الرئيسية » نقد » ادب » علوان السلمان : السباعي والقدر الشهرزادي

علوان السلمان : السباعي والقدر الشهرزادي

سئل جورج اورويل مرة..لماذا تكتب؟..فكان جوابه منطلقا من اربعة اسباب:الانانية المطلقة التي هي الرغبة في أن يبدو ذكيا من اجل ان يتم الحديث عنك وان تكون مذكورا بعد الموت..وللحصول على خلفيتك الخاصة في وجه الكبار الذين تجاهلوك في مرحلة الطفولة..اضافة الى الحماسة الجمالية والواقع التاريخي والغرض السياسي..

وادب الاعتراف الذاتي(السيرة الذاتية)autobiography فن من فنون الادب التوثيقي بضمير المتكلم الذي هو صاحبها كما في اعترافات جان جوك روسو والقديس اوغسطين التي انصبت على التجربة الروحية والتحليل النفسي..واعترافات طه حسين في الايام واعترافات عبدالرحمن شكري في مدينة الاسكندرية تلاه عدد من الادباء والمفكرين في تدوين سيرهم الذاتية كاحمد امين والمازني والعقاد ولويس عوض في(اوراق العمر..سنوات التكوين)..و(ايام معه) لكوليت خوري التي كشفت فيه علاقتها بالشاعر نزار قباني..و(اصابعنا التي تحترق) لسهيل ادريس فضلا عن مذكرات نوال السعداوي.. لذا فهي تستدعي الى التأمل والتفكير في الافق الذهني المتجاوز للمألوف والتي يتحدد مفهومها تبعا لمظاهر الحياة المنحصرة في الافعال والافكار والعواطف..وبالرغم من كل هذا لم تستطع الثقافة العربية ان تقطع شوطا ابداعيا في مجال ادب الاعتراف حتى انها اخذت تفقد مما انتجت ..الا محاولات استثنائية منها محاولة القاص علي السباعي في(شهرزاد..قدري)..واسهامة دار صافي للترجمة والنشر في نشرها وانتشارها/2016..كونها تعرض اعترافاته بمراحل حياتية(تراجيديا النصر او الموت/الحياة اقصر من فتيلة قنديل/شهرزاد قدري/الاحتراق الكامل في مملكةالزاماما) بوحدة عضوية منطلقة من العنوان العلامة السيميائة الدالة على شهرزاد المعرفة والتنوير الفكري.. المتناص وشهرزاد الف ليلة وليلة المنقذة والباعثة للحياة..
(استهواني الخط العربي وسحرتني(القصبة) وكيفية(قطها) لاخط بها حروفي..كانت اغلب بيوتات الناصرية من القصب..كان لنا جيران منزلهم من قصب فكنت اذهب اليهم لاطلب منهم القصب فتستقبلني ابنتهم الزنجية(شهرزاد) التي كلما ذهبت لاطلب القصب كنت اجدها ممسكة بكتاب تقرأ فيه ومن حولها امها واخواتها..فسألتني ذات ضحى:لماذا تحب الخط؟ أجبتها بما كنت اسمعه من عمي الخطاط:الحرف كالمراة الفاتنة..فلو اخذنا حرف الالف في خط الثلث ففيه صدر وعجز..اذن هو كالمراة..ضحكت لكلامي بملء روحها البيضاء حتى ان عينيها السوداويين الحراقتين لم تستطيعا ان تكتما فرحة روحها وامها واخواتها يسألن):ماذا يقول)و(لم تضحكين؟)..تجاهلتهم وقالت لي بحنو وضحكتها الى الآن تملأ روحي محبة: ابن عربي يقول:ان الحرف أمم..لحظتها صمت لانني لم اعرف بماذا اجيب..فمسدت على فروة رأسي وقادتني شهرزاد من يدي اليمنى داخل(الصريفة) واعارتني كتابا قائلة بحزم:يا علي خلقت لتكتب..) ص12ـص13..
وتتحقق النبؤة الشهرزادية فيكتب السباعي اول قصة قصيرة(عربدة عقب سجارة الضابط العراقي)..ومن هذا المنطلق ينتمي الى الانسانية فيحس الحياة مع الجمعي الآخر محققا لذاته وجود فاعل ومتفاعل فيتجاوز الآفاق والحدود لينشر في مجلة(الاتحاف)التونسية(عرس في مقبرة)المستلة تيمتها من الحصار(اذ باع رجل بناته لبيت دعارة كونه لا يستطيع اعالتهن فاصيبت زوجته بالجنون)ص17.. ويخوض السباعي في غمار الحياة سابحا بلحظاتها لينتج مجموعته القصصية الاولى(ايقاعات الزمن الراقص) التي يلتزم اتحاد الكتاب والادباء العرب نشرها وانتشارها/2002..كونها تتنفس من واقع بائس وانسان مسحوق ابان فترة الحصار.. وعلى اثرها يردد(وينطفيء عمري قصة بأثر قصة)..العبارة التي يكررها المنتج ليزيل الشك ويجعل منها لازمة النص وعمره..فينتج مجموعته الثانية(زليخا يوسف)/2005..عن دار الشرون الثقافية العامة/بغداد.. لينطفيء بعضا من عمره ويردد(وينطفيء عمري قصة بأثر قصة)..ويظل متشبثا بخيط القص كمتنفس يجد فيه خلاصا من الحياة المتصارعة.. المحاطة بالازمات النفسية والاقتصادية والاجتماعية..
(اجدني لا اعيش الا من اجل القصة..اعيش حياتي بكل تفاصيلها ولكنني لا اغفل عن القصة ابدا..كل تفصيل في حياتي مضمخ بالقصة..وانا اليوم اكثر ثباتا على ان القصة هي خلاصي الاول في هذه الحياة لاني اجد فيها ذخيرة عمري كله..وينطفيء عمري قصة بأثر قصة..وما زلت الى الآن أطارد خيط دخان..وأنا الآن أسقط في النسيان..) ص18..
فالسباعي يقدم اعترافا يكشف عن منعطفات وخفايا حياته الشخصية ابتداء من الولادة(ولدت في مدينة الناصرية التي يقسمها نهر الفرات الاسمر نصفين متساويين..وهذا الاسمر الفرات دائب الحضور في قصصي..اذ انفقت أمي من عمرها عذابا وألما ليومين ونصف اليوم في الطلق وبمساعدة القابلة(لندا بشاره)التي جاءت الى العراق ممرضة مع القوات البريطانية التي احتلت العراق عام اربعة عشر وتسع مئة بعد الالف واحبت ضابطا عراقيا من اهالي الناصرية وتزوجها بعد ان اشهرت اسلامها وبنت جامعا في الناصرية..) ص11..ومرورا في فصول تراجيديا الدم العراقي ومشاطرة الجيل الهاتف بمعادلة(النصر او الموت)..والتي يقف ضدها الكاتب لانه يرى ان الادب عالم احتجاجي ضد المآسي التي تولدها الحروب..لذا فهو يدعو محاولا التاسيس لاجيال تعرف كيف تعيش بسلام وتتحاور وتتساجل وتختلف وتبني وتعرف ان ذلك حق صغير من حقوق وجودها..لذا فهو يسال ويظل سائلا:متى تنتهي هذه التراجيديا الدامية.. تراجيديا النصراوالموت..حتى نصفق للسلام وبشدة..) ص4..
ويظل السباعي يلح على الكلمة ليكون لصوته انعكاس ولايقاعه تأثير وصدى..فيحمل صليبه على اكتافه متخذا من هموم شعبه مادة قصصية..(شعبه المغلوب على امره..شعب منخور..نخرته عصابة..شعب جعلوه بلا…ذات..)ص5..كل هذا جعله يتعذب فيكتب ويكتب لان النوافذ كانت كلها مغلقة..ساعتها يعلن عن نفسه (تعلمت كيف اقاوم وكانت الكتابة..ذلك الترياق الذي لم يستطع ان يقتلني بل زاد من صلابة عودي..) ص6..حتى انه خاطب ذاته(علي السباعي.. حافظ على توازنك واحذر من ان تكون الكتابة هي الشيء الوحيد في حياتك..فكانت هي الشيء الوحيد في حياتي)ص7.
هذا يعني ان فن الاعتراف عند السباعي منغمس في ثقافته ولا ينفصل عن سيرته الذاتية.. معتمدا على محورين اساسيين:اولهما يخصه بتفرد وثانيهما يخص اللحظة الحضارية والثقافية للمجتمع.. وهذا يجرنا للقول ان السيرة الذاتية واليوميات والاعترافات هي اشكال ادبية بينها صلات متداخلة لانها تعتمد على رصد تجارب واقعية غير متخيلة.. مما يجعلها مغايرة لطبيعة المتخيل السردي..
وبذلك قدم السباعي سيرة مقالية تعتمد عنصر المادة(الفكرة) التي تشكل الافكار والحقائق والتصورات والمشاهد والتجارب والمشاعر..وعنصرالاسلوب الصياغة اللغوية والقالب الادبي الذي تصب فيه الافكار التي تمتاز بالوضوح قصد الافهام والقوة قصد التأثير..والجمال قصد الامتاع..فضلا عن التعبير عن عواطفه وانفعالاته وانطباعاته الخاصة..باسلوب يستدرج المستهلك(المتلقي) بطريقة مشوقة للتفاعل مع النص السيري(الاعترافي) بافكاره وتصوراته..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *