ناطق خلوصي : الاغتراب عن الواقع في رواية ” لستَ الأول ” (ملف/1)

إشارة :
منذ مجموعته القصصية الأولى “بورسعيد وقصص أخرى” عام 1957، وروايته الأولى “ضجة في سوق راكد” (1959)، أخلص الروائي الكبير محمود سعيد لهموم الإنسان العراقي والعربي. ولولا إصدار الراحل الكبير غائب طعمة فرمان لروايته النخلة والجيران عام 1967 لاستطعما القول إن وراية “زنقة بن بركة” (1970) لمحمود هي التي دشّنت العهد الفني الناضج للرواية العراقية. عام 2008 اعتبرت روايته “أنا الذي رأى” إحدى أفضل إثنتين وخمسين رواية في العالم. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الكتّاب والقرّأء إلى إثراء ملفها عنه بالمقالات والصور والوثائق.

المقالة :
تختلف رواية ” لستَ الأول ” عن روايات محمود سعيد السابقة ، في طبيعة بنائها السردي ونماذج شخصياتها وموضوعتها المحاطة بإطار من الغرابة وقد نأى بها الروائي عن الواقع إلى حد الاغتراب عنه . وبالرغم من أنه ذيّل الرواية باسم مدينة ( البصرة ) بما يوحي بأنه أنجز كتابتها هناك ، ألا أن كل أحداثها وقعت في مدينة في الولايات المتحدة وهي ، على ما نعتقد ،مدينة مشيغن التي يقيم فيها الروائي منذ سنوات ، تشي بذلك تفاصيل جغرافية الأمكنة التي ترد في الرواية والتي يبدو الروائي على إلمام تام بها. فهو يقول في وصف الطريق إلى الحانة التي كان الراوي ( وهو بطل الرواية ) ذاهبا ً إليها : “انطلقت بسيارتي في التاسعة والنصف . سلكت الطريق السريع 55 ثم انحرفت إلى لانكرانج ، ومن بعد إلى جينجري السريع ، حتى إذ وصلت إلى بلين فيلد التفت إلى اليمين ….. ” ( ص 29 ) .لا أحد يقدر على مثل هذا الوصف الدقيق ما لم يكن من سكنة المدينة، في حين يظل قارىء الرواية على جهل تام بها .
صدرت الرواية عن دار ” ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع ” وجاءت في 143 صفحة من القطع المتوسط . ولأن بطلها هو راويها كما أشرنا فقد جاء السرد بضمير المتكلم وقد عمد الروائي إلى توظيف الوصف ، وبشكل خاص وصف شخصية ” أريستول “(شخصا ) ، والسلـّم والحانة (مكانا ً ) : فـ ” أريستول ” هذا سيصبح شخصية تكاد تكون محورية مع أن صاحبها لا يحضر في الرواية شخصيا ً سوى مرتين خلال عشر سنوات ، : مرة كل خمس سنوات ، لكنه يمارس لعبته من وراء الستار وبالتالي فهو شخصية شبحية تصفه الرواية بالقول : ” لا يتجاوز طوله خمسة أقدام إلا بإنج أو إنجين ” و ” لفت نظري شعره الأسود الكث ، وتهيجه الشديد المتلاحق العميق بالرغم من صعوده ببطء ، كأنه طفل في سنواته الأولى ” (ص 5 ) و” وجهه خال من التجاعيد ، وجنتان مرفوعتان قليلا ً وخد أسيل أشبه بخد فتاة ( ص 6 ) ، وفي كل إصبع محبس يلمع ، حتى في الإبهامين كليهما . خواتم بلاتين ، صفر ذهب ، فضة ، فصوص حمر ، زرق ، شذرية ، خضر . ساعدان مليئان بالدمالج ، صدر تتدلى منه نياشين متعددة ، ليست عسكرية …. ” ( ص 11 ) .ولهذا الوصف المطوّل الذي يضفي غرابة ًوغموضا ً شديدين على شخصية أريستول ،صلة بطبيعة عمله و بما سيقع من أحداث لاسيما أن أريستول هذا لم ينطق كلمة واحدة تحل لغزه فهو لا يجيد اللغة الانكليزية ، وكان بطل الرواية يتعرف على أية تفاصيل عنه من خلال هاتف خالته الذي وجد رقمها في ملفّه .
أما السلـّم القائم في البناية التي يعمل فيها بطل الرواية / الراوي الذي يظل بلا اسم ، وأريستول معاً ، فهو طويل وضيق في “نحو ثلاثين درجة ، لا تلتوي ولا تنحرف كل بضع درجات ، كما في الأبنية المألوفة ” ( ص 5 ) بما يشي بأن البناية التي يقع فيها السلّم ضاربة في الفِدَم فضلا ً على إشارة والد الراوي إلى الأرضية عند زيارته البناية وقوله ” مثل هذه الكاشيات كانت في بيت عمي الثري في العراق ، آنذاك كانت آخر طراز ( ويعني قبل عشرينات القرن العشرين ) ( ص 7 ) وهذه اشارة أولى إلى كون الراوي عراقيا، يؤكد ذلك أنه كان يتعاطف مع اللاجئين ، لكونه هو شخصيا ً والأسرة الصغيرة التي ينتمي إليها ، من اللاجئين أصلا ً . فهو ابن لأبوين هاجرا من العراق إلى الولايات المتحدة عام 2005 الذي شهد ما يشبه الحرب الأهلية في العراق ، وتؤكد ذلك إشارته إلى بؤس عائلته ” الغارقة بالقهر والحزن ،/ وأنباء الوطن الغارق بالذبح . القتل العشوائي ، القتل على الهوية ، التهجير المر ، الهرب خارج الوطن ” ( ص 6 ) ، وقد تهيأ له أن يجد عملا ً وهو في العشرين من عمره في منظمة” غوث ” غير الربحية لمساعدة اللاجئين الوافدين إلى المدينة وأصبح مديرا ً لها بعد خمس سنوات ، وكان يعيش مستقلا ً عن أبويه رغم أنه يساكنهما في بيت واحد ويحتفظ بشقة خاصة يشارك صديقه ريسي فيها : ” منذ سنتين وأنا أعيش في البيت وحدي بالرغم من وجودهما معي …كانا يتجنبانني بشكل ملفت للنظر ” ( ص 102 ) .
أما الحانة التي ستكون مكانا ً لجزء مهم من الأحداث فيقول الراوي عتها : ” المبنى متواضع ، يبدو من بعيد أشبه بمخزن بضائع ، طابق واحد ، لا شبابيك ، لا سلـّم نجاة ، هدوء شامل ،/ تحت سماء مملوءة بنجوم وكواكب لا حصر لها ” ( ص 29 ) . ويكتشف الراوي أنها حانة ونادِ خاص في الوقت نفسه ، ونكتشف نحن أن ” لستَ الأول ” الذي تحمله الرواية عنوانا ً لها ، إنما هو اسم هذه الحانة ، ثم يتبين لنا أن سبب اختيار هذه التسمية يكمن في كون النادي صُمم لقبول نخبة قليلة وجاءت هذه التسمية للتخفيف عن صدمة الذين ترفض طلباتهم لأن أي واحد منهم ليس أول من رُفض طلبه ” الرفض قدر مكتوب كالموت ” ( ص 110 ) .. يقول الراوي ، وهو ما يزال خارج البناية ” وإذ اعتادت عيناي الظلام السائد ، أدركت أن هذا المبنى رغم تواضعه يشمخ وحده في محيط دائري ينوف على بضعة أميال . أرض خلاء تمتد حتى الأفق ، من الجهات الثلاث ، أما من جهة الغرب فهناك غابة تحاذي ظهر المبنى ” ( ص 30 ) . إنه مكان غريب من الخارج وسيكون أكثر غرابة ً من الداخل . ويقول وهو أمام الباب : ” فجأة اختفت الأضواء كليا ً لبضع ثوان ٍ. امتلكتني رجفة لم أسيطر عليها ثم فاجأني أنبوب ضوء يتدلى من الأعلى يدور بسرعة هائلة مع صوت كأنه وشيش مرش ماء هائل في حمّام ” ( ص 30 ) . ويرتبط هذا الوصف الخارجي الذي لا يخلو من غرابة بما سيحدث في الداخل ، وبما يشي بعالم ( السحر) الذي ينتمي إليه أريستول وهو الذي وجه الدعوة للراوي لحضور هذه الحانة / النادي الذي سيختلف داخلها ، وصفاً ، عن خارجها في حالة تضاد واضح : ففي مقابل ظلام الخارج تشع أضواء الداخل فالممر ” يغرق بأضواء ترقص ، تتحرك ، تشع . لم أدر ِ ما أفعل ، غير أن ما هدأني ظهور غرفة صغيرة بعد نحو مترين تحيطها المرايا في جدرانها الأربع بما فيها الباب . رأيت صورتي مضطربة مهزوزة ، عيناي تائهتان في ثلاث جهات . حينئذ تمالكت نفسي ، اعتدلت ، ضغطت على تقاطيعي بكفّيّ ، لأعيد نفسي إلى نفسي ” ( ص 33 ) .
كانت كل طلبات الراوي تلبى على حساب أريستول الغائب الحاضر من خلال قدرته الخارقة . وعلى امتداد أكثر من خمسين صفحة ( بما يشكل ثلث حجم الرواية ) يواصل الراوي وصف ما حدث في الحانة ولم يكن أريستول يحضر إلا من خلال شعاع ضوء يظهر مثل لمحة خاطفة في هذا المكان أو ذاك بعد أن وفر للراوي كل ما يرفهه وخصه بنادلة كانت طوع بنانه ووضعت جسدها في خدمته ورافقته إلى بيتها . لكن أبرز ما في هذه الصفحات أن المكان الحافل بالموسيقى والغناء والرقص كان مكرّسا ً لإدانة الحرب والدعوة للسلام . وكانت حرب العراق حاضرة أيضا ً مما برر مشاركة الراوي في حلقات الرقص والغناء الصاخب لأن كلمات الأغاني لامست جرحه وأثارت الكامن من مواجعه :” اقتحمت أعماقي موسيقى أغنية نيل يونك عن الحرب الأخيرة في العراق ، يتسرب اللحن من فوهات غير مرئية في الجدران . ينبث حزينا ً مثقلا ً بالآهات :
أنا أعيش مع الحب كل يوم
أعيش مع الحرب كل يوم من كل قلبي
أعيش مع الحرب الآن
عندما يشق الفجر أرى رفيقتي
يقتلونني كل يوم ، يقتلونني مرة بعد مرة
أحاول أن أتخيل السلام
ليس مع القطيع ” 0 ص38 ـ39 )

لقد كان واضحا ً أن أريستول راجع منظمة ” غوث “للصول على هوية لاجىء تؤهله
لامتلاك رخصة عمل وهوية شخصية له لكي يحصل على فرصة عمل للاشتغال في المدينة يوفر من خلالها سبل العيش لـ “درزنين ” من الأشخاص في بلاده ( وقد ظل اسمها مجهولا ً). وأول ما تمثل وجه الغرابة في شخصيته أنه كتب ” ساحر ” وهو يحدد طبيعة عمله وقد التقى بالراوي في الجمعية وما قدمه له كان للتعبير عن عرفانه لجميله عليه . و ” ساحر ” هنا ليس بالمفهوم الشعبي الشائع عندنا . أنه يعني أحد الأشخاص الموهوبين القادرين على الاتيان بما هو غير عادي أو خارق ممن يتوفرون على قدرة استثنائية للإدراك فوق الحسي . هل نقول أن محمود سعيد كتب روايته هذه متأثرا ً بمعطيات الباراسايكولوجي لاسيما أنه قدم في الجزء الأخير من الرواية نماذج من الخوارق لبعض الذين يتوفرون على هذه الموهبة ؟ يقول سلمان يعقوب العبيدي في مقدمة كتاب ” خوارق الابداع ” الذي ترجمه عن كناب ” النفوذ إلى الإبداع ” للدكتورة ” شفيقة قرة كلة ” ، أن امتلاك بعض الأشخاص لمثل هذه القدرات الخارقة أصبح اليوم ” علما ً مستقلا ً بذاته يُدرس في المعاهد والجامعات العلمية في العالم المتقدم في محاولة للتوصل إلى تفسير علمي لمثل هذه الظواهر وهو علم دراسة الظواهر الخارقة ” الباراسايكولوجي “، الذي يعني دراسة ظواهر غريبة كالتخاطر والاستشفاف والإحساس عن بعد والتكهن بالغيب وتحريك الأشياء المادية بتركيز النظر إليها والبحث عن الماء والمعادن بواسطة عصا الإستنباء والقراءة بعيون معصوبة والسباحة في الهواء ” وغير ذلك . ويقدم الكتاب نماذج لمثل هذه الخوارق، لكن الخوارق التي تستعرضها الرواية قد تبز الخوارق الواردة في الكتاب .
و يلقي أريستول على الراوي أول درس مباشر من هذا النوع من السحر عندما علم أن معاملته قد تم انجازها : ” رأيته يُخرج من جيب سترته الداخلية كرة مشعة . أهي من زجاج ؟ لا أدري . كان يمسكها بأصابع يده اليمنى ، مدها إلى منتصف المسافة بيننا فوق المنضدة ، وبحركة لم أرصد خفتها ، أصبحت الكرة فوق سبابته …. وتدور بسرعة هائلة ، تدور فلا يبدو منها سوى شعاع يملأ فضاء مقصورتي الصغيرة الخشب .. .. أصبح الشعاع أشبه بشاشة سينما …. ” ( ص 22 ) . ثم جاء للتعبير عن العرفان بجميل الراوي عليه وسلـّمه بطاقة دعوة للحضور إلى حانة وبدت البطاقة غريبة أو مسحورة هي الأخرى . ” لم أسمع فتحة باب ، لم ألحظ أية حركة ، لكن الأرض انشقت .انتشلني من عملي قهقهة هائلة ، صوت أليف صاخب يملأ فضاء مقصورتي الخشب الصغيرة . رفعت رأسي فغمر الغرفة ضوء فجر حي مشبع باللون اللازوردي ، يمتد فيهما شعاعان قويان ينبعثان من عيني أريستول الزرقاوين البنفسجيتين المميزتين إلى عيني . فجأة تذكرت ما حدث لي مع كرته البلورية ، وطيراني في أحداث لم أتخيلها من قبل ” ( ص 24 ) . وما لبث في زيارته الغريبة والغامضة الثانية أن جاءه ببطاقة شرف ذات ثمن غال ٍ لحضور عرض في أحد الفنادق هذه المرة وبدا أن كل الأعمال الخارقة التي قدمها السحرة في الفندق كانت على شرف الراوي وموجهة إليه شخصيا ً .
لقد اعتمد الروائي الاسترجاع المنداخل مع السرد ،بلغة متدفقة تقترب من الشعر في العديد من المقاطع وتوصيف مباشر لعلاقة الراوي الحميمة مع نساء الحانة التي غطت صفحات عديدة من الرواية وأن شاب ذلك بعض المبالغة .
لقد ختم محمود سعيد روايته بقوله : ” أنا أعلم أن أريستول يقرأ ما بنفسي ، وأنه حين لم يظهر يدفعني لتحمّل انتظار خمس سنوات أخرى . ترى هل سأتذكر ؟ أم سيقوم هو بتذكيري . وإن كانت تلك نيته ، فما الحلقة القادمة أأستطيع التنبؤ بها ؟ ” ( ص 143 ) . فهل يعني أن روايته تنفتح على جزء ثان ؟ لا نظن ذلك لأننا لا نرى مبررا ً له بعد أن قال في هذه الرواية كل ما لديه !

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    أكتب هذه الكلمات القليلة، وأنا أشعر بامتنان وحبّ وتقدير، لأستاذي الكريم، ناطق خلوصي، داعياً له بالسّلامة، وطول العمر، ومزيد من الإبداع.
    دمت مبدعاً، رائعاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *