الرئيسية » كتب » كتاب جديد » كريم القاسم : إطلالة على موسوعة (جرائم الولايات المتحدة الامريكية) بقلم الدكتور حسين سرمك

كريم القاسم : إطلالة على موسوعة (جرائم الولايات المتحدة الامريكية) بقلم الدكتور حسين سرمك

 

بعيداً عن الغوص في مفردات موسوعة (جرائم الولايات المتحدة الامريكية) التي حَفَرَ اجزائها الاخ العزيز الدكتور (حسين سرمك) ، والتي اشرق جزئها الثالث حالياً ، وبعيداً عن نقد وتحليل فصولها فهي لم تكتمل بعد ، إنما هي إطلالة على عملٍ وجهدً لابد من كشف حيثياته ورصد عناصره .

حيث ان هذا العمل يأتي بمدٍّ هائل من الاحداث ، وفيضٍ زاخرٍ من الشخوص الذين تقترن مسمياتهم بمؤامرات أو جرائم حرب و أخلاق  ، وهي تلامس اليد الخفية للمخابرات الامريكية التي مازالت تربط وتمسك بأصابعها خيوط اللعبة في مسرح الجريمة العالمي .

امامنا كتاب يحمل صفة البحث التاريخي لحقبة مازالت تجاور افكارنا ، وتدور بخواطرنا . هذا الكتاب هو الجزء الثالث من ملف بحثي موسوعي ضمن موسوعة (جرائم الولايات المتحدة الامريكية) ولاندري كم هي الاجزاء التي تتراصف بذهن المؤلف . ويقيناً ان صدور مؤلَف من هكذا نوع ومن لَدُن قلم رصين ، لابد ان يحمل بين دفتيه عالَمٌ تحليلي مكتنز بالحقائق والادلة والشواهد التي تدحض التقولات ، وتفتّ عضد الباطل .

مثل هذه التأليفات تحتاج الى عنصر الجرأة المصاحبة للهمّةِ والاقدام ، لانه يغوص في بُنيَةِ بالغة السرية والتعقيد ومتشعبة المصادر والتي من العسير وضع اليد على منابعها الاصلية ، بل تحتاج الى ثبات خاطر وصبر وكَدّ  تجعل المؤلف امام مسؤولية اخلاقية ومسؤولية تاريخية كبيرة لايُحسَد عليها . فالعمل هنا ليس مجموعة ارهاصات تنذر الذات بعاصفة من الهواجس والخواطر والوجدانيات لكي تُطرَح على شكل قصيدةٍ او خطبةٍ او روايةٍ مُسليةٍ ، ولا بالمؤَلَف الذي تكون فصوله شاخصة في ذهن صاحبه كي يسقطها على القرطاس بما لذ َّ وطاب من العبارات ، انما هو بحث بالغ التعقيد يحتاج تقسيم العمل فيه الى عدة مراحل ، وكل مرحلة أخطر من أختها ، واكثرتشعبا وتفرّعا .

إن المسؤولية كبيرة في هكذا نوع من المؤلفات حيث ان معظم فصولها قد عَلِقَتْ احداثها في ذهن المتلقي والبعض قد يكون عايشها ، فهي ليست بالحدث المقروء جُزافاً انما تخضع كل عبارة فيه الى الفحص والنقد من لدن القاريء ، فهو وليد الحدث ، وهذا هو الفرق بين قاريء بعيد عن الحدث يقرأ التاريخ من باب التسلية والاستمتاع ، وبين قاريء قد عايشه او مازال يعيشه ويتنبأ باحداثه القادمة . من هنا نضع بصمة الاعجاب بهكذا تأليف وهكذا اصدار ذهني جسور . كما لايخفى على كل ذي لُب ، بأن صفة الجرأة والجسارة البحثية التي تصاحب هذا النوع من التأليفات تأتي من خلال سطوة قوة البرهان والدليل والمصدر، وإلا لكان العمل يكمن قي دائرة الخطورة لان بعض الشخوص مازالوا يمثلون حلقة الوصل بين الاحداث بل وبعضهم فاعلون . إذاً على الكاتب او المؤلف ان يتحمل تبعات كل حرف او سطر او تحليل يرصفه في كتاباته ، فالامانة التاريخية ثقيلة جداً ، فهي تؤطر الحدث برمته وكينونته شاء من شاء وأبى من أبى . وتعترضني في هذا الموضع ذكرى مع  الدكتور المرحوم (حسين أمين) استاذ التاريخ ، وبفعل القرابة التي تجمعنا ، كنت استغل الجلسات للغوص في اعماقه عن رؤيته الشخصية في البحث التاريخي بعد هذا العمر الطويل والخبرات المتراكمة ، فقال :

(ان من اخطر البحوث هو البحث التاريخي المرتبط بحلقات مازالت تعيش تسرح وتمرح ، لان الباحث المجتهد سيجد نفسه بين عالمين ، عالم مازال يمتلك داينمو الحركة وعالم يعيش في السكون ، وما عليه إلا ان يزن الاحداث بروية وصدق ، لانها تمثل صلة الوصل بين حَدَثٍ مضى وحدثٍ آت ، وكليهما في صراع ، ولأن من يمتلك الداينمو سيقرأها ، وهنا تكمن رصانة وخطورة هذا النوع من الابحاث) .

لذلك نحن اليوم في امس الحاجة الى قلمٍ من هذا النوع ،في الوقت الذي تهافتَ الكثير من الاقلام التي  باتتْ باهتة الرؤيا ومشوّهة العطاء في يومنا هذا ، واصبحتْ ندرة القلم الملتزم  كندرة اخلاق رجال السياسة العالمية وتجار الحروب . وبين ايدينا الكثير من المصادر التاريخية القديمة وحتى الحديثة ، قد أُلِـفَتْ وهي عرجاء ، تحمل بين طياتها بصمات التملق لصحب الصولجان ، او بصمة التَسوّل والاستجداء ، وهذا من دواعي العجز والاعياء والخنوع ، ولاينبغى للقلم الرصين ان يشين عهده ، أو أن يُشار اليه بالخنوع والريبة والزوغان والشك .  

وهكذا مؤلفات رصينه تحتاج الى دراية وعناية وأرشفة دقيقة حيث تُجمع كافة الادلة التي تقترن بالاحداث التاريخية المزمع الحديث عنها ثم تقويمها وتفَحّصها وتمحيصها لبيان صحتها وفرز من لايوائم الحقيقة حتى لو احتوى على ذرة من عدم المصداقية ، فهكذا موسوعة لاتتحمل الطعن والإرباك ، ومن ثم يَجهَزُ المؤلف بتأليف وربط هذه المعطيات بعضها ببعض للتوصل الى الاستنتاجات المقنعة ذات الادلة والبراهين الجَليَّة مرافقة للتحليل العلمي المنهجي مستخدما الحس المنطقي لإتمام كل حدث يبدو مشوش وغير متكامل . وكل هذا يلزمه السبك اللغوي المتين والسرد المتلاحق الذكي ، إذاً هو يحتاج الى لغةٍ حيّة نشيطة تناسب كل حدث ، وهذه (المَلَكَة) متوفرة لدى صاحب الموسوعة ، فمن خلال متابعتي لاصداراتهِ ونشراتهِ وجَدتُ (مَلَكَـتَهُ) تتمثل بقوة الطرح وجودة التحليل كونه مَيّال الى التحليلل النفسي إضافة الى لغتهِ العامرة بالمفردات المتينة ، والذي يعجبني في أسلوب البحث الذي ينهجه  الدكتور (حسين سرمك) هو عمق الرؤية ، وحُسن انتقاء الفكرة الغير مطروقة ، ثم يعرضها ويستعرضها باسلوب شَيّقٍ رشيقٍ راقصٍ يبعدُ عن القاريء السأم والمَلل ، فتصبح مُتجسِّرة مع ذات المتلقي ، وهذا لعمري من جمال النسج وجميل الاستطراد وصدق النية . وهذه مقومات مهمة في هذا النوع من التأليف ، لان البحث التاريخي هو الحيز الذي يتمترس فيه البعد الزماني والبعد المكاني وما يحتويانه من علاقات بين الشخوص وارتباط كل عنصر بالحدث ، لذلك نحن نهتم بقراءة التاريخ ممهما بَعُدَتْ الشقة او قَرُبَتْ ، فهو بوصلة الدلالة الى الحاضر لوضع الحلول والعلاجات اللازمة له .

أُهنّيء اخي العزيز الباحث والمحقق الدكتور (حسين سرمك) ، كما نشاركه الفرحة التي يسبقها الشكر ، لعرضه هكذا مشروع تاريخي تحليلي دسم يتّسم بالقوة والجرأة والامانة ، ويعتبر من المصادر المرجعية الرصينة التي تعنى بأزالة الخَبَث والزَيف والرَيّن عن وجه الحقيقة ، لتبدو ناصعة اكثر فصاحة وإشراق .

تمنياتنا لكم بالموفقية والظفر…

ولدار النشر (دار ضفاف) وافر التحايا ….

…………………………………………..

 

4 تعليقات

  1. د. باسم الياسري

    شكرا استاذ كريم على هذا العرض الوافي لكتاب مهم نعتز باصداره وشكرا على ثنائك للدار
    تقبل مودتي

  2. كريم القاسم

    د.باسم الياسري المحترم
    بالغ اعتزازنا بجانبكم …
    تمنياتنا لدار النشر (دار الضفاف) الموقر ، ان يكون رمزاً لنشر كل ما يصب في خدمة العقل المتنور والفكر الرصين من اجل خلق وكشف الابداع وجني ثماره مادام يمثل ضفاف نهر العلم والادب المتدفق .
    احترامي الكبير

  3. شكرا جزيلا أخي الناقد البارع الأستاذ كريم القاسم على هذه القراءة الرصينة وعلى كلماتك الجميلة التي تعبر عن روحك النبيلة.

  4. كريم القاسم

    اخي العزيز د. حسين …

    وافر امتناننا لك ولهذا الجهد المتواصل في البحث والتنقيب عن الابداع ،

    والتجديد في الملاحظة ألرصينة والتأليف الهادف .

    محبتي وتقديري .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *