داود سلمان الشويلي : ابك بغداد و بغداد ابكي – المرثية الذاتية لبغداد

القصيدة:

((ابك ِ بغداد َ
قال َ اليهودي ُّ وهو يُمسّد ُ شعر َ الصغير ِ
عشيّة َ في الصالحيّة ِ لوّح َ (نُوري السعيد )
أن ْ انتثري يا بلاد ُ
ابك ِ بغداد َ
قال َ سُقاة ُ الحدائق ِ
اهل ُ الشمائل ِ والاريحيّون َ
يوم َ توهّم َ (عبد الكريم ِ) وعسكره ِ الهمجي ُّ
اجتراح َ الجنائن ِ من عربدات ِ الرعاع ِ
فبادوا بهم
مثلما هُم ْ
ابادوا
ابك ِ بغداد َ
قال َ الشيوعي ّ ُ وهوَ يعضّ ُ هويّته ُ
ويناكد ُ ضحكة (صدام َ ):
لست ُ الذي منه ُ تضحك ُ
لو انّهم ما ارادوا …
ابك ِ بغداد َ
قال َ المسيحيّ ُ
والخائفون َ شهود ٌ على دمه ِ :
لو بدين ِ الذئاب ِ استجرت ُ
اجاروا !
ابك ِ بغداد َ
سوف َ تقول ُ النعام ُ , الهوام ُ , زهور َ السياج ِ , الدجاج ُ , النعاج ُ , الجريح ُ , الذبيح ُ , المغنّي , الاجير ُ , الامير, السواقي , الحصونُ , الجنون ، الكتاب ُ , الشراب ُ , النبي ّ ُ , الغبي ّ ُ , السماء ُ , الخراء ُ , الحقول ُ , الخيول ُ , الحزين ُ , الامين ُ
القوافي
المنافي
يد ُ الله …
بغداد َ ابكي
كثيرا كثيرا
فلا هاديا ً غير َ هذا الحمار ُ ….)).

تحليل القصيدة : 
لمراثي المدن في الارث الشعري الرافديني مساحة واسعة وكبيرة ، وهناك مدن عديدة كتبت عنها المراثي في الفترتين السومرية والبابلية لاسباب شتى منها غزو الاعداء لها واحتلالها ، مثل مرثية اور وبلاد سومر، ومرثية نفر ، ومرثية اكد ، ومرثية تخريب مدينة أور ، ومرثية مدينة نضر ،ومرثية مدينة الورقاء ، ومرثية تخريب مزار لكش،حتى بات هذا الارث الشعري مصدر الهام للناس والشعراء في كل المناسبات العراقية الحزينة ، وبات العراقي الى يومنا هذا يستخدم (النعي ) – وهو اسلوب وطريقة خاصة في قول المراثي – على فقيد عزيز .
واستمرارية الذائقة الشعرية العراقية في طرح هذه المواضيع ، تعيدنا الى تذكر التاريخ ليس وهو يعيد نفسه ، بل في ما يكرره من مجموعة امور يرى فيها البعض انه يعيد نفسه ، وقد توضح هذا لمن قرأ (مرثية اور ) التي بقيت عبر التاريخ خالدة وهي تقدم رثاء لمدينة سقطت تحت براثن الغزاة .
فالشاعر السومري في المرثية يصف لنا بكاء اهل اور:
* ((قلب المدينة يبكي، وناي القصب فيها ينوح.
شعبها يقضي يومه في النواح والنحيب.
أي نانا، أيها النبيل، عد لشأنك،
فإنك لن تقايض بالدمع شيئاً.)).

اما الشعر في تلك المراثي فتبقى دهشته الازلية، تلك الدهشة التي تتولد في كل مرة يقرأ فيها او يسمع ، وهي تتجدد ، وتتولد من خلالها صور كثيرة تنبعث من الفاظها المترابطة ، فيشع فيها ومنها سحر ذلك الترابط ، وتلك العلاقات .
واذا كانت الدهشة اول ما يتملك المتلقي عند قراءته او سماعه للشعر، فان ما يخفي من امور كثيرة وراء هذه الدهشة تتبدى بعد ان تكون القصيدة قد اكتملت قراءتها ، او تم سماعها ، لان تلك الدهشة – وعلى الرغم من انها دائمية التولد – ستكون ولادة لتلك الامور، مثل الفكرة التي قدمتها القصيدة ، وما توحي بها اللغة المستخدمة فيها ، والصور التي تبنى من خلال ترابط الالفاظ والكلمات .
امامنا الان قصيدة تاخذ المتلفي – القاريء او السامع – بتلابيب فكره ،لان ما تمنحة عنده هو الدهشة ، الذي تخلف فيما بعد في ذهن و( بال ) المتلقي امورا كثيرة بعد ان تزول تلك الدهشة .
من الامور تلك التي تولدها سماع او قراءة قصيدة ( ابك بغداد ) للشاعر السبعيني ابراهيم البهرزي ، هي الفكرة او الافكار التي تقدمها القصيدة .
القصيدة هي مواساة مدينة تاريخية مثل بغداد ، ومطالبتها بالبكاء لما وصلت حالها اليه .
واذا كانت المراثي الرافدينية تقدم رثاء للمدينة هذه او تلك ، فان الشاعر ابراهيم البهرزي ، يخرج عن مألوف تلك المراثي ليدعو فيها مدينة بغداد الى ان تبكي نفسها.
القصيدة هذه مثل السمفونية تعتمد حركات عدة، فهي تتالف من ست حركات ، او مقاطع شعرية ، حيث يبدأ الشاعر قصيدته بلازمة شعرية يرددها كبداية كل حركة او مقطع شعري لانشاء عالم شعري او صورة شعرية جامعة ، هذه اللازمة هي ( ابك بغداد ) والتي يعكسها في الحركة السادسة والقصيرة – المقطع الشعري السادس – الى ( بغداد ابكي ) وكأن الشاعر يؤكد على مدينة بغداد لتفعل هذا الشيء ، فيبدأ باسم بغداد ، اي ان جملته تكون اسمية على العكس من المقاطع السابقة التي تكون الجملة فيها فعلية.

في الحركة الاولى – المقطع الشعري الاول – يقول الشاعر مخاطبا بغداد :
* (( ابك بغداد
قال اليهودي وهو يُمسّد شعر الصغير
عشيّة في الصالحيّة لوّح (نُوري السعيد )
أن انتثري يا بلاد )).
يرد اسمي اليهودي ونوري السعيد كناية للعهد الملكي في العراق اولا ، و لخروج اليهود من العراق ثانيا ، فيطلب الشاعر من بغداد البكاء للواقعة التي حدثت فيها بخروج اليهود منها وهم من سكانها الاصليين .
هذا اول سبب لبكائها ، لتشتت العائلة العراقية .
في الحركة الثانية ،يقول الشاعر :
* (( ابك ِ بغداد َ
قال َ سُقاة ُ الحدائق ِ
اهل ُ الشمائل ِ والاريحيّون َ
يوم َ توهّم َ (عبد الكريم ِ) وعسكره ِ الهمجي ُّ
اجتراح َ الجنائن ِ من عربدات ِ الرعاع ِ
فبادوا بهم
مثلما هُم ْ
ابادوا)).

سبب – كما يرى الشاعر – البكاء هو ان الزعيم عبد الكريم قاسم ( توهم ) بـ ( ثورته ) انه قد خلص العراقيين من حكم جائر ، الا انه نسي انه اخطأ التقدير ، فكان ان طالب الشاعر بغداد ان تبكي ذلك ، وذكر الزعيم قاسم هو ايحاء بالفترة التي تلت العهد الملكي ، اي الجمهورية الاولى التي مر العراق بها.
وفي المقطع الثالث ، الحركة الثالثة ، يقول الشاعر البهرزي :
* ((ابك بغداد
قال الشيوعي وهوَ يعضّ هويّته
ويناكد ضحكة (صدام):
لست الذي منه تضحك
لو انّهم ما ارادوا …)).

حيث تكون المواجهة بين الشيوعيين وصدام حسين على الهوية ، وهو تاريخ عراقي معاصر ، وذكر الشيوعي وصدام في هذا المقطع الشعري هو ايحاء بالعهد الذي مر به العراق ، فترة السبعينات حتى سقوط بغداد بيد الغزاة عام 2003 .
ثم يرد لفظ المسيحي في المقطع الرابع كناية على مسيحي العراق الذين قتلوا وهجروا في هذا الوقت بعد غزو واحتلال العراق من قبل الامريكان، اذ تدخلت المسائل الدينية في الامر ، بعد ان سلم الغزاة العراق لفئة دينية معينة ، فراحت بعض العناوين وباسم هذه الجهة او تلك تقتل او تدفع الى التهجير سكان العراق الاصليين ، مما دفع الشاعر الى دعوة بغداد للبكاء :
* (( ابك بغداد
قال المسيحيّ
والخائفون شهود على دمه:
لو بدين الذئاب استجرت
اجاروا !)).
وفي المقطع الشعري الخامس يقول الشاعر :
* ((ابك بغداد

سوف تقول النعام , الهوام , زهور السياج , الدجاج , النعاج , الجريح , الذبيح , المغنّي , الاجير , الامير , السواقي , الحصونُ , الجنون ، الكتاب , الشراب , النبي , الغبي , السماء , الخراء , الحقول , الخيول , الحزين , الامين
القوافي
المنافي
يد الله …)).

هنا في هذا المقطع مفارقة يوردها الشاعر فيما تقوله الاشياء من انسان وحيوان وجماد ، ومن معان معنوية ومادية، اذ انها تقول ( يد الله …) في نهاية المقطع وتسكت ، فهل اراد الشاعر بـ ( يد الله ) الآية القرآنية ( يد الله فوق ايديهم ) ، ام انه اراد بها الاية الاخرى التي قال فيها اليهود ( يد الله مغلولة ) ، ام انه اراد بها الحديث النبوي الذي يذكر ان ( يد الله مع الجماعة)؟
الشاعر يسكت عن التصريح بذلك ، لان كل المعاني هي صحيحة.
فيد الله فوق ايديهم ، اي انها تكون مع هؤلاء الحيوات والجمادات والاشياء المادية والمعنوية التي ذكرها الشاعر ، حيث تقف معهم لتآزرهم ضد الاعداء الغزاة وما تركوا من اسباب الموت والدمار.
ويد الله مع الجماعة ، اي مع هؤلاء ، فهي معهم عندما يتحدوا ضد الاعداء الغزاة وما خلفوا من ادوات الموت .
او انها تعني انها يد مغلولة كما قال اليهود ، لانها لم تفعل اي شيء حيال هذا الموت والدمار اليومي المجاني ؟
ارى انها تعطي المعاني جميعها ، وتبقى للمتلقي حرية الاختيار، لان الشاعر ترك العبارة مفتوحة دون ان يوضح القصد منها ، وذلك بحذف ما تبقى من العبارة القرانية او الحديثية ،اما قصد الشاعر فمعني به فكر الشاعر نفسه.
وتتوالى مقاطع القصيدة وفيها يخاطب الشاعر بغداد ويدعوها للبكاء ، متحدثا عن اسباب هذا البكاء ، وهو عندما يذكر الاسباب ليس معنى ذلك ان يروي لنا تاريخا ، بل يقدم رؤية شاعر في هذا التاريخ الذي يدفع ببغداد الى البكاء على نفسها .

يأتي المقطع السادس حاملا الضربة الشعرية الموجعة في نهاية القصيدة :
* ((بغداد ابكي
كثيرا كثيرا
فلا هاديا غير هذا الحمار….)).
يغير الشاعر في مستهل هذا المقطع من الجملة الفعلية الى الجملة الاسميه ، حيث يخاطب بغداد لكي تبكي كثيرا كثيرا .
نتساءل لماذا يريدها ان تبكي كثير .؟
يأتي الجواب : لان لا هاديا لها سوى هذا الحمار الـ …. ويحذف الشاعر ما كان يقصد اضافته للحمار ، ان كانت صفة ، او فعل ، او غير ذلك ،ومعروف احوال الحمار.
وهكذا يقف الشاعر ابراهيم البهرزي داعيا بغداد الى بكاء حالها والندب عليها ، حيث غزاها الاعداء ودمرها، فلم يبق شيء فيها يدعو الى الفرح والسرور ، كما حدث للمدن الرافدينية قبل الاف السنين.

*عن مدونة الناقد داود سلمان الشويلي

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : سريالية القص في “مريم البلقاء” للقاص علي السباعي .

صور عفوية بتقنية قصصية وبأسلوب يخرج عن المألوف على طريقة السورياليين بهواجسهم في ما يتعلق …

| مهند النابلسي : جزيرة الكلاب” لـ”ويس أندرسون”: تحريك تجريبي مجازي آخاذ…(Isle of Dogs 2018).. فانتازيا تحريكية فريدة وطريفة تناقش مواضيع القمع والفساد والبيئة وتضافر مقاومة “الكلاب المضطهدة البائسة” الناطقة مع تعاطف المراهقين الشجعان! .

*استهلال: فيلم خيالي تحريكي حول الكلاب التائهة “المنبوذة” الناطقة في اليابان، يمثل انعكاسا واسقاطا مجازيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *