عيسى حسن الياسري : د. علي عباس علوان كان شيخا بقلب طفل (ملف/1)

أول لقاء لي معه.. كان يتجول فوق ورقة بخفة فراشة كان يتجول.. يخاف أن يكسر غصنا.. أن توجع أنامله زهرة حية تحاول أن تفتح نافذة برعمها، لتبتهج بالشمس والنسيم، هل كان هذا الذي يسير فوق قماشة تلك الورقة ظلا، هواء أثيريا.. شعاعا أفلت من رداء غيمة..؟ في صالة “المنصور ميليا” كان هناك عند زاوية مضاءة، لم أكن قد رأيته منذ أن غادرت حقل ورقته لكن صورته لم تشحب أبداً في ذاكرتي، عندما اقتربت منه، ترك سيجارته مرخاة على كتف المنفضة، نهض فاتحا ذراعيه كذراعي أب التقى ابناً غائبا، العام 1978،الشتاء يلملم آخر حقائبه، مرة اخرى ألتقيه، لم يكن لقاء عابرا هذه المرة.. المكان “دار الجماهير للصحافة” القسم الثقافي لمجلة “الف باء” حيث انضممت إلى فريق العمل فيه، وكما قابلته في حقول أوراقه.
وزاوية “المنصور ميليا” المضاءة.. استقبلتني ذراعاه الأبويتان، كنا شبابا، وكان شيخا في إهاب طفل.. في ليل بغداد البهي.. كان يصحبنا رحلتنا.. كنا نقطع شارع الرشيد.. مرورا بساحة التحرير.. نتناول معا خمرتنا الصوفية.. نفترش أرض حدائق “أبو نواس”.. برودة العشب الصيفي المبتل بالندى.. قمر ليل بغداد.. نسأمها الناعم.. ثرثرة أمواج دجلتها.. كل هؤلاء أصدقاء سهرتنا.
في بعض الأحايين.. نكون ثقلاء.. وبصبر الأب.. يربت على مشاكساتنا الثقيلة.. يشاركنا مرحنا.. لايريد أن يشعرنا أننا بعيدون عنه.. ومتى نبكي المجهول الذي ينتظرنا.. تمتد أصابعه المباركة لتقطف براعم دموعنا.
وتغيبني عنه “قلعة التسفيرات”.. نزلت بضيافتها شهرا.. كنت متهما بنشر “ديانة المحبة”.. عندما غادرتها امتد الشهر إلى سنوات من العزلة.
ظل يبحث عني.. ويقوده قلبه الأبوي إلي.. كان حضوره مطرا.. دموع فرحه بالعثور علي قنديلا.. ومرة أخرى تجمعنا “مجلة أسفار”.. لتضيئنا ابتسامته التي لاتنطفئ.
وتطبق العتمة على آخر ضوء شاحب يدلنا على الطريق.. ويتفرق سرب طيور المحبة.. وفوق تلال وطرقات “عمان” العصية على الأرتقاء.. وبدلا أن نكون عكازه.. صار عكازنا.
أيها الشيخ الذي يحمل ابتسامة طفل.. أبانا الذي نحب.. من سيجفف دموعنا في منافينا القطبية.. بعد أن غادرتنا لتقيم في أبديتك الأنيقة؟.

*عن موقع صوت العراق

شاهد أيضاً

د. صالح الرزوق: قراءة في (الديوان الرشيق) لقصي الشيخ عسكر (ملف/18)

إشارة: للشاعر والقاص والروائي والباحث المبدع الكبير د. قصي الشيخ عسكر بصمة مميزة في أغلب …

الشعر كلذّة وخلاص وخطاب جمالي
قراءة مُكثّفة في نص (بلا تاريخ) للشاعر محمد النصار
سعد جاسم (ملف/44)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

علوان السلمان: البذرة اعلنت عن ثمارها يا…… (ملف/43)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *