بالتجريب، وأن لا شيء مستقر وثابت في هذا الكون، وعلينا أن نبحث أسوة بما يقوم به المبدع في عمله، ولقد حاولنا في مرات عديدة أن نتمرد على الموجود، وندع العمل الفني هو الذي يجذبنا بطريقة ما إليه، فقد كانت لدينا محالات مع أعمال سعد الله ونوس المسرحية، أثمرت إلى دراسات نقدية عن مسرحياته، فقد انطلقنا وقتها من مبدأ النّقد المتكرّر، أي صياغة نقدية في أكثر من رؤية، وقراءة للعمل الإبداعي ذاته،
أما الآن ومع رواية بنات يعقوب فقد اكتشفنا مبدأ قد يبدو جديداً لدينا، ولربما لغيرنا، ولا نجزم بأنها التجربة الرّائدة، ولربما مارسها غيرنا من قبل، ولكننا نود هنا أن نضعها في صياغة عملية، وكتسمية نطلق عليها (طريقة فوهان في استرداد النّص)، أو الطّريقة الاسترداديّة في النّقد، بمعنى آخر استرجاعات مع ذاكرة المؤلف، ومن خلالها، ولكن بافتراضات يضعها النّاقد، بل ويبتكرها، وقد يحصل هذا الاسترجاع منذ القراءة الأولى، أو فيما بعدها، وبفعل الاندهاش الأولي، أي فعل التعرف على ثنايا النّص بدهشة، وكأن المؤلف قد جاس أعماقنا كقراء قبل أن نكون نقاداً، على أن فعل الاندهاش هذا يبدأ منذ القراءة الأولى، أو الأولية للعمل الإبداعي، تماماً مثلما يحصل لدى الممثل عند قراءته الدور لأول مرّة، وهذه القراءة الأولى بما تتركه من اندهاش هي القراءة الإبداعية الهامة لكل من النّاقد والقارئ العادي على حد سواء، وبمستويات مختلفة بالطّبع، وعيناها أم لم ندرك أبعادها، ولكنها تبقى هي اللفتة المؤثرة في الذاكرة.
بعدها يبدأ لدى النّاقد فعل افتراض خلفية للعالم الذي بناه المؤلف في روايته، وعلى مختلف الأصعدة، مثلما يفعل الممثل في بناء خلفية للشخصية التي سيمثلها كدور، فيسير من خلالها إلى المخفي من الأحداث فيحللها، وإلى سير الشّخصيات المرافقة فتعرف عليها، ويملأ ماضيها بأحداث افتراضية ربما يخفس المؤلف فيها، أو ضمنها متن النّص، وفي ثناياه، ومن ثم يتعلق النّاقد بفعل الماضي فيسير معه، ويبني عليه تحليلاتها، منطلقاً إلى بوابات الحاضر فيستجلي مستحثاتها، وبهذا يرى النّاقد إلى ترابط الأحداث بالشّخصيات وعلاقتها بالشّخصيات الأخرى، ويقيس فاعليتها ضمن سياق الأحداث، تلكم هي بعض من المستويات المتاحة لـ (نظرية فوهان النّقدية في استرداد العمل الفني)، نصاً وعرضاً (وليس هنا مجال التوسع).
الاندهاش
انطباعات أولية أثناء قراءة رواية بنات يعقوب:
في تغليف شاعري، ووصف جمالي، تستتر المؤامرّة التي يبنيها المؤلف بين يعقوب، وأبنيه جاد، وآشير اللذين لم يعلما بمكائد والدهم العصابي، ولا هوسه الجنوني وهو يتقمص شخصيّة الموفد، والمبشر بنوايا ربّه، وتفاسيره للرسائل التي يبثها إليه كما تراه نفسيته السّادية، فيصف المؤلّف منظر يعقوب، وهو يرين إلى الأفق في بداوة الشّمس قائلاً: استدار يعقوب ناحية الشّرق. وحدّق مع أولاده ونسائه وبناته جهة الطّريق المؤدي إلى القرية. كانت الشّمس قد استوت فوق السّهول الجرداء إلا من بعض الأشواك والنّباتات الصّفر اليابسة. ثم لاح واضحاً عن بعد جاد وأشير كنملتين سوداوين في أقصى الشّرق. يقتربان بخفة ونشاط كبيرين. عندئذ انشرحت أسارير يعقوب. دمدم بصوت مسموع: صدق الرّب. صدق يهوه لقد جاءا. ورغم جوّ المؤامرة فإن المؤلف ينسج ثنايا الحكاية بحيادية، وكأنه يقف موقف المجتمع في تلك الحالة، فينظر إلى الحكاية من زوايا متعددة، ويتخيل المشهد بكل محيطه، وينطلق ليضع غلائله الشّفافة حول المشاهد، لكي لا تفوح رائحة المؤامرة إلا من فم العراف العصابي يعقوب، ولتمرير حكايات الشّتات في حياة العبرانيين، وهي سيرة تأريخية من ثنايا التوراة حول العبرانيين الرّحل، الذين حينما يستقرون لفترة وحيثما يقرون لمكان ما، وقبل أي فعل عدائي يزاولونه، يدعون المسكنة، والضغف، وعليهم أن يطلبوا حماية من هو مستقر في المنطقة، أو طلب الأذن منهم لاستضافتهم ومواشيهم لفترة حتى يرحلوا، وما أن يطمأنوا للحالة، ينقلبون إلى العداء، ويكشفون عن مؤامراتهم التي يسوغون لها أوامر ربهم الواردة على لسان عرافيهم، وهنا هو يعقوب لا غيره، ولكون المؤلف مهتم بتوصيفات لها علاقة بالحالة المظهرية، ولتبريز أهمية مظهر الغريب أمام من يستضيفه، فإنه يستجلب أمور تتعلق بما يتفق عليه الحال من تسويغات بين المستور والمعلن، ولتبريز عادات الضيافة العشائرية، وحقوق الضيف على مضيفه من جهة، ومهارة الضيف في استمالة المستضيف لها أصول يبحر فيها المؤلف، فيلونها بطقوس حكايته، التي ورث الكثير منها من مجتمعات البداوة التي ما تزال باقية في قبائل، وعشائر العراق، وبخاصة في الموصل المحافظة، وبعض من سكنة المدينة ذاتها، ولكي يبرز المؤلف الفوارق بين الطّباع، والتقاليد الأصيلة، أو أعراف القبائل المتعايشة، والتي تؤمن بالصّدق، وتحقق العراف للمستجير من غير نوايا مبطنة يكون في المقابل جواب حمّور ليعقوب بأكثر حنكة، وأوسع معرفة وإدراك، فهو لكون صادق لا بنوي الشّر إلا جهاراً، وبما يمس التقاليد، على غير ما نرى إلى المخفي في بواطن حوارات يعقوب الملغمة التي استطاع المؤلف أن يحملها بعدها التاريخي لأمة لا ترتاح إلا بسفك الدماء، وشربها من أعناق الضحايا.
الدهشة ليست بعيدة عن الشّخصيات
فمنذاللحظة الأولى لدخول دينة، وشمة، وبسمة قرية حمّور انشغل بالهن، وتعلق بأهم أمر افتقدنه طوال عمرهن، وهو الاستقرار، من غير ترحال وممارسة طقوس موسمية يمرح فيها الشّباب، ويخالطّ بعضهم البعض في حب وانسجام، يستضيفون جيرانهم من القرى المجاورة، قرى وادعة تعيش الأمان في حدودها، ومحيطها، ويعرف أهلها جغرافيته، يحسون بمكارم بعضهم للآخر ضمن معايير تعايشوا عليها، ومعها: رجعن وكأنهن يسرن على غيوم تحملهن بعيداً عن الأرض. وبالضّحكات المتبادلة بينهن أحسسن أنهن يحملن رغبات مماثلة لهؤلاء الشّباب المهذبين الوسيمين شديدي اللطف.
الخلوة تلك الدنيا الخيالية التي اقترحها المؤلف تنسجم، وروحية العشاق من رقابة التقاليد، وظلم النّميمة من جهة، خلوة كبساتين الشّوق سحرية وليست بمسحورة، غابات شكبيرية مثل تلك في حلم ليلة صيف حيث يهيم العشاق فيها، وكهوف خيالية ملجأ للهاربين من جور الطّغيان، وخبث الحكام، وانتقام الغواة، الخلوة ربما هي جنات العشاق، ومحبو السّلم، ومن يريد العيش بأمان لا يكون هنا غير الحب فلا عدو، وعداوة، حتى الطّبيعة تراها غنية بعطائها، أشجارها مزهرة مث مرّة دوماً، وطيورها تغرد أناشيد الحب دون ملل.
ربما يكون استحضار شخصية الليمو نمو في تلك الأوقات لدى عشيرته، وأهله، تسويغ لرحلة تقوم بها النّبات الثّلاث إلى بابل، ونمو هو المهندس المقرب للملك نبوخذ نصر، ومتخصص في مشاريع عملاقة منها المشاريع الإروائية، فقد عاد لكي يوفر الاستقرار لعشيرته فابتكرها لها ما يوفر الهدوء والدعة، ليكون من مميزات الاستقرار، فبقدر ما تعطي الطّبيعة للبشر، وبقدر ما يأخذ منها، فعليه أن يعطيها لتنقله لمرحلة جديدة من عطائها، لهذا أقام الليمو نمو مشروع البحيرة “بحيرة الغرام” لقرية حمّور، فظل هنا ثلاثة أشهر ليعمل على استحداث بحيرة اصطناعية “سنرى أخرى يحققها في بابل فيما بعد، ربما كانت هذه البحيرة محاولة تجريبية لمشاريع أكبر”، وهنا في هذه الفترة يتعرف نمو على دينة، وشمة وبسمة كزوجات لأولاد قريبه حمّور، وهم “شكيم، وأتيل، وإيشاكو” أما المشروع فهو مثالي، ويدخل المؤلف في تفاصيل تنفيذ مشروع البحيرة وكأنه هومهندس الرّي الماهر، بكل تفاصيل التقنية، وطريقة تنفيذ المخطط الهندسي على أرض الواقع، ولما يحتاج العمل لأيدي عاملة، يستعين المهندس بالعبيد الذي انحدرو لهذه الطّبقة من جور القروض، وعلو الفائدة على الرّبا، باعتقادنا أن وحود نمو هنا في هذه الفترة بالذات هو تسويغ للانتقال البنات “اثنتان منهن، دينة وشمة ” إليها في ظروف صاغها المؤلف بنسيج واقعي، ومبررات يستوجبها لقرار الرّحيل عبر مسافات طويلة، ومخاطر لا تحصى، ومغامرات لا يقوى على وصفها غير المتأني في صناعة الموقف، والدوران حوله من كل زاوية، والغور بأحداثه في أكثر من بعد، لهذا نرى إلى الليمو نمو الذي يستبطن الأمور، ويتوجس من المستقبل أن يقوم بدعوة أقرباءه الشّبان الثّلاثة شكيم، وأتيل، وإيشاكو، وزوجاتهم دينة، وشمة وبسمة، وكل من يرغب من أهله إلى بابل، ربما لكي ينقلهم من بداوتهم إلى المجتمع المدني بكل أبعاده.
أما على الجانب الثّاني، فهناك نيران لا تنطفئ، من الغل، والكراهية، وحب سفك الدماء، الانتقام من البشر، وتشكيل عالم خاص من النّموذج الأمثل المختار في نظر رب يعقوب السّادي، بشر لم تلوث دمائهم، ولا جيناتهم بأي مخلوق آخر من غير سلالتهم، لهذا ومهما فعل أبناءه، وأحفاده في نسائه، فإنهم في الوقت الذي يستمتعون، ويمتعون يحافظون على النّوع، أما الزّواج من الغريب والاختلاط به فخطيئة لا تغتفر، فإذا ما جازف أولا حمور بالزّوج من بناته، فإنهم قد كتبوا على أنقسهم الموت المحقق، ورغم زغاريد وهلاهل نسوة يعقوب لزفاف النّبات، لكن مخطط عملية سفح دماء أهالي حمّور حتمية، وها قد جاءت هذه الزّيجة لتخترق كل المخططات، قبل أوانها من جهة، ولتسرع في القرار، والبت في مصير قرية حمور بكاملها، فما العمل ومن أين البداية، ومع هذا الجنون كان هناك جنون الحب، وعبثية الجنس: همست دينة: أبي مجنون. ما قيمة تلك الجلدة الصّغيرة -أ منعتنا من الاتصال؟ -لا. – أ رأيت كيف كنت أداعبها في فمي. أجرها بأسناني كالمطاط ثم أتركها فتحدث صوتاً غريباً.
وعلى المؤلف أن يصيغ للموقف جمله المسرودة، والمتوافقة مع ثقافة تلك الأجيال، بمعنى أن يصوغ عبارات تتناسب والعقلية التي كانت أيام أحداث الرّواية، تتماشى وسياق الأحداث، وأجوائها التاريخية والبيئية، لهذا فإن القارئ ينتقل بكل كيانه مع توريات المؤلف، وخفايا السّطور، وكأنه ينتقل من عالم وجيل، إلى آخر، ومن جغرافية إلى أخرى، ولا يكتفي المؤلف بتخصيب ذهن القارئ بالمواقف فحسب، وإنما يغمره بغزارة الصّور العميقة حتى في الرّوى الغيبية للطبيعة والبيئة تأثيراتها، وجمالياتها في نسج الأطار العام للجو، ولسوف يبهرنا المؤلف في رؤية يعقوب، فتتداعى لدينا من خلالها الحكاية التحيتية، والآجواء المأسورة بعصاب مزمن لمن يعتقده النّاس نبياً، وما يزالون مبهورين بمجرم من سلالة تعتقد بالماوراء، وتوهم النّاس بأن هناك أوامر عليا قد وردته، وهي لا تعدو عن هلوسات مأفون، وتصورات مفصوم، مغلفة بما يتصوره العامة بأنها أنواع من التقديس خصوصاً لو صاحبتها دعوة لتقديم الأضاحي، وما دام هناك هاجس لمريض متعطش للدم، فإن خيالاته تصور له، أو هكذا سيدعي للآخرين، ومنهم أبنائه بأن كل ما يقدم على فعله ليس إلا لتنفيذ أوامر المعبود يهوا، ولربما يكون هو الصّحيح، وإن كل ما نفعله ليس إلا لصالح البشرية، وأبناء شعبنا، وفي ذات الوقت لا يتورع يعقوب، عن أن يغذي أولاده بالخيانة، وحتى جوس محارم العائلة، وهو يسمع ويرى إلى أولاده يدنسون فراشه مع زوجاته الثّلاث، فرابين مع راحيل، وزلفة مع ولاوي ويهوذا، وبلهة مع شمعون، وهو ينطلق من نظرية نقاء العرق، وعدم تلوثه، وليفعل الأبناء بالأمهات، والخوال ببنات أخواتهم، وأبناء الأب بزوجاته ما يشاؤون ماداموا ضمن الأمة، إن راوبين هذا من تآمر على بيع أخوه يوسف للتجار، والحكاية هنا متغيرة في رؤية المؤلف، لتنقلب بتصوره التفسيري، ولربما المرجعي الاجتهادي، لقصة قلبها بتغير رحلة التجار من الغرب إلى الشّرق، فبدلاً عن زحف قافلة التجار إلى مصر، يكون طريقها إلى بابل في الشّرق، ربما لكي يبرر المؤلف دوافع عامة لم يقلها، ونحن هنا نود توضيحها، فعلى الرّغم من أن التوراة تذكر بأن إبراهيم كان عبرياً، وهذا خطأ تاريخي وجغرافي، وعقائدي، فإن الموحدين لم يكونوا فقط من العبرانيين بل من الكلدان، وإبراهيم كان نفسه ابن كاهن كلداني قبل السّبي البابلي بقرون، وهكذا هاجر شمالاً إلى حران، وهو يعتقد أنها تميل شرقاً لا شمالها، ومنها نزل إلى فلسطين، وتشكلت أسرته، ومنها ابنيه إسماعيل، واسحق بالرّؤية التوراتية التي تأثرت بها الكتب الأخرى، صار هناك شعب عبراني: هو قلب لكلمة عارب، وكلاهما تعنيان العابر أي الذي لا يستقر في منطقة، فهو بدوي، وراعي يتبع الكلأ، ويسعى لمراعي خضراء، وبهذا نسقط مع المؤلف أسطورة أن العبرانيين أحفاد الأنبياء، لو كانوا فعلاً أنبياء، لأنهم ليسوا أكثر من عرافين، ومفسري أحلام كما سنرى في شخصية دانيال في الرّواية نفسها، لهذا فراوبين مجرم بعزمه لقتل اخيه، وسارق لأنه باع أخاه من غير أن يعلم أباه، بالمكيدة، ربما أن الابن شبيه أبيه، ويبزه في الجرم.
إن التحضير لصراع عبراني عُصابي غادر ضد البشرية، هو فعل من أفعال شيطانية سكنت يعقوب، لم تغادره، حتى ولو نال مبتغاه كله، أليس هو من خدع والده باستحقاق التوريث بدلاً عن عيسو الابن البكر بالتآمر مع أمه، فبذور الشّر كامنة فيه كسوسة لا يني تنفيذ الواحدة تلو الآخرى، وفي ميعاد البيات، فإن الجريمة النّكراء لا بد أن تنفذ، فبعد أن توارى القمر بأفوله ورقاد نسائه، أوعز يعقوب لنفتالي أحد أبناء الاثني عشر بأن يأخذ اللحم المسموم ليرميه لكلاب قرية حمور، وبانجاز نفتالي المهمة أخبر والده، فتصنع يعقوب ركعته الابتهاليةً لآن المهمة الابتدائية قد انجزت بسلام؟؟؟ ولم يبق غير تنفيذ المجزرة، ولما هجم ثمانية من الأخوة، لامتناع جاد، وآشير، وتغيب يوسف وبنيامين، ولم يسع العرائس الثّلاث غير التخطيط للهرب، في غفلة من أهلهم المتهين بغنائمهم، وفرحهم في دحر من آووهم، وفي إبادة من صاهروهم، ولكن الهروب إلى أين، لا بد من مرحلة للاختفاء، ومن بعد الرّحيل إلى بابل بناء على دعوة الليمونمو، إن الخلوة هي إذن المكان المنيع والمستتر لكل هارب، وما عليهن إلا الوصول إليها.
ولم تتأثر الخلوة بما جرى، بل كانت وادعة، غارقة في بهائها، وفيها الكائنات تنعم بالرّاحة والسّلام: الخلوة كما هي غارقة بالهدوء. زقزقة العصافير. تغريد الطّيور. ظل وفير. دوالي العنب. أشجار الفاكهة. بالرّغم من ذلك فلا شيء يبدد الأحزان.، ترجلن عن الجياد.،ثم سمعن صوت الجرو ينبح. فاتجهن جهة الصّوت. تلا ذلك وقع أقدام تقترب. تحفزن للاختفاء. لكنهن تبين أنها موشن. كانت عيناها حمراوين من البكاء. جاءت وهي تمسح عينيها، أخذت تضحك وتبكي معاً: هتفت وهي تسجد للآلهة: أ أنتم أحياء؟ حمداً للآلهة. أخذت تقبلهن، من دون شعور، تقبل وجناتهن، جباههن، أياديهن. اختلطت الفرحة عندها وعندهن بالنّحيب والألم. ثم انفجرت بالبكاء.
وفي الصّحراء حيث رحلة الجفاف، تبدأ الرّواية من جديد، ولكن بمساق مختلف في التفصيل، ومتوحد مع السّياق العام، نرى المؤلف يصف لنا توحد الطّبيعة مع المشاعر الباطنة لدى الهاربات الثّلاث، فنقرأ مثل هذا الوصف: إن قرص الشّمس العملاق محمراُ مصمماً على الانتحار في أقصى الغرب، بهذه العبارات النّافذة في صميم التوهج الإبداعي نسمع في كلمات المؤلف رنين وقع الحوافر، ونمتقع من ثقل تأثير الغبار الذي يزكم أنوفنا، من تيارات الرّياح المهولة حولنا وكأننا نجوس مع الفتيات الثّلاث غياهب المجهول في تلك الصّحراء، ونتلفت بين الحين والآخر بهواجس من لحفته الشّمس بحرقتها في منتصف النّهار، وخوف من ضباع، وزواحف، وأشباح تتشكل من سرابات من يذعن السّير في مجاهل الصّحراء دون دليل غير ما وصف له، ودون خبرة سابقة في شتى الأمور، ذلك ما يبلغه المؤلف في ثنايا النّص، ويرسم حول القارئ أجواء عليه أن يوقن بأنها حقيقية وعليه أن يتقبلها من المؤلف ويتعايش معها، ومع أبطالها.
ويأتي عبور الفرات بعد فرحة الاهتداء إلى ضفته، والسّير بتهادى على طوله جنوباً، وكأن المؤلف يبين لنا طبيعة تهادي المياه في نهر الفرات كعادتها، وكأنها توحي للناظر بأنها مستقرة، لا تغدو، وتجيئ، فيحار في أمر اتجاهها، أهي صاعدة، أم نازلة، باختلاف كبير مع مياه دجلة العارمة النّزول نحن الجنوب دوماً، لهذا كان على الفتيات أن يتأنين في البحث عن منفذ موصوف للعبور، ولكن العبور له ثمنه الباهض مهما كان نوع هذا العبور، فبينما تلتهي دينة وشمة في عبورهما، منتظرتان عبور بسمة، لم يعدن يسمعن لوقع حوافر فرسها صوتاً، ولا لخيالها البعيد من ظلال، وبهذا يجعلنا المؤلف نفقتد الأخت بسمة، من خلال انعدام وقع الحوافر، فينقل لنا صورة مصوتة للعدم السّارق لأرواح الأحباب، فيفجع القارئ بموت لم يتصوره، كما لم يتوقعه أبطال الرّواية، ذلكم من الميتات التي تحدث خارج الزّمن، وبعيداً عن مشاعر النّاس، لو فقدوا أحداً بينهم، أما هنا فإن الطّبيعة قد اشتركت لتنقل الاحساس بالفجيعة من خلال اختفاء وقع الحوافر، وكأن ذلك الوقع كان أغنية تنشدها بسمة، وتتلقاها دينة وشمة عن بعد، فتطمئنان لوجود أختهما حتى بالمسافة المتوقع قياسها، بناء على عمق الصّوت، أو تلاشيه، ورغم أن المؤلف جعلنا نتوقع أوبتها في أية لحظة حتى بعد الوصول إلى بابل، وهو من تقنيات الرّوائي النّادرة، وهو الإبقاء على هاجس للقارئ معلق في بواطن النّص، وخفايا السّطور، وكأنه قدر القارئ أن يتعلق بأمل ما، وبينما يذهب المؤلف لتصوير أن لكل شيء ثمنه، وثمن عبور الفرات هو غياب بسمة ببسمتها، لهذا نحس بالثّمن الباهض للعبور، وإن لكل مرحلة من فداء، وتضحية، ولكل نجاح قدر من الجهد: سمعت دينة صوت شمّة التّي كانت وراءها تهتف بتفجع: بسمة. فالتفت إلى الوراء بحركة عنيفة كادت تسقطها عن ظهر الجواد لولا تشبث رجليها بالرّكاب وتمسك يديها الجنوني بالرّسن. فاستمر الجواد يقفز الصّخور وهي متعلقة به يكاد ظهرها يلامس بعض الصّخور. فأخذت تصرخ من دون أن تسيطر على نفسها.
وينتقل المؤلف بنا بين أجواء متعددة تكمن في أسرار الصّحارى، والطّرق التي يكتنفها الغموض، وكأن ثمن كل مرحلة متجدد، ومتنوع بعين الوقت، وعلى الرّغم من تعدد المجالات في تسويغ مواقف، وحكايات مختلفة، وشخوص متنوعة في درب التشوف للمجهول، فإن المؤلف يستبطن الرّحلة كأنما هي حالة انتقال من عالم إلى آخر، ومن حياة إلى ثانية، لهذا تضمنت كل مرحلة لأحداثها، وشخوصها التي تتناسب والمرحلة، فعندما تلتقي الفتاتان بالرّاعي يرايان أن في داخله شاعر متوقد، وإنسان مظلوم داسته المحن، وأكلته السّنين، يروي حكايته المفجعة، ويقدم الحكمة للراحلات المغامرات عبر الصّحراء الغامضة، أما زوجة الجندي فهي بيبي التي تصورت دينة شاباً، ولكنها لا تني عن معاشرة دينة الفتاة، لربما لم يكن لا موصل، ولا موسلين، لكن خيال المؤلف يسمح بأماكن، ومنتجات من خلال رواية معظم ما فيها من افتراضات، وخيال، بما فيها قصة رحيل قافلة التجار الذين اشتروا يوسف بن يعقوب من أخوته، وعلى رأسهم راوبين نحو الشّرق حيث أعظم عواصم الدنيا، وليس إلى الشّرق حيث مصر وبلاد الفراعنة.
ويصف المؤلف واقعة سقوط شمة عن حصانها، وكسر رجلها بكل دقة، وكأن المؤلف قد وضع نفسه على نفس الحصان، وحصلت له نفس السّقطة، وتعلق الرّكاب بقدمه هو نفسه، مما يجعل القارئ يقاييس ما حدث له من ألم لو تصادف وأن كسر له عظم، أو مجرد رضة، وهذا ما يجعل المؤلف قريب من القارئ، ويجعله متعلق بصوره التي تملاء الصّفحات، وما وراءها، وهو يرى إلى الوصف المتناهي في الجزئيات، وكأنه يرى فعلاً إلى فيلم تسجيلي للواقعة.
أما وصف المؤلف لأشكال الضب، وتكالبه على الدماء، فكأنه ينقلنا إلى موقعة حقيقية وليست متخيلة، وبهذا يعيد المؤلف لنا جماليات الوصف، بشكل مختلف كل مرّة ،وبخيال خصب يجعل القارئ يتعايش مع الحدث بتفاعل آسر، ويصف المؤلف كيفية معالجة دينة لساق شمة، ابتداءً من كشف المكان، وحتى وضع الأخشاب، تعلمته وهي تشاهد إلى مجبر الكسور الفلسطيني زهير بن هاني الذي عالج ساعد أخيها بنيامين بربط أربع خشبات على طول السّاعد، وها هي تضع أربع خشبات حول ساق شمة بعد إعادتها العظم المكسور إلى موقعه بعناية خبيرة، ومن خلال وصف مناسب للمؤلف.
وبعد غابات النّخيل الموصوفة بروعة جمالها، ينقلنا المؤلف لموقعة غير متكافئة بين العبيد المردة، وكل من شمة الجريحة، ودينة الممارسة، والحاذقة في المواربة، والتواري ثم مفاجئة الخصم، فلما داهم العصاة شمة، وهي لا تستطيع الوقوف على قدميها، رماها بالعصا فسقطت، وبهتت دينة، وذعرت، فتمالكت نفسها لكن شمة طلبت منها الهروب، فضحية واحدة تكفي، وفي محاولة هربها لم تستطع دينة استعمال قوسها، وبوصف متواتر للحالة، وبروحية الفزع من الموت، والرّغبة في الحياة تتعلق دينة بأمل لكي تنقذ نفسها، وشمة من براثن العدوان يكون الوصف مؤثراً، ويجسد حالة الوقوع بمصيدة لم يكن قد حسب لها حساب، ولم يدر كيف يتخلص منها، يصفها المؤلف بكل جوانبها، ويحيطها باحتمالات لا تطرأ إلا على من يقع بنفس تلك الحالة، وعين الفخ، وأثناء هروبها ترى دينة إلى أن الرّجال الثّلاثة سينفردون بشمة فما العمل، فيتصادف أن تجد في طريقها زعيم العصابة شوكل الذي يتبعها ليفتك بها، وينتهك سترها، واستعدت دينة في هروبها والابتعاد لتمسك بسلاحها، وترى كيف تلبد للوحش، فسنحت لها فرصة تسديد سهمها لشوكل العملاق فتصيبه في مقتله في العنق، تلك القوة استمدتها مع تعليمات شكيم وهو يدربها على السّلاح، زادها مقتل شوكل قوة، فصممت على العودة لانقاذ شمة، وبخطة بارعة تمكنت من الثّلاثة الذين كادوا أن يفتكوا بشمة، وبمهارتها تمكنت من الثّلاثة واحد تلو الآخر، وصف المعركة المؤلف بتأن ودقة في التنفيذ، وكالعادة وكأنه يولجنا معه، ومع أبطال العملية في ذلك الصّراع الرّهيب الذي لا يبدو متكافئأً، لولا التصميم في الخلاص من عبثية الحياة، وقدرية التشرذم في اختلال القيم، وغياب القوانين بين أدغال الغابة، وكأن المؤلف يشير إلينا بأن هذا قد يحدث في أي مكان، مع اختلاف الطّرق، والأسلحة.
و مرّة أخرى تدخل دينة في معركة غير متكافئة في بيت الملح، عندما كانت تبحث عن بيت للمبيت فيه، فترى إلى بيت عليه رمز لغلغامش تطرقه، فيأتيها من يفتح لتلقتي رجلاً له وسمة عبيد يقود امرأة، فيؤكد لها أن البيت للإيجار، ويطلب منها الدخول ريثما يعود، وهو يجرجر المرأة، فيثير ذلك استغراب دينة، وبما أنها قد دخلت لترى مأوى في بلدة جديدة على طريقها إلى بابل، لا بد لها من انتظار المالك، أو ذلك الذي قابلها، وتصادف أن ترى من السّطح عودة الرّجل مع ثلة ممن خمنت أنهم لصوص، مثل هؤلاء الذين قابلتهم في الغابة وانتهت منهم، وفي معركة غير متكافئة، تقتل دينة ثلاثة منهم، ولكنها في النّهاية تقع في أيديهم، وكانوا ما يزالوا يعتبرونها رجلاً لتنكرها هي وشمة، أما شمة فقد كانت قد هربت لتستدعي دورية كانت مارة ليقبضوا على اللصوص، ولما وصل الحرس وقائدهم اللابتو زمويا، وأثناء ذلك، وبعد السّيطرة على اللصوص ظهرت المرأة التي كان العبد يقودها خارج بيتها، وقالت لهما أنها ببار التي قتلوا زوجها وطفليها، ولا يترك المؤلف حاشية إلا ويملأها بما يثير اهتمام غريب، هارب، ومهموم، يفكر بالكون، فيرى النّجوم، ويحصيها، ويستدل على مداراتها، من بين الهموم والمصائب التي لاقتها دينة وشمة، وبخاصة فقدانهن لأختهن بسمة، مما يفسح مجالاً لمناجات دينة لبسمة من خلال حديثها مع النّجوم، فللنجوم لغاتها التي ينسجها المؤلف حول شخصياته فإن للأشياء والأحياء كيانات قائمة في الرّواية، ولها امتدادات، وتأثيرات على الحياة العامة والشّخصيات بصورة عامة، ومنها ما يفعل الذباب بواقع النّاس اليومي المعاش، وتأثير وجوده على نمط الحياة، وسلوكيات الأفراد، لهذا يمكن أن يكون الذباب في الرّواية شخصية اعتبارية قائمة بحد ذاتها، تؤثر في البشر فيزيائياً وسايكولوجياً وعلى مستويات متعددة.
ولا يتوانى المؤلف من كشف العوالم السّرية في حياة النّساء المحرومات من الرّجال، أو ممن تستهويهن نساء شابات، فيوغل المؤلف فيها لكي يسطو فعل السّحاق على أغلب الإناث، وتعلقهن ببعض حتى وإن لم يمارسنا الجنس الفعلي، بل الشّفوي منه، من حالات العناق، والقبل، واللمس، والتحرش بالأيدي، وما إليها. هذه الحالات نماذج سوف تكرر مع غير ببار، ودينة في أماكن، وحالة متفردة تحضى بأوصاف دقيقة لدى المؤلف، وبين شمة وغيرهن من أمثال أمل، ومن جهة ثانية فإن لتكرار حضور الشّمس في الرّواية ومكانتها هام لتمرير دلالات خاصة يريدها المرلف للرواية وفيها، سواء بالدفء الذي تضفيه، أو بالحرارة القاسية، أو بأنوارها البهية مرّة ،والمبهرة لمرات، وبوحدتها لذاتها وهي تزحف على الأسطح في صباحيات العراق، وغبشه بعد ليالي سرنة بالبرودة النّاعمة.
الباب إلى بابل:
كان الجسر أول المداخل إلى بابل، وصولاً إلى بين الليمو نمو، ومن خلال تلك المسيرة والجولات المتوالية لدينة، وشمة في بابل المدينة فيما بعد له مبرراته لكي يضفي المؤلف على أجواء الرّواية مصداقية تعجب الآخرين، وعجبهم لعجائب بابل، ومنها الجنائن المعلقة، وما سيأتي بعدها من معمار يبتكره المنهدس الفذ الليمونمو في عهد نبوخذ نصر الثّاني، إضافة لأعمال الفنانيين البابليين في النّحت المجسم، والمنحوتات البارزة على جوانب الجدران، والبوابات، ومن جديد يكون للأمكنة هيمنتها على الأشخاص، والأبطال، كيف لا والمؤلف هنا يقوم بوصف مدينة عظيمة، أناخ لها كل العبارات لكي تكون سيدة الوصف في رواية كرست لها، وللتعبير عن أمجادها وعظمتها وعلو شأن أهليها، فبعد وصف الحمام البيتي، وطريقة الاستحمام، ومن ثم كيفية تدفئته في الشّتاء، ينتقل المؤلف لتوصيفات الأسواق على مختلف المهن التي فيها، والبضائع التي يتجار بها بزازو بابل، وعطاروها، وتجار لشتى البضائع علاوة على دكاكين العرافين، ومبصري الطّوالع، عدا عن توصيف لمجتمع الزّحام الذي يبرر التحرش بالنّساء، وكأن النّاس في الزّحمة لا يختلف حالهم عن هؤلاء الذين يستغلون الظّلمة حيث لا رقيب اجتماعي، ولا رقابة سلطوية، مثلما يحصل في غياب القانون، وتسيد انفلاتات التي تحضى بها شرائع الغاب ونواميسه.
وينتقل المؤلف من خلال تعريف القارئ بالليمو نمو الذي جاءت الفتاتان للعيش معه، لكي يرنا إلى مكانة الليمونمو المهندس من أهالي قرية حمور، وهو يسترجع ذكرياته مع الملك نبوخذ نصر، وبخاصة الحادثة التي قربته من الملك، أي عندما سأله عن تكاليف بناء الجنائن المعلقة، فاكتشف الملك من خلال نزاهة الليمونمو جشع غيره، ممن يكثرون من حوله في البلاط، فيقوم بمنحه الثّقة التامة، وهذه المكانة التي توسمها، فصار من المقربين، وما يزال يرعى المشاريع التي لا تنتهي لجعل بابل أجمل عواصم العالم، وأهمها تنظيف بابل من القاذورات التي هي مصدر تكاثر الذباب، وبخاصة فضلات الإنسان نفسه، بابتكار نظام لتصريف القاذورات، ابتدأها بالقصر، وأكملها في حواري بابل كلها، وبانهماكه بهذه المهمة، والمهام التالية كان مكان ملاحظة ليس الملك، وإنما الملكة نفسها التي كانت تراقب انجازه في القصر، وتعجب لمهارته، وتأتي وحولها وصيفاتها الحسان، لتستمع إلى مشاريعه المقبلة.
ومن طرف بعيد نشم حكمة المؤلف ليبين أن الظّلم يسود في كل مكان من الحاكم، والطّبقة التي تحيط به، إلى أبعد، وحسبما تدور الأحداث، ففي إحدى أماسي القصر، تتم محاورات عن العمل والحياة، العطل والموت، وحال العبريين، والضرائب التي تقع على العمال، والأجراء، والعبيد وما أل إليه حالهم فانتفضوا، ولكن بشكل غير مؤهل لأخذ حقوقهم من الجلادين، بل صاروا هم يجلدون النّاس مثلما كان أسايدهم يفعلون بهم، ولا يدرون ممن ينتقموا، بينما وصف حال العبريين بأنهم يعروفون كيف ينتقمون من أعداء يهوا ربهم، لتحقيق طمحواتهم البعيدة المدى في التسييد على العالم، ومحق كل الأقوام، أو جعلهم خدم وعبيد لهم، ولشهوات يهوا نفسه، وبين مقترحات الانتقام من الأسرى، بقتل الرّجال، أو سمل عيون الرّجال ليتيهوا في الصّحراء، ويموتوا كما تفعل بعض الأقوام المحيطة بهم بأسراها، أو بإبادة الجميع، كانت المفاجأة أن الليمونمو قدم مقترحاً هو أن يتم التعامل مع الأسرى بأن يعاملوا معاملة حسنة، على مستوى ما لبابل من سمعة وحضارة، وذلك بان تقام لهم مستوطنة زراعية قرب أسوار بابل، ورغم عدم اقتناع البقية من الحكماء، وذوي الخبرة فإن نبوخذ نصر يقتنع برأي الليمونمو السّديد، ويجري العمل به فوراً، رغم ما لاقاه الليمونمو منهم كطفل حين قتلوا أهله، والآن حين محقوا عشيرته في قرية حمّور، وعلى الرّغم من مقترحه العملي، والحكيم لكن هذا ما سيجلب الويل على بابل في النّهاية.
إن انتصار نبوخذ نصر على العبرانيين، يعد إحدى ردات الفعل ضد الأقوام الهمجية السّائبة في البرية، فهو نوع من الصّراع بين المدنية والبداوة، وصراع بين نظامين اقتصاديين أحدهما يعيش على انتهاك الحرمات، وأعتبار كل ما على الأرض ملكه، بتخويل من ربه المريض عقلياً، وأنظمة متمدنة نشأت حول أحواض الأنهار، فاستقرت، وتشكلت لها شرائعها التي بها يهتدي الحاكم والرّعية، هذه الحضارات كانت ليس فقط في وادي الرّافدين، وعلى الفرات بالذات، وإنا في وادي النّيل على حد سواء، لهذا لم يقم نبوخذ نصر بغزوته بتلقاء نفسه، ولا بإيعاز من رب مجنون، وإنما بالتشاور مع مجالسّ الحكماء في الداخل، وأقرانه في مصر، وأسيا الصّغرى، ولم يحدث ذلك إلا لتكالب العبرانيين في الاعتداء ليس على الشّعوب المتمركزة في مستوطنات زراعية، وإنما على قوافل التجار، ولا بد من فعل كبير لاجتثاث أمراض السّطو والقتل السّاديين، وما جلب الأسرى بما يربو على 40 ألف أسيراً بينهم العراف دانيال، سوى لمعالجة الأمر بروية، وإلا لكان جيش نبوخذ نصر قد أباد الكل كما يفعل العبرانيون، وهذا هو الاختلاف بين حكم العقل والحياد، وحكم التعصب والانجرار وراءها عاطفياً، لعل وصف المؤلف الدقيق لحالة الأسرى كما عودنا في توصيفاته التي ننخرط معه في كل تداعياته الجميلة، وبعد مقترحات عدة جاء دور الليمونمو الذي اقترح توطين الأسرى، ورعايتهم بشكل إنساني، التي بادرها في البداية، إضافة لاقتراحات محلية تتعلق بالضرائب، والفوائد: صمت الليمونمو. جلس. ساد الهدوء برهة ثم علا التصفيق بشكل لم يتوقعه الليمونمو قط. كان يظن أن الأكثرية ستعارضه، لكن التصفيق الطّويل جعله يطمئن إلى أن كلامه لاقى الاستحسان، وغيّر من أراء المعارضين، لكن ذلك كله غير مهم ما لم يفصح الإمبراطور عن رأيه. ثم علا الهمس بين المجتمعين.
ولكي يبين المؤلف حال العبرانيين من الداخل بعد السّبي كما سبق وأن قدمها أيام يعقوب، فمن اللازم أن يسقط الضوء على شخصيات المجتمع العبراني المعتدل منها، والمنحرف، وقد نجح في تبريز شخصيتين هامتين هما يوسف ابن يعقوب، و دانيال العراف الذي كان بين الأسرى منذ البداية، وشيوخ عبرانيون، فبعد أن استقروا في مستوطنتهم لاحظوا صمت دانيال، كان صمتاً مصطنعاً، كما يفعل الدجالون في أيامنا، ولربما هو البديل ليعقوب، وحامل رايته، وبعد شهر اجتمع بشيوخ العبرانيين لينبئهم بقراره، وهو الانتقام من البابليين، ولتكن البداية مع اغتيال الليمونمو، ومن ثم تأتي الخطوات التالية حتى تدمر بابل وشعبها، ولكن كيف، ذلك سؤال يبقينا المؤلف معه ليتدرج في الأحداث ولا يستبقها، ليس من باب التشويق، وإنما لكي يذكي مشاعرنا بالغل اليهودي الذي لا ينتهي بانتقام واحد. ولا تفوت المؤلف سانحة إلا ويستغلها لكي يجعل الأجواء تسطو على القارئ بأجوائها، ومناخاتها.
أما حكاية يوسف نفسه، فإن دينة وشمة، وبعد وصول الأسرى من أهاليهم، بدأتا تعدان، وتتحسبان لمن يمكن أن يكون بين الأسرى، فقد لاح لهم دانيال العراف، ولربما تكون نساء أبيهما، وأختهم الصّغيرة بين الأسرى، ولربما يكون جاد، وآشير هم الآخرين ضمن الأسرى، ولكن ماذا عن يوسف المفقود قبل هربهن، ربما تتصادف الأقدار أن يكون هو الآخرى في بابل العظيمة، ولكن يوسف بتصور المؤلف له أكثر من وجه، فيوسف لديه هو من ينتهز الفرص لاستغلال الآخرين لمصلحته، ولكنه ينصاع للأوامر، من أجل تمرير حالة معينة، وكأن يوسف يأتمر مرّة للملائكة، ومرّة للشياطين، فقد اتهم بقتل صائغ لكنه أنكر ذلك، أما عند قتله صاحب المزرعة فإنه يضطر لذكرها، وكأن المؤلف يود هنا أن يذكرنا بحادثة زليخة زوجة الفرعون التي تولهت بيوسف، ولكنه سجن، ولم يقتل أحد في السّيرة التوراتية. وتكفل دينة يوسف، ولكنها لا تجده، فقد التجأ لبيتا الغانية الحسناء، ولم ينفذ عهده بأن يقوم بالعمل، فهو يربح من مهنة العرافة، وتفسير الأحلام أكثر من أن يعمل في مزرعة، ولكن تهديد دينة بإعادته للسجن جعلته يرضخ لترك بيته، وعرافته، ولكنه لم يستمر كثيراً قبل أن يغتال صاحب المزرعة ويدعي أن امرأة المزارع هي التي أغرته فنام معها، واضطر لقتل الرّجل بعد انكشاف أمرهما، وبعد الجريمة، يهرب يوسف وقد قتل المزارع، ولكن العسس يصطادوه عندما يتوصلوا إلى بيتا الغانية التي تدلهم على مكانه، ويحاكم، ويصدر القرار بإعدامه على خازوق، ويتم تنفيذ العملية في ساحة عامة، لعلها من مبتكرات المؤلف خارج نطاق التاريخ التوراتي، لربما لكي يبين أن التاريخ له وجوهه المختلفة، وقد يتم تلفيق حادثة، ويتم تصديقها لو حدثت في السّابق، أما هنا في الرّواية فمن حق المؤلف أن يتحكم بمصير أبطاله، طالما أحياهم في نصه، وتصرفوا تبعاً لما رسمه في الرّواية، وهندس له الممكن، وجعل له مبرراته المقنعة للقارئ.
وتتعدد الحكايات، حول مصائب المحرومين، برؤية وتحليلات المؤلف لشتى الأمور التي تتعلق بمجتمعات قديمة تسودها الطّبقية، وتعدد المراتب بين النّاس، وسوادهم من الفقراء والمحرومين، ولعل من الأمور التي يسقط المؤلف الضوء عليها هي تجارة الرّقيق، وتأتي من خلال محاورات جانبية، فقد سأل ألليمونمو جاريته الجديدة، والتي كانت وصيفة الملكة عن اسمها، وكيف وصلت إلى بابل فقالت: أسماء: وأضافت: كلّ تجار العالم مرابون يتعاملون بالرّبا الفاحش. إنها أسهل طريقة لجمع المال. تذكّر ما يروى عن النّخاسين وكيف يذلون المخطوفات والفتيات اللواتي يشترونهن. ترى ماذا عانت لتصل إلى هنا وكيف قطعت الصّحراء مع هؤلاء الأوباش؟ وكم وحشاً اعتدى عليها في ذلك الطّريق الموحش الطّويل؟ لم يحاول أن يسأل. ذلك مبدأ من مبادئه. فلكلّ جارية قصة طويلة. مؤلمة. مأساة. سألها: أهي جميلة؟ – من؟ – مكّة. -ليست مثل بابل. صغيرة تحيطها الجبال. شديدة الحر.
ويبقى لدينة أن تحقق أمنيتها، وأمنية زوجها شكيم في دراستها للطب، فتلتحق بمستشفى بابل المركزي، وتلتقي بأعظم جراح فيها، فتنظم لمجموعة طلبة جاؤا من مختلف الدول لكي يتعلموا الطّب هنا في بابل، أما شمة فلها رغبة أخرى وهي تعلمها فن النّحت، لهذا تهرع لمحترف بابل للنحت، وتبهر هناك بما تراه من منحوتات للألهة، وفيما بعد أن تعلمت شمة صنعت لها تمثالاً، وذلك بتأثير النّحات الأشهر أتيل صاحب مدرسة النّحت في بابل، ولا أدري لما جعله المؤلف مخموراً طوال الوقت، كانت شمة تفهمه من نظراته، فقد أومأ لها إلى صخرة أحست شمة أن أتيل يحثها على إطلاق التمثال من أسره بأزميلها.
وعودة للمساق في مجريات التفاعل داخل المجتمع العبراني في بابل، فإن كان على دانيال العراف، بحيله، وكذبه حتى على الملوك أن يبتكر طريقة لتسجيل تاريخ مزور لقومه العبرانيين، فتعمق في التعرف على الرّواة البابليين، ومسجلي الأخبار، واطلع على ما يرويه الخطباء عن الأساطير السّومرية، والأكدية والبابلية المتناقلة، ومنها قصة سرجون الأكدي “أي سرغون الموحد” على اعتبار أن كلمة أكد تعني الاتحاد، وقصة ولادته في قفة من سعف النّخيل مطلية بقار عراقي، أوعزت هذه الحكايات الأسطورية لدانيال بابتكار قصة لولادة موسى، وحينما قرأ دانيال شريعة حمورابي وبنودها نسخ عنها ما يتلاءم والعقلية العبرية، ومزاجها، وبعض مما أوحى له بأن تكون من ضمن الألواح التي استلمها موسى من يهوا على جبل الطّور في سيناء، وفيها الوصايا العشرة، وهكذا ابتدأت كتابة التوراة.
هكذا يفعل الأمريكيون والمغول، كل ما هو مكتوب يُحرق أو يرمى في النّهر، ولا يبقى أثر مكتوب غير الزّائف للمستقبل، لهذا بقيت التوراة محفوظة بدلاً عن ثقافة الطّين في الرّقيمات، فمن هو إليعازر محمود سعيد يا ترى أهو إليعازر الذي أقامه المسيح وهو في كفنه، أم إنه مجرد اسم بلا تورية، فلماذا كان على إليعازر في الرّواية أن يضحي بنفسه لاغتيال الليمونمو، إن خطة قتل الليمونمو تبدأ من يوم وضع دانيال نصب عينيه أن يدمر دولة بابل، بعيداً عن رضى ورفض العبرانيين المسالمين، وحتى هؤلاء الذين يركضون وراء غلوائه، ولا يفهمون ما يرمي إليه، هو صورة أخرى من يعقوب بن إسحق، وغيره من المتنبيئن، والعرافين، فمنذ ظهور دانيال في القافلة أثار المؤلف استغرابنا من وضعه، وتقدير العبرانيين له، رضى أو رفضاً.
ولا تفوت المؤلف في أية سانحة أن يصف الأشياء المحيطة، وكأنها شخصيات عليه أن يجعلها تتكلم من خلال جمالياته، وتشكيلاتها المعمارية التي تنطق من غير لسان، والأمثلة كثيرة ومنها وصف مشروع بابل المستقبل، ربما ليضفي ظلال الأشياء على المواقف، لكي يبين جبرؤت الإنسان لو تمكن من إعادة تشكيل الطّبيعة لو عرف كيف يستغلها، وفهم أبعادها، أما فهم المؤلف للتاريخ فهو على الرّغم من استقاء معلوماته من التوراة وظلالها في الكتب الدينية الأخرى، لكن مطالعاته، وثقافته التاريخية، وتحليلاته لها جعلته ينأى عن الانسياق للخدع، والأضاليل التي ما تزال تكمم أفواه العالم، وتعمي أبصاره بفريات كتبها العرافون من بني صهيون، على أن العبرانيين هم بناة بحيرات بابل، وأهرامات مصر،
لهذا يتحسب المؤلف للكثير من الطّوارئ، ويرسم منها ومن حولها افتراضاته التي تحتكم للموقف، وحتمياتها فهذا الحرس الخاص وقت الجريمة، مع يقظته لا يمكنه أن يوقف فعل ما نوى عليه شرير، وأخفى وراء قناع الزّيف وجهه المغل، أو الواجب المكلف به في اغتيال اللميونمو، فكيف يصف المؤلف الليمو نمو قبل ضربة السّيف وبعدها، وكيف يجسد المؤلف مهارة أطباء بابل، ويعود من جديد لقراءة واقع التفاعل لدى بطلته المحورية دينة، هل يريد المؤلف أن يبين أهمية بابل، وقوتها حتى في العلوم، أم أنه يريد أن يبين معرفته التاريخية حتى في هذا المجال، ومن خلالها معارفه الطّبية، وبخاصة تجبير العظام، وكسورها.
ويوظف المؤلف الكثير من المعلومات التي يعرفها الكثير منا، لكنه يضعها في مكانها المناسب في الرّواية، متجاوزاً حتميات التاريخ، ومتفاعلاً مع حقيقة زاولها الإنسان منذ تعرف على الطّيور، ولعل حكاية نوح “التوراتي” والحمامة بعد الطّوفان هي موضوعة تمازجت وحكاية الحمام الزّاجل.
ونعود من جديد إلى توصيفات المؤلف غير المسبوقة في التفنن في إحياء صور الأشياء بموتيفاته كوصفه للماء المتدفق من السّدود:، الماء كحصان أسطوري (أسماء البحيرات على أسماء الأشجار) فيقول: ظن الجميع أن عنفوان المياه سيقتلع الجسور الصّغيرة لكنها قاومت المياه لبنائها المحكم وبقيت بعد ذلك منقوعة به وأرضيتها تلامس الماء من الأسفل. كانت المياه تندفع في القناة وتدور حول البحيرة باندفاعها المجنون يصحبها صوت زمجرة حادة كأنها تشارك الموسيقى بعزفها المميز. حتى إذ وصلت البحيرة بدت وكأنها تقفز فيها. ثم خفّ عنفوانها فطفقت تهدأ، لكنها استمرت تتجمع في أسفل البحيرة، تدور حول نفسها يعلوها الزّبد. لكنها وبالرّغم من تدفقها الشّديد لم تبدُ سوى نقطة صغيرة في محيط البحيرة الواسع والكبير. بينما استمرّ النّاس يهللون ويرقصون والطّبول تقرع.
السّيناريو الدانيالي:
مع تشييع نبوخذ نصر، ومجيء نبوئيد: جاءت اللحظة الحاسمة، والمناسبة، ومن حينها ابتدأت مؤامرات دانيال الحقيقية، وبشكل مباشر، ومن غير مواربة، فقد بدأ يرسل الوفود من جهة للتآمر مع الفرس، وتقديم تفاسير، ونبوءات كاذبة لكي يصدقها، غيره سواء من شعبه، أو من البابليين، ومنهم نبوئبلاصر الذي قربه منه، وبخاصة لما رأى هذا حلماً ليد تكتب على الحائط “من منا” فسرها دانيال بانتهاء عرش بابل، وكان دانيال وقتها يعلم بساعة الصّفر، نبوءة العراف عن اليد التي كتبت على الحائط، هي الأخرى فرية تاريخية من فريات بني صهيون منذئذ، وكعادة المخربين لا بد من استغلال كلا الطّرفين لكي ينعموا بالرّفاه، ففي تأليب دانيال للفرس على البابليين منفعتين اثنتين، دحر البابليين، والسّيطرة على الرّعيل، وعقليتهم من خلال احتوائهم، وتمرير المخططات الكبرى منهم، وإليهم، وعليهم، ولهذا كان هناك تغيير للحال على عهد نبوئيد من خلال كثرة الملاهي والفسق، وتمرير عودة الضرائب، والفوائد على السّلع، والعمل. ولا بد من تويسغ النّتائج، بإنهاك القوى لدى عامة البابليين، ووضع الأمور ضمن أجندة تقويمية لتهيئة لاحتمالات ما سيأتي به المجهول لخلق حالة من الترويع، إضافة لهذا كله فلا يبخل المخرب من صرف أموال سرقها على عطايا، وهدايا للصديق حالياً، والعدو مستقبلاً، وهنا هو قمبيز، وفليس حجر الفيروز المهدى إليه إلا من فرض الضرائب على العبريين، ومنها ضريبة العودة على كل عبراني، لكي يشعر هؤلاء بأنهم هم أيضاً متورطين، ومساهمين في جرائم قادتهم، وكهنتهم وعرابيهم، ومن العرابة، والتكهن، وهما أمرين مفتعلين لتمرير سيناريو التآمر، ولاقناع ذوي الأدمغة الفارغة، فقد انطلت دعاوي دانيال ليس على الملوك البابليين وأكاسرة الفرس، وإنما على شعبيهما، ولعل ما فعله كل استر ومردخاي لدى قمبيز، وابنه كورش من مداهنات، وعمالة من خلال الأكاذيب والغزو، ومكاسبه إضافة لسهولة المهمات، لما آلت له الظّروف من احتمالات النّصر، ومن السّرقات، ومن خلال شفاه الرّواة، وإضافاتهم جرى العمل على انجاز تدوين النّسخ الأولية من التوراة، واقتباس نشيد الإنشاد من روايت الرّوات البابليين، كل ذلك لكي يجعلوا الآخرين موقنين بأن تاريخ بابل من صنعهم، وأنهم يستحقون الانقاذ على أيدي الحماة، وهم هنا الفرس، فما أن ينتهوا من فرية حتى يدعموها بحجة أخرى لاغراء الفرس لتحقيق مآرب الصّهاينة كأدوات لا يخسروا هم شيئاً في كلتا الحالتين.
وعندما بلغ دانيال 97 بدأ انهيار بابل، وكانت الخطة في استقبال الفرس، وتدمير كل ما يمت بالتاريخ، وعندما أحست دينة بالخطر اختفت هي وجاد، وجاء ذلك بناء على نصيحة قلقميش لدينة، بأن عليها الاختفاء في الجبل قرب شرقاط،، وهو أمنع من عش العقاب؟؟ ولربما كان توجس دينة بخراب بابل، هو الذي دفعها للصعود إلى المخابي في أطراف شرقاط، والتواري هناك وقبل الختام لا بد من سيرة معلوماتية جديدة
وفي الختام نعود للبداية في السّياق العام:
إن البرولوغ التقديمي في رواية بنات يعقوب الذي خصصه المؤلف للبحث عن المخبأ، ورحلة محمود سعيد إلى شرقاط آشور، برأينا لا تنتمي للرواية، وهو باعتقادنا مشروع لرواية أخرى كان على المؤلف أن يختزنه ليتحف القارئ به فيما بعد، فما ميّز هذا المبحث هو أن يقدم المؤلف الرّواية بصيغة بالأنا المباشرة، أي بالضمير المباشر، لعله يشير لمدينة فاضلة عمرتها، وعاشت فيها دينة الهاربة بعد سقوط بابل العظيمة، فهل توسم المؤلف في هذا المخبأ، أن يكون ملجأ أم يوتوبيا، باعتقادنا أن المؤلف لم يكن ليحتاج لكل هذا التقديم البرولوغي في الحكاية الشّرقاطية، ربما اعتبره المؤلف تمهيداً تصوره مفيداً، أو ملفتاً للنظر لكي يربط حكاية دينة الصّبية العجوز، المعتزلة في منطقة الفتحة، التي تركت بابل وجاءت لتختفي هنا شمال شرقاط، بحكايته التي قدمها في الرّواية، وهي في حقيقة الأمر ليست بالتسويغ المناسب للدخول إلى الرّواية، ربما فكر المؤلف أنها حكاية سوف تضيف شيئاً من المصداقية التي يوهمنا بها المؤلف ونسرح مع خياله، لكننا نرى أن تأثير الحربين على العراق، ومن ثم غزوه هما الحافز الرّئيس لوضع البرولوغ في مقدمة رواية لا تحتاج لتسويغ ما، لكي تدفع القارئ للاستمتاع بها، لنقرأ مع المؤلف ما جاء في وصية دينة المكتوبة على الصّخر: اقرأ. أنت ذو البصيرة والمعرفة والقلم. اقرأ لتعلم من أنا، ومن نحن؟ أنا دينة ابنة الإنسان. سأبقى هنا على الحجر إلى أبد الآبدين. سأخاطب عقل وقلب الكائن الحي الذّي لا يموت بموت الجسد. سأقول لكل حي أن لا ييئس إن كان له أب وأجداد مجرمون كأبي وأجدادي. عليه أن يختار عائلته بنفسه وأن ينتسب للإنسان الخيّر حتى لو كان غريباً. اخترت أنا أن يكون أبي الليمونمو وأخواتي كيدين وكونوك وببار وصوفيا وأسماء إضافة إلى تمناع وشمّة، وتنازلت عن أبي وإخواني لأعمالهم الشّريرة باستثناء جاد وآشير وبنيامين. فعلت الخير لكل طفل متشرد تعس، وآليت على نفسي أن لا أقذف بطفل بريء إلى الحياة ليعاني المآسي، من جوع، واغتصاب، وتشريد، وقتل، لا أريد لطفلي أن يصبح سيداً يستعبد الآخرين، ولا أن يكون عبداً للآخرين. لم أنجب بالرّغم من طبيعتي كامرأة تتوق أن يكون لها ولد.
مرجع تقييمي لرواية بنات يعقوب
التميز والتنوع:
الرّواية الزّرقاء هو تعبير آخر لعنوان هذه الرّواية التي تستحق أكثر من عنوان لكثرة المدلولات، وعمق التوصياف، وجذالة البيانات، ولكنني فضلت تعبير الرّواية الزّرقاء لأن جل اهتمام محمود سعيد وإحالاته مكرسان للون الأزرق، يتوزع على عناصر كثيرة في الطّبيعة والأشياء، زرقة الماء، سحر المساء، وصفاء العيون، وتلون الثّياب، واصطباغ الآواني، ومعها تدرجاتا ألوان الزّرقة المختلطة بالأخضرار مرّة ،وبالدفء الحميم للتعامل مع الأمور بشفافية محمود، وزرقة طبيته الهادئة الرّقيقة أخيراً، وليس آخراً. لنقرأ عن اللون الأزرق التالي كمثال: مياه زرقاء، تبدو المنطقة العميقة فيها، مثلثة، بعيدة عن الشّاطئ نحو نصف ميل، زرقاء تميل نحو السّواد، ثم يخف اللون الأزرق تدريجاً، ويتغير في بعض الأمكنة إلى الأخضر، حتى إذ لامس الشّواطئ البعيدة قرب مياه الزّاب أصبح أشبه بلون الأرض. لهذا فإن الألوان، وبخاصة اللون الأزرق لها امتيازاً محمودياً، رغم تكرارها في ثنايا النّص، لكنها تأتي عند توصيفها بنكهة مغايرة، وذائقة مميزة عما قبلها، وما بعدها، في الأشياء التي يتعايش مع النّاس،
بعض من العناصر البيئية:
هناك الكثير من العناصر المعنوية هي أبطال في رواية بنات يعقوب: الذباب، الحر، الشّمس، العرق، وغيرها،فهو يتعامل مع هذه العناصر ويشيّئها ككيانات واقعية، وليست وهمية، تشكل ردود أفعال لدى الأبطال، فلا يكتفي محمود سعيد بالعناية بالألوان، وإنما بمكونات الطّبيعة المختلفة، والمختلجة بين ذاته كمؤلف، وبين هواجس شخصياته، وثنايا أحداث روايته: فالشّمس، تنبعث ذهباً صافياً، ومغيب الشّمس له نكهة خاصة، هي شموس محمودية، لهابة في الظّهيرة، وحنونة عند الغسق، وحزينة لما يبتلعها الأفق، وكأنها محتضر يموت. وقوية بهية عند الشّفق،
أما الرّوائح فإنها تغلب على كل المسميات، ومنها روائح الزّهور، والعطور، والتوابل، بل إن محمود حين يصف مدينة يأتيها من روائحها، ونكهات أسواقها، وحتى العتمة فهي تشع بأنوار المؤلف بوصفها عالم محسوس، ففي الظّلام تمارس الأحياء طقوسها بشكل يختلف عما في النّور، أما الأشجار، فكائنات حية تتنفس، وتلقي بظلالها على الواقع، وخاصة على من يستظل بها، فتحميه من الحر، ومن أعداء غير مرئيين،، وماذا عن الصّحراء، فبالرّغم من قساوتها في النّهار، فإنها رفيق حنون في الليل، تدفئ الرّاحل بحنان الأمومة، فالليل ساحر بجماليات يضفيها المؤلف على الأشياء، فكلها لها ظلال، ولها درجات من الرّؤية، وثنايا سحرية تنفتح على الآخر حتى في غياب القمر وفي الليل تحاك المؤامرات،، وتنفذ المجازر، الليل كلحاف يغطي بسواده أفعال البشر، لكن بصماتهم يكشفها نور الفجر، ولا يبقى لليل دور إلا لو أعطي فرصة قريبة ثانية، فيما لو لم يتم اكتشاف الخطايا، والعثرات، . وعندما يأتي المؤلف إلى نهر الفرات فهو يتغنى بالماء العذب، والتيار الهادئ، والحد الذي لا يتجازه غير المغامر، كيان متجذر، وسيل مهيب من مياه لا تستقر، هو التاريخ، وهو البقاء، وهو الحياة، له هيمنته على ضفتيه، لكليهما تبعية له في الخضرة، والارتواء، الفرات هو هو أينما وجدته من منبعه إلى مصبه، ينساب كأفعوان صامت، مختال بجريانه، لكنه غدار لمن لم يخبره، ومن هنا من الفرات يخبرنا المؤلف عن الماء فهو الحياة، والديمومة، ولولاه ما كانت هناك حياة حتى بوجود الهواء، الماء مادة قدستها الأمم منذ القدم، تخشاها، وتعبدها، فهي سر سرمدي لا ينضب، وللماء أشكاله، وصفاته الجمة. وعلى جانب مغاير نرى إلى الذباب فهو لعنة كبيرة، وآفة لو تكاثرت لهيمنت على الحياة، تقضم أسواء من الجراد، وتلوث الأمكنة، لأنها تتنقل بين الأوساخ، والأماكن والأجساد النّظيفة، ليست كالنّحل يمص الرّحيق، ولا يقرب النّتانة، لكن الذباب حتى في طريقة طيرانه، والتصاقه بالأجساد مقزز رغم أنه لا يلسع. وكذلك الأوساخ والغائط، أمور طبيعية لابد من المؤلف أن يشير لها لأنه يتعامل مع الواقع المعاش بتلقائية، وطبيعية.
وهناك البشر من النّاس:
اللصوص هم مردة باعتقادهم يثأرون لحالهم، لكنهم لا يميزون ما يفعلوه لعدم وعيهم، انتقامهم يشمل حتى الأبرياء، ولضيق أفقهم يخربون كل شيء، ربما عندما يسيطر عليهم الجوع يفقدون الاتجاه، والتوجه، نفسه، وربما لأنهم كما يوحي المؤلف، فهم ثوار من غير تنظيم يجمعهم، أو حزب، ومن غير قيادة، ومنهاج عمل، ربما يشير المؤلف هنا إلى عبثية الانقلابات التي جرت وتجري في العالم العربي من غير طائل، إذ سرعان ما يعود الأسياد ليتسيدو من جديد، لضعف وتشتت من يقابلها، ولقلة حيلهم، وهكذا، فإن التجار بنظر المؤلف في كل العصور هم فئة طفيلية على كاهل العامل، والمستهلك. وللملوك في نظره صفة عفن طفيلي مرهون لأسياده، ودمية تحركها أصابع خفية. أما العرافون فدجالون يبتزون النّاس، ولمفسري الأحلام صفات متعددة، فهم يبتدعون حلول كما يرونها لاسقاط عملائهم في حبائلهم لكي يغتنوا. أما الصّاغة فعلى الرّغم من تعاملهم مع المعادن الثّمينة، بحرفية ومهارة فنية عالية، لكنهم لما يبيعوها، يصبحون تجار.
ويتخذ الجنس مساحات كبرى في الرّواية: في الحمامات، والقبل بين العشاق، وكثير من السّحاق، ولماذ لا يكون هناك لواط ما دامت النّساء سحاقيات، فاين يذهب الرّجال، في مجتمعات البداوة، لعل أبرز أمر يبدو لنا لواطياُ في الرّواية وصف المؤلف لعملية مص القلفة من قبل امرأة، وسحبها بأسنانها لترتد كالمطاطة، ويجسد المؤلف علاقة المرأة بالمرأة جنسياً ليس بإشارات وتلميحات، وإنما كرس المؤلف جوانب عديدة لشذوذ المرأة، وفصّل في بعض ملامح السّحاق، فمتى ما استحفم أمر المرأة تنحو بإتجاه الواقع، ولكن من خلال تفاعل مع شبه الحقيقة كتعامل شمة مع التمثال الذي طُلب منها أن تنحته، وتحار في تجسيد عضوه، وهكذا،
رواية تتحدث عن التاريخ برؤية محمود الخيالية
إن العمل في هذه الرّواية يبين لنا تواز المعرفة والفن، فهما مترافقان لدى عمل المؤلف بشكل يشبه المنمنمات، فمن جهة يقوم المؤلف بتتبع ما يحفظه من معلومات متعددة في التاريخ، والسّياسية والعلوم الطّبيعية، والديانات، وغيرها الكثير، فيقوم بوضعها في قالب فني من خلال منمنمات يصوغها بزخارفه، وبشكل لا يكل، ولا يمل من تتبع التفاصيل في تشكيل أية من منمنماته، وحول أي موضوع يتطرق له، وكأنه يصوغ طوق من الفضة، أو ينسج سجادة سبق أن وضع لها رسومها المفترضة في تصاميم مصغرة، ومن ثمة يقوم بتكبير الصّور وصفاً، وتعليقاً حتى تكتمل لديه الصّياغة الفضية، أو النّسيج الحريري، فيقوم ليعلقها بأعناقنا، أو يفرشها تحت أقدامنا، ومن جهتنا لا نستطيع رفض جوس الحرير المنسوج في صوره الخيالية، والتباهي بأناقة الطّوق الذي حوطنا به، بتلقائية ومرونة تنساب وكأنها أمور طبيعية يتلقاها من غير معاناة، ولا تكلف، تلك هي مهارة محمود سعيد في توريط القارئ في أحابيله الفنية، فلا يعي القارئ بما تورط به مع المؤلف إلا عندما يصل الصّفحات الأخيرة، وقد أبهجه اللهاث وراء الصّفحات مهما طالت الرّواية، أو قصرت، فلقابلية محمود الرّوائية معايير لا يتخطاها من موضوع إلى أخرى، فهو لا يقيس فنه بعدد الصّفحات، وإنما بالارتواء المناسب بين الأحداث، والشّخصيات.
ولأن محمود سعيد يقدم التاريخ بما يخالف ما قدمه تولستوي عن التاريخ في رواية الحرب والسّلام، فتولستوي سجل وقائعه كيوميات استفاد منها المؤرخون، ولم يكن تولستوي بمؤرخ ولكنه معايش للأحداث، فإن محمود فلكونه استجلب التاريخ من عمقه الزّمني التليد، ولم يكن ليعايشه، فإنه استعان بذاكرته الموصلية، ليسقطه على التاريخ البابلي، والمجتمع والعادات، والتقاليد البابلية، وما تبقى منها في الذاكرة الجمعية الموصلية، وبهذا يكون قد تعامل مع التاريخ السّحيق برؤية ليست بمعاصرة في قرننا هذا، ولكن لبدايات القرن الماضي في العراق بين العشرينايات، والخمسينيات من القرن العشرين، وخاصة بالموصل ذاتها، فبابل ليست بابل التاريخ، وإنما هي بابل بصياغة محمودية، موصلية،
لهذا يمكننا أن نصف نمطية الرّواية على أنها حكايات الرّحيل من القرية إلى المدينة، وهواجس التحول من البداوة إلى المدنية،
أما معمار رواية بنات يعقوب فإن لمحمود تصور لنا معماراً متخيلاً، وتوصيفاً للديموغرافية، ورسوماً للجغرافيا بنفس يتناوب بين المؤلف والتاريخ. الواقع والخيال. يرسم مسالك الطّرق، ويغور بنا في متاهات الصّحارى، والوديان، ويدور بنا في أزقة المدن، لهذا حق للمؤلف أن يخلط التداعيات التاريخية والجغرافية في وصفة محمودية، ورغم قصر الجمل، لكن السّرديات المحمودية تغور في تفاصيل ممتعة، تشع بإنسايكلوبيدياته المترعة، خاصة، وإنه رائع فابتكاراته في وصف الشّيء لكل مرّة بنكهة مختلفة، وبقريحة فياضة، وخيال لا ينضب،
المجتمعات العراقية القديمة:
يقول الباحثون في ثقافات العراق القديم، وعلى مدى تلك الحقب فإن البابليين والآشوريين لا ينتقمون من أسراهم، وإنما يدخلونهم في لحمة المجتمع، ويوزعونهم على مراقف الأعمال، الضباط للجيش الفلاحون للمزارع، والعمال للعمل، ولم نسمع بذلك عن البابليين أنفسهم، فإنهم كانوا أقوام متجانسة، ويستفيدون مميزات الأقوام الوافدة، وممن لهم ثقافات مختلفة للتقارب والتناغم، وهذا ما حدا بالليمو نمو المحمودي اقتراح توطين اليهود في مستوطمة زراعية خاصة بهم قرب بابل العاصمة.
أما ما ورد بخصوص سميراميس فقد كانت زوجة نينوس، وهي التي حفرت الترع قبل نبوخذ نصر، وكانت شرائع إيشنونا هي الحاكمة قبل حمورابي، لأن أصول العبرنيين، وأبوهم إبراهيم الخليل فإن إبراهيم نفسه كان كلدانيا، ولم يكن عبرياً، بل إن اسم العبري جاء من كون أن قوم إبراهيم كانوا رحل يعبرون المسافات للرعي فسموا بالعبريبن مثلما سمي العرب.
إن التجاء المؤلف للتأكيد على بنات يعقوب في روايته، وليس أبنائه فإن من الضروري توضيح أنه في العقيدة العبرانية أن المرأة هي أصل التوريث لهذا فإن بنات يعقوب عدن إلى بابل لكي ينكحوا، ويزيدوا من أبناء أمتهم، ربما كانت حنكة من المؤلف، أو فجوة فاتته الإشارة إليها، والتأكيد على هذا المبدأ، وجعله يتمثل في براءة التصرف، أو الخوف من الغدر، وكراهية الترحال..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *