حسين سرمك حسن : قارب الموت والظمأ العظيم تحليل طبي نفسي ونقد أدبي لقصص مجموعة “أوان الرحيل” للدكتور علي القاسمي (15) (فصل جديد)

حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة – أواخر 2014

(15)
غروب مُمِيت
تحليل قصّة “الرحيل”

“الرحيل يعني قليلاً من الموت”
“قول مأثور”

من سمات نصوص مجموعة القاسمي هذه هي أنّ لا صلة لطبيعة المكان ونوعيته بالموضوعة المركزيّة في هذه النصوص وهي الموت . فالكثير من الكتّاب يحاولون انتقاء أمكنة معيّنة وتأثيثها بصورة تجعلها مسرحاً مناسباً للواقعة التي توصل أو تتضمن حادثة الموت ، وفي الغالب يصمّمون المكان كـ “أرضيّة” متضادّة او متجانسة مع هذه الموضوعة الثقيلة المُخيفة والخانقة . لكن بالنسبة للقاسمي أيّ مكان – ومهما كانت طبيعته ونوعيته – يصلح ليكون مسرحاً للمثكل ، وكأنّه يبغي تثبيت سطوة الموت ؛ لا فرق بين صحراء أو بحر أو حديقة أو شقّة أو غرفة في مشفى .
وفي غرفة مُستشفى صغيرة تجري أحداث قصّة “الرحيل” ، ولاحظ أنّها القصّة الوحيدة التي تتضمّن مفردة لها صلة بعنوان المجموعة الرئيسي “أوان الرحيل” ، حيث اعتاد الكثير من القصّاصين على أن يختاروا عنوان أفضل قصص المجموعة – كما يتصوّرونها – لتكون عنواناً رئيسيّاً لها . طبعاً ، هناك قصّاصون يضعون عنواناً مستقلّاً لمجموعاتهم حين تكون هناك ثيمة مركزيّة تجمع جميع النصوص أو أغلبها . وهذا ما قام به القاسمي الذي اختار هذا العنوان الجامع : “أوان الرحيل” ليكون الخيط “الأسود” الذي يربط حلقات النصوص بقوّة ليحفظ وحدتها ويعزّز تماسكها ، أو الإطار الكلّي الذي يضمّها وكأنّه نعش دلاليّ كبير .
ولأوّل مرّة يفتتح القاسمي قصّة من قصصه بفقرة طويلة هي عبارة عن جملة كاملة بلا توقّفات ؛ أي بلا نقاط ، وصاحب الجملة “الطويلة” التي بلا فواصل في الأدب الحديث هو “مرسيا بروست” في “غرام سوان” . يقول القاسمي:
(عندما دخلتْ عليه وحدها ، تعوده في المستشفى ، خلال أسبوعه الأخير من صراعه الخاسر المرير مع الموت ، كان يطلّ بعينيه المُتعَبَتيْن ، عبر نافذة غرفته الكائنة في الطابق السابع ، ليشاهد بشيء من الأسى والغصّة ، البحر الممتدّ أمامه إلى ما لا نهاية ، وقد بدت أمواجه وهي تغادر الشاطىء بلا رجعة إثر سفينة راحلة نحو الأفق ، حيث تتبعثرُ اشلاء الشمس الغاربة الشاحبة اللون ، التي تقطّع أوصالها غيومٌ سود أخذت تغطّي صفحة السماء وتتحرّك مثل قطعان جاموس مذعور في اتجاه الغرب بفعل الريح الشرقيّة، لا يخترق سيطرتها على الفضاء إلّا سربٌ من الطيور المهاجرة . ) (ص 301) .
وهذه الفقرة / الجملة الطويلة ، تثبّت في نفس القارىء عمليّة الرحيل بحركيّتها المعروفة ابتعاداً ونأياً ؛ كانتقال في المكان بين نقطتين ، وهو ما يتضمّنه الجذر “رَحَلَ” ، وكأنّه غياب في طور التحقّق ، أو فناء مُعطّل . والقاص يضع أمام عيني الرجل المريض ، وهو يطل من نافذة غرفته “بروفة” لعمليّة الرحيل الأزليّة التي تضطلع بأدائها مكوّنات الطبيعة كل لحظة . لكّنها بالنسبة لهذه الطبيعة الصمّاء حركة “دائريّة” خالدة لا تنقطع ولا تنتهي . أمّا رحيلنا نحن البشر فهي نقلة باتجاه واحد لا رجعة منه . ورحيل الرجل تؤكّده حركات الرحيل الجزئيّة التي تجري أمام عينيه المُتعبتين ، فالأمواج تغادر الشاطىء بلا رجعة لتلحق بسفينة “راحلة” ، والغيوم تتحرّك مذعورة نحو الغرب ، وأسراب الطيور مهاجرة . أحياناً تتظافر الطبيعة مع الموت لترسم أمام عيني الإنسان المفجوع مصيره القاتم المحتّم لتتآمر مع المُثكل ويثبتا له أنّ لا فائدة من المقاومة أو الصراع الذي يخوضه . هذه لعبة لا مجال فيها للتعادل بين طرفي النزال ، والمُشكلة أنّ الطرف المهزوم فيها مُحدّد مُسبقاً مهما كانت الجهود التي يبذلها ؛ لعبة الحركة فيها دائماً من الشرق إلى الغرب ، ولهذا كرّر الكاتب مفردة “الغرب” ثلاث مرّات في هذه الفقرة الإفتتاحية ، حركة تبدأ من إطلالتنا الشرقية مع الشمس على الحياة لتنتهي في الغرب حيث تبتلعنا ظلمات العالم الأسفل مع أشلاء الشمس الغاربة الشاحبة . أعمارنا رحلة بمقدار يوم واحد ؛ بين شروقه وغروبه ، يكفي لتساقط أوراق شجرة حياتنا لتكنسها الريح الشرقية بلا رحمة نحو بوّابة الغروب :
(كانت الأشجار المُصفرّة تتساقط من الأغصان بكثرة لتغطّي حديقةَ المستشفى بدثار خريفي من ألوان شاحبة ، ثمّ سرعان ما تدفعها الريح بقسوة نحو البوّابة الغربية ، كأنّها تكنسها أو تطردها من الحديقة الرحبة إلى الدروب الخارجيّة الضيّقة) (ص 301) .
ويسري في نفسك شعور بأنّ عمليّة الطرد هذه الدائبة العزوم منذ فجر خليقتنا ، هي جذر أسطورة “الطرد” الأصلية من الفردوس ، وليس لنا من شغل سوى استعادتها بمثابرة لا توصف في نتاجاتنا الإبداعية ، لعلّ هذا التكرار يطفىء شيئاً من ألسنة الجحيم الذي تخلّفه في نفوسنا .
وقد “قبض” القاسمي نفوسنا ، ونفس الرجل ، حين رسم هذا المشهد ، فجعل حتى الألوان وكأنّها جزء من عمليّة “حداد” كونيّة شاملة تتحرّك بلا هوادة من الأزل إلى الأبد ، فالألوان سود وصفر غاربة شاحبة ، وكأنّ هذا الرجل يراقب موته ببطء وهدوء مرير ، ويعيد قراءة نبأ رحيله أو خبر نعيه ، كلّ لحظة ، مكتوباً على جسد الطبيعة التي تعرضه أمام عينيه بتشفٍّ لئيم .
ومع امتداد هذه الفقرة وطولها ، يمتدّ بنا هاجس الرحيل ويستولي على موجّهات انتباهتنا حتى لنكاد ننسى جملة “دخلتْ عليه” الافتتاحية ، ولا نتذكّرها إلّا مع عودة القاص إلى التذكير بحركة دخول المرأة من جديد عبر التفاتة الرجل إليها :
(التفتً ، رآها ، فسرى بريقٌ خاطفٌ في عينيه وشبحُ ابتسامةٍ على شفتيه ، ينمّان عن سرورٍ خفيٍّ مخنوقٍ بحضورها . جلستْ على حافّة سريره . أخذتْ يده اليمنى بكفّيها ، وأدنتها بلطفٍ من كنزتها الصوفيّة بالقرب من موضع القلب بين الضلوع ، وكأنّها تريدُ أن تهبه شيئاً من دفئها وشبابها ونبض فؤادها . أخذا ينظران إلى أحدهما الآخر بصمتٍ دون أن ينطقا بشيء) (ص 301) .
وبالتفاتته ، يكون الموت قد التفت إلى الحياة ، والحياة دخلت على الموت . يتقابلان في غرفة صغيرة مُخصّصة اصلاً لصراع الحياة ضد الموت . هذا الصراع الصامت عادة والذي يقرض حياتنا بهدوء . ولا يمثل دخول المرأة إلى الغرفة دخولاً للحياة لأنّها أنثى حسب ، بل لأن هذه المرأة المُحدّدة مليئة بالدفء والشباب والحيويّة . ولا أعلم مقدار دقّة استنتاج معلّم فيينا عن حقد الأحياء على الأموات والذين يحتضرون ، لكن من المؤكّد أنّ إحساس كفّ المريض الذابلة بنبض قلب المرأة وهي تضمّها إلى صدرها ، لا يشعره بروعة الحياة وعنفوانها حسب ، بل بقسوة الموت ، وباليأس من استعادة هذه النبضات الشابّة القويّة التي وهنت لديه وهي في طريقها للتلاشي ، وباستحالة أن يهبه أحد الأحياء شيئاً منها كما يعتقد الراوي . فصحيح أنّ المرأة كانت تريد أن تنقل شيئاً من دفء روحها وفوران شبابها إلى عروق الرجل اليابسة ، إلّا أنّ كليهما يدرك أنّ هذه تمنيّات يحلّق معها الرومانسيّون ثم تهوي لتتكسّر على صخرة الحقيقة القاسية . وهنا علينا أن نتحدّث عن حسد حقيقي يمور في نفوس الأموات ومن يحتضرون على الأحياء .. على عنفوان شبابهم ، ودفء أكفّهم ، ونبضات قلوبهم . قرأتُ مرّة حادثة عن “هايني” شاعر ألمانيا العظيم بعد أن أقعده المرض على كرسي متحرّك ، أنّه جلس في الشرفة ذات صباح ، يراقب كلباً . ثم انسحب إلى غرفته ناقماً ، لأنّه – كما يقول – حسد الكلب لأنّه يبصبص بذيله ! ومثلما يذكّر الحيُّ الميتَ باستحالة تأجيل عمليّة الرحيل القسريّة ، فإن الميّتَ – بالمقابل – يذكّر الحيَّ بأنّ الرحلة نفسها تنتظره حتماً ، وبأنه سيركب قطار الموت السريع قريباً رغماً عن أنفه . ومثل هذا الحوار البليغ الجارح للطرفين لا يمكن التجاسر على التعبير عنه باللغة .. ستعلن اللغة عجزها هنا وترفع رايتها البيضاء .. وستشتغل لغة أخرى .. هي لغة العيون ، ولهذا لخّص القاسمي هذه المحنة الحواريّة بحلقة مُفرغة أو مُقفلة ، لا فرق ، من تبادل النظرات بين الطرفين : الرجل والمرأة :
(أخذا ينظران إلى أحدهما الآخر بصمتٍ دون أن ينطقا بشيء)
ومن هنا ، بل منذ سطر الاستهلال الثاني الذي وصف فيه القاصُّ الرجلَ بأنّه (كان يطلّ بعينيه المُتعبتين …) تعمّد القاسمي أن يعطّل لغة الحوار الشفاهيّة ، ويستعيض عنها بلغة الحوار العينيّة (نسبة إلى العين) اللاشفاهية ، ففي حضرة الموت وعلى طريقة عبد الوهاب البياتي يحصل (نزف في ذاكرة المحكوم بالإعدام) لا أحد يستطيع إيقافه من ناحية ، ولا يستطيع أي مخزون لغوي ملاحقته والتعبير عنه من ناحية أخرى . ولهذا جعل القاسمي عيني المرأة وعيني الرجل تقوم بلعبة الاتصال والتوصيل . كانت المرأة تسأل الرجل ، والرجل يسأل المرأة ، ويردّ أحدهما على الآخر في حوار عميق مستمرّ ومؤلم .. ولكنه صامت فقد تكفّلت به العيون . جعل القاصُّ الرجلَ ” يقرأ ” بعينيه المُتعبتين بلاغة مشهد الرحيل الطبيعي الكوني الذي أطلّ عليه . وحين التفت الرجل إلى المرأة ، لم يستطع إعلان فرحه المُحيى بقدومها ، ليس لأنّه مُتعب ، ولكن لأن لا مفردة أو جملة قادرة على أن تلخّص سرور الميّت حين تدخل عليه الحياة ، فرسمها القاص كـ “بريقٍ خاطفٍ في عينيه” و “شبح ابتسامة على شفتيه” ، وكأنّ الشفتين الواهنتين أيضاً بذلا ما في وسعهما لتجسيد البريق الخاطف .
يمكن للعينين أن تحلّا محل اللغة الشفاهية بكفاءة خصوصاً حين يتأسّس التواصل على اساس قاعدة من الارتباط النفسي العاطفي المتين ، يمكنهما أن تسألا وتجيبا ، أن تشكّكا وتتأكّدا ، أن تتتفّحصا وتشخصا علل القلوب الحبيبة . ولهذا يمكن اعتبار العمى أقسى إعاقة تصيب الإنسان على الإطلاق .. أكثر قسوة وتعطيلاً من الشلل والصمم والبكم . ويبدو أنّ القاسمي قد اختار المضيّ مع لغة العين وإيحاءاتها لأنّ الطرفين قد بلغا من اختزان مرارات الحقائق ماعاد مستحيلاً الإفصاح عنه بالحديث المباشر دون انجراحات مُهلكة لا يستطيع أيٌّ منهما تحمّلها ؛ الرجل المريض بسبب خسارته لصراعه المرير مع الموت ، والمرأة بفعل شعورها العميق والثابت بأنّ كشفها لما تبغيه للرجل بصورة مباشرة قد يقضي عليه ، خصوصاً أنّها الآن قد قطعت الخطوة الأولى الضروريّة في التأكّد من أنّ المرض قد حطّم جسده وروحه حين تشكّكت وشخّصت حالته الصحّية عبر النظر إلى عينيه :
(تأمّلتْ عينيه المُتعبتين ، فبدتْ لها أهدابها مثل وريقات زهرتي عبّاد شمسٍ ذابلتين ، وفي أغوارهما يخبو الضياء الذي عهِدَتْهُ ) (ص 301) .
وهذه “الوريقات” – وقد صغّرها القاص ليتناسب المشبّه مع المشبّه به – لن تكون عصيّة على أن تكنسها الرياح الشرقيّة نحو بوّابة الرحيل النهائي الغربيّة ، حالها حال أوراق أشجار الحديقة المُصفرّة التي كانت تكنسها الريح في الحديقة أمام “عينيه” . تأكّدت عينا المرأة الآن من أنّ الرجل المُسجّى أمامها قد هدّه المرض تماماً . من جانب الرجل ، جاست عيناه خلال عيني المرأة الحبيبة .. و .. :
(أطال النظر في عينيها ، فحيّرته المعاني . غابت منهما تلك الرقّة وذلك الحنان ، وحلّ محلهما تصميمٌ وعزمٌ على شيءٍ لم يُدرِك كُنهه) (ص 301) .
و”انظر” سيّدي القارىء إلى الفارق الشاسع بين غيابين : غياب بريق الحياة الذي “عهدته” المرأة في عيني الرجل ، وغياب الرقّة التي “عهدها” الرجل في عيني المرأة . وبسبب اختلاف العاطفتين جذريّاً استخدم القاسمي فعلين مختلفين : “تأمّل” للمرأة بما يعنيه من استغراق ذهني وتفكّر عميق فهي تنظر في “عيني” الموت إذا ساغ الوصف ، و “أطال” للرجل الذي كان “يفتّش” وينظر في “عيني” الحياة بحثاً عن عواطفها المراوغة المتشابكة .
ويبدو أنّ الأداة اللغويّة “العينيّة” تختلف عن اللغة اللسانية في أنّها أداة تشتغل على الأعماق ، لا شغل لها بـ “السطوح” النفسيّة ، تحاول سبر المكنون فوراً وبلا مقدّمات ، وتبغي دائماً التقاط العواطف والمشاعر ، وليس شرطاً معرفة “موضوعاتها . فالمرأة “عرفت” فوراً أنّ الرجل ليس بخير أبداً ، لأنّ بريق الحياة والإصرار على البقاء يظهر في العيون أوّلاً . كم هي الحالات التي يقول لنا فيها شخص حبيب أنّه بخير ، ونشعر فوراً حين ننظر في عينيه أنّه ليس بخير . والرجل أيضاً “عرف” عاطفة التصميم والعزم وليس شرطاً أن يعرف موضوعها .
يأتي الآن السؤال عن الحال والأحوال مُتأخّراً كما يبدو في الظاهر ، فقد كان – كما هو مقرّر اجتماعيّاً – أن يكون في البداية . لكن هذا من امتيازات الأداة العينيّة اللغويّة ، فهي قد سألتْ وأجابتْ و”عرفتْ” . ومع ذلك فقد سألها بـ “عينيه” :
(استفسر بعينيه عن حالها . لم تُجِبْ . هربتْ منها الكلمات ، تعثّرتْ العبارات ولم تبلغ شفتيها . حوّلت عينيها بعيداً عنه ، ولكنّها لم تستطع أن تمنع الدموع من الصعود والتجمّع في عينيها الواسعتين دون أن تنهمر عبراتٍ ، مثل نقاط الغيث المُتجمّعة على زجاج نافذةٍ بعد ليلةٍ مُمطرة) ( ص 301 و302) .
يُدخِل القاص هنا متغيّرات مُضافة تُثري التعبير اللغوي العيني اللاشفاهي طبعاً ، متغيّرات لا تتمتّع بها اللغة الشفاهية ، وأوّلها “الحركة” ، فإشاحة المرأة عينيها بعيداً عن الرجل تُغني عن الكثير من الكلام ، مثلما تُثري حركات إغماض العينين أو اتساعهما أو رمشهما ورفيفهما التعبيرات اللغويّة حتى الشفاهيّة منها ، وثانيها “الدموع” التي كانت دلالتها مُتضادة في الحقيقة ، فقد يؤوّلها “مخزوننا الدلالي” المسبّق والإتفاقي على أنّه تعبيرٌ عن الألم والتفجّع والتمزّق والحيرة ، ولكن “إنسراب” تشبيه “لاشعوري” قلب هذا التأويل التقليدي : “مثل نقاط الغيث المُتجمّعة على زجاج نافذةٍ بعد ليلةٍ مُمطرة” ، فهي تشي بإضمار وتضبيب المشاعر الحقيقية وتمويهها . يذكّرني هذا الموقف بمقولة للمبدع الكبير “محمود درويش” يعرّف بها الترجمة بالقول أنّها “قبلة من وراء الزجاج” . هنا تلوّح عواطف المرأة لعيني الرجل من وراء زجاج الدموع . وقد ضاعفت هذه الغلالة الشفيفة المُخاتلة من حيرة الرجل التي أثارتها ، قبل قليل ، “حيرة المعاني” المُكتظّة في عيني المرأة . صار عليه الآن أن يبحث عن “الجواب” على تساؤلاته التي تراكبت في موضع آخر ، ولكن – وبإصرار واعٍ من القاص – باستخدام عينيه أيضاً ، لالتقاط الجواب بعد استراحة رغائبية عند القوام الأنثوي الأهيف الذي حُرِم منه لإشباع روح ملهوفة قتلها العطش ، الغريزة تبحث عن إشباعها حتى عندما تكون رجلاها متدليتان في القبر كما تقول الحكمة الشعبيّة الباهرة :
(تحوّلتْ نظراته من عينيها إلى وجهها المليح وقوامها الأهيف وهندامها الأنيق ، فلمح إلى جانب حقيبتها الجلديّة ملفاً ورقيّاً . وبعد تردّد لم يطُلْ ، أشار بعينيه إلى الملف ، فناولتْهُ إيّاه . أخذه بيدين مرتعشتين ، تصفّحه بصعوبة . بدا عليه أنّه أدرك محتواه . ألقاه إلى جانبه على السرير.) (ص 302) .
وحتى الآن ، وما بعد “الآن” بقليل يستمر الحوار عن طريق العيون ، سؤالٌ وجواب ، طلبٌ واستجابة ، رجاءٌ ورفض ، التماسٌ وعناد ، إلى أنْ وصل غيظُ النفسِ المكظومة الزُبى ، ولم يعدْ بريق العيون المُنذر ولا تحديقاتها الآمرة كافية للتعبير عمّا يريده القلب ، فانفلتت ، ولأوّل مرّة ، الكلمات . ويبدو أنّ الإنسان قد اخترع اللغة في موقف حاسم كانت له علاقة مصيريّة بالموت ، وحين وصل احتدامه حدّاً عجزت معه كل الأدوات والوسائل اللاشفويّة عن التعبير عنه :
(نظر إليها . كانت مُطرقة . انتظر برهةً . رفعت رأسها . التقت نظراتهما . هزّ رأسه أنْ لا تفعلي . ولكّنه استشفّ في عينيها عناداً وتصميماً . أطرق برهة كأنّه يفكّر في حجّةٍ لإقناعها ، ثمّ نظر إليها وقال بلهجةٍ آمرة تشوبها نبرةُ رجاء وكأنّه يلفظ وصيّته الأخيرة :
– لا ترحلي .. إبقِ أنتِ .. لا تغادري البلاد) (ص 302)
هل هذا التوقيت ، هو التوقيت الملائم الذي تقوم به امرأة بإبلاغ رجلٍ محطّم يوشك على الموت بعد أن خسر صراعه المرير مع الموت ، وتحبّه ، مهما كان نوع هذا الحبّ ، بنبأ رحيلها ؟
لقد شاهدت بأمّ عينيها – عُدْنا إلى العيون ! – ذبوله ، وارتعاشه ، وخبوّ ضياء عينيه . كان قريباً من الموت ، ومع ذلك لم تتردّد في أن تأتي لزيارته ، وهي تحمل معها ملف رحيلها عن البلاد ، ملفٌ كان مكشوفاً بجانب حقيبتها أمام عينيه . هل كان بإمكانها الإفصاح عن مشاعرها “المميتة” ، وهي تعلم أنّها قد تودي بحياة الرجل الذي تحبّه ؟ . هل تنبري العيون للتدخّل حين تسحقنا الأحاسيس بالذنب التي “تكشفها” الكلمات ؟ وهل تسعفنا العيون أيضاً في تمرير التسويات السلوكيّة المُنطوية على العدوان بأقلّ الخسائر ؟ وهل ستنبثق المعاني الدفينة بعد طول قمع مع تفجّر الدموع المُحتبسة ؟ :
(جاهدتْ لتتكلّم ، ولكن الدموع المُتجمّعة في المآقي خنقت الكلمات . بذلت مجهوداً كبيراً لتُخفي الدموع عنه ، ولكنّها لم تتمكّن ، فانفلتتْ خارجةً من الغرفة ، قبل أنْ تنهمرَ الدموع على خدّيها الأسيلين) (ص 302) .
ويبدو أن وصف ملاسة الخدّين ونعومتهما – الأسيلين – يعود إلى الكاتب في هذا الموقف المحتدم المزحوم بالعواطف الآسية الهائجة ، كنوعٍ من السلوك الإستراقي الذي يتيح للمؤلّف حدّاً أدنى من مكافأة الجهود بدافع ذاتي مشروع .
وتصل ذروة القصّة الآن ، ليس لأنّ المرأة الراحلة لم تستطع إخفاء دموعها وخيبة قلبها الجريح حسب ، بل للموقف الذي ارتفع به القاص شيئاً فشيئاً ليصل ذروة لقاء “مَوْتَيْن” إذا جاز الوصف : موت الرجل الذي ستسقط ورقة عمره الأخيرة برحيل المرأة القاسي لتكنسها الريح الشرقيّة نحو بوّابة الغروب ، وموت المرأة برحيلها تاركة بلادها حيث قرّر البشر في أقوالهم المأثورة منذ أقدم الأزمنة أنّ “الرحيل يعني قليلاً من الموت” .

شاهد أيضاً

صدور كتاب (درر ولطائف من القرآن الكريم) للباحث والناقد محمد رمضان الجبور

عن دار الأبرار للنشر والتوزيع صدر كتاب ( درر ولطائف من القرآن الكريم ) للباحث …

#كل_يوم_كتاب ظلام تحت الضوء ، عدنان الأسمر
مهند طلال الاخرس

كتاب من القطع الكبير يقع على متن ٣٨٢ صفحة وهو من اصدارت المؤلف نفسه عام …

(قد كان ما كان في النقاش والرأي) كتاب جديد للناقد الأستاذ شكيب كاظم

عن دار ( أمل الجديدة) في دمشق صدر للكاتب والناقد شكيب كاظم كتاب بعنوان (قد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *